الخطبة : 0551 - الأمانة - بيع العربون . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0551 - الأمانة - بيع العربون .


1995-12-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مفهوم الأمانة مفهوم واسع جداً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آية في كتاب الله تدور مع الإنسان حيثما تحرك ، تغطي كل نشاطاته ، في خلوته وفي جلوته ، في بيته وفي عمله ، في إقامته وفي سفره ، هذه الآية الكريمة التي غفل بعض المسلمين عن معرفة أبعادها ، ومعرفة مدى المسؤولية التي تتعلق بها رقبة كل مسلم ، يقول الله جلّ جلاله :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة النساء : 58]

 أول شيء يلفت النظر في هذه الآية أن الأمانة جاءت جمعاً .

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

[سورة النساء : 58]

 ينبغي أن نعلم بادئ ذي بدء أن مفهوم الأمانة في القرآن الكريم أوسع بكثير مما يتوهم بعض الناس ، ليس أن تضع مبلغاً عند إنسان فإذا طالبته به أداه إليك بالتمام والكمال ، هذا بعض مفهومات الأمانة ، لكن مفهوم الأمانة أوسع من هذا بكثير . النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

((مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 و(لا) كما تعلمون نافية للجنس ، أي تنفي جنس الإيمان عن الذي لا أمانة له ، تنفي عنه أصل الإيمان ، خرج من الإيمان كله . .

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

  والحديث الصحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

((مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ مفهوم الأمانة مفهوم واسع جداً ، لا تستوعبه خطبة قصيرة لكن الذي ينبغي أن نقف عنده أن لهذه الكلمة معنىً متعلقاً بالعقيدة ، فنفس الإنسان التي بين جنبيه أمانة ، فإذا عرفها بربها ، وعرفها بمنهج الله ، وحملها على طاعته ، وعلى التقرب إليه ، فكأنما أدى الأمانة إلى أهلها ، ومعنى أدى الأمانة إلى أهلها ، أي وضع نفسه في الموضع اللائق بها، أوصلها إلى ما ينبغي أن تصل إليه ، دفعها في الطريق الصحيح ، رسم لها الهدف الكبير، عاملها كما ينبغي أن تُعامل ، عرفها كما ينبغي أن تُعرَّف ، سما بها كما ينبغي أن تسمو .

 

جوهر الدين بعد شهادة التوحيد القيم الأخلاقية الرفيعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لعل نفس الإنسان التي بين جنبيه هي أعظم أمانة ، إنه بحمل هذه الأمانة غدا سيد الخلق ، إنه بحمل هذه الأمانة سُخرت له السموات والأرض ، هذه المعاني أطرقها كثيراً في الخطب السابقة ، ولكن نريد أن ننتقل من هذا المفهوم الواسع جداً للأمانة ، إلى مفهوماتها التفصيلية التي تدور مع حياتنا اليومية . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد العلماء الأجلاء ، واسمه الفضيل بن عياض قال : " أصل الإيمان عندنا ، وفرعه ، وداخله ، وخارجه بعد الشهادة بالتوحيد- شهادة أن لا إله إلا الله - وبعد الشهادة للنبي صلى الله عليه وسلم بالنبوة والتبليغ -وأشهد أن محمداً رسول الله - وبعد أداء الفرائض - من صوم ، وصلاة ، وحج ، وزكاة - أصل الإيمان عندنا وفرعه وداخله وخارجه بعد الشهادة بالتوحيد وللنبي بالبلاغ وأداء الفرائض : صدق الحديث ، وحفظ الأمانة ، وترك الخيانة ، والوفاء بالعهد ، وصلة الرحم ، والنصيحة لجميع المسلمين ، فقيل له : يا أبا علي هذا من رأيك تقوله أم سمعته ؟ . . قال : بل سمعناه وتعلمناه من أصحابنا ، ولو لم أجده عند أهل الثقة والفضل لم أتكلم به ، ألم يقل سيدنا جعفر للنجاشي حينما عرفه بهذا الدين القويم، قال :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله عز وجل لنوحده ، ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان ، وأمرنا - فحوى الدين- بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء))

[أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ جوهر الدين بعد شهادة التوحيد ، وبعد شهادة النبوة ، وبعد أداء الفرائض ، جوهر الدين هذه القيم الأخلاقية الرفيعة ، صدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، والوفاء بالعهد ، والنصيحة لجميع المسلمين . من فروع الأمانة - وما أكثرها من فروع ، لأنها جاءت بصيغة الجمع - عدم الغش وبيان العيب في المبيع ؛ لأن هذا الذي يشتري منك وأنت البائع أمانة في عنقك ، عليك أن تؤدي له حقه ، وعليك أن تريه أمانة وضعها الله في عنقك ، فأدِّ لصاحب الأمانة أمانته . .

 

البيع والشراء أمانة :

 يروى أن جرير بن عبد الله البجلي ، كان إذا قام إلى السلعة ليبيعها يُظهر عيبها ، ثم يخبر المشتري ويقول : إن شئت فخذ ، وإن شئت فاترك ، فقيل له : إنك إن فعلت هذا لم ينفذ لك بيع ، قال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم . . هنا تجد الدين في البيع والشراء ، وفي السوق ، وفي التعامل اليومي ، وفي المحاككة بالدرهم والدينار ، هنا تجد حقيقة الدين ، هنا تجد فهم الإنسان لدينه .
 كان إذا قام إلى السلعة ليبيعها يُظهر عيبها ، ثم يخبر المشتري ويقول : إن شئت فخذ ، وإن شئت فاترك ، فقيل له : إنك إن فعلت هذا لم ينفذ لك بيع ، قال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم . .
 واثلة بن الأسقع نزل السوق ليبيع ناقته ، فسلمها لرجل ليبيعها له فباعها بثلاثمئة درهم ، وغفل واثلة وقد ذهب الذي اشترى بالناقة فسعى وراءه وجعل يصيح به ، يا هذا اشتريته للحم أم للظهر - أي اشتريت هذه الناقة لتذبحها فتأكل من لحمها أم لتركبها ؟- قال : بل للظهر، قال : إن بخفها نقباً ، قد رأيته ، وإنها لا تبالغ السير - لا تجد بك في السير - فعاد ، فردها ، فنقصها البائع مئة درهم ، وقال لواثلة : رحمك الله ، أفسدت عليّ بيعي ، قال واثلة :

((إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَبِيعُ شَيْئًا إِلَّا يُبَيِّنُ مَا فِيهِ وَلَا يَحِلُّ لِمَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا يُبَيِّنُهُ ))

[أحمد وابن ماجة عن واثلة]

 هنا في السوق ، في دكانك ، في البيع والشراء ، في عرض البضاعة ، في تعيين الثمن ، هنا يظهر دينك ، هنا يظهر علمك ، هنا تظهر أمانتك ، هنا يظهر ورعك ، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ، هكذا كان السلف الصالح . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أبو حنيفة النعمان - رحمه الله تعالى - أعطى شريكه أثواباً ليبيعها ، ومن بين هذه الأثواب ثوب فيه عيب ، فنبهه ، وألحَّ عليه أن يبين هذا العيب في الثوب ، ثم إن شريكه باع الأثواب كلها ، ونسي أن يبين العيب في هذا الثوب ، فلما علم أبو حنيفة النعمان - رحمه الله تعالى - تصدق بثمن البضاعة كلها ، خوفاً من أن يدخل عليه درهم حرام .
 مرةً ثانية وثالثة : البيع والشراء أمانة ، وهذا الذي يقف أمامك أمانة في عنقك ، لا ينبغي أن تغشه ، لا ينبغي أن تدلس عليه ، لا ينبغي أن توهمه ، لا ينبغي أن تستغل جهله ، لا ينبغي أن تأخذ ماله وتعطيه أقل من ماله ، إنه أمانة بين يديك ، وإن الله سيسألك عنه يوم القيامة . . التعامل الحقيقي هنا في البيع والشراء ، وفي المحاككة بالدرهم والدينار ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 وإن :

((أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يُطْرُوا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا ))

[البيهقي فى شعب الإيمان عن معاذ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه أمانة ، بيان حقيقة البضاعة ، بيان منشأها ، بيان خصائصها ، بيان عيوبها ، بيان ميزاتها بصدق وإخلاص ، من دون كذب ، ولا تدليس ، ولا إيهام ، ولا استغلال لجهل الشاري ، هنا الدين ، وحينما تكسب الدرهم الحلال يبارك الله لك فيه، وحينما تكسب الدرهم الحلال تغدو مستجاب الدعوة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 وحينما تكسب المال الحلال تشعر أن الله سبحانه وتعالى يحبك وهو راض عنك .

 

النصح في الثمن :

 شيء آخر : أمانة النصح في الثمن . . موضوع الأمانة موضوع طويل جداً يدور مع المسلم في كل حياته ، ويغطي كل نشاطاته ، وكل حركاته ، وسكناته ، أعطيكم بعض الأمثلة الدقيقة ، الجزئية ، النصح في الثمن .
 يونس بن عبيد كان من أكابر السلف الصالح ، كان يبيع الثياب في محله ، وقد رتبها بحسب أسعارها ، نوع بأربعمئة درهم ، ونوع بمئتين ، خلف ابن أخيه في الدكان ، فجاء رجل وطلب ثوباً بأربعمئة ، فعرض عليه ثوب المئتين ، فاستحسنه ، وطلبه ، واشتراه ، ومشى به ، وضعه على يده ، فاستقبله يونس ، فعرف ثوبه ، فسأله بكم اشتريت هذا الثوب ؟ قال: بأربعمئة ، قال : هذا لا يساوي أكثر من مئتين ، فارجع حتى نرده ، قال : يا هذا ، هذا يساوي في بلدنا خمسمئة وأنا ارتضيته ، فقال يونس : انصرف إلى الدكان لنعيد لك فرق الثمن فإن النصح في الدين خير من الدنيا وما فيها ، ثم أخذه إلى المحل وردَّ عليه المئتين ، وخاصم ابن أخيه ، وقال له : أما استحييت ؟ أما اتقيت الله عز وجل ؟ تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين ؟ فقال : والله ما أخذه إلا ورضي به ، قال : فهلا رضيت له ما ترضاه لنفسك ؟ هكذا كان السلف الصالح ، هكذا كان ورعهم ، هكذا فهمهم لدينهم ، هكذا كان فهم الأمانة عندهم .
أيها الأخوة الكرام ؛ أبو حنيفة النعمان كان تاجر قماش ، جاءته امرأة بثوب حرير تبيعه له ، فقال : كم ثمنه ، قالت : مئة ، فقال أبو حنيفة : هو خير من ذلك ، بكم تقولين ؟ فزادت مئة ، قال : هو خير من مئتين ، فكم تقولين ؟ قالت : أربعمئة ، قال : هو خير من ذلك، قالت : أتهزأ بي ؟ وظنت أنه يهزأ بها ، قال : لا والله ، هاتِ رجلاً يقومه ، فجاءت برجل فاشتراه بخمسمئة . . أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى جاءته امرأة ضعيفة ، وإنها أمانة ، بعني هذا الثوب بما يقوم عليك ؟ ضعيفة أي فقيرة ، فقال : خذيه بأربعة دراهم ، قالت : لا تسخر مني ، وأنا عجوز ، قال : إني اشتريت ثوبين ، فبعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، بقي هذا الثوب عليّ بأربعة دراهم فخذيه بهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لن تصل إلى ما تريد حتى تضبط كل شؤون حياتك وفق شرع الله عز وجل .

أعظم أمانة بين يديك نفسك التي بين جنبيك :

 الأمانة أشفقت من حملها السموات والأرض ، وأنت أيها الإنسان قبلت حمل الأمانة ، ولا تنس أن أعظم أمانة بين يديك نفسك التي بين جنبيك ، إن حملتها على معصية فقد خنتها ، إن أطعمتها المال الحرام فقد خنتها ، إن أبقيتها جاهلةً فقد خنتها ، إن لم تعرفها بربها ، إن لم تعرفها بشريعة ربها ، إن لم تجهد في طلب العلم ، وفي معرفة ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما يجوز وما لا يجوز ، فهذا الإنسان يقع في شر علمه . لو أن إنساناً كلفك أن تشتري حاجة ، وهو يظن أنها تكليف لا مرابحة ، لا ينبغي أن تخون الأمانة ، ينبغي أن تشتري له الحاجة دون أن تضيف عليها شيئاً ، دون أن تأخذ شيئاً ، أما أن تأخذ ربحاً من دون أن يشعر ، من وراء ظهره فهذه خيانة ، إلا إذا أعلمته ورضي بذلك ، أما أن تأخذ دون أن يشعر ، وتقول : هذا تعبي ، وهذا جهدي ، وهذه نفقات السفر ، هو حينما كلفك أن تشتري له و أعطاك وكالة ظن أنها تكليف غير مأجور ، فإذا تقاضيت الأجر دون أن يعلم فقد خنت الأمانة .
 وهذا الراعي الذي كان صائماً في أيام الصيف الحارة ، وفي بلاد الحجاز ، وهو بين الجبال ، والشمس تلسع ظهره ، مرَّ به ابن عمر قال : يا هذا تعال كلْ معنا ؟ قال : إني صائم ، قال : وهل تصوم في هذه الأيام وفي هذا اليوم بالذات شديد الحرِّ ؟ قال : إني أدخره للآخرة ، قال : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ؟ قال : ليست لي - والقصة معروفة عندكم - إلى أن قال له هذا الراعي : أين الله ؟ . . قرأت تتمة هذه القصة أن ابن عمر اشترى الغنم كله من صاحبها واشترى العبد هذا من صاحبه ، وأعتقه ، وملكه الغنم كله .

الأمانة غنى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الأمانة كما قال عليه الصلاة والسلام غنىً . . وعن أبي سَعِيدٍ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ ، قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْدِلُ الدَّيْنَ بِالْكُفْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ))

[النسائي عن أبي سَعِيدٍ]

 معنى ذلك أن الإنسان إذا استقرض دون حاجة ، استقرض مالاً للمتممات ، للكماليات ، فقد خان أمانة الدين ، لا ينبغي أن تستقرض إلا لشيء أساسي ، لشيء أساسي جداً في حياتك ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ هَمَّهُ قَضَاؤُهُ أَوْ هَمَّ بِقَضَائِهِ لَمْ يَزَلْ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ حَارِسٌ ))

[ أحمد عن عَائِشَةَ]

 المعنى الأول : لا ينبغي أن تستقرض إلا عند الضرورة الملحة لأن القرض أمانة ، يجب أن تأخذه وأنت في أمسِّ الحاجة إليه ، أما أن تأخذ أموال الناس لتنفقها على الكماليات ، وعلى الثانويات ، فقد خنت أمانة الدين ، وزهدت الناس بالمعروف ، وصرفتهم عن فعل الخير، فإذا اطلع صاحب المال كيف أنفقت هذا الدين ، وكيف رفعت به مستوى معيشتك التي كان من الممكن أن تستغني عنها ، انكمش عن أن يقرض أمثالك ، وانكمش عن أن يفعل الخير ، فكنت ممن منع فعل الخير في المجتمع .

أمانة الدَّين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآن الذي يقرض : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُه))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أما هذا الذي يأخذ المال فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 نحن في القسم الثالث من الخطبة ، أمانة الدين ، لا ينبغي أن تستقرض إلا عند الضرورة ، أما إذا أقرضت أيها المسلم فهو من أجلّ الأعمال الصالحة ؛ لأنه :

((من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة . .))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 و الذي أخذ هذا الدين :

((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

الأمانة تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته :

 بالمناسبة مهر الزوجة أمانة ، فأيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر، ليس في نيته ، أن يؤدي لها حقها ، فخدعها فمات ولم يؤدِّ إليها حقها ، لقي الله يوم القيامة زان.
 مهر الزوجة أمانة ، القرض أمانة ، أداء القرض أمانة ، الإقراض أمانة ، والأمانة كما ترون تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته ، ولو وسَّعنا هذا الموضوع لوجدنا أن المريض عند الطبيب أمانة ، وأن الموكل عند المحامي أمانة ، وأن كل إنسان يقف أمامك ، وهو في حاجة إليك ، هو أمانة في عنقك ، فإذا فهمت الدين هكذا ، وإذا فهمت أن كل شيء تتحرك به تحاسب عنه حساباً دقيقاً ، كان حالنا مع الله غير الحال الذي نحن عليه مع الله .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ ما فهم أصحاب رسول الله الدين على أنه عبادات جوفاء تؤدى وانتهى الأمر ، ولكن أصحاب رسول الله فهموا الدين صدقاً ، وفهموه أمانة ، وفهموه وفاء، وفهموه نصحاً لجميع المسلمين :

(( الدين النصيحة ، قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

نفسك أجلّ أمانة تحملها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : إن أجلّ أمانة تحملها أن الله سبحانه وتعالى ملكك نفسك وجعلها أمانة بين يديك ، وخلق لك السموات والأرض دالة على وجوده ، وكماله ، ووحدانيته ، وأنزل على رسله الكتب لتكون دليلاً لك إلى الله ، وجعل لك عقلاً يدلك عليه ، وفطرة ترشدك إليه ، وجعل لك دعوةً إن أصغيت إليها عرفت الله ، فماذا تنتظر إذاً ؟

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

[سورة الأحزاب: 72]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

بيع العربون :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الفقه الإسلامي عدد كبير من البيوع الباطلة والفاسدة ، والإنسان حينما يدخل في السوق دون أن يفقه حقيقة البيع والشراء ، وما يجوز وما لا يجوز ، قد يقع في شرِّ عمله ، وقد يأكل الربا شاء أم أبى ، وقد يأكل مالاً حراماً وهو لا يدري . في هذه الخطبة أتحدث عن بيع العربون ، فحينما يتم عقد شراء بين فريقين ، ويُشترط في هذا العقد أن الشاري إذا رجع عن شرائه يدفع العربون الفلاني ، المبلغ الفلاني ، كتعويض للبائع ، هذا بيع العربون لا يجوز عند الجمهور ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، ويُعد بيع العربون فاسداً عند السادة الأحناف ، ويُعد باطلاً عند المالكية والشافعية . أي لا يُرد العربون إلى المشتري إذا لم يتم البيع ، بمعنى إذا كان الاتفاق أن هذه الخمسون ألفاً ، إن لم يتم البيع يأخذها البائع من الشاري دون أن يردها إليه ، فهذا هو بيع العربون ، وهو بيع فاسد عند الأحناف ، وباطل عند المالكية والشافعية ؛ لأن البائع له أن ينفذ البيع ، وله أن يقيل المشتري ، إنفاذ البيع عدل ، وإقالة المشتري إحسان ؛ لأن الله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان ، فمن أقال نادماً بيعته أقال الله عثرته . فالذي يبيع شيئاً ، له أن يقبض دفعة من الثمن ، فإذا صار خلاف بينهما ، إما أن يلزم المشتري بنفاذ البيع في القضاء ، وإما أن يقيل عثرته ، إن أقال عثرته كان محسناً ، وإن ألزمه بنفاذ البيع كان عادلاً إذا كان البيع صحيحاً من إيجاب وقبول ، ونفذت فيه كل شروط البيع الصحيح ، أما أن يأخذ مبلغاً من المال لا لشيء إلا لأن البيع لم يتم فهذا بيع العربون بيع عند الأحناف فاسد ، وعند المالكية والشافعية باطل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن أوسع نشاط يتحرك به الإنسان هو البيع والشراء ، فينبغي أن نتفقه في أحكام البيع والشراء قبل أن نقدم على عقد صفقة لا ترضي الله عز وجل ، أو فيها مال فيه شبهة ، فإن المال الحرام يذهب بأهله .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، و لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018