الخطبة : 0544 - علاج الفقر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0544 - علاج الفقر.


1995-10-20

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العمل أبرز علاج من علاجات الفقر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الخطبة السابقة تحدثت عن فقر الكسل ، عن فقر التسيب، عن فقر الإهمال ، عن فقر عدم الإتقان ، عن فقر الميل إلى الراحة ، وتحدثت عن غنى الكفاية، وبينت أن الفقر خطر على العقيدة ، وخطر على الأخلاق ، وخطر على الفكر الإنساني، وخطر على الأسرة ، وخطر على المجتمع ، وأن الإسلام ينكر أشدّ الإنكار تقديس الفقر ، ليس في القرآن كله ، ولا في الحديث الشريف الصحيح كله ، آية أو حديث تقدس الفقر، وينكر النظرة الجبرية للفقر ، هذا موضوع الخطبة السابقة ولكن ما الحل ؟ . . ما الطريق إلى تلافي الأخطار؟ . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يصيب الدعاة أحياناً جانب الحقيقة حينما يصفون الواقع ، وما فيه من مآس ، ويصيب بعض الدعاة جانب الحقيقة الآخر حينما يصفون المثل العليا ، ولكن كيف السبيل إلى التحرك من الواقع السيئ إلى المثالية ؟ كيف السبيل إلى الخلاص ؟ ما المنهج؟ ما الطريق ؟ ما الخطوات العملية ؟ ما البديل ؟
 أردت في هذه الخطبة أن أتحدث عن علاج الفقر ، بينت أخطار الفقر واليوم أتحدث لا عن علاج الفقر الذي ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة ، بل عن أحد أبرز علاجات الفقر ، ألا وهو العمل . .

العمل هو السلاح الأول لمحاربة الفقر و جلب الرزق و عمارة الأرض :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كل إنسان في مجتمع المسلمين مطالبٌ أن يعمل ، مأمور أن يمشي في مناكب الأرض ، ليأكل من رزق الله ، قال تعالى :

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[سورة تبارك : 15]

 جعل لكم الأرض ذلولاً : مذللة ، فيها معادن ، فيها أشباه معادن ، فيها ينابيع ، فيها خصائص للإنبات ، فيها بذور ، فيها كل شيء .

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[سورة تبارك : 15]

 أيها الأخوة الكرام ؛ عرَّف بعضهم العمل أنه ذلك المجهود - جهد مع علم - يقوم به الإنسان وحده أو مع غيره ، لإنتاج غذاء ، أو سلعة ، أو توزيعهما ، أو لإنتاج خدمة يحتاجها الإنسان ، هذه بعض تعاريف العمل .
 والعمل هو السلاح الأول لمحاربة الفقر ، هو السبب الأول لجلب الرزق ، هو العنصر الأول في عمارة الأرض التي استخلف الله فيها الإنسان وأمره أن يعمرها ، قال تعالى :

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾

[سورة هود : 61]

 طلب منكم أن تُعمروها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإسلام يفتح أبواب العمل أمام المسلم على مصاريعها ، ليختار من بين هذه الأعمال ما يميل إليه ، أو ما يملك أهليته . والإسلام لا يسد أبواب العمل في وجه المسلم إلا إذا كان في العمل ضرر على الفرد أو المجتمع ، فأي كسب يصيب المجتمع بالضرر فهو محرم .
 كما أن الإسلام لا يفرض على الإنسان عملاً معيناً ، إلا إذا تعين ذلك لمصلحة المجتمع .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أبلغ مقال قاله عمر بن الخطاب لأحد الولاة ممتحناً ، قال له : ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال : أقطع يده ، قال : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل بلا عمل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً ، التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

العقبات التي تحول بين الإنسان و بين العمل :

1 ـ ادعاء التوكل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الناتج من العمل يحقق كفاية الإنسان ، وكفاية أهله ، ومجتمعه، ويحقق خدمة المسلمين ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام - ويجب أن نقف ملياً عند هذا الحديث - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 شيئان في الحديث علينا أن نعطي الأجير - لم يقل عليه الصلاة والسلام : أعطوا الأجير أجراً ، أعطوا الأجير أجره المكافئ لجهده ، الذي يغطي حاجاته ، أعطوا الأجير أجره - وينبغي أن يُعطى الأجر سريعاً قبل أن يجف عرقه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإسلام عالج كل العقبات التي تحول بين الإنسان وبين العمل، بل إنه عالج البواعث المرضية التي تمنع الإنسان من العمل ، عالج العقبات أزالها ، وصحح المفهومات ، فمن يدعي التوكل وهو لا يعمل :

(( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله : أأعقلها أم أتوكل على الله ؟ - فهم أن التوكل يتناقض مع عقل الناقة أي مع ربطها - أأعقلها أم أتوكل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : اعقلها وتوكل))

[رواه الترمذي وابن ماجه وقال حديث حسن صحيح عن أنس]

 ليس هناك تناقض بين التوكل وبين الأخذ بالأسباب .

(( اعقلها وتوكل ))

 تروي كتب السيرة ، سيرة أعلام الإسلام أن شقيق البلخي ذهب في رحلة تجارية وودع صديقه الصوفي إبراهيم بن الأدهم ، ثم إن إبراهيم بن الأدهم فوجئ بأن شقيق البلخي عاد سريعاً من رحلته التجارية ، فسأله عن سبب رجوعه مبكراً ، فقال شقيق البلخي : رأيت في سفري عجباً فعدلت عن الرحلة . قال إبراهيم : ماذا رأيت ؟ قال شقيق : أويت إلى مكان خرب لأستريح قليلاً ، فوجت طائراً كسيحاً أعمى ، فعجبت ، كيف يعيش هذا الطائر الكسيح الأعمى ومن يطعمه في هذا المكان الخرب النائي وهو لا يُبصر ولا يتحرك ? ثم لم ألبث أن رأيت طائراً آخر يحمل له الطعام في اليوم مرات ، حتى يكتفي فقلت : إن الذي رزق هذا الطائر الكسيح الأعمى قادر على أن يرزقني ، فقعدت من ساعتي وألغيت رحلة التجارة . فقال إبراهيم بن الأدهم : عجباً لك يا شقيق ، لمَ رضيت لنفسك أن تكون ذلك الطائر الكسيح الأعمى الذي يعيش على معونة غيره ولم ترض لها أن تكون الطائر الآخر الذي سعى على نفسه وعلى غيره من العميان والكسحاء ؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى ؟ . فقام شقيق إلى إبراهيم ، وقبّل يده وقال : أنت أستاذنا يا أبا إسحاق . لمَ أردت أن تكون ذلك الطائر الكسيح الأعمى ، ولم تكن ذلك الطائر الذي يسعى على نفسه وعلى إطعام غيره ، أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى ؟ هذه عقبة أولى .
 سيدنا عمر رضي الله عنه رأى أناساً يتكففون الناس ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكلون ، قال : كذبتم ، المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله . فكل من يدعي أن العمل يتناقض مع التوكل إنسان جاهل واهم ، بالعكس العمل يتكامل مع التوكل ، عليك أن تأخذ بالأسباب ، وأن تتوكل على رب الأرباب ، التوكل مكانه القلب ، والعمل مكانه الجوارح ، فأنت في جوارحك تعمل ، وفي قلبك متوكل ، وهذا هو الأكمل .

2 ـ الاعتماد على الأحاديث الشريفة و عدم العمل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بعضهم يعتمدون على حديث شريف صحيح ، ولا يعملون ، هذا الحديث الشريف الصحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ ، الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا))

[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 تغدو : أي تذهب قبل الغداة ، صباحاً باكراً . وتروح : تعود بعد المغيب .
 تغدو خماصاً : أي جائعة ، بطنها فارغ ، وتروح بطاناً : ممتلئة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الحديث نفسه يرد على من اتخذه حجة في ترك العمل ، هذا الطائر الذي يغدو خماصاً ، ويروح بطاناً ، لولا أنه غدا لما راح شبعان . الطائر يغدو ؛ على الإنسان أن يسعى ، وليس عليه إدراك النجاح .
 الإمام أحمد بن حنبل قيل له : ما تقول فيمن جلس في بيته أو في المسجد وقال : لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي ؟ فقال الإمام أحمد : هذا رجل جاهل جعل رزقه من دون سبب، فالله سبحانه وتعالى قال :

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[سورة تبارك : 15]

 وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح :

((جُعل رزقي تحت ظل رمحي))

[أحمد عن ابن عمر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 10]

 قال بعض المفسرين المعايش : أي أبواب الرزق . هناك أبواب للرزق لا يعلمها إلا الله . الحَرُّ الذي يأتي ، كم مليون إنسان يعيش في العالم على الحرِّ ؟ التكييف ، والتهوية ، والمرطبات ، ومعامل الثلج . ثم يأتي البرد ، كم إنسان في الأرض يعيش على البرد ؟ كم إنسان يعيش على طول الشعر ؟ كم إنسان يعيش على مرض الجسم ؟ الأطباء ، والمستشفيات والتحاليل ، والأجهزة ، وما إلى ذلك . كم من إنسان يعيشون على الجهل ؟ التعليم ، والمدارس وما إلى ذلك . هناك معايش لا يعلمها إلا الله ، أبواب الرزق مفتحة على مصاريعها .

 

المشي في المناكب سبب للأكل من الرزق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن النقطة الدقيقة في هذه الخطبة هي أن الأرزاق التي ضمنها الله عز وجل ، وأن الأقوات التي قدرها الله عز وجل ، وأن المعايش التي يسرها الله عز وجل لا تُنال إلا بجهد بشري ، جهد يبذل ، وعمل يؤدى ، لذلك جعل الله المشي في المناكب سبباً للأكل من الرزق ، قال تعالى :

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[سورة تبارك : 15]

 بل إنَّ الله سبحانه وتعالى حينما وصف الأنبياء وصفهم ببشريتهم فقال :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾

[سورة الفرقان : 20]

 هم مفتقرون في وجودهم ، بل وفي استمرار وجودهم إلى تناول الطعام ، بل إنهم مفتقرون في تأمين الطعام إلى المشي في الأسواق .

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾

[سورة الفرقان : 20]

 فمن مشى أكل ، ومن كان قادراً على المشي ولم يمش كان جديراً ألا يأكل ، هذا هو نظام الإسلام . . من مشى أكل ، ومن كان قادراً على المشي ولم يمش ينبغي ألا ياكل من أجل أن يعمل ، وإليكم الأدلة : سيدنا عمر يقول : لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول : اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ، وأن الله تعالى يقول :

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[سورة الجمعة: 10]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل المسجد يقول :

((اللهم افتح لي أبواب رحمتك))

[مسلم عن أبي حميد]

 أنت في المسجد في أمسِّ الحاجة إلى رحمة الله يلقيها على قلبك ، أنت في حاجة إلى السكينة ، إلى الرحمة ، إلى نور يُقذف في قلبك ، إلى علم يُلقى في ذهنك ، إلى طمأنينة تملأ قلبك ، هذا عطاء المسجد :

((اللهم افتح لي أبواب رحمتك))

 أما إذا خرجت من المسجد:

(( اللهم ارزقني طيباً ، واستعملني صالحاً ))

[الترمذي عن حنظلة]

 هكذا كان يدعو عليه الصلاة والسلام .

 

3 ـ التبتل لطاعة الله والانقطاع الكامل لعبادته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عقبة ثالثة تحول بين الإنسان وبين العمل ، هي التبتل لطاعة الله والانقطاع الكامل لعبادته ، هناك أناس يدعون العمل من أجل العباد ، وغاب عنهم أن العمل الشريف الشرعي في حدّ ذاته نوع من العبادة ، لذلك قال علماء النحو : إن العطف يقتضي المشاركة ، أنت لا تقول : اشتريت بيتاً وملعقة ، لأن الملعقة لا تكافئ البيت ، تقول: اشتريت أرضاً وبيتاً ، دكاناً وبيتاً ، فالعطف يقتضي المشاركة ، قال تعالى :

﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة المزمل : 20]

 سيدنا عمر رضي الله عنه يقول : ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحبّ إليّ من أن يأتيني وأنا ألتمس من فضل الله . لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام الترمذي وقال حديث حسن صحيح :

((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء))

[الترمذي ، وقال : حديث حسن ، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]

 الصادق الأمين . الصدوق : شديد الصدق لا يكذب أبداً . وقد تعجبون ، يبيع ويشتري وهو مع الصديقين والأنبياء والشهداء ؛ لأنه حينما يكون صادقاً وأميناً يكون داعيةً وهو لا يدري .
 إن أكبر قطرٍ من أقطار المجتمع الإسلامي والذي يزيد عن مئتي مليون الإسلام وصله عن طريق التجارة ، عن طريق صدق التاجر المسلم ، وعن طريق أمانته ، وقد ورد في الأثر : " إن أطيب المكاسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يمدحوا ، وإذا كان عليهم حق لم يماطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا ".

((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء))

[الترمذي ، وقال : حديث حسن ، وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]

 هذه التجارة . أما الزراعة فقال عليه الصلاة والسلام :

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 وفي الصناعة ، عَنِ الْمِقْدَامِ رَضِي اللَّه عَنْهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))

[البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ]

((ومن بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له ))

[ابن عساكر عن أنس]

((من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفوراً له))

[ الطبراني في الأوسط عن ابن عباس تصحيح السيوطي : ضعيف]

 والإمام الشعراني وهو علم من أعلام العلماء ، يفضل الصناع على العباد ؛ لأن نفع العبادة مقصور على صاحبه ، أما نفع أصحاب الحرف فلعامة الناس ، وكان يقول : ما أجمل أن يجعل الخياط إبرته سبحته ، وما أجمل أن يجعل النجار منشاره سبحته . العمل الهادف ، العمل المشروع ، الذي تسلك فيه الطرق الإسلامية المشروعة ، لا كذب ، ولا غش ، ولا تدليس، ولا انحراف ، ولا ابتزاز ، ولا دجل ، ولا استغلال ، العمل الذي في الأصل مشروعاً ، ليس فيه معصية ، بضاعة غير محرمة ، ليست سبباً للفساد . العمل المشروع إن سلكت به الطرق المشروعة فهو من العبادة .

4 ـ توهم التوكل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك عقبة رابعة : العقبة الأولى توهم التوكل ، العقبة الثانية أن يتوهم الإنسان أن العمل يبعده عن العبادة ، لكن هناك عاملاً آخر هو أن العمل في الجاهلية كان محتقراً ، ومنه المهنة من الهون .
 الإمام البخاري فيما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ))

[البخاري عن الزبير بن العوام ]

 لو باع الإنسان على الرصيف خضاراً أفضل له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه . يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري :

((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))

[ البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ]

 وفي حديث رواه الحاكم :

((إن داود كان زراداً ، وإن آدم كان حراثاً ، وكان نوح نجاراً ، وكان إدريس خياطاً، وكان موسى راعياً))

[المستدرك عن ابن عباس]

 بل إن علماء المسلمين ، الكبار المشاهير ، منهم البزاز ، والقفال ، والزجاج ، والخراز ، والجصاص ، والخواص ، والخياط ، والصبان ، والقطان . أعلام كبار كانت لهم حرف ، يكسبون منها أرزاقهم .

5 ـ ترك العمل اعتماداً على المساعدات و الزكاة :

 هناك عقبة خامسة هي أن أناساً يتركون العمل اعتماداً على المساعدات والزكاة.
 النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ :

((أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ فَسَأَلَاهُ مِنْهَا ، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ ، وَخَفَضَهُ ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ ، فَقَالَ : إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا ، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ))

[النسائي عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ]

 وقال أيضاً :

((لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ))

[النسائي وأحمد وأبو داود والترمذي]

 المرِّة : القوة ـ شاب في ريعان الشباب . سوي : كامل الأعضاء ، يسأل الناس، نقول له : اذهب واعمل . وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة :

((مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 و عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ))

[متفق عليه عن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]

(( . . . وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ))

[أحمد عن عبد الرحمن بن عوف]

ملك المـلوك إذا وهب  قم فاسألن عن السبب
الله يعطي من يشــاء  فقف على حـــدّ الأدب
***

الضرورات تبيح سؤال من وكلهم الله بقضاء حوائج الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ ، يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ ، فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ ، أَوْ فِي أَمْرٍ لا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا))

[الترمذي النسائي وأبو داود عن سمرة بن جندب]

 معنى الكدح في اللغة الخمش والجرح . هناك ضرورات ، هناك طفل مشرف على الهلاك ، يحتاج إلى عملية جراحية ، ولا يملك الأب ثمنها ، يجب أن يسأل . لك عند أولي الأمر حاجة ، الله وكلهم بقضاء حوائج الناس ، ينبغي أن تسألهم ، استثناء دقيق جداً ، استثناه النبي عليه الصلاة والسلام ؛

((إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ ، أَوْ فِي أَمْرٍ لا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا))

 يقول ابن القيم : بالمسألة ظلم في حق الربوبية ، وظلم في حق المسؤول ، وظلم في حق السائل ؛ أما أنها ظلم في حق الربوبية ، فلأن السائل توجه إلى غير الله ، وسأل غير الله. وأما أنها ظلم في حق المسؤول ، فقد أوقعته في مشقة البذل ، أو لوم المنع . وأما أنها ظلم في حق السائل ، فالإنسان يظلم نفسه حينما يسأل غير الله . ألم يقل الإمام علي كرم الله وجهه: " والله واللهِ ، مرتين ، لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يوم عاصف بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ، أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين ".

 

السعي إلى غنى الكفاية و التواضع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الموضوع موضوع حيوي جداً يقول عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ))

[أبو داود وأحمد عن عوف بن مالك]

 تحدثنا في الخطبة السابقة عن فقر الكسل ، هناك فقر القدر ، فقر القدر حكمة بالغة ، لو كُشف الغطاء لاخترتم الواقع .
 إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر ، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه . مقاومته هشة ، لمجرد أن يملك المال يعصي الله عز وجل . هذا فقر القدر ، له موضوع آخر ، وله بحث آخر ، وله تفصيلات أخرى ، حديثنا اليوم عن فقر الكسل ، عن فقر التسيب ، عن فقر الإهمال ، عن فقر عدم الإتقان ، عن فقر الميل إلى الراحة ، وإذا طلبنا الغنى فهو غنى الكفاية لا غنى الترف ، غنى التواضع لا غنى الاستعلاء .

((يا عائشة إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ))

[الترمذي عن عائشة]

 يقول سيدنا عمر : من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط .
 فعلينا أن نسعى إلى غنى الكفاية لا غنى الترف ، غنى التواضع لا غنى الاستعلاء، غنى الشكر لا غنى الكفر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

هدي الإسلام في معالجة الفقر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ روى أصحاب السنن عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ :

((أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ : بَلَى ، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ ، قَالَ : ائْتِنِي بِهِمَا ؟ قَالَ : فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ : مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ ؟ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ ، قَالَ : مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ؟ قَالَ رَجُلٌ : أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ : اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ قصة سمعتموها ، لكن لو حللناها لوجدنا فيها العجب العجاب ، النبي عليه الصلاة والسلام ما عالج هذه المشكلة أن هذا الأنصاري بحاجة إلى المال ، ما عالجه بعطاء محدود مؤقت . . وأناس كثيرون يسألهم سائل يعطونه خمسمئة ليرة ، وجبتين ، ثلاث انتهت ، النبي عليه الصلاة والسلام ما عالج الفقر بعطاء محدود لمرة واحدة ، كما أنه ما عالجه بالوعظ ؛ اصبر ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب . . جائع . .
 لابد من حلّ واقعي ، لم يُعالج بالوعظ والإرشاد ، ولم يُعالج بالعطاء المحدود المؤقت ، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن القلق لا يدفع إلى الإنتاج ، قال : اشتر بدرهم طعاماً وانبذه لأهلك ، من أجل أن يطمئن قلبه ، حينما يكتفي الأهل بالطعام والشراب والكساء والدفء ينطلق الإنسان إلى العمل ، النبي واقعي ، قال : اشتر بدرهم طعاماً وانبذه لأهلك ، ثم انطلق إلى عملك ، واشتر بالدرهم الثاني قدوماً وائتني به ، وبيده الشريفة شدّ النبي عليه عوداً .
 أولاً : عملنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذا الحديث أن يستخدم الإنسان كل ما عنده من طاقات ولو صغرت . . حلس وقعب ، ليس في بيته شيء إلا حلساً وقعباً ، وأن يستنفذ الإنسان كل ما يملك من حيل وإن كانت ضئيلة .
 وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن كل عمل يجلب رزقاً حلالاً هو عمل شريف ، افعله وارفع رأسك ، العار أن تعصي الله ، العار أن تحتال على الناس ، العار أن تكذب عليهم، العار أن تخون أمانتهم ، ليس العار أن تعمل ، أي عمل شريف يكسبك رزقك .
 احتطاب ؛ قطع أعواد ، حملها على الظهر ، وبيعها في الطريق ، عمل لا يقبله أحد ، هو عند رسول الله عمل شريف . ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما تولى بنفسه شدّ العود علّم أولي الأمر من بعده أن تهيئة الأعمال من أولى واجبات أولي الأمر . . من أولى واجبات أولي الأمر تهيئة الأعمال وتزويج الشباب ، قال تعالى :

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة النور: 32]

 مهمتان كبيرتان ، بل إن المشكلة الأولى في العالم هي البطالة ، البطالة في أمريكا وأوربا ، لأنه بالعمل يُملأ الفراغ ، بالعمل يرفع الإنسان رأسه ، بالعمل يكسب رزقه ، بالعمل يتزوج ، بالعمل يحل مشكلة البيوتات التي فيها عشرات الفتيات من دون زواج .
 ثم إن النبي عليه الصلاة السلام علمنا أن كل عمل ينبغي أن يتوافق معه الإنسان ، قال له : لا أرينك خمسة عشر يوماً . . أي جرب ، والإنسان إذا أراد أن يستخدم ، أو أن يعمل يأخذ فرصة تجريب ، لعله يوافقه ، لعله لا يوافقه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وبعد هذا جاء الدرس النظري ، قال :

((إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذا هدي الإسلام في معالجة الفقر .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018