الخطبة : 0542 - فضل صلاة الجماعة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0542 - فضل صلاة الجماعة.


1995-09-29

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

صلاة الجماعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الجمعة السابقة تحدثت عن صلة الرحم ، وكيف أن صلة الرحم تبدأ بالزيارة ، وتمرُّ بتلبية الدعوة ، والمشاركة في الأفراح ، والمواساة في الأحزان ، وتقديم الهدية ، ودفع الصدقة ، وتستمر إلى أن تصل إلى أرقى درجاتها وهي الدعوة إلى الله عز وجل. فكلما استطعت أن تدخل من أقربائك ، وذوي رحمك ، في منهج الله عز وجل ، وأن تسلكهم إلى الله عز وجل ، وأن تعرِّفهم بحقيقة دينهم ، وحقيقة مهمتهم في الحياة الدنيا ، كلما حققت من صلة الرحم المستوى الأكبر الذي أراده الله منه.
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا موضوع الخطبة السابقة ، ماذا بعد صلة الرحم ؟ لو أردنا أن نوسع الدائرة ماذا بعد صلة الرحم ؟ مرةً ثانية أقول : خير كبير يفوت على كثير من المسلمين ، وخطأ جسيم يرتكبه كثير من المسلمين ، إنها صلاة الجماعة ، النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة ، أشار إلى صلاة الجماعة ، وبيّن أنها تفضل صلاة الفذ - أي الفرد- مرةً بخمس وعشرين مرة ، ومرة بسبع وعشرين ، وقد يسأل سائل : الصلاة هي الصلاة ، والاتصال بالله هو الاتصال ، والله في كل مكان ، وهو معكم أينما كنتم ، فإذا أردنا أن نستشف حكمة صلاة الجماعة..

الحكمة من صلاة الجمعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لابد من أن حكمة صلاة الجمعة أن تلتقي بأخيك ، أن تلتقي بأخيك فتحدثه أو يحدثك ، تأخذ بيده إلى الله أو يأخذ بيدك ، يقوي عزيمتك أو تقوي عزيمته ، تدله على الله أو على مزيد من معرفة الله ، أو يدلك على الله أو على مزيد من معرفة الله ، تعينه على تحمل الشدائد ، ويعينك على تحمل الشدائد ، تقتبس من نوره ، ويقتبس من نورك ، تتفقد حاله ، ويتفقد حالك ، يعينك على فعل الخير ، أو تعينه على فعل الخير، يأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر ، أو تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر ، تستشيره ، أو يستشيرك، تسأله أو يسألك ، تجيبه أو يجيبك ، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 مكان التعاون هو المسجد ، مكان اللقاء هو المسجد ، الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

 

أجر ملازمة صلاة الجماعة و الحكمة منها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لو أردنا أن نوسع موضوع صلة الرحم ، وصلنا إلى مستوى صلاة الجماعة ؛ روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ؛ الْإِمَامُ الْعَادِلُ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 الإمام النووي يشرح معنى قلبه معلق بالمساجد أنه شديد الحب لها ، شديد الملازمة لصلاة الجماعة ، وليس معناه كما توهم بعضهم أنه يقعد في المسجد طويلاً ، أو دائماً.. قلبه معلق بالمساجد أي أينما ذهب يتمنى أن يدخل إلى المسجد يلازم صلاة الجماعة .

((.. الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة : بنو سلمة قوم يسكنون في أطراف المدينة ، أرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد النبوي ، والبقاع خالية ، بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ قَالَ وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ ، فَقَالُوا : مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا ))

[ مسلم عن جابر بن عبد الله]

 أي الزموا دياركم تُكتب لكم خطواتكم إلى المسجد مهما كثرت ، فقالوا : ما كان يسرنا أنا كنا تحولنا.
 أيها الأخوة الكرام ؛ يبدأ الأجر لمن يرتاد بيوت الله عز وجل من اللحظة التي يخرج فيها من بيته إلى اللحظة التي يعود ، وقد روى الإمام مسلم عن أبي بن كعب رضي الله عنه :

(( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من الأنصار كانت لا تخطئه الصلاة مع الجماعة ، وكان هذا الرجل لا يرغب أن يكون بيته بجوار المسجد ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ))

[مسلم عن أبي بن كعب]

 النبي عليه الصلاة والسلام أرادنا أن نصلي الجماعة في المسجد من أجل أن نلتقي بإخوتنا ، من أجل أن نكون مع الجماعة ، والجماعة رحمة والفرقة عذاب.
 وفي حديث آخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ قالها ثلاثاً ))

[مسلم عن أبي هريرة]

ارتياد المساجد سلوك لدرب العلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ المؤمن في المسجد كالسمك في الماء ، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص ، أحب البلاد إلى الله مساجدها ، فإذا كان قلبك معلقاً بالمساجد فهذه بشارة ، إذا كنت وأنت في المسجد تشعر بالراحة فهذه بشارة ، إذا كان مكانك المفضل هو المسجد فهذه بشارة ، وهذه علامة الإيمان:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾

[سورة التوبة: 18]

 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام أحمد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا ))

[أحمد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]

 أنت حينما تخرج من بيتك ، وتتوجه إلى أحد بيوت الله عز وجل ، إنك بهذا ترضي الله ، وتطلب العلم ، وطالب العلم تضع له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع ، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة . إن ارتياد المساجد سلوك لدرب العلم.

 

من توضأ ثم أتى المسجد ضمن الله له الجنة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام احمد وأبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ ، وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ ))

[أبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الموظف أحياناً إذا كُلف بمهمة ، وحدث معه حادث ، ينال راتبه الكامل طوال المدة التي يبقى فيها في بيته ، لأنه كان في مهمة ، هذا المعنى ورد في بعض الأحاديث الشريفة . روى الإمام أبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[أبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ]

 ما دمت في بيت من بيوت الله ، ما دمت في طريقك إلى المسجد ، ما دمت في طريق العودة إلى البيت ، فأنت في ذمة الله ، وضامن على الله أن يدخلك الجنة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ والنبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الإنسان إذا توضأ في بيته، ثم أتى المسجد ، فهو في صلاة حتى يرجع ، انتظار الصلاة صلاة ، والوقت الذي تمضيه في الطريق إلى المسجد صلاة ، والوقت الذي تمضيه من المسجد إلى البيت صلاة ، قال عليه الصلاة والسلام:

((إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع ))

[ الحاكم عن أبي هريرة]

من غدا إلى المسجد و راح فهو في عبادة وطاعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذا سرت إلى المسجد في وضح النهار ، والطرقات مليئةً بالمارة ، والوقت مؤنس ، فكيف إذا توجهت إلى المسجد في صلاة الفجر ليلاً والطرقات فارغة وقد تشعر بالوحشة ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ الترمذي وأبو داودعن أبي سعيد]

 وتلا قوله تعالى:

﴿ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم : 8 ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 آية بيننا وبين المنافقين ، شهود العشاء والصبح لا يستطيعونها.
 أيها الأخوة الكرام ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أنت في عبادة ، وأنت في طاعة ، وأنت في طلب العلم ، وأنت في طلب السكينة ، وأنت في طلب أن يُقذف نور في قلبك ، وأنت في طلب أن يرضى الله عنك .

(( إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني ، وحُق على المزور أن يكرم الزائر ))

[الطبراني في الكبير عن ابن مسعود]

 سيدنا عمر عملاق الإسلام رضي الله عنه يقول ": المساجد بيوت الله في الأرض ، وحُق على المزور أن يكرم زائره " وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم أتى المسجد ليصلي فيه كان زائر الله وحق على المزور أن يكرم زائره ))

[ مصنف بن أبي شيبة عن سلمان]

فرح الله بعبده إن أتاه مخلصاً لا يريد إلا الصلاة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ روى ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة - قد يُضرب موعد في المسجد ، قد يأتي إنسان المسجد ليلتقي مع فلان ، ليأخذ منه أمانة ، ليبلغه كذا وكذا ، هذه الرغبة غيرت صفاء النية - لا يَتَوَضَّأُ أَحَدٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ بِهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ))

 والتبشبش هو فرح الصديق لصديقه.

[ابن خزيمة عن أبي هريرة]

 أي الله عز وجل يفرح بك إذا أتيت بيته مخلصاً لا تريد إلا الصلاة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((أَحَدُكُمْ مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْه ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 انتظار الصلاة صلاة ، والقدوم إلى المسجد وأنت في الطريق أنت في صلاة.

 

ثواب و أجر الصّف الأول :

 ثم إن الإمام البخاري رحمه الله تعالى روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ما في الصف الأول من الثواب ، ما في الصف الأول من الأجر ، القصد أن تأتي مبكراً ، وأن تهيئ نفسك لسماع الخطب ، القصد أن تستمع إلى الخطبة من أولها إلى آخرها ، لأنها ذات موضوع متكامل ، لها مقدمة ولها عرض ولها خاتمة ، وقد تجد في أولها ما لا تجده في آخرها ، لذلك حض النبي صلى الله عليه وسلم على أن تأتي في صلاة الجمعة في وقت مبكر.
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في الحديث الشريف :

((إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة ))

[ النسائي عن البراء بن عازب]

 هنا لم يقل الصف الأول ، على الصفوف المتقدمة ، أي على الذين جاؤوا مبكرين إلى صلاة الجمعة ، أو صلاة الجماعة ، وفي حديث آخر عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ ))

[أبو داود عَنْ عَائِشَةَ]

 وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يحبون أن يصلوا على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا انتهى من صلاته وقال : السلام عليكم ورحمة الله ، كانوا أول من يطالعون وجه النبي عليه الصلاة والسلام ، كان تعلقهم بالنبي إلى هذه الدرجة ، يحبون أن يسلموا على يمين رسول الله ، حتى إذا سلم من صلاته رأوا وجهه المنير المشرق.

 

الحكمة من الإلحاح على صلاة الجماعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 وفي حديث آخر رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 الفذ : المفرد ، وقد ذكرت في مقدمة الخطبة أن الصلاة هي الصلاة ، وأن الاتصال هو الاتصال ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ألحَّ على صلاة الجماعة لأنك بصلاة الجماعة تلتقي بأخيك ، يعاونك وتعاونه ، تدله ويدلك ، يأخذ بيدك وتأخذ بيده ، تعينه ويعينك ، تقوي عزيمته ويقوي عزيمتك ، تتفقد حاله ويتفقد حالك ، الحكمة من صلاة الجماعة أن تكون مع الجماعة ، أن تكون في الجماعة ، وأن تكون عضواً نافعاً في الجماعة ، وأن تخدم الجماعة، الواحد للكل ، والكل للواحد.
 الله سبحانه وتعالى قال : يد الله مع الجماعة ، ويد الله على الجماعة ، والنبي يقول:

(( عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))

[أحمد في مسنده والترمذي والحاكم عن عمر ]

جماعة المسلمين معصومة بمجموعها و النبي معصوم بمفرده :

 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ ))

[أحمد عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 ولبعض شرَّاح الحديث شرح دقيق لهذا الحديث : كن مع مجموع المسلمين ، كن مع جمهرة العلماء ، ولا تعتمد على رأي مرجوح ، ولا على رأ ي ضعيف ، ولا تتبع بدعة لم ترد في الدين ، لا تكن في شعب ضيق ، في ناحية ضيقة منفية مهملة ، كن مع المجموع لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( لا تجتمع أمتي على ضلالة ))

[الطبراني عن أبي بصرة الغفاري]

 جماعة المسلمين معصومة بمجموعها ، أو المسلمون معصومون بمجموعهم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم :" لا تجتمع أمتي على خطأ " والنبي صلى الله عليه وسلم بمفرده معصوم.
 أيها الأخوة الكرام :

((إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ ))

[أحمد عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 لا تكن مع الفكر المنحرف ، ولا مع المذهب المرجوح ، ولا مع الرأي الضعيف ، ولا مع البدعة التي لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 الحق لا يُستحيا منه ، الحق لا يخشى البحث ، الحق لا يحتاج أن تكذب له ، ولا أن تكذب عليه ، الحق قوي في ذاته ، كن مع الحق فالحق أبلج كالشمس.

((.. فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ ))

[أحمد عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

إقبال الناس على المساجد عند اتساع دوائر الحق :

 و يروي أبو داود عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

((.. وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ))

[أبو داود عن أبي بن كعب]

 لو أممت أخاً لك ، صلاة رجل مع رجل أزكى من صلاة الرجلين وحدهما .

((.. وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ))

[أبو داود عن أبي بن كعب]

 كلما كثرت الجماعة كانت أحبّ إلى الله ، لأن الإنسان إذا دخل إلى المسجد ، ورآه مكتظاً يشعر أن الحق قوي ، ويشعر أن الحق واسع الانتشار ، كلما اتسعت دوائر الحق أقبل الناس على مساجد الله.
 أيها الأخوة الكرام ؛ أما إذا أقبل الناس في جموعهم الغفيرة على دور اللهو فهذا مؤشر خطير ، إذا أقبلوا بجموعهم الغفيرة على بيوت الله فهذه بادرة طيبة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ " روى البزار عن الليثي ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( أن صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى - أربعة فرادى- وصلاة أربعة يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى))

[البزار عن الليثي]

 إذاً يتبين أيها الأخوة الكرام أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن نصلي جماعة ، يريد أن نكون مع أخوتنا ، يريد أن نتعاون ، وما قوله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

 إلا منهج للمسلمين في حياتهم ، قال علماء التفسير : البرُّ صلاح الدنيا والتقوى صلاح الآخرة.

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة: 2 ]

فضل الجماعة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ لو تأملنا في عقولنا لماذا فضل النبي صلاة الجماعة على صلاة الفذ لما وجدنا غير أن الجماعة مقصودة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 قلت في مقدمة الخطبة ؛ القصد أن تلتقي مع أخيك ، فتحدثه عن الله أو يحدثك ، تأخذ بيده إلى الله ، أو يأخذ بيدك ، يقوي عزيمتك ، أو تقوي عزيمته ، تدله على الله أو يدلك على الله ، تعينه على تحمل الشدائد أو يعينك على تحمل الشدائد ، تقتبس من نوره ، أو يقتبس من نورك ، تتفقد حاله ، أو يتفقد حالك ، يعينك أو تعينه ، يأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر ، وتنهاه عن المنكر ، تستشيره أو يستشيرك ، تسأله أو يسألك ، تجيبه أو يجيبك ، الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، وإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التعاون و المحبة و الإيثار من ثمرات الجماعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما نبحث عن حكمة أمر تشريعي ، لا شك أن الأمر التشريعي فيه حكم لا يعلمها إلا الله ، وأن الانتفاع بالأمر التشريعي ليس أحد فروع العلم به ، لو لم تعلم الحكمة ، لو نفذت الأمر التشريعي لقطفت كل ثماره ، ولكن لا مانع من أن نعمل عقولنا في حكمة الأمر التشريعي ، إذا عرفنا حكمة الأمر التشريعي ربما أقنعنا الآخرين بهذا الأمر التشريعي.
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ إذا عرف الإنسان حكمة الأمر بقي في لبه ، وبقي في جوهره، وابتعد عن قشوره ، أرادنا الله أن نجتمع ، أرادنا أن نتعاون ، أرادنا أن نطلب العلم ، أرادنا أن نرتاد بيوت الله ، أرادنا أن نكون مع إخوتنا كالبنيان المرصوص يشدّ بعضنا بعضاً ، أرادنا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، أرادنا أن نعيش الإسلام لا أن نتفهمه دون أن نعيشه ، أرادنا أن يكون الإسلام مطبقاً في حياتنا ، أن يترجم إلى عمل ، إلى علاقات طيبة ، إلى علاقات تعاون ، إلى علاقات مؤاثرة ، كيف كان الأنصار مع المهاجرين ؟ كان أحدهم يقول : دونك نصف مالي فخذه ، ماذا كان جواب المهاجر ؟ قال : بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق.. ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[سورة الحشر : 9]

 خلق الإيثار هو من ثمار الجماعة ، خلق التعاون هو من ثمار الجماعة ، خلق معونة أخيك في دنياه وفي آخرته من ثمرات الجماعة ، الجماعة كما قال النبي رحمة ، ينبغي أيها الأخ الكريم وأنت في بيت من بيوت الله أن تفهم حكمة وجودك في هذا البيت ، أن تفهم أن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ، أن تصاحب من يزيدك علمه علماً ، ومن يزيدك حاله قرباً ، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ، ولا يدلك على الله مقاله. انظر إلى أمر آخرتك فصاحب من هو أرقى منك كي تقتبس منه ، وابتعد في أمر الدنيا عمن هو أكبر منك.. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))

[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

 في أمر الدنيا انظر لمن هو أدنى منك ، فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك ، وفي أمر الآخرة انظر إلى من هو فوقك ، اقتبس من علمه ، اقتبس من أخلاقه ، اقتبس من فهمه ، اقتبس من حكمته ، أرادنا الله جلّ جلاله أن نجتمع لنتعاون ، أن نجتمع لنتعلم ، أن نجتمع ليستفيد بعضنا من بعض ، الأخ للأخ كالبنيان المرصوص ، الأخ للأخ كاليدين تصافح الأولى الثانية ، فهذه حكمة صلاة الجماعة .
 قلت في أول الخطبة : الصلاة هي الصلاة ، والله في كل مكان ، وهو معكم أينما كنتم ، ولكن أرادانا أن نجتمع لنوسع دائرة صلة الأرحام إلى صلة المسلمين جميعاً ، بيوت الله أحبّ البلاد إلى الله ، ومن كان قلبه معلقاً بالمساجد فهذه بشارة طيبة ، من كان في المسجد كأنه سمك في الماء فهذه بشارة طيبة ، من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله ، فهو في أمان الله وحفظه.
 أيها الأخوة الكرام ؛ كلما امتلأت المساجد فهذه بادرة طيبة ، وكلما انصرف الناس عنها إلى أماكن أخرى كانت هذه بادرة سيئة.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018