الخطبة : 0538 - الظالم لنفسه - الحكم الشرعي المتعلق بصلاة الجمعة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0538 - الظالم لنفسه - الحكم الشرعي المتعلق بصلاة الجمعة .


1995-09-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

القرآن الكريم شرف الأمة الإسلامية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله جلّ جلاله جعل القرآن شرف هذه الأمة ، إذ جعلها أمة ميراث القرآن ، قال تعالى :

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾

[سورة فاطر : 32]

 هذا الكتاب القرآن الذي شرف الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، هذه الأمة وقفت منه مواقف ثلاثة ، منهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات .
 أيها الأخوة الكرام ؛ آية على إيجازها خطيرة ، بمعنى أن كلاً منها ينبغي أن يعلم علم اليقين أين هو من هذه الآية ، بل هو من أي صنف من هذه الأصناف الثلاثة .

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾

[سورة فاطر : 32]

 ولخطورة هذا الكتاب ، ولأنه أساس سعادتنا في الدنيا والآخرة ، ولأنه منهج ربنا ، ولأنه الهدى القويم ، والصراط المستقيم ، والحبل المتين ، قال الله عز وجل :

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾

[سورة الأعراف : 170]

 من هم المصلحون حقيقة كما أرادهم الله عز وجل ؟ هم الذين يمسكون بالكتاب . يقنعون الناس بهذا المنهج ، يحملونهم على تطبيقه ، يبينون لهم أمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، ووعده ووعيده .

 

الإصلاح الحقيقي تطبيق تعليمات الصانع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آية من أخطر الآيات :

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾

[سورة فاطر : 32]

 والإصلاح عند الله عز وجل الإصلاح الحقيقي إصلاح الحياة الدنيا يبدأ بإصلاح النفوس ، وإصلاح النفوس يبدأ من التمسك بالكتاب .

﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴾

[سورة الأعراف : 170]

 أنت أعقد آلة في الكون ، ولصانعك تعليمات دقيقة لك ، لسلامتك ، لسعادتك ، لفوزك ، لتحقيق الهدف الذي من أجله خُلقت ، فالتمسك بالكتاب أجلّ الأعمال على الإطلاق ، إنه هو الإصلاح . نستمع كثيراً إلى كلمة إصلاح اجتماعي ، إصلاح اقتصادي ، إصلاح أسري، الإصلاح الحقيقي أن تطبق تعليمات الصانع ، لأن الله هو الخبير :

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 14]

 هو العلم ، النجاح كل النجاح ، والفلاح كل الفلاح ، الفوز كل الفوز ، والتفوق كل التفوق في اتباع منهج الله .

 

النّاس ثلاثة أصناف :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ﴾

[سورة الإسراء: 9]

 هذه الآية بينت أن الناس حيال الكتاب ثلاثة أصناف ، الصنف الأول وقد بدأ الله به : الظالم لنفسه . الظالم لنفسه هو الذي ارتكب ما نهى الله عنه ، وترك ما أوجبه الله عليه ، ظلم نفسه ؛ لأنه حرمها السلامة ، وظلم نفسه ؛ لأنه حرمها السعادة ، ظلم نفسه في الدنيا ، وظلم نفسه في الآخرة ، فوت عليها الثواب وعرضها للعقاب .
 أما المقتصد فمن القصد ، وهو التوسط ، امتثل ما أمر الله به ، وانتهى عما نهى عنه ، أدى جميع الواجبات ، ولكن ليس له نوافل ، ليس له نافلة يزيدها على الفرض .
 أدى جميع الواجبات ، ولكن ليس له نوافل كثيرة ، أما السابق بالخيرات فصاحب النوافل ، الذي وهب وقته ، وعمره ، وماله ، وطاقاته ، وكل الحظوظ التي أعطاه الله إياها ، وظفها في سبيل الحق . يوضح هذا سؤال وجواب جرى بين تلميذ وأستاذه ، قال : يا سيدي كم الزكاة ؟ فقال الشيخ : عندكم أم عندنا ؟ فاحتار المريد قال : ما عندكم وما عندنا أليس الدين واحداً ؟ . قال : عندكم اثنان ونصف بالمئة مقدار الزكاة ، أما عندنا فالعبد وماله لسيده ، هذا بمقياس السابقين ، أما بمقياس المقتصدين فيؤدي الزكاة وانتهى كل شيء ، لكن الله سبحانه وتعالى قال :

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[سورة الذاريات: 19]

 حينما قال : وفي أموالهم حق معلوم ، هي الزكاة ، وحينما قال : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ، هو غير الزكاة . وعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاة ))

[الترمذي عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ]

أمة النبي أمتان ؛ أمة التبليغ و أمة الاستجابة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ السابقون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين ، والمقتصدون كثيرون في الأولين وفي الآخرين ، ثلة من الأولين ، وثلة من الآخرين ، وقد ورد في بعض الأحاديث :

((أمتي كالمطر لا يُدرى أوله خير أم آخره))

[صحيح عن أنس]

((الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة))

[ البيهقي عن جابر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ نريد أن نأخذ من الموضوع الواسع موضوعاً جزئياً ، وهو الظالم لنفسه . الظالم لنفسه مع ظلمه لنفسه ، ومع تقصيره يبقى من هذه الأمة التي اصطفاها الله عز وجل . إذاً باب التوبة مفتوح أمامه ، كلكم يعلم أيها الأخوة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هما أمتان ، أمة التبليغ وأمة الاستجابة ، فكل من وُلد من أب وأم مسلمين ، ونشأ في ديار الإسلام ، وتلقى في المدارس كحد أدنى مادة التربية الإسلامية ، وحضر خُطب الجمعة فقد بُلغ. أما حينما يستجيب فعندئذ انتقل من صنف إلى صنف ، انتقل من أمة التبليغ إلى أمة الاستجابة.

 

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :

 وحينما قال الله عز وجل :

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 هذه الخيرية هي علتها :

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 فهذا الحكم بالخيرية على أمة النبي صلى الله عليه وسلم مرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا الحكم يدور مع علته ، فحيث ما وجدت العلة صح الحكم ، وحينما نفتقد العلة فالحكم ليس لهؤلاء بل لغيرهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مع أن الظالم لنفسه قد ظلم نفسه ، ولكن ما دام قلبه ينبض فهو في فسحة من أمره ، و بإمكانه أن يتوب .

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة الزمر: 53]

رحمة الله ذات ثمن و ثمنها اتباع القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 155]

 رحمة الله مطلق العطاء ، عطاء الدنيا ، وعطاء الآخرة ، العطاء المادي ، والعطاء المعنوي ، راحة القلب ، وراحة النفس ، وصحة الجسد ، والحياة الأسرية السعيدة ، والمكانة المرموقة ، كل أنواع العطاء المادي ، والمعنوي ، الدنيوي ، والأخروي ، مشمول برحمة الله .

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾

[سورة الأنعام: 155]

 كثير الخير .

﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾

 أن تعصوا ربكم .

﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾

 فصارت رحمة الله ذات ثمن ، ثمنها اتباع هذا الكتاب ، والكتاب بين أيدينا ، نقرؤه صباحاً ومساءً .

 

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية التي تليها :

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 155-157]

﴿أَنْ تَقُولُوا ﴾

  أي لئلا تقولوا .

﴿طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾

  اليهود والنصارى . ثلاث آيات متتاليات في سورة الأنعام .
 أخوتنا الكرام ؛ التكذيب العملي أخطر من التكذيب القولي ، ليس في العالم الإسلامي كله مسلم يجرؤ على أن يقول : هذا الكلام ليس كلام الله ، ولكن حينما يتحرك في حياته بخلاف منهج الله ، في بيعه ، وشرائه ، وفي كل نشاطاته ، حينما يتحرك بخلاف منهج الله فهو تكذيب عملي ، وهو أخطر من التكذيب القولي ؛ لأن الذي يكذب بلسانه تحاوره ، وتناقشه ، وتهديه إلى سواء السبيل ، لكن الذي يكذب بعمله ، ويقر بلسانه فهذا يفوت عليك فرصة مناقشته ، وهدايته .

 

في القرآن الكريم نماذج بشرية على الإنسان معرفة موقعه من هذه النماذج :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[سورة الأنبياء: 10]

 أنت كشخص ؛ أحوالك ، سعادتك ، شقاؤك ، قلقك ، طمأنينتك ، تيسير أمورك ، تعسيرها ، انشراح صدرك ، ضيق قلبك ، كل أحوالك مذكورة في كتاب الله ، اقرأ كتاب الله تجد فيه النماذج البشرية ، نموذَجاً نموذجاً ، أين أنت من هؤلاء ؟ هل أنت مع السابقين أم مع المقتصدين أم مع الظالمين لا سمح الله أم مع الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ؟ اقرأ و لابد من أن تجد نفسك في بعض آيات الله عز وجل .

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[سورة الأنبياء: 10]

﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 44]

 ألم تستمعوا إلى تفسيره ؟ ألم تطلعوا على معانيه ؟ ألم تستمعوا في خطبة أو في درس إلى دقائقه وإلى مراميه ؟

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[سورة الأنبياء: 10]

﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 44]

﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة الحاقة: 48]

﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[سورة الحاقة: 50]

الظالم لنفسه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه مقدمة ، موضوعنا اليوم : الظالم لنفسه ؛ لأن الله عز وجل صنف الأمة المحمدية التي أورثها هذا الكتاب أصنافاً ثلاثة ، وبدأ بالظالم لنفسه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الظالم لنفسه على نوعين ، ظلم عملي وهو ترك لواجب ، أو فعل منهي عنه ، وهذا هو الظلم الأصغر .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 11]

 هذا ظلم ، لكنه ليس الظلم الأكبر الذي يخرجك من ملة الإسلام ، أية معصية تُعد بشكل أو بآخر نوعاً من أنواع الظلم .

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾

[ سورة الحجرات : 11]

 لكن الظلم الأكبر . قال تعالى :

﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 254]

 وقال تعالى :

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة لقمان: 13]

 الظلم الأكبر أن تكره أصل الدين ، ألا تؤمن بالله ، هذا الظلم يخرج صاحبه من ملة الإسلام ، لكن أية معصية تجعله متلبساً بظلم أصغر ، والظلم الأصغر حجاب بينك وبين الله ، لكن هذا الحجاب بإمكانك أن تزيله بالتوبة ، لكن الظلم الأكبر أخرج الإنسان من ملة الإسلام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام البخاري : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ :

(( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾))

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 في قوله تعالى :

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾

[ سورة الأنعام الآيات : 82]

 أشار النبي إلى أن هذا الظلم هو الظلم الأكبر الذي يخرج الإنسان من ملة الإسلام.
 أيها الأخوة الكرام ؛ ومن الظلم الأكبر :

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الحشر: 16]

 إذاً نحن أمام نوعين من الظلم ، ظلم أكبر ؛ هو إنكار للآيات الدالة على عظمة الله، إنكار لأصول الدين ، وظلم أصغر ، أية معصية تُعد في القرآن الكريم ظلماً أصغر ، يجعل هذه المعصية حجاباً بين العبد وربه .

 

أنواع الكفر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما دمنا قد تحدثنا عن الظلم الأصغر ، والظلم الأكبر ، هناك كفر اعتقادي أكبر يخرج الإنسان من ملة الإسلام ، وهناك كفر أصغر وهو كفر عملي ؛ كفر العشير ، كفر نعم الله ، صرفها لغير ما خُلقت له ، هذا يشمل كل ذنب ، قال تعالى :

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[سورة البقرة: 152]

 عدم الشكر كفر ، لكنه كفر أصغر ، كفر دون كفر . روى الإمام البخاري في باب كفران العشير ، وباب كفر دون كفر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ))

[متفق عليه عَنْ ابن عباسِ]

 يكفرن العشير : أي يكفرن نعمة الزوج . امرأة لها زوج ، لها بيت و زوجها ينفق عليها ، ويحرص عليها ، فإذا أرادت أن تتعبه ، أو أن تحمله ما لا يطيق ، أو أن تجعل حياته شقاءً ، فهذه الزوجة كفرت بنعمة الزواج ، وكفرت بنعمة الزوج ، لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه .

(( وقَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ))

[أحمد عَنْ ثَوْبَانَ]

 وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها))

[ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الكرام ؛

((أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ))

[متفق عليه عَنْ ابن عباسِ]

 مئات من النسوة ليس لهن أزواج ، قال لي أحد الأخوة الكرام وقد كان في بلد غربي: إن نصف نساء فرنسا يعشن وحدهن ، إحصاء دقيق ، فالتي لها زوج ، ولها بيت ، ولها أولاد ، ينبغي أن تشكر نعمة الزوج والأهل والأولاد ، فإذا أرادت أن تجعل حياة زوجها حياةً منغصة متعبة فقد كفرت نعمة الزوج ، وقد كفرت إحسان الزوج ، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ))

 هذا معنى يكفرن العشير ، هذا كفر دون كفر ، هذا الكفر الأصغر الذي يحجب الإنسان عن الله ، لكن لا يخرجه من ملة الإسلام .

 

أنواع الشرك :

 ومادمنا قد تحدثنا عن الظلم الأكبر والأصغر ، والكفر الأكبر والأصغر ، فلابد من الحديث عن الشرك الأكبر والأصغر ، فالشرك الأكبر هو أن تزعم أن لله شريكاً ، والشرك الأصغر العملي كالرياء في العبادات ، وتصيد السمعة ، وعدم الإخلاص في العمل ، الشرك الأكبر هو الشرك الجلي ، والشرك الأصغر هو الشرك الخفي ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف: 110]

 العمل الصالح لا يقبل إلا إذا كان صواباً وفق السنة ، أو كان خالصاً ما ابتغي به وجه الله عز وجل ، فالعمل لا يُقبل عند الله إلا بشرطين : إذا كان خالصاً ابتغي به وجه الله ، وكان صواباً وفق السنة ووافق منهج الله عز وجل ، لذلك ورد في الحِكَم العطائية :" إن الله لا يقبل العمل المشترك ، ولا القلب المشترك " . العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه .
 وعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً))

[أحمد عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ]

 لذلك عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ :

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا ؟ قَالَ: إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةً فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا فَبَايَعَهُ ، وَقَالَ : مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ ))

[الحاكم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ]

 هؤلاء الذين يضعون حدوة الفرس على مركباتهم ، أو يضعون تميمة لئلا يصابون بأذى ، هؤلاء ارتكبوا نوعاً من الشرك . الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على جور ، وأن تبغض على عدل .
 أي إنسان ليس مستقيماً تحبه على نقص استقامته ، وإنسان قدم لك نصيحة عادلة ، تبغضه ، في الحالة الأولى أشركت الذي أحببته مع الله ، وفي الحالة الثانية لأنه نقدك نقداً صحيحاً مخلصاً مع الأدلة تألمت ، في الحالة الثانية أشركت نفسك مع الله .

 

أنواع الفسق :

 ومادمنا قد تحدثنا عن الشرك الأصغر والأكبر ، وعن الكفر الأصغر والأكبر ، وعن الظلم الأصغر والأكبر ، فلنتحدث عن الفسق الأكبر والأصغر ، هل هناك فسق يجعل الإنسان كافراً ؟ نعم يجعله كافراً كفراً تاماً . قال تعالى :

﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة البقرة: 26]

 أي جهة تدعو إلى الله يمنعونك أن تصل إليها . الأب أحياناً لا يسمح لابنه أن يطلب العلم الشرعي ، ويقيم عليه النكير ، ويقيم القيامة ولا يقعدها :

﴿َيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾

[سورة البقرة: 27]

 يشيعون المعاصي ، يصرفون الناس عن الله ، يصرفونهم إلى الدنيا ، هذا فسق ينقل الإنسان إلى الكفر الذي يخرج من الملة .

﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

[سورة البقرة: 26-27]

 أما الفسق الأصغر :

﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 11]

 التقليد ، الغيبة ، هذه معصية ، لكنها تبقيك في دائرة الإسلام ، عليك أن تتوب منها.

 

أنواع النفاق :

 هل هناك نفاق أكبر ، ونفاق أصغر ؟ نعم . . حينما لا تؤمن بأصول الدين إطلاقاً ، وتسخر منها فيما بينك وبين نفسك ، لكن أنت في مجتمع فيه قيم دينية ، فمن أجل مصالحك تعلن بلسانك عن أشياء لا تؤمن بها ، هذا هو النفاق الذي يقابل الكفر تماماً ، بل إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾

[سورة المائدة: 176]

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 145]

ملخص لما سبق :

 ملخص الخطبة : هناك ظلم أكبر ، وظلم أصغر ، هناك كفر أكبر ، وكفر أصغر، هناك شرك أكبر ، وشرك أصغر ، هناك فسق أكبر ، وفسق أصغر ، هناك نفاق أكبر ونفاق أصغر . الأكبر من كل هذه الفقرات يخرج صاحبه من ملة الإسلام ، والأصغر يحجبه عن الله ، لابد من التوبة . والأكبر يحتاج إلى أن يجدد إسلامه ، والأصغر يحتاج إلى التوبة .

﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾

[سورة فاطر:32]

 وإن شاء الله تعالى سأتابع هذا الموضوع في خطبتين قادمتين ، سأتحدث عن المقتصدين ، وعن السابقين ، ونرجو الله أن نكون جميعاً من السابقين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحكم الشرعي المتعلق بصلاة الجمعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أذكركم بالحكم الشرعي المتعلق بصلاة الجمعة ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الجمعة: 9]

(( خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا ، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا ، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ تُرْزَقُوا وَتُنْصَرُوا وَتُجْبَرُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي مَقَامِي هَذَا فِي يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا زَكَاةَ لَهُ وَلَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَوْمَ لَهُ وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ))

[أخرجه ابن ماجه و الطبراني عن أبي سعيد الخدري]

 قد تعجبون للفقرة الأخيرة من الحديث ، خطبة الجمعة لعامة المسلمين هي المصدر التعليمي الوحيد ، فإذا تركها بقي بلا علم ، فقد يصلي وصلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر ، إذاً لا صلاة له ، وقد يصوم وصيامه ليس مقبولاً ، وقد يحج وحجه ليس مقبولاً ، وقد يفعل أعمالاً صالحة فيها رياء ونفاق ، من أين يتعلم الإخلاص ؟ من أين يتعلم منهج الله ؟ هذا الذي ينبغي أن يفعله لا يتعلمه إلا في خطبة الجمعة ، لذلك :

(( فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا . .))

 يقول أحدهم : أنا لا يعجبني خطيب هذا المسجد . إذا لم يعجبك الخطيب تدع صلاة الجمعة ؟

((إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ.. ))

 ألا يقول هذا الخطيب آية واحدة ? حديثاً واحداً ؟ . . خذ الحكمة من أي مكان .

((فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا زَكَاةَ لَهُ وَلَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَوْمَ لَهُ وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ . . (( بقية الأحاديث : عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ]

 طبع الله على قلبه أي ختم الله على قلبه .

(( من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق ))

[أحمد وابن حبان عن أبي الجعد الضمري]

 عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ :

(( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ ))

[مسلم عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ وَأَبي هُرَيْرَةَ]

 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ ))

[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 أصحاب رسول الله سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((ما لنا فيها ؟ قال : فيها خير لكم ، فيها ساعة من دعا ربه بخير فهو له قُسم إلا أعطاه الله إياه ))

[ البزار عن أنس بن مالك]

 أي من فضل الله علينا أن في عباداتنا عبادة تعليمية . نصلي ، ونصوم ، ونحج ، لكن من هذه العبادات صلاة الجمعة ، هي العبادة التعليمية الوحيدة ، وهذا الذي يأتي ليلحق آخر ركعة في صلاة الجمعة يظن أنه سقط الوجوب وإن لم يحصل المطلوب ، هذا لا يعرف حكمة صلاة الجمعة ، حكمة صلاة الجمعة أن تستمع إلى خطبتها ، فإذا تأثرت بآية أو حديث عليك أن تنقل هذا الحديث وهذه الآية إلى كل من تلقاه خلال الجمعة .
أيها الأخوة الكرام :

(( من ترك الجمعة ثلاث مرات فهو منافق ))

 وفي رواية :

((نكتت نكتة سوداء في قلبه ، ثم يكون الرَّان ، ثم تلا قوله تعالى : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾))

[ الترمذي عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيَّ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حافظوا على الجمع والجماعات ، فالجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، وإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018