الخطبة : 0548 - الكلمة الطيبة - الاختلاف حول ما يصل للميت من أفعال ذويه . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0548 - الكلمة الطيبة - الاختلاف حول ما يصل للميت من أفعال ذويه .


1995-11-24

الخطبة الأولى:
  الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأهمية الكبرى للكلمة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه ، إنك إن قرأت كتاب الله تدبرت آياته ، فأنت مع أعلى كلام في الكون ، الله جلّ جلاله يقول في كتابه الكريم :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

[سورة إبراهيم:24-26]

 هذه الآية الكريمة محور هذه الخطبة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله جلّ جلاله حينما خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه ، انطلق هذا الإنسان في مهمته في الحياة ، وهي إعمار الأرض ، وتطبيق منهج الله ، فأهم شيء في حياة الإنسان ثلاثة أشياء : الكلمة ، والنية ، والفعل . الله جل جلاله أعطى الكلمة أهمية كبرى ، الوحي الذي نزل من السماء إلى الأرض ، بماذا جاء ؟ جاء بكلمة ، بماذا جاء الأنبياء؟ جاؤوا بكلمات طيبات .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكلمة لها أكبر تأثير في حياة الناس ، لذلك أعطى الله الكلمة كل هذه الأهمية ، بل إن من خصائص الإنسان الفذة أنه علمه البيان .

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 من خلال الكلمة تتعرف إلى الله ، من خلال الكلمة نتلقى منهج الله عز وجل ، من خلال الكلمة نلقي على الناس منهج الله عز وجل ، لولا الكلمة لما استطاع الإنسان أن يدون فكراً ، كل الأفكار ، والمعارف ، والتجارب ، والخبرات ، تضيع سدى ، لولا الكلمة ما استطاع إنسان أن يفيد من علم غيره إطلاقاً ، لولا الكلمة ما استطاع إنسان أن يعلم إنساناً ، ولا أن يتعلم من إنسان ، لولا الكلمة لما انتقلت الحضارات من أمة إلى أمة ، ولا من جيل إلى جيل .

 

الكلمة لا تأتي من فراغ و لابد لها من أصل تستند إليه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لولا الكلمة لما طورت حياة الإنسان ، لولا الكلمة لما نظم المجتمع ، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الطيبة ، وإصلاح المجتمع يبدأ بالكلمة الطيبة ، ولكن تحت كلمة طيبة معان كثيرة .
 كل جيل يقرأ ما وصل إليه من الجيل السابق من خلال الكلمة ، وكل جيل يدون معارفه بالكلمة ، وكل معلومات تنتقل إلى الأجيال اللاحقة بالكلمة ، ولولا الكلمة لما دون العلم ، ولا تقدم المجتمع ، ولا انتقل العلم ، ولا ورِّث العلم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لو أن الإنسانية خسرت الكلمة لخسرت ثقافتها ، وحضارتها ، وتقدمها ، دققوا في قوله تعالى:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[سورة العلق: 1-5]

 علمك البيان ، والبيان هو التعبير عن أفكارك ، وعن مشاعرك ، وفهم أفكار الآخرين ومشاعرهم ، والبيان كتابة المعرفة ، و قراءتها ، هذه الخصيصة الفذة التي منحها الله للإنسان هي سبب سعادته في الدنيا والآخرة ، ولكن أيها الأخوة لابد أن نعلم الحقيقة التالية : أن الكلمة لا تأتي من فراغ ، لابد لها من أصل تستند إليه ، إذا قلت : ماء ، في الأرض ماء ، إذا قلت : هواء ، في الأرض هواء ، إذا قلت : حصان ، الحصان معلوم لديك ، ما من كلمة إلا ولها أصل في الواقع ، ما من كلمة إلا ويقابلها معنى مُتصوراً في الذهن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه مقدمة لابد منها لفهم الآية الكريمة ، الشيء يوجد أولاً ثم يوضع له اسم ، هي الكلمة التي تعبر عنه ، فإذا نطق الإنسان الكلمة ، استثار في ذهن السامع ذلك المعنى ، أو هذا الشيء ، لكن الشيء الغائب عن الإنسان لا يستطيع أن يعبر عنه كما لا يستطيع أن يفهمه إطلاقاً . الكلمة أساس العمل ، أساس إعطاء الأمر ، أساس تلقي الأمر ، ليس في الحياة حياة اجتماعية ، ولا حياة عملية ، إلا من خلال الكلمة . تصور أن الكلمة ألغيت في حياة الإنسان ، كل شيء يتعطل .

 

كلمات الله هي تمام فعله جلّ جلاله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن الإنسان قد يكون قوّالاً وليس فعّالاً ، قد لا يستطيع أن يفعل ما يقول ، هذه خصيصة أيضاً من خصائص الإنسان ، تشير إلى ضعفه وإلى افتقاره ، لكن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ، كلمات الله هي تمام فعله جلّ جلاله ، لأنه عزيز ، ولأنه ليس في الكون كله جهة تستطيع أن تمنع تنفيذ كلمة من كلمات الله ، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن :

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[سورة يس: 82]

 كلام البشر شيء ، وكلام خالق البشر شيء آخر ، كلام خالق البشر عين فعله .

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة هود :107]

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الأنعام: 115]

 وردت كلمة الكلمة في القرآن الكريم في آيات كثيرة ، من هذه الآيات:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[سورة يس: 82]

 إذاً كلمات الله جلّ جلاله هي عين أفعاله ، وتمام فعله ، لأن الله عزيز لا يناله أحد بشيء ، ولا تستطيع قوة في الأرض مهما عظمت أن تمنع تحقيق كلمات الله عز وجل .
 آية أخرى وردت فيها كلمة الكلمة ، قال تعالى:

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الأنعام: 115]

 قال بعض العلماء : كتاب الله جلّ جلاله من الفاتحة إلى سورة الناس أو بالتعبير الحديث من دفته إلى دفته ، كتاب الله جلّ جلاله لا يزيد عن خبر وأمر ، خبره صدق ، وأمره عدل .

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الأنعام: 115]

 أنت إذا أمسكت بكتاب الله عز وجل ، كل أخباره صادقة ، لأنه كلام خالق البشر ، وكل أوامره عادلة ، لأنها أوامر خالق البشر:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 14ٍ]

 وقال بعض العلماء : وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ، أي يتفاوت العباد فيما بينهم بصدق طلب الحقيقة ، والله يعدل بينهم بحسب صدقهم .

 

الكلمة الطيبة قد تبني مجتمعاً و تصلح عملاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه مقدمة للوقوف قليلاً عند معاني هذه الآية الكريمة :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم: 24-27]

 دققوا أيها الأخوة لماذا شبه الله وهو الحكيم الله الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة ؟ . . لأن الكلمة الطيبة مقاطع صوتية تصنعها الحبال الصوتية ، وتنطلق من الفم بجهد يسير ليس له أي اهتمام ، كلمة . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بَالْكَلِمَةِ مِن سُخْطِ اللهِ لاَ يَرَى بِهَا بَأْساً . فَيَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفاً ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 كلمة كالبذرة ، صغيرة صغيرة ، حقيرة حقيرة ، لكن هذه البذرة والتي أحياناً لا تراها بالعين ، بعض أنواع البذور الغرام الواحد فيه ما يقدر بسبعين ألف بذرة ، شيء لا يرى بالعين ، هذه البذرة إذا ألقيت نبتت شجرة ، انظر إلى بذرة التين ، من هذه البذرة تنمو الشجرة ، انظر إلى هذه الشجرة كم ثمرة تحمل ، وكم بذرة في كل ثمرة ، الكلمة الطيبة تنتشر ، تطير في الآفاق ، تتناقلها الألسنة ، تدخل في كل بيت أحياناً ، يسمعها كل إنسان ولا سيما في عصر التواصل ، ولا سيما في عصر أدوات الاتصال المذهلة ، التي جعلت الأرض كلها قرية صغيرة ، والتي جعلت المجتمع الإنساني كله مجتمعاً صغيراً ، ما من شيء يقع في أطراف الدنيا إلا ويسمعه الناس كلهم ، على اختلاف لغاتهم ، واتجاهاتهم ، وأماكنهم ، وأحوالهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ شبه الله الكلمة الطيبة بالبذرة ، تصبح شجرة ، والشجرة تحمل الثمار ، وفي كل ثمرة بذرة ، أو آلاف البذور ، أو عشرات آلاف البذور ، وفي كل بذرة شجرة تحمل أيضاً آلاف الثمار ، وفي كل ثمرة آلاف البذور ، فمن بذرة صغيرة صغيرة ، تُصنع غابة كبيرة ، فالكلمة الطيبة قد تبني مجتمعاً ، الكلمة الطيبة قد تصلح عملاً ، الكلمة الطيبة قد تسعد بشراً ، الكلمة الطيبة قد تلقي السعادة في قلوب الناس ، لا تستهينوا بالكلمة الطيبة ، الأنبياء العظام جاؤوا بكلمة طيبة ، الوحي العظيم جاء بالكلمة ، نحن نقرأ كلمات الله عز وجل في كتابه الكريم .

 

أثر الكلمة الطيبة في حياة الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[سورة إبراهيم: 24]

 ما معنى كلمة طيبة ؟ أي لها أصل طيب ، لها أصل من واقع ، لها أصل من فطرة ، لها أصل من وحي ، لها أصل من منهج إلهي ، لها أصل من منطق سليم ، واقع ثابت، وفطرة صحيحة ، ومنطق سليم ، ونقل صحيح ، الكلمة الطيبة تستند إلى كل هذه الأشياء ، لذلك أصلها ثابت ، ممتدة الجذور في أعماق الإنسان . الكلمة الطيبة التي أساسها نقل صحيح عن الله وعن رسوله ، أو منطق صريح ، أو واقع ثابت ، أو فطرة سليمة ، هذه الكلمة الطيبة أصلها ثابت ، راسخة رسوخ الجبال ، ممتدة امتداد الآفاق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكلمة الطيبة تمسح كل سوء ، تذكر كل حسن ، تتغاضى عن العيوب ، لا تعرف إلا المحاسن ، الكلمة الطيبة تجمع ولا تفرق ، توحد ولا تشتت ، تعمق المحبة بين الناس ، تعمق الصلات فيما بينهم ، الكلمة الطيبة تنقل بها وحي السماء ، تنقل بها سنة رسول الله ، تنقل بها المثل الطيب ، والسيرة العطرة ، الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة ، يمكن أن تصنع من كلمة مجتمعاً مؤمناً كما تُصنع من بذرة غابة كبيرة .

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[سورة إبراهيم:24]

 أصلها ممتد الجذور في أعماق الإنسان ، فطرة ، وواقع ، ومنطق ، ووحي ، وفرعها في السماء . ثمارها تصل بك إلى الله ، الكلمة الطيبة بها تقبل على الله ، بها تتصل بالله ، بها تلتزم أمره ، إن الكلمة الطيبة بشكل أو بآخر تنقلك إلى الله عز وجل ، أصلها ثابت وفرعها في السماء .
 وهناك معنى آخر: إن الله جل جلاله هو الذي يكافئك عليها ، وإذا كافأك عليها خالق السموات والأرض فماذا تنتظر غير ذلك ؟ الكلمة الطيبة ينبغي أن تبتغي بها وجه الله ، إن ثمارها اليانعة توصلك إلى الله ، والله جلّ جلاله يتولى أن يكافئك عليها ، هذه هي الكلمة الطيبة .

 

 أيها الأخوة الكرام ؛ الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه بلغه أن أحداً من الناس اغتابه فأرسل غلاماً له ليشتري رطباً من أجود أنواع الرطب ، ثم وضعه في طبق وأرسله إليه وقال له : إنك حينما اغتبتني قدمت إليّ يوم القيامة أحسن ما تملك وهو عملك الصالح ؛ لأنه ورد في الحديث الصحيح أن الذي  يغتاب الناس يؤخذ من حسناته يوم القيامة وتوضع في ميزان الذي اغتابه ، قال له : أنت حينما اغتبتني سوف تقدم لي أثمن ما تملك وهو عملك الصالح ، وأنا قدمت لك أثمن ما أجد بين يدي وهو هذا الرطب الطيب .
 الكلمة الطيبة تصنع المجتمعات ، الكلمة الطيبة تؤلف بين القلوب ، الكلمة الطيبة توحد بين الناس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كأن الله جلّ جلاله علم وهو يعلم ولا شك أن الأرض ستغدو قرية صغيرة ، وأن المجتمعات الكبيرة سوف تتواصل فيما بينها ، حتى أن الحدث الذي يقع في اليابان ، أو في جنوب شرق أسيا ، أو في أقصى أطراف الأرض في أمريكا الشمالية ، أو في الأرجنتين ، نسمعه كل يوم بأدق تفصيلاته وتحليلاته ، إذاً الكلمة الطيبة يمكن أن تنتشر عبر الآفاق ، ويمكن أن يسمعها كل الناس ، فلا بد من أن تُستخدم الكلمة الطيبة لنشر الحق .

الله عز وجل يعين على نشر الكلمة الطيبة و يبارك فيها :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[سورة إبراهيم:24]

 أما قوله تعالى :

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

  في أي مكان ، في أي زمان ، في أي عصر ، في أي مصر ، إذا ألقيت الكلمة الطيبة قطفت ثمارها ، في كل وقت ، ولو مضى على نزول هذه الكلمة من السماء ألف وخمسمئة عام ، بعد ألف وخمسمئة عام ، بعد ألفي عام ، بعد مئة ألف عام ، أينما ألقيت الكلمة الطيبة أنبتت نباتاً طيباً ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾

  ولكن إياك أن تتوهم أيها الأخ الكريم أن في الكلمة الطيبة قوةً ذاتية تجعلها تنتشر ، أن في الكلمة الطيبة فعالية ذاتية . . لا ، الله عز وجل هو الذي يعين على نشرها ، الله جلّ جلاله هو الذي يبارك فيها ، هو الذي يخرج منها الطيب الكثير .

﴿ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾

 ليس لها قوة ذاتية ، هذا الخير الذي يتأتى من الكلمة الطيبة ليس بقدرات البشر ، بل بقدرة خالق البشر ، أنت عليك أن تلقي الكلمة الطيبة ، وعلى الله الباقي .
 الله عز وجل يوسع انتشارها ، الله عز وجل يسمح لها أن تفعل فعلها في النفوس ، الله عز وجل ينشئ الخير الكثير من كلمات قليلة قلتها في حياتك :

﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

الباطل سريع الزوال لأنه يتناقض مع الفطرة و المنطق السليم :

 و :

﴿ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾

  أما الكلمة الخبيثة فلها قوة انتشار كالكلمة الطيبة ، كشجرة لكنها خبيثة ، كلمة السوء سريعة الانتشار ، الغيبة سريعة الانتشار ، الكلام الباطل ، الكلام الذي يثير الشهوات ينتشر سريعاً ، الكلام الذي يفلسف المعاصي والآثام ينتشر سريعاً ، كما أن الكلمة الطيبة تنتشر سريعاً كالشجرة الطيبة ، كذلك الكلمة الخبيثة تنتشر سريعاً كالشجرة الخبيثة ، ولكن هذه الكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة ، ليس لها جذور في أعماق الإنسان ؛ لأنها تتناقض مع الواقع ، تتناقض مع المنطق السليم ، تتناقض مع الفطرة ، تتناقض مع وحي السماء ، إذا تناقضت الكلمة مع المعطيات الأربعة إذاً لا جذر لها في أعماق النفس الإنسانية .
 الشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ، أحياناً الكلمة الخبيثة تدعمها قوة غاشمة، فإذا ما تخلت عنها القوة الغاشمة سقطت ، وانتهت ، وماتت ، ولا أثر لها إطلاقاً ، فالباطل يزول ، الباطل سريع الزوال ، قال تعالى:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

[سورة الإسراء: 78-81]

 من شأن الباطل أنه لا يقف وقوفاً ذاتياً على قدميه ، إلا أن تدعمه قوة ، فإذا تخلت عنه هذه القوة سقط في الأوحال ، لذلك كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار .
 كم من مبدأ باطل أرضي ظهر وانتهى ، ولا ذكر له إطلاقاً ، والإسلام كالطود الشامخ ، مهما كثر أعداؤه فهو ممتد الجذور في أعماق الإنسان .

 

كلام الله و تدبر معانيه يثبت الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن الإنسان المؤمن إذا عاش في مجتمع ضال ، في مجتمع تشيع فيه الأهواء . . إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوىً متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، إذا كنت في مجتمع متفلت ، تستعر فيه الشهوات ، وتتيقظ فيه الفتن ، والضلالات ، ما الذي يحمي المؤمن من هذه الضلالات ؟ ما الذي يحمي المؤمن من الانغماس في هذه الشهوات ؟ ما الذي يحمي المؤمن من أن ينجرف مع التيار المنحرف ؟ قال :

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾

[سورة إبراهيم:27]

 بكلمات الله ، فالذي يحمي المؤمن أن الله وعده بالجنة ، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص: 61]

 ما الذي يحمي المؤمن ؟ . . أن الله وعده في كتابه الكريم قال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 97]

 ما الذي يثبت المؤمن وسط الفتن والضلالات والشهوات ؟ أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية: 21]

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة: 18]

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[سورة القلم: 35-36]

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

  في مجتمع الضلالات ، في مجتمع التفلت ، في مجتمع الفتن ، في مجتمع الشهوات المستعرة .

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 إذا قرأت القرآن متدبراً ، إذا قرأت القرآن متبصراً ، إذا قرأت القرآن متأملاً وجدت أن آياته شفاء للنفوس ، قال تعالى:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

[سورة الإسراء: 82]

 فالذي يثبت الإنسان في الدنيا أن يسمع كلام الله ، أن يتدبر معانيه ، أن يعمل بها.

 

الكلمة الطيبة ترافقها نية طيبة و تطبيق حازم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية من أولها :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم:24-27]

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : الكلمة الطيبة هي التي تستند إلى واقع ، تستند إلى فطرة ، تستند إلى منطق سليم ، تستند إلى وحي من الله عز وجل ، وسنة صحيحة ، الكلمة الطيبة إذا رافقتها نوايا طيبة ، وإذا رافقها تطبيق :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[سورة فصلت: 30-33]

 كلمة طيبة مستندة إلى واقع ، وإلى فطرة ، وإلى منطق ، وإلى نقل صحيح ، ترافقها نية طيبة ، يرافقها تطبيق حازم ، هذه الكلمة تُصلح بها المجتمعات ، تمسح علائم الشقاء من وجه البشر ، الأنبياء جاؤوا بالكلمة ، الكلمة وحدها ، الصادقة ، الطيبة ، لها قوة انتشار بفعل الله ، بتوفيق الله ، بقدرة الله ، لا بقدرة البشر ، الله عز وجل يرعى الكلمة الطيبة ، ويبارك فيها ، فلذلك هذه الآية الكريمة ينبغي أن تكون محور حياتنا .

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم:24-27]

الإضلال الجزائي المبني على إضلال اختياري :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا عُزي الإضلال إلى الله في القرآن

﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ﴾

 قال العلماء : إنه الإضلال الجزائي المبني على إضلال اختياري ، قياساً على قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة الصف: 5]

 أضرب لكم مثلاً يوضح الآية : طالب جامعي ، لم يداوم ولا حصة واحدة ، لم يشتر الكتب ، لم يؤدِّ الامتحان ، أرسل له إنذار تلو الإنذار فأصرّ على ترك الجامعة ، فصدر قرار بترقين قيده ، هذا القرار تجسيد لرغبته ، تحقيق لانصرافه عن الجامعة ، فإذا عُزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على إضلال اختياري ، هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾

[سورة إبراهيم: 27]

التكلم بالكلمة الطيبة في أية مناسبة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية الكريمة يجب أن تكون محور حياتنا ، في بيتك تكلم الكلمة الطيبة ، في وليمة تحضرها تكلم الكلمة الطيبة ، في لقاء ودِّي تكلم الكلمة الطيبة ، في نزهة ، في سفر ، في عملك ، في أي مناسبات حياتك تكلم الكلمة الطيبة ، فإن الكلمة الطيبة الله جلّ جلاله بقدرته ، وحكمته ، ورحمته ، جعل لها قوة انتشار لا تُصدق ، من بذرة تصنع شجرة ، ومن شجرة تصنع غابة ، وفي أي وقت تريد إن ألقيت هذه الكلمة الطيبة تقطف ثمارها بإذن الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الاختلاف حول ما يصل للميت من أفعال ذويه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كما هي العادة في الخطبة الثانية إما موضوع فقهي ، أو موضوع علمي ، أو قصة تجسد موضوع الخطبة الأولى . كثيراً ما أسأل عن موضوع ماذا يصل إلى الميت من أفعال ذويه ؟
 الحقيقة موضوع خلافي ، وموضوع يُسأل عنه العلماء كثيراً ، الجواب المتوازن ، ورد عن إمام جليل من أئمة الفقهاء اسمه الإمام القرافي ، قال هذا الإمام : القربات إلى الله ثلاث ، قسم من هذه القربات حصر الله حكمه ومثوبته على القائمين به ، فلا يصل حكمه ، ولا ثوابه إلى غيرهم إطلاقاً ، كالإيمان والإسلام ، الإيمان لا يقبل إلا من الإنسان نفسه .
 وقسم تمَّ الاتفاق بين العلماء لورود النصوص الصحيحة على أن الله أذن في نقل ثوابه إلى الميت ، كالصدقات المالية . وقسم اختلف العلماء فيه ، وهو الصيام والحج وقراءة القرآن والموضوع يحتاج إلى تفصيلات كثيرة ، لكن الإمامين مالك والشافعي يريا أنه لا يصل ثواب قراءة القرآن إلى الميت ، بينما الإمامين أحمد وأبو حنيفة رحمهما الله عز وجل يريا أنه يصل ثوابهما إليه ، وبعد أن ذكر الإمام القرافي أدلة الفريقين مفصلة قال في هذه المسألة ما يلي : إن هذه المسألة وإن كان مختلف فيها ، ينبغي للإنسان ألا يهملها ، فلعل الحق وصول الثواب إلى الموتى ، قراءة القرآن جائزة ، بل هي عبادة جليلة مبرورة على كل حال ، الخلاف لا في أن نقرأ أو لا نقرأ ، الخلاف في أن يصل الثواب أو لا يصل ، القراءة قراءة والقراءة عبادة ، وعبادة جليلة ، وتلاوة القرآن الكريم من صفات المؤمن ، ومن خصائصه ، ولكن المشكلة في هل يصل الثواب أو لا يصل ؟ والحيطة في هذه الحالة تقتضي القراءة ، ثم تُختم بدعاء أن يهب الله ثواب ذلك إلى روح الميت ، فقد يصل بحكمة الله ورحمته ، وقد لا يصل ، لكنك إذا قرأت القرآن أنت تتعبد الله بتلاوة القرآن .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أحياناً يختلف العلماء ، هناك أحوط ، وهناك أيسر ، ففي حالات الشدة لك أن تأخذ بالأيسر ، وفي حالات غير الشدة لك أن تأخذ بالأحوط ، والله أعلم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018