الخطبة : 0554 - الدعاء2 - الدعاء دين الأنبياء والصالحين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0554 - الدعاء2 - الدعاء دين الأنبياء والصالحين .


1996-01-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تلخيص لما سبق :

 أيها الأخوة الكرام: وعدتكم في الأسبوع الماضي أن أتابع موضوع الدعاء، وكنت قد تحدثت من الدعاء عن أن الله سبحانه وتعالى أمر به، وأمر الله عز وجل يقتضي الوجوب، وعلة أي أمرٍ أنه أمر من الله عز وجل، وبينت لكم أيضاً أن الله سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب، وأن الذي يدعو ربه حقيقة هو إنسان مخلص، مؤمن بوجوده، ومؤمن بأنه يسمع دعاءه، وأنه يحبه ويرحمه، وأنه على كل شيء قدير.
 وبينت لكم أيضاً أن الذي يتمنى أن تزول نعمة عن أخيه لتنقلب إليه وقع في الحسد، أما الذي دعا ربه أن يكون له مثل ما لأخيه، فهذه غبطة أثنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام. وبينت لكم أيضاً أن الدعاء مفتاح باب الله عز وجل. وبينت لكم أيضاً أن الدعاء سلاح بتار، من أقوى الأسلحة التي سمح الله للمؤمن أن يستخدمها. هذا موضوع الخطبة السابقة ووعدتكم أن أتابع الموضوع هذا الأسبوع.

 

حقيقة الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام: الدعاء في حقيقته توحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. حينما تَدَعُو زيداً وعبيداً، وفلاناً وعلاناً، وحينما تقطع أملك من أهل الأرض وتتجه إلى خالقك، داعياً، مستغفراً، منيباً، تائباً، ملحاً، متضرعاً، فهذا هو عين التوحيد، والدعاء في حقيقته توحيد، بل هو تجريد التوحيد.
أيها الأخوة الكرام: والدعاء في حقيقته إعلان لعبوديتك لله عز وجل، فالرب رب، والعبد عبد، العبد من شأنه أن يدعو ربه، والرب من شأنه أن يستجيب لعبده. الله سبحانه وتعالى هو وحده رب العالمين، وما سواه عبيد له، ومن شأن العباد أن يتوجهوا إلى الله بالدعاء، ومن شأن الإله العظيم، الرب الكريم أن يستجيب لهم، أن يرحمهم، قال تعالى:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾

[ سورة غافر: 60 ]

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾

[سرة الإخلاص: 1-2]

 الدعاء في حقيقته توحيد
وقد قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى:" الله الصمد" أي أن المخلوقات كلها تقصد الله عز وجل في حاجاتها، فالله سبحانه وتعالى يحتاجه كل شيء في كل شيء.
 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

[سورة فاطر: 15]

 نحن جميعاً مفتقرون إلى الله حقيقة لا تأدباً. الإنسان وهو في أوج قدرته، وهو في أوج غناه، الإنسان المؤمن يرى افتقاره إلى الله، وأن هذا الذي هو به من فضل الله، لكن الغافل متى يشعر بالعبودية؟ ومتى يحس بالافتقار؟.. حينما تعتل صحته، وحينما يقل الذي بين يديه..المؤمن وهو في أعلى درجات النجاح مفتقر إلى الله عز وجل. ألم يدخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة، مكة التي أخرجته، ونكَّلت بأصحابه، وناصبته العداء عشرين عاماً، دخل مكة فاتحاً وهو مطأطئ رأسه، وكادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله وافتقاراً وشكراً. شأن المؤمن مفتقر في السراء والضراء، محب، راض، مقبل في السراء والضراء، لكن غير المؤمن إذا أصابته الضراء تذكر ربه.

 

بطولة المؤمن نابعة من أنه يذكر الله في الرّخاء و الشّدة :

 أيها الأخوة الكرام: المؤمن ينبغي أن يذكر الله في الرخاء حتى يذكره في الشدة.
 آية أخرى في هذا الموضوع، يقول الله عزوجل:

﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾

[سورة الرحمن: 29]

 الناس تنسى الله في الرخاء وتتذكره في الشدة
قال بعض العلماء: تسأله الخلائق أحياناً بلسان قالها، وأحياناً بلسان حالها، وأحياناً بحاجتها، وأحياناً باستعدادها لتلقي فضل الله عزوجل. كل مخلوق مفتقر إلى الله عز وجل، فإما أن يسأله بلسانه، وإما أن يسأله بلسان حاله، وإما أن يسأله بحاجته، وإما أن يسأله باستعداده وهذا كله سؤال.

﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ﴾

[سورة الرحمن: 29]

 الله جل جلاله شأنه مع المحسن الإكرام، ومع المسيء التأديب، ومع التائب القبول، ومع المستغفر المغفرة، شأن الله مع عباده حكمة ما بعدها حكمة، وعدل ما بعده عدل.
 أيها الأخوة: روى الإمام الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله ))

[الترمذي والبزار في مسنده وابن حبان عن أنس بن مالك ]

 وعن عائشة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( سلوا الله كل شيء حتى الشسع، فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر))

[أبو يعلى عن عائشة]

 اللهم إني أعوذ بك مما أهتم له، ومما لا أهتم له، شيء صغير صغير قد يعطل آلة كبيرة، وسبب تافه تافه قد يودي بحياة عدة أشخاص، وسنة من النوم لثانية واحدة قد تسبب حادثاً مروعاً، إني أعوذ بك مما أهتم له، ومما لا أهتم له، كن مفتقراً دائماً إلى الله عز وجل، الإمام علي كرم الله وجهه يقول:" والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً ".
 عامة الناس في الرخاء ينسون ربهم، لكنهم في الشدة يتذكرون، وهذا شأن الإنسان الغافل، لكن بطولة المؤمن تنبع من أنه وهو في رخائه، وهو في صحته، وهو في غناه، لا ينسى الله عز وجل، يذكره في الرخاء ويذكره في الشدة.
 أيها الأخوة الكرام: روى البزار عن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، أو حوائجه كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع، وحتى يسأله ملح طعامه ))

[البزار عن أنس]

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 لكن إياكم أيها الأخوة الكرام أن تتوهموا أن الدعاء وحده ينفع من دون أن تأخذ بالأسباب، الله جل جلاله أراد ذلك، أراد أن تدعوه، وأراد أن تأخذ بالأسباب، فقال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[سورة الملك: 15]

 لابد من الأخذ بالأسباب
فامشوا في مناكبها: تحركوا، اسعوا. لذلك قال علماء التوحيد: من لم يأخذ بالأسباب فقد عصى، ومن أخذ بها وتوكل عليها فقد أشرك، والصواب أن تأخذ بها، وأن تتوكل على الله، وأن تدعوه. لذلك ورد في الحديث الصحيح:

(( إن الله يلوم على العجز..))

[أحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 العجز: التواكل، عدم الأخذ بالأسباب، عدم التحرك، الخضوع للمشكلة، الاستسلام لها، أن تقول: هذا قدري، وهذا مصيري، هذا الذي يفعل هذا خالف سنة الأنبياء، وسنة سيد الأنبياء:

(( إن الله يلوم على العجز، ولكن عليكم بالكيس.. ))

[أحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 عليكم بالسعي، بالأخذ بالأسباب، اسأل، تحرك، فكر، دبر، اكتب، اعترض، تظلم، تحرك..

((.. ولكن عليكم بالكيس فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل ))

[أحمد عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ]

 متى ينبغي أن تقول: حسبي الله ونعم الوكيل؟ حينما تستنفذ الأخذ بالأسباب، والله سبحانه وتعالى أراد ذلك، عندئذ أنت راض بقضاء الله، مستسلم لحكمته.

 

من سأل الله بإلحاح و إخلاص استجاب له :

 أيها الأخوة الكرام: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 وصية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.. ))

[الترمذي عن ابن عباس]

 الله وعدك أن يستجيب لك
ولا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، وقد ورد في الأثر القدسي فيما يرويه النبي عن ربه جل جلاله أن الله سبحانه وتعالى يقول:

((من ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ وسألني فلم أعطه؟ واستغفرني فلم أغفر له؟ وأنا أرحم الراحمين ))

[المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة]

 من؟ من الذي سألني بإلحاج وإخلاص فلم أجبه؟ من الذي استغفرني فلم أغفر له؟ من الذي تاب إلي فلم أتب عليه وأنا أرحم الراحمين؟ وفي الصحيحين:

((عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ ))

 هذه رواية البخاري، رواية مسلم:

((إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيُعطى؟ هل من داع فيُستجاب له؟ هل من مستغفر فيُغفر له؟ حتى ينفجر الفجر))

[ مسلم عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ]

 الله سبحانه وتعالى وعدك أن يستجيب لك، وأن يغفر لك، وأن يتوب عليك، وأن يعطيك، بشرط أن تنزل حاجتك ببابه، وهذا قبل صلاة الفجر. وفي رواية ثالثة لهذا الحديث:

(( هل من تائب فأتوب عليه؟ من الذي يسترزقني فأرزقه؟ حتى ينفجر الفجر..))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الكرام: ورد في الأثر القدسي:

((أن يا عبدي لي عليك فريضة، ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي.
أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]

الدعاء سبب لدفع البلاء :

 أيها الأخوة الكرام: الشطر الثاني من الخطبة - دققوا هذا أخطر ما في الدعاء - الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، روى الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ ))

[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

 بالمقابل: لا ينفع حذر من قدر ، مهما أخذت الاحتياطات، مهما سددت الثغرات، مهما افترضت الاحتمالات، مهما غطيت المشكلات، لا ينفع حذر من قدر، ولكن ينفع الدعاء مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء.
 لذلك قال بعض العلماء: الدعاء ينفع بالأمور النازلة، والمكاره والشدائد فيرفعها، والدعاء ينفع في الأمور التي سوف تنزل والشدائد فيدفعها، فما قولكم؟ شيء لم ينزل بعد، إن دعوت الله، واصطلحت معه، وعدت إلى منهجه...إذا رجع العبد العاصي مع الله، نادى مناد في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، نحن على أبواب رمضان، شهر المغفرة والإحسان، شهر التقوى والقرب، شهر القربات، شهر قيام الليل، شهر تلاوة القرآن، شهر إنفاق الأموال، شهر العتق من النار.

(( لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))

[ابن حبان عن ثوبان]

 إذا قلّ ماء الحياء قلّ ماء السماء، وإذا رخص لحم النساء غلى لحم الضأن، وإذا اتسعت الصحون ضاقت الصحون.
 أيها الأخوة الكرام: لا يدفع البلاء إلا الدعاء.

 

تقييم العمر بحجم الأعمال الصالحة فيه :

 وسلمان الفارسي رضي الله عنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:

(( لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ ))

[الترمذي عن سلمان الفارسي]

 وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ))

[الحاكم عن عائشة]

 وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((إن الدعاء يرد القضاء، وإن البر يزيد في العمر ))

 لأن العمر يقيّم بحجم الأعمال الصالحة، التي عملتها في الدنيا، فكلما ازدادت أعمالك الصالحة ازدادت قيمة عمرك، لأن العمر الزمني لا قيمة له إطلاقاً. أئمة عظام، وعلماء أجلاء، ومجددون لهذا الدين عاشوا أقل من خمسين عاماً، وقد ملؤوا الأرض علماً، وهناك من يعيش فوق المئة ولا يقيم له يوم القيامة وزناً، فالعمر يعظم بحجم الأعمال الصالحة فيه، ألم يقسم الله عز وجل بعمر النبي، قال:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[سورة الحجر: 72]

 في ثلاثة وستين عاماً عمّ الهدى أنحاء الأرض، وعمّ الرخاء وانتشرت الفضيلة.

 

أسباب الرزق :

1 ـ الاستغفار :

 الاستغفار أحد أسباب الرزق
أيها الأخوة الكرام:

(( لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))

[ابن حبان عن ثوبان]

 وما دمنا قد وصلنا إلى الرزق ففي القرآن الكريم، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام توجيهات من الله عز وجل، في الوحيين المتلو وغير المتلو، قال تعالى:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[سورة نوح: 10-12]

 هذه وصايا، وصفات لمن يشكو قلة ذات اليد، لمن يشكو ضيق ذات يده، لمن يشكو فاقة نزلت به.

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[سورة نوح: 10-12]

 فالاستغفار أحد أسباب الرزق.

 

2 ـ الاستقامة :

 والاستقامة:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن: 16-17 ]

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[سورة الأعراف: 96]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة: 66 ]

 ويقاس على هذه الآية ولو أنهم أقاموا القرآن الكريم في بيوتهم، في أعمالهم، في لقاءاتهم، في تعاملهم، في تحركهم، في سفرهم، في إقامتهم، في كسب رزقهم.

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾

[ سورة المائدة: 66 ]

 العامل الأول الاستغفار، والثاني الاستقامة.

3 ـ الأمانة :

 الثالث قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأمانة غنى ))

[الجامع الصغير عن أنس]

 الأمين مرزوق..

4 ـ صلة الرحم :

 وصلة الرحم تزيد في الرزق، هذا الذي يتعهد أقرباءه بالزيارة، وبالبر، وبدفع الأموال، وتقديم الهدايا، وهذا الذي يتعهد أقرباءه بالدعوة إلى الله، يأخذ بيدهم إلى الله، فهذا مما يزيد في رزقه.

5 ـ الصلاة :

 ثم إن الصلاة قال تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه: 132]

 استنبط بعض العلماء أن إقامة الصلاة في البيت، وفي المسجد، والتعبد الصحيح أحد أسباب زيادة الرزق.

6 ـ الصدقة :

 ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( استمطروا الرزق بالصدقة ))

[الجامع الصغير عن جبير بن مطعم]

 الصدقة أحد أسباب وفرة الرزق.

7 ـ الإتقان في العمل :

 والإتقان في العمل:

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))

[الجامع الصغير عن عائشة]

8 ـ صفاء النّية :

 ثم هناك صفاء النية، ماذا قال أصحاب الجنة؟

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

[سورة القلم: 17-20]

 استغفر، واستقم، وكن أميناً، وصل رحمك، وأدّ الصلوات بإتقان، وتصدق، وأتقن عملك، وانوِ النية الطيبة، فهذه أسباب وفرة الرزق لأن العبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه.

الدعاء من جملة الأسباب التي ينبغي أن نأخذ بها :

 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر قد يرد: كيف الدعاء يكون سبباً في النفع أو الدفع أو الرفع؟ الدعاء من جملة الأسباب التي ينبغي أن تأخذ بها، الله جل جلاله حينما خلق الخلق قدر أسباباً ومسببات:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾

[سورة الكهف: 83-85]

 شاءت حكمة الله أن يكون نظام الكون على طريقة أن هناك أسباباً ومسببات، فالدعاء من الأسباب، وفي بعض الحالات يكون هو السبب الوحيد، أحياناً تُغلق الأبواب جميعها إلا الدعاء، أحياناً لا يجد الإنسان إلا الدعاء، والله سبحانه وتعالى يلجئنا إلى الدعاء لنعبده، ولنقف على باب فضله، وليمنحنا من فضله بعد الدعاء لنعرف أنه سميع، مجيب، رحيم، ودود، على كل شيء قدير.
 ما من محنة تصيب المؤمن إلا وراءها منحة من الله، وما من شِدة تنزل به إلا وراءها شَدة من الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: من أنكر الدعاء في جلب المنافع، وفي دفع الشرور، يلزمه إنكار الأسباب والمسببات، وهذا باطل شرعاً وعقلاً، الدعاء من الأسباب وهو من أجلّ الأسباب، ولاسيما إذا اقترن بالأخذ بالأسباب، أكمل شيء في المؤمن أن يأخذ بالأسباب وأن يدعو مسبب الأسباب.
 الأسباب والمسببات من القدر، وبالقدر يُدفع القدر، ويفرُّ من القدر بالقدر، وإليكم تفصيل ذلك: لما بلغ عمر بن الخطاب وهو في مسيره إلى الشام أن في الشام طاعوناً عزم على الرجوع بعد التشاور مع أصحابه، فقال أحد أصحابه: يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله؟ قال عمر لو قاله غيرك، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل فهبطت وادياً له شعبتان، إحداهما مخصبة، والثانية جدباء، أليس إن رعيت الإبل في الأرض المخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الإبل في الأرض المجدبة رعيتها بقدر الله، فنحن نفر من قدر الله إلى قدر الله ".رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه - هذا الأخذ بالأسباب، لكن الذي يُعد من دلائل نبوة النبي أنه تابع قوله فقال - وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه))

[ ضعفاء العقيلي عن عبد الرحمن بن عوف]

 قبل بضع سنوات، أو قبل عقد من الزمن اكتشف أن هناك مريضاً، وأن هناك حاملاً للمرض، لا تبدو عليه أعراضه أبداً، هذا من دلائل نبوة النبي:

((إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه))

[ ضعفاء العقيلي عن عبد الرحمن بن عوف]

 هذا من دلائل نبوة النبي، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

الدعاء مخ العبادة :

 الدعاء مخ العبادة
أيها الأخوة الكرام: الدعاء هو العبادة، والدعاء هو مخ العبادة، والدعاء هو الذي يجعلك قريباً من الله، هو الذي يجعلك تتعامل مع الله سائلاً مستقراً، منيباً راجياً، هذا الذي يجعلك تقترب منه هو الدعاء، وأسعد الناس من دعا الله وهو في رخاء، لكن الذي يقع في شدة يدعو الله شاء أم أبى، ويستوي في هذا المؤمن وغير المؤمن، حتى المتفلت، حتى الفاسق، حتى الفاجر، حتى العاصي، إذا وقع في أزمة خطيرة يقول: يا الله يا الله، لكن المؤمن وهو في الرخاء يدعو الله لعلمه بأنه مفتقر إليه.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدعاء دين الأنبياء والصالحين :

 أيها الأخوة الكرام: الأنبياء قمم البشر، صفوة الله من خلقه:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 33 ]

 هؤلاء الأنبياء الذين تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، هؤلاء المتصلون، هؤلاء الذين أشرقت في نفوسهم أنوار الحق، هؤلاء كان الدعاء دينهم وإليكم الأدلة: سيدنا نوح:

﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

[سورة القمر: 10-15]

 إني مغلوب فانتصر لدينك.
 مرة ثانية:

﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ﴾

[سورة الصافات: 75]

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً﴾

[سورة نوح: 28]

 إبراهيم عليه السلام من أولي العزم:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 127-128]

 أليس هذا دعاء؟..

﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 129]

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنا دعوة إبراهيم ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن العرباض]

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾

[سورة إبراهيم: 35]

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾

[سورة إبراهيم: 41]

 سيدنا موسى:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[سورة القصص: 24]

 سيدنا أيوب:

﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 83-84]

 سيدنا يونس وهو في بطن الحوت:

﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87-88]

 ويا أيها المؤمنون قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

 إلى أبد الآبدين، إلى نهاية الدوران، آمن بالله واستجب له ولك مثل هذه الإجابة.
 سيدنا زكريا:

﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 89-90]

 و قال أيضاً:

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً* قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ﴾

[سورة مريم: 3-4]

 ما دعوتك مرةً إلا وأكرمتني، ما شقيت أبداً في دعائك، لذلك قال الله عنهم - عن سيدنا نوح، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وسيدنا أيوب، وسيدنا يونس، وسيدنا زكريا- :

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 90]

 فالدعاء أيها الأخوة دين الأنبياء والصالحين، من سمات المؤمن الدعاء هو العبادة، الدعاء مخ العبادة، ونحن مقبلون على شهر المغفرة فادعوا الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك. ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء. وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018