الخطبة : 0546 - الدين النصيحة - التجارة الرابحة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0546 - الدين النصيحة - التجارة الرابحة .


1995-11-10

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النّصيحة المخلصة لكلّ مسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع دقيق في حياة المسلمين ، وهو النصح . لقد شاءت حكمة الله أن نأتي إلى الدنيا تباعاً ، وأن نغادرها تباعاً ، وكان من الممكن أن نأتي إلى الدنيا دفعة واحدة جميعاً ، وأن نموت جميعاً ، ولكن حكمة الله البالغة حينما جاء بنا إلى الدنيا تباعاً ليستفيد بعضنا من بعض .
 الإنسان أيها الأخوة خلال عمره الطويل تتراكم عنده الخبرات ، وتتراكم عند المعارف، وتتراكم عنده التجارب ، تعلمه الحياة الشيء الكثير ، الوقائع تعلمه ، والنصوص تعلمه ، والمواعظ تعلمه ، والتعليم أحد أسباب نماء هذه الخبرات ، لئلا يبدأ كل منا من الصفر ، قد تنقضي الحياة ولا يحصل الإنسان بخبراته الشخصية ، من تجاربه الذاتية إلا النذر اليسير، ولكن يأتي ابن من أبٍ له تجارب ، له خبرات ، له معارف ، هذه التجارب ، وتلك الخبرات ، وهذه المعارف يلقنها لابنه بكلمات معدودة ، لذلك من كرامة الإنسان على الله أنه علمه البيان :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 والبيان الذي علمه الله للإنسان بيان شفهي ؛ النطق والاستماع ، وبيان كتابي ؛ الكتابة والقراءة ، بالبيان الشفهي يتصل أفراد النوع ، وبالبيان المكتوب تنتقل المعارف من جيل إلى جيل ، ومن شعب إلى شعب ، ومن أمة إلى أمة ، ومن حقبة إلى حقبة .
 لذلك كانت النصيحة ذات مركز كبير في الإسلام ؛ لأن الذي عرف الله ، وعرف حقيقة الدنيا ، وعرف الأمر والنهي ، وعرف عواقب الأمور ، هذا يقدم لأبنائه ، ولإخوانه ، ولمن حوله ، ولمن هم دونه ، ولمن هم في سنه ، هذه الخبرات مكثفة في كلمات ، لذلك سيدنا جرير بن عبد الله قال:

((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقلت : يا رسول الله أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ، فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ))

[متفق عليه عن جرير بن عبد الله ]

 النصح لكل مسلم ، أي النبي عليه الصلاة والسلام علّق قبول الإسلام ، قبول بيعته على الإسلام ، واشترط عليه النصح لكل مسلم . لا تجد مؤمناً صادقاً ، لا تجد مسلماً مخلصاً إلا وهو ينصح من حوله ، النصيحة المخلصة مقبولة ، والنصيحة المخلصة ينبغي أن تشكر عليها ، والنصيحة المخلصة لا تُقدر بثمن ، فالنبي عليه الصلاة والسلام شرط على سيدنا جرير حينما أتاه يبايعه على الإسلام النصح لكل مسلم .

 

شروط النّصح :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ولكن النصح لكل مسلم له شروط ، من أولى شروطه الرفق واللين ، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 إذا نصحت فابدأ بكليات الدين ، إذا نصحت فابدأ بالأساسيات ، إذا نصحت عرِّف بالآمر قبل الأمر ، إذا نصحت دُلَّ على الله ، حبب طاعته ، كرِّه معصيته ، ثم بيّن بعد ذلك طاعته ومعصيته ، يجب أن تعطي الطاعة قيمتها ، وأن تعطي المعصية وبالها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام سيد المعلمين ، سيد المربين ، سيد الدعاة قال :

((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا))

 وقال أيضاً :

((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))

[ مسلم وأبو داود عن أبي هريرة]

 هم لم يهلكوا ، هو الذي أهلكَهم ، وفي رواية فهو أهلكُهم أي هو أشدهم هلاكاً .
 المعنى الأول هو الذي توهم أنهم هالكون ، أو هو الذي يُعدّ عند الله أشدهم هلاكاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ فرق كبير بين النصيحة وبين الفضيحة ، فرق كبير بين النصيحة وبين الفتنة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ))

[البُخَارِيُّ عن أبي هريرة ]

 كلمة واحدة ، كلمة يهوي بها الإنسان في النار ، وكلمة يرقى بها في الجنان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما إن يستقر الإيمان في قلب المؤمن حتى يعبر عن ذاته بالنصيحة ، لكن الذي يخلص في نصيحته يلهمه الله الأسلوب اللطيف ، الأسلوب الرقيق ، الكلمة الحانية ، الطريقة التي تحبها النفوس ، لا تنفر منها :

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ))

[البُخَارِيُّ عن أبي هريرة ]

 جئنا إلى الدنيا تباعاً ليستفيد بعضنا من بعض ، ليعلم بعضنا بعضاً ، لينصح بعضنا بعضاً ، لتنتقل هذه المعارف ، وتلك الخبرات ، وهذه الحقائق ، وهذه المشاهدات ، لتنتقل من أب إلى ابنه ، من معلم إلى تلميذه ، من أخ إلى أخيه ، من صديق إلى صديقه ، من جيل إلى جيل ، من حقبة إلى حقبة ، من أمة إلى أمة عن طريق الترجمة .

 

الانفضاض و الالتفاف :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى يعلمنا من خلال توجيه النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله عز وجل :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 دققوا في هذه الآية ، الباء باء السبب ، بسبب ما استقر في قلبك يا محمد من الرحمة التي أتتك من خلال اتصالك بالله عز وجل ،

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

 لين جانبك ، أنك تألف وتؤلف ، أحبك الناس ، أقبل عليك الناس ، بسبب اللين ، لين العريكة ، ولين الأخلاق ، وسماحة النفس ، وهذه بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك ، ولو لم تكن هذه الرحمة في قلبك ، لو نُزعت هذه الرحمة من قلبك ، لكنت فظاً غليظ القلب ، عندئذ ينفض الناس من حولك .

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يبدو من خلال هذه الآية أن الإنسان الموصول بالله يستقيم على أمره ، فيتصل به ، من خلال هذه الصلة تستقر الرحمة في القلب ، وهذه الرحمة تدعو صاحبها إلى اللين ، إلى الرفق ، إلى التلطف ، إلى الحكمة ، إلى اختيار أحلى الكلمات ، أدق العبارات، يختار أدق كلمة يُفهم من خلالها أخاه دون أن يجرحه ، لذلك يلتف الناس حول الناصح ، يحبون الناصح ، يهتمون بكلامه ، ما أخلص عبد لله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة والرحمة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه من أنه معصوم ، ومن أنه يوحى إليه ، ومن أنه مؤيد بالمعجزات ، ومن أنه سيد ولد آدم ، ومن أنه سيد الأنبياء والمرسلين ، على كل هذه الخصائص ، أنت يا محمد :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 لذلك هؤلاء الذين ينصحون ينبغي أن تستقر الرحمة في قلوبهم ، كي يلهموا الصواب ، لذلك قال تعالى :

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة النحل: 125]

 وقد ورد :

((مَن أمر بالمعروف فليكن أمره بمعروف))

[ البيهقي عن ابن عمرو ]

أمر الله هو النافذ فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ سيدنا لقمان له نصيحة عظيمة النفع ، دقيقة المعاني ، واسعة الشمول ، وردت في سورة لقمان ، قال تعالى :

﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة لقمان: 13]

 وما أهلك الناس إلا الشرك ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . لا أحد يشك في أن لهذا الكون خالقاً ، لكن هذا الخالق العظيم ، والإله الرحيم ، والرب الكريم ، في السماء إله ، وفي الأرض إله ، إله فعال يفعل ما يريد .

﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

[ سورة هود : 107]

 أمره هو النافذ ، مشيئته هي الحاصلة ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن .

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف: 84 ]

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

[ سورة هود: 123 ]

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

[ سورة الفتح: 10 ]

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾

[ سورة الأنفال : 17 ]

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدً ﴾

[ سورة الكهف: 26 ]

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾

[ سورة الرعد : 41 ]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

[ سورة الأعراف : 54 ]

﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 62]

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة فاطر : 2]

نموذج قرآني في الوصية والنصيحة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النصيحة الأولى : ذنب لا يُغفر ، وذنب لا يُترك ، وذنب يغفر، أما الذنب الذي لا يُغفر فهو الشرك بالله تعالى ، وأما الذنب الذي لا يُترك فظلم العباد بعضهم لبعض ، وأما الذنب الذي يُغفر فما كان بينك وبين الله . النصيحة الأولى لسيدنا لقمان لابنه :

﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

[سورة لقمان: 13]

 ظلم للنفس ، وظلم للمجتمع ، وظلم للآخرين .

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾

[سورة لقمان:14]

 أن تعبد الذي خلقك ، وأن تحسن للذي كان سبب وجودك .

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة لقمان:14-15]

 هناك أب أنجبك ، وهناك أب زوجك ، وهناك أب دلك على الله .

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾

[سورة لقمان:15-16]

 علمه الاستقامة التامة ، وأن الأعمال مهما دقت لا تضيع عند الله ، وأن السيئات مهما دقت لابد من أن يُحاسب عليها الإنسان :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[سورة الزلزلة: 7-8]

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[سورة لقمان:17-19]

 هذه نصيحة موجزة ، لو أردنا التفاصيل لاستغرقت كل فقرة فيها خطبة بأكملها ، لكنها نصيحة جاءت كشاهد من نصائح الأنبياء والمرسلين ، ومن نصائح الصالحين التي وردت في القرآن الكريم .

 

نموذج نبوي في الوصية والنصيحة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من نصائح النبي صلى الله عليه وسلم :" أيها الناس - وهي من أدق النصائح ، ومن أفعلها في النفس ، بل إن الناس ولاسيما في هذه الأيام يعجب الإنسان أشد العجب ، ما أكثر المواعظ ، وما أقل المتعظين ، ما أكثر العبر ، وما أقل المعتبرين - يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((أيها الناس : كأن الموت فيها على غيرنا كُتب))

[جزء أبي القاسم الطبراني عن أبي هريرة]

 أيْ في هذه الحياة الدنيا ، إذا تأملت في حركات الإنسان في الحياة الدنيا لا تشعر أبداً أن الموت داخل في حساباته إطلاقاً ، إذا رأيت طريقة كسبه للمال ، وطريقة إنفاقه ، وأسلوب حياته ، وتمتعه بالشهوات التي حرمها الله عز وجل ، إذا نظرت في أساليب حياة المسلمين في الأعمّ الأغلب لا تجد أن الموت ، ولقاء الله عز وجل ، والوقوف بين يديه، والحساب داخل في حساباتهم إطلاقاً . لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((أيها الناس : كأن الموت فيها على غيرنا كُتب ، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب ، وكأن الذي نشيع من أموات سَفرٌ عما قليل إلينا راجعون))

[جزء أبي القاسم الطبراني عن أبي هريرة]

 ألا ترى جنازة في المسجد وأناس كثيرون واقفون على باب المسجد لا يصلون ، هؤلاء الذين جاؤوا لتشييعه أليسوا لاحقين به ؟

كل ابن أنثى و إن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـــــــــــازة  فـاعلم بأنك بعدها محمــــــــول
***

 لابد من أن تدخل المسجد مرةً ليُصلى عليك ، أبداً . . الموت حق ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر . نأكل تراثهم ، كأنا مخلدون بعدهم ، قد نسينا كل واعظة ، وأمنا كل جائحة . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس . . اشتغل بإصلاح عيوبه ، اشتغل بتطهير نفسه ، اشتغل بتصفية قلبه ، اشتغل بذكر ربه ، اشتغل بإقامة شعائر الله ، اشتغل بعبادة ربه . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، طوبى لمن طاب كسبه . كان دخله حلالاً ، بنى رزقه على طريقة حميدة ، لم يبن رزقه على محرم ، ولم يبن ماله على أنقاض الناس . طوبى لمن طاب كسبه ، طوبى لمن صلحت سريرته . . ليس في قلبه حقد ، ولا حسد ، ولا كبر ، ولا استعلاء ، قلبه سليم معافى . طوبى لمن طاب كسبه ، طوبى لمن صلحت سريرته ، وحسنت علانيته . علانية الإنسان مطلوبة ، المؤمن يجب الغيبة عن نفسه ، يضع نفسه حيث ينبغي ، لا يضع نفسه موضع التهمة . طوبى لمن طاب كسبه ، وصلحت سريرته ، وحسنت علانيته ، واستقامت طريقته ، طوبى لمن تواضع لله من غير منقصة ، وأنفق مما جمعه من غير معصية . أنفق المال الحلال الذي جمعه بكد يمينه وعرق جبينه . . وأنفق مما جمعه من غير معصية ، وخالط أهل الفقه والحكمة . . يسعد بلقائه مع المؤمنين ، وينقبض قلبه بلقائه مع أهل الدنيا . وخالط أهل الفقه والحكمة ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، ووسعته السنة ولم يعدل عنها إلى البدعة . نصيحة جامعة مانعة . .

((أيها الناس : كأن الموت فيها على غيرنا كُتب ، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب ، وكأن الذي نشيع من أموات سَفرٌ عما قليل إلينا راجعون ، نأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم ، قد نسينا كل واعظة ، وأمنا كل جائحة ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، طوبى لمن طاب كسبه ، وصلحت سريرته ، وحسنت علانيته ، واستقامت طريقته ، طوبى لمن تواضع من غير معصية ، وخالط أهل الفقه والحكمة ، ورحم أهل الذل والمسكنة ، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله ، وأمسك الفضل من قوله ، طوبى لمن وسعته السنة ولم يعدل عنها إلى البدعة))

[جزء أبي القاسم الطبراني عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ النموذج الأول نموذج قرآني في الوصية والنصيحة ، والنموذج الثاني نموذج نبوي في الوصية والنصيحة .

 

نموذج عن أصحاب النبي في الوصية والنصيحة :

 وأما النموذج الثالث فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال ابن عباس :" قال لي أبي يوماً ، أي بني إني أرى أمير المؤمنين عمر يدعوك ، ويقربك ، ويستشيرك مع أصحاب رسول الله ، فاحفظ عني ثلاث خصال ؛ اتق الله - استقم على أمره- ، ولا يجربن عليك كذبةً ، ولا تفشين له سراً ، ولا تغتابن عنده أحداً " .
 قال عامر الذي حدث بهذا الحديث : قلت : " يا بن عباس كل واحدة من هذه النصائح هي خير من ألف ، قال : بل كل واحدة هي خير من عشرة آلاف " ولا يجربن عليك كذبة ، الإنسان حينما يكذب يسقط ، ولو كانت كذبة ، ولو قالت الأم لابنها : تعال خذ ، وليس في يدها شيء ، هذه كذبة ، كُتبت كذبة .

 

الدين بالتعريف الجامع المانع النصيحة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تطبيقاً لهذه الخطبة ، كل واحد منكم يحضر في كل أسبوع خطبة جمعة فيها الآيات ، فيها الأحاديث ، فيها الأحكام ، فيها السير ، ألم يلفت نظرك من الخطبة كلها آية واحدة ؟ حديث واحد ؟ موقف لصحابي ؟ حكم فقهي ؟ حقيقة علمية ؟ شيء مؤثر ؟ قصة بالغة التأثير ؟ هذه الآية أو ذاك الحديث ، هذه القصة أو تلك الحقيقة ، هذا الموقف أو ذاك الحكم ، ألا تستطيع أن تحفظه ؟ وإن شئت فسجله ، لك لقاءات كثيرة في الأسبوع ، لك لقاءات ، ولك زيارات ، ولك مجالس ، ولك ولائم ، ولك نزهات ، ولك أدوار كما تُسمى ، ألا تستطيع أن تنقل تفسير آية سمعتها من خطيب الجمعة ؟ ألا تستطيع أن تنقل حديثاً شريفاً هزَّ مشاعرك ؟ ألا تستطيع أن تنقل موقف صحابي ملك عليك إعجابك ؟ هذه النصيحة ، قد تنصح مسلماً فيتوب إلى الله فهو في صحيفتك ، قد تنصح ابناً لك فيستقيم على أمر الله فهو في صحيفتك .
 الدين بالتعريف الجامع المانع - أحياناً يُعرف الدين بكلمة واحدة - قال عليه الصلاة والسلام :

((الدين النصيحة ، قالوا : يا رسول الله لمن ؟ قال : لله - انصح العباد بطاعة الله - ولكتابه -انصح العباد بقراءة كتابه ، وتدبر آيات كتابه ، والعمل بآيات كتابه ، ثم لمن؟ - ولرسوله - انصح الناس باتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولأئمة المسلمين ، وعامّتهم))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 الدين بالتعريف الجامع المانع النصيحة . . وما إن يستقر الإيمان في قلب المؤمن إلا و يعبر عن ذاته بذاته بالنصيحة ، لكنه إذا استقر في قلبك رحمة من خلال اتصالك بالله ، عندئذ تعرف كيف تنصح ، تكون ليناً ، تكون مترفقاً ، تكون حكيماً ، تكون أنيساً ، تكون واضحاً ، تكون علمياً ، تكون ناصحاً مع الدليل ، لذلك في مطلع الخطبة قلت : فرق كبير بين النصيحة ، وبين الفضيحة ، فرق كبير بين النصيحة وبين الفتنة ، انصح ولا تحرج ، ولا تحمر الوجوه ، ولا تفضح ، ولا تستعلي ، إن كان في قلبك رحمة تتلطف في نصيحتك ، إن كان في قلبك رحمة تختار الأسلوب الأمثل في نصيحتك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التجارة الرابحة هي التجارة مع الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يسعى أحدنا طوال عمره ليشتري بيتاً صغيراً لا يزيد عن مئة متر ، أو ليصل إلى شهادة متواضعة تدر عليه رزقاً لا يكفيه نصف الشهر ، أو ليؤسس تجارة تملأ حياته مشقة وهماً وحزناً . ألا تسعى إلى تجارة مع الله ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة الصف: 10-12]

 قدمت هذه الآية لهذه الحقيقة ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام للإمام علي كرم الله وجهه :

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها))

[أحاديث الإحياء للعراقي ]

((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس))

[الحاكم عن أبي رافع ]

((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم))

[أبو داود عن سهل بن سعد الساعدي ]

 بإقناع ، ومداراة ، وخدمة ، وتلطف ، ومداومة ، وتفقد ، إن أكرمك الله بهداية رجل واحد فخير لك من الدنيا وما فيها ، في الدنيا تجارات وأرباح ، وقصور ، ومركبات ، ومتع ، ومباهج ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها))

 لكن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول :" ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس …. ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى "
 بربكم ، لو جاءك خبر أن هذا البيت معروض للبيع بمئتي ألف ليرة ، وثمنه يزيد على مليونين ، هل تنام الليل ؟ هل تقول : غداً أشتريه أم تذهب إلى بيت الدلال في الليل ؟ لماذا المغنم العاجل نسرع إليه والمغنم الآجل نتوانى في تحقيقه ؟ إذا استطعت أن تتلقى شيئاً من العلم ، وأن تعلمه أخاك المسلم ، وأن تأخذ بيده إلى الله ، فهو خير لك من الدنيا وما فيها ، هذا كلام سيد الأنبياء ، هذا كلام الذي لا ينطق عن الهوى ، هذا كلام عدّه علماء العقيدة وحياً غير متلو . .
 أيها الأخوة ؛ مرةً ثانية : الدين النصيحة ، لا تسكت عن الخطأ ، الساكت عن الحق شيطان أخرس .

* * *

طلب العلم فريضة على كل مسلم :

 إحدى محطات الأخبار العالمية نقلت الخبر التالي : أرسلت مركبة فضائية تحمل مرصداً عملاقاً ، قطر عدسته ثمانية أمتار ، هذه المركبة أرسلت قبل أربع سنوات ، ويغلب على ظني أن سرعتها تزيد على أربعين ألف ميل في الساعة ، مضى على انطلاقها من الأرض أربع سنوات ، وفيها مرصد عملاق ، من أجل أن يكتشف خبايا الكون وأسراره ، لعله اقترب من المشتري ، وقد التقط قبل يومين صورة مجرة جديدة اكتشفت حديثاً .
 أنا كنت أقول قبل أيام وقبل أسابيع : إن أبعد مجرة اكتشفت بعدها عنا يقدر بأربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية ، وكلكم يعلم أن أقرب نجم ملتهب يبعد عنا أربع سنوات ضوئية ، ولو أردت أن تعرف ماذا يعني أربع سنوات ضوئية ، لو أردت أن تصل إلى هذا النجم الذي يبعد عنا أربع سنوات ضوئية في مركبة أرضية تحتاج إلى خمسين مليون عام . نجم القطب أربعة آلاف ، المرأة المسلسلة مليونا ، أحدث مجرة يقدر بعدها بأربعة وعشرين ألف مليون . الخبر الذي أذيع عن تلك المركبة الفضائية التي انطلقت قبل أربع سنوات بسرعة أربعين ألف ميل في الساعة ، والتي يظن أنها قرب المشتري ، أرسلت قبل أيام صورةً لمجرة تبعد عنا - الآن دققوا في هذا الرقم - ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ، والبليون ألف مليون ، وهذه المجرة كانت في هذا الموقع قبل ثلاثمئة ألف بليون سنة ، ثم تحولت إلى موقع آخر ، لأن سرعتها تزيد على مئتين وأربعين ألف كيلو متر في الثانية ، أين هي الآن ؟ . . الآن دققوا في قوله تعالى :

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 هذا الإله العظيم الذي خلق هذا الكون العظيم أيعصى ؟ . . أينصرف الإنسان عن أمره ونهيه ؟ لا يعبأ بوعده ووعيده ؟ يرجو غيره ؟ يخاف غيره ؟ يسعى لإرضاء غيره ؟

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ، تبعد عنا هذه المجرة التي اكتُشفت قبل يومين ، أما إذا علمتم أن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، في الثانية الواحدة !. . كم قطع الضوء من أول هذه الخطبة حتى الآن ؟ في الدقيقة ضرب ستين ، في الساعة ضرب ستين ، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، في اليوم ضرب أربع وعشرين . .

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة: 75-76]

 لذلك قال الله العظيم جلّ جلاله :

﴿كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر : 28]

 إذا أردت أن تعرف الله فاطلب العلم ، رتبة العلم أعلى الرتب ، العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، حضور خطبة الجمعة جيد جداً وهي فريضة لا شك فيها ، ولكن لا يكفي أن تستمع من أسبوع إلى أسبوع إلى كلام يُلقى في ساعة ، لابد من حضور مجالس العلم، لابد من أن تعرف كتاب الله على ماذا ينطوي ، أن تعرف أمره ونهيه ، أن تعرف وعده ووعيده ، أن تعرف حلاله وحرامه ، لابد من أن تعرف سنة رسول الله ، لابد من أن تعرف سيرة رسول الله، لابد من أن تعتقد العقيدة الصحيحة ، لماذا أنت في الدنيا ؟ أين كنت ؟ ولماذا ؟ وإلى أين؟ طلب العلم فرض عين على كل مسلم ، لا تقل : أنا لست مختصاً بشؤون الدين ، أنا أعمل في الحقل الفلاني ، هذا كلام لا يقبل ، طلب العلم فريضة على كل مسلم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، و لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018