الخطبة : 0547 - التوبة - باب التوبة مفتوح على مصارعه . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0547 - التوبة - باب التوبة مفتوح على مصارعه .


1995-11-17

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التوبة من الموضوعات الهامة في حياة كلّ إنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كلكم يعلم أن أركان الإسلام خمسة ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان .
 الشيء الثابت والمتفق عليه أن الشهادة تؤدى في العمر مرةً واحدة ، وأن الصوم يسقط أحياناً لوجود المرض أو السفر ، وأن الحج يسقط أحياناً لعدم الاستطاعة ، وأن الزكاة تسقط لعدم وجود النصاب ، ما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال ؟ . . إنها الصلاة ، الصلاة عماد الدين ، هي الفرض المتكرر . جعلت هذه مقدمة لأصل إلى موضوع هو أن هناك موضوعات في الإسلام ينبغي أن تتكرر .

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 فموضوع التوبة من الموضوعات التي ينبغي أن يُذكر بها المؤمنون من حين إلى آخر ، فالإمام مسلم في صحيحه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال:

((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ . . . ))

[مسلم عن أبي ذر]

 وفي الأثر القدسي :"وعزتي وجلالي ، إن أتاني عبدي ليلاً قبلته ، وإن أتاني نهاراً قبلته ، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ، وإن مشى إليّ هرولت إليه ، وإن استغفرني غفرت له ، وإن استقالني أقلته ، ومن تاب إليّ تبت عليه ، ومن أقبل عليّ تلقيته من بعيد ، ومن أعرض عني ناديته من قريب ، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد ، ومن أراد مرادي أردت ما يريد ، أهل ذكري أهل مودتي ، أهل شكري أهل زيادتي ، أهل طاعتي أهل كرامتي ، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي ، إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب ، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد ، والسيئة بمثلها وأعفو ، أشكر اليسير من العمل ، وأغفر الكثير من الزلل ، رحمتي سبقت غضبي ، حلمي سبق مؤاخذتي ، عفوي سبق عقوبتي ، وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها " ذلكم الله رب العالمين . .

 

أكبر عار على الإنسان أن يعيش جاهلاً :

 إن كل جهل مهما عظمت نتائجه قد يُغتفر إلا أن يجهل الإنسان سرّ وجوده ، وغاية حياته ، وحقيقة مهمته ، وأكبر عار على هذا الإنسان الأول ، المكرم ، الذي آتاه الله العقل ، ومنحه الإرادة ، أكبر عار على هذا الإنسان أن يعيش جاهلاً وغافلاً ، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام وتتمتع ، لا يدري شيئاً عن حقيقة وجوده ، ولا عن طبيعة دوره في الحياة ، فيضل الطريق ، وينحرف عنه ، بسبب جهله ، وغفلته ، أو بسبب إغراء عابث ، أو شهوة جامحة ، فيهبط مستواه الإنساني ، وتسقط قيمته النوعية ، ويصل إلى الدرك الذي يعوقه عن النهوض بتبعات الحق والخير ، عندئذ يبتعد عن التطهر ، والتسامي، ويندفع إلى تحقيق ذاته ، وإشباع غرائزه ، وإيثار مصالحه ، فيبني مجده على أنقاض الآخرين ، ويبني غناه على فقرهم ، وسعادته على شقائهم ، ويظل كذلك سادراً في غفلته ، ممعناً في طغيانه ، حتى يوافيه الموت بغتة ، فيواجه مصيره المجهول ، دون تنبه له ولا استعداد ، فيدفع ثمن غفلته ، وجهله ، وانحرافه شقاءً أبدياً ، وحينئذ يندم حين لا ينفع الندم ، ويرجو الخلاص ، ولات حين مناص .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : أكبر عار على هذا الإنسان أن يعيش جاهلاً ، أن يندفع وراء شهواته ، أن تدفعه غرائزه إلى تحقيق مآربه .

 

العبادة غاية الخضوع لمنهج الله :

 أما الإنسان العاقل فيبادر ويسأل نفسه لماذا خُلقت ؟ وما مهمتي في هذا الوجود ؟ وما رسالتي في هذه الحياة ؟ والقرآن الكريم يجيبه ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 العبادة غاية الخضوع في الأمر والنهي ؛ لأن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي تعرف ما يصلح وما لا يصلح لصنعتها .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة البقرة: 21]

 والعبادة أيها الأخوة غاية المحبة لله عز وجل ؛ لأن الإنسان مفطور على حبّ ذاته، وحبّ وجوده ، وسلامة وجوده ، وهذا لا يتحقق إلا بمشيئة الله وفضله ، فما عبد الله من خضع له ولم يحبه ، ولا من أحبه ولم يخضع له . . .
 العبادة انصياع مع محبة . . ورد أن يا عبادي إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة ، ولا لأستكثر بكم من قلة ، ولا لأستعين بكم على أمر عجزت عنه ، إنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً ، وتذكروني كثيراً ، وتسبحوني بكرة وأصيلاً .

 

التوبة مخرج النجاة للإنسان حين تحيط به خطيئاته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ركب الإنسان من عقل وشهوة- كما قال علي كرم الله وجهه - وقد جاء الإسلام وهو دين الفطرة ليقيم توازناً دقيقاً عن طريق المنهج الرباني الذي رُسم للإنسان من خلال آيات القرآن ، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وبما أن الإنسان منح حرية الاختيار ، في دائرة التكليف والابتلاء ، وهي الأمانة التي حملها الإنسان ، وأشفقت من حملها السموات والأرض ، منح حرية الاختيار لتثمن أعماله الكسبية ، فتكون سبباً لدخوله روضات الجنات ، أو التردي في حفر النيران . وبما أن من طبيعة الإنسان أنه خُلق ضعيفاً ليفتقر إلى الله في ضعفه فيسعد في افتقاره ، ومن لوازم ضعفه أنه ينسى ويسهو ، ويغفل ويغفو ، ويضعف ويُغلب ، فقد يعصي ربه ، ويخرج عن المنهج الذي رُسم له ، لذلك شرع الله للإنسان التوبة ، وهي موضوع هذه الخطبة . في ساعات الضعف قد يقصر الإنسان ، قد تزل قدمه ، ما الحل؟ منهج الإسلام متكامل ، ما الحل إذا زلت قدم الإنسان ؟ إذا فعل شيئاً لا يرضي الله ؟ إذا سبقه لسانه بكلمة لا ترضي الله ؟ إذا سبقته عينه بنظرة لا ترضي الله ؟ ماذا يفعل ؟ إلى من يذهب ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن التوبة مخرج النجاة للإنسان حين تحيط به خطيئاته ، إن أحاطت به الخطيئات فالتوبة مخرج النجاة ، وهي صمام الأمان حينما تضغط عليه سيئاته ، إذا ارتفع الضغط ، التوبة صمام الأمان ، وهي تعديل للمسار حينما تُضله أهواؤه ، إنها حبل الله المتين الذي ينقذ الإنسان حينما تغرقه زلاته ، إذا غرق بزلاته فالتوبة حبل الله المتين ، وإن أضلته أهواؤه فالتوبة تصحيح لمساره ، وإن ضغطت عليه سيئاته فالتوبة صمام الأمان ، وإن أحاطت به خطيئاته فالتوبة مخرج النجاة .

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

لأهل الذنوب ثلاثة أنهار يتطهرون بها في الدنيا :

 باب التوبة أيها الأخوة مفتوح على مصارعه .

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا))

[ مسلم عن أبي موسى]

((فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال بعض العارفين : لأهل الذنوب ثلاثة أنهار يتطهرون بها في الدنيا فإن لم تف بطهرهم ، طُهروا في نهر الجحيم يوم القيامة ؛ النهر الأول نهر التوبة النصوح ، والنهر الثاني نهر الحسنات المستغرقة للأوزار المحيطة بها ، والنهر الثالث نهر المصائب العظيمة المكفرة للذنوب . إما بتوبة نصوح ، أو بعمل صالح يمحو السيئات ، أو بمصيبة تكفر الخطايا . . للإنسان ثلاثة أنهار يتطهر بها في الدنيا ، نهر التوبة النصوح ، ونهر الحسنات المستغرقة للسيئات ، ونهر المصائب المكفرة للآثام ، فإن لم يتطهر بأحد هذه الأنهار في الدنيا طهر بنهر الجحيم يوم القيامة .

 

الله عز وجل ملاذ الإنسان و ملجأه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تصوروا لو لم تشرَّع التوبة ، لو لم تشرَّع التوبة لهلك الإنسان ، ولعمَّ الفساد في الأرض ، لأن الإنسان إذا طُرد من رحمة الله لمجرد معصية واحدة فلن يرجع إلى منهج ربه لانعدام أمله في القبول ، ولمَ يرجع وقد طُرد من رحمته ؟ . . عندئذ سيعربد في الأرض انحلالاً ، وانحرافاً ، وطغياناً . رأى بعض العارفين في بعض سكك المدينة باباً قد فُتح، وخرج منه صبي يستغيث ويبكي ، وأمه خلفه تطرده حتى خرج ، فأغلقت الباب في وجهه ، ودخلت ، فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه ، ولا من يؤويه غير والدته ، فرجع مكسور القلب حزيناً ، فوجد الباب مرتجاً - أي مغلقاً- فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام ، فخرجت أمه ، فلما رأته على تلك الحال لم تملك أن رمت نفسها عليه والتزمته مقبلةً وتبكي وتقول : يا ولدي أين تذهب عني ومن يؤويك سواي ؟ ألم أقل لك لا تخالفني ؟ ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك ؟ ثم أخذته ودخلت . . والآن ـ أيها الأخ الكريم ـ تأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( ...وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

[البيهقي والحاكم عن معاذ والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 هذه رحمة الله عز وجل ، لا ملجأ ولا ملاذ من الله إلا إلى الله ، نفرُّ منه إليه ، ونخاف منه ، ونأوي إليه ، ولا ملاذ لنا إلا الله جلّ جلاله .

 

التوبة هي الخلاص من العدو والرجوع إلى الرب الرحيم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حقيقة التوبة الرجوع إلى الله عز وجل ، ولا يصح الرجوع ولا يتم إلا بمعرفة الله بأسمائه وصفاته ، وآثارها في نفسه وفي الآفاق ، ومعرفة أنه كان فاراً من ربه، أسيراً في قبضة عدوه ، وأنه ما وقع في مخالب عدوه إلا بسبب جهله ، من هو العاصي ؟ إنسان وقع في مخالب عدوه ، وما السبب ؟ هو الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به . كيف وقع أسيراً ؟ ومتى وقع ؟ . . التوبة هي الخلاص من العدو ، والرجوع إلى الرب الرحيم ، والسير على صراطه المستقيم ، إنها خلع ثياب المعصية ، وارتداء ثياب الطاعة ، إنها ترك المحظورات ، وفعل المأمورات ، إنها التزام فعل ما يحب الله ، وترك ما يكره ، وقد علق الله سبحانه وتعالى الفلاح كله على فعل المأمور ، وترك المحظور ، قال تعالى:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[سورة النور: 31]

 أي افعلوا المأمور ودعوا المحذور أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ، سبب فلاحكم التوبة إلى ربكم ، كل تائب مفلح ، وتارك الأمر ظالم لنفسه أشدّ الظلم ، وفاعل المحظور ظالم لنفسه أشدّ الظلم ، قال تعالى:

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 11]

 الناس رجلان ؛ تائب وظالم ، مفلح بتوبته ، وظالم بعدم توبته ، ولا ثالث لهما ، الناس رجلان ، تائب مفلح ، وغير تائب ظالم ، وهاتان الآيتان تؤكدان هذه الحقيقة:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[سورة النور: 31]

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 11]

التوبة حقيقة الدين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التوبة حقيقة الدين ، والدين كله داخل في التوبة ، لهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله ، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 222]

 لذلك يفرح الله أشدّ الفرح بتوبة عبده المؤمن ، فقد ورد في الحديث الشريف:

((لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والظمآن الوارد ، والعقيم الوالد ))

[الجامع الصغير عن أنس]

 أخرج البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ثُمَّ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ ))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]

 وفي رواية أخرى لمسلم :

((أنه قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك من شدة الفرح ))

كيفية التوبة من الذنوب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن المشكلة ذكرتها في دروس كثيرة ، كيف تتوب من الذنب وأنت لا تعلم أنك مذنب ؟ أولى شروط التوبة طلب العلم ، كيف يتوب المرء من الشرك الخفي أو الجلي وهو لا يعلم ما الشرك الخفي ولا الجلي ؟ ولا يعلم ما التوحيد ؟ ولا كيف يصل إلى التوحيد ؟ ولا كيف ينزلق في الشرك الذي هو أعظم الذنوب ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة لقمان: 13]

 فكيف نتوب من الشرك الخفي أو الجلي ولا نعلم نحن ما الشرك الخفي ولا الجلي ؟ وما التوحيد ؟ . . لابد من طلب العلم .
 كيف يتوب المرء من سوء الظن بالله :

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً ﴾

[سورة الفتح: 6]

 وهو لم يبذل جهداً ، ولم يخصص وقتاً لمعرفة الله حق المعرفة ، معرفة أسمائه الحسنى ، معرفة صفاته الفضلى ، معرفة أفعاله الحكيمة ، كذلك لا يعرف مصادر المعرفة ، ولا منهج المعرفة ، ليس عنده وقت ، ولا يعلم ، ولا يعلم من أين يعلم ، ولا طريقة العلم ، فكيف يتوب هذا الإنسان من سوء الظن بالله وهو سمة الغافلين ؟ . . كيف يتوب المرء من سوء الظن بالأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه وجعلهم قمم البشرية وطهرهم وزكاهم وعصمهم وجعلهم أسوة حسنة وقدوة صالحة ومثل عليا ؟ كيف يتوب المرء من هذا الذنب وهو لم يسأل الراسخين في العلم عن حقيقة عصمتهم وسر ومواقفهم وتأويل الآيات المتشابهة في حقهم ؟ كيف ؟ . لابد من طلب العلم . كيف يتوب المرء من كسب المال الحرام وهو لا يعرف حدود الحلال والحرام ؟ ولا حقيقة الربا ؟ ولا شروط البيع ولا ما يلابسه من حالات تجعله فاسداً أو باطلاً كما لا يعرف طرق الكسب المشروعة وغير المشروعة ؟ مع العلم أن ترك درهم من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام ، كيف يتوب المرء من الذنوب المتعلقة بإنفاق المال وهو لا يعرف الحقوق والواجبات ؟ ولا الحلال والحرام ؟ ولا قيمة المال في الإسلام ولا دوره الخطير في صون العرض والتقرب إلى الرب ؟ لابد من طلب العلم . كيف يتوب المرء من ذنب البغي على الشريك وهو لا يعلم متى يكون عقد الشركة صحيحاً ؟ ومتى يكون فاسداً أو باطلاً ؟ كذلك لا يعلم أن الله ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ، كيف يتوب ؟ لابد من طلب العلم ، لابد من أن يعرف حكم الله في كل شيء ، لابد من أن يعرف الحلال والحرام ، لابد من أن يعرف الآمر والأمر . كيف يتوب المرء من ذنوب العلاقات الاجتماعية ولا سيما الاختلاط وهو لا يعرف آداب الإسلام وأخلاق المسلم كما بينها النبي عليه الصلاة والسلام ؟
 كيف يتوب المرء في عقوق الوالدين والجور في معاملة الأبناء وهضم حقوق الزوجة وحرمان البنات من الميراث وهو لا يعلم أوامر الله ونواهيه في كل ما يتعلق بالأسرة ؟ كيف يتوب المرء من الكذب والتدليس والغش والاحتكار ورفع الأسعار وهو لا يعلم ما عند الله من عظيم الإكرام إذا هو نفع عباده وخفف عنهم أعباء الحياة ؟ ولا ما عند الله من شديد العقاب إذا هو أكل أموالهم بالباطل ؟ فالخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الفقرات على سبيل الاصطفاء لا على سبيل الاستقصاء ، فما من مشكلة يعاني منها المجتمع البشري إلا بسبب خروج عن منهج الله الذي ارتضاه لعباده .

 

التوبة علم وحال وعمل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التوبة كما تعلمون علم وحال وعمل ، العلم بالله ، والعلم بأمره، والعلم بضرر الذنب ، وما يفوت على المرء من خير كثير ، وما يجلب له من ضرّ كبير .
 إن العلم بخطورة الذنب وما يترتب عليه من آثار وبيلة ، تبدأ في الدنيا ، وتمتد إن لم يتب إلى الآخرة ، إن هذا العلم الحقيقي يولد حالة نفسية مؤلمة ، وصفها النبي بأنها الندم ، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( الندم توبة ))

[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]

 وقد قال العلماء في تفسير هذا الحديث : لا يخلو الندم من علم سببه ومن عمل أورثه .
 ربما وضحت الحقيقة في قصة عمر رضي الله عنه مع المرأة المرضع ، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : قدمت المدينة قافلة نزلت في المصلى ، فقال لي عمر : هل لك أن نحرسهم الليلة ؟ فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما ، فسمع عمر بكاء صبي ، فتوجه نحوه وقال لأمه: اتقي الله وأحسني إلى صبيك ، ثم عاد إلى مكانه ، فسمع بكاءه ثانية فعاد إلى أمه وقال :اتقي الله وأحسني إلى صبيك ، ثم عاد إلى مكانه فلما كان آخر الليل ، سمع بكاءه ، فأتى أمه وقال: ويحك إني لأراك أمَّ سوء ، مالي لا أرى ابنك لا يقرُّ هذه الليلة ؟ فقالت : يا عبد الله قد أضجرتني هذه الليلة ، إني أجبره على الفطام فيأبى ، قال : ولمَ ؟ قالت : لأن عمر لا يفرض العطاء إلا للفطيم ، قال : وكم له ؟ قالت : كذا وكذا شهر ، قال : ويحك لا تعجلي عليه ، ثم صاح مخاطباً نفسه والألم يعتصر قلبه: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أولاد المسلمين ، فلما صلى الفجر إماماً ما استبان الناس قراءته من شدة بكائه ، ثم أمر منادياً فنادى : لا تعجلوا على صبيانكم في الفطام ، فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام عطاءه ، وكتب بذلك إلى الآفاق ، وقد سُمع عمر رضي الله عنه وهو يصلي الليل في المسجد يناجي ربه ويقول: " رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟"
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

باب التوبة مفتوح على مصارعه في كل لحظة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بإمكان كل مؤمن آمن بالله ، وآمن برحمته ، وآمن بمغفرته ، وآمن بقبول توبته ، بإمكان كل مؤمن في اللحظة الحالية أن يفتح مع الله صفحة جديدة . إذا قال العبد : يا رب وهو راكع ، قال الله : لبيك يا عبدي ، فإن قال : يا رب وهو ساجد ، قال : لبيك يا عبدي ، فإن قال : يا رب وهو عاص ، قال الله له : لبيك ثم لبيك ثم لبيك . باب التوبة مفتوح على مصارعه ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرةً ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 المؤمن مذنب تواب ، وكل مؤمن له ذنب في مستوى درجته ، فالغفلة أحياناً ذنب ، والنسيان ذنب ، وعدم ذكر الله ذنب ، فكل ذنب يتناسب مع صاحبه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما مضى فات ، والمؤمل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، الماضي مضى ، والمستقبل لا تملكه ، أنت لا تملك إلا هذه اللحظة ، ولا تملك أن تعيش بعدها لحظة واحدة ، ومن عدَّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت . لذلك التوبة كما قال الأئمة الكبار : علم وحال وعمل ، حالة الندم هذه التي ولدها العلم ، تولِّد بدورها إرادة وقصداً إلى فعل، العلم ولد حالاً ، الحال ولد عملاً ، العمل له ثلاثة اتجاهات ؛ عمل متعلق بالحال ، وعمل متعلق بالماضي ، وعمل متعلق بالاستقبال . فالتائب يترك الذنب الذي كان متلبساً به في الحال ، ويقلع عنه ، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب ، فالإقلاع عن الذنب في الحال أحد شروط التوبة ، وحينما يعرف المرء من هو الآمر ، إنه خالق السموات والأرض وهو على كل شيء وكيل ، ومن إليه يُرجع الأمر كله وإليه المصير ، حينما يعرف المرء أن سعادته في الدنيا والآخرة متوقفة على فعل أوامره وترك نواهيه ، حينا يعرف المرء أن مخالفة أمره تعني شقاء لا حدود له ، حينما يعرف المرء كل هذا يقلع عن الذنب لتوه .
 وأما الفعل المتعلق بالاستقبال فهو العزم الصادق الأكيد على ألا يعود إلى مقارفة الذنب ، كما يكره الإنسان أن يُلقى في النار ، وقد فسر سيدنا عمر التوبة النصوح بان يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع .
 وقال سعيد بن المسيب في التوبة النصوح: "إنها توبة تنصحون بها أنفسكم" . وأما الفعل المتعلق بالماضي فهو الاستغفار إذا كان الذنب بين العبد وربه ، والإصلاح إذا كان الذنب متعلقاً بحق آدمي ، إذ لابد للتائب من أن يخرج من هذا التعلق إما بأداء الحق إلى صاحبه ، أو إلى ورثته ، أو بالتصدق عنه . . بالأداء ؛ أداء الحق إلى صاحبه ، أو إلى ورثته، أو بالتصدق عنه ، وإما باستحلاله منه ، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض ، فليتحلله اليوم ، قبل ألا يكون دينار ولا درهم ، إلا الحسنات والسيئات ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حق الآدمي لا يسقط إلا بأدائه أو استحلاله ؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة ، بينما حقوق رب العباد مبنية على المسامحة ، قال تعالى :

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 89]

 وكلمة " وأصلحوا " تعني أداء الحقوق أو استحلالها بالمسامحة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الحقائق ، وتلك الآيات ، وهذه الأحاديث متعلقة بالتوبة، وأذكركم مرةً ثانية : أنه ما مضى فات ، والمؤمل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها ، وبإمكان كل إنسان إذا عقل حقيقة التوبة ، أن ينتقل من الشقاء إلى السعادة ، بالتوبة إلى الله ، ومن التقصير إلى الجد ، ومن الإساءة إلى الإحسان ، ومن الضياع إلى أن يجد نفسه .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018