الخطبة : 0537 - التقرب إلى الله 6 - تحريم شراء حاجة مسروقة أو مأخوذة بغير حق . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0537 - التقرب إلى الله 6 - تحريم شراء حاجة مسروقة أو مأخوذة بغير حق .


1995-08-25

الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

طلب العلم وسيلة فعالة للتقرب من الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام ؛ من وقت سابق بينت لكم أن ثمرة معرفة الله التقرب إليه ، وأن التقرب إلى الله له وسائل يملكها الإنسان ، من أبرز هذه الوسائل طاعة الله عز وجل ، لكن هذه الطاعة ينبغي أن تكون على جناحي الرجاء والخوف ، وأمضينا في هذا الموضوع شهراً ، وفي نفسي أن أتابع الموضوع .
الوسيلة الثانية الفعالة ، والمهمة ، والخطيرة في التقرب إلى الله عز وجل طلب العلم ، العلم بالله ، والعلم بأمره .
عن ابن عباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، فقال أصحابه الكرام: يا رسول الله وما رياض الجنة ؟ قال: مجالس العلم))

[المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنه]

طلب العلم يقربك من الله
مجالس العلم سماها النبي صلى الله عليه وسلم رياض الجنة .

((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قيل وما رياض الجنة ؟ قال: مجالس العلم))

[المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنه]

إنك أيها الأخ الكريم تتلقى في الخطب ما يدفعك إلى سلوك طريق الحق ، ما يدفعك إلى التوبة ، ما يدفعك إلى الإقبال على الله ، ولكن إذا أردت أن تتفقه ، أن تدرس العلم ملياً ، أن تضع يدك على دقائق الدين ، أن تعرف الحكم الشرعي في كل قضية ، أن تعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والعملية ، فعليك بمجالس العلم . وقد ورد في الأثر أن لقمان الحكيم قال لابنه : " يا بني عليك بمجالسة العلماء ، واسمع كلام الحكماء ، فإن الله ليحيي القلب الميت بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر " .
هذا الكلام له دليل في القرآن ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[سورة الأنفال :24]

فالإنسان من دون علم ميت ، وبالعلم يحيا قلبه ، جسمك يحيا بالطعام والشراب ، وقبلك يحيا بالعلم . وعن ابن عباس رضي الله عنه قيل :

(( يا رسول الله أي جلسائنا خير ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : من ذكركم بالله رؤيته ، وزاد في علمكم منطقه ، وذكركم بالآخرة عمله ))

[الترمذي عن ابن عباس]

قدسية العلم و وجوب طلبه :

أيها الأخوة الكرام ؛ نحن في موضوع العلم ، وفي موضوع قدسية العلم ، وخطورة العلم ، ووجوب طلب العلم ، روى البخاري وغيره عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ :

((بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ))

[متفق عليه عن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ]

أيها الأخوة الكرام ؛ الحديث الأول :

((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ... ))

ورد في روايات ثلاث ، الرواية الثانية ، قال عليه الصلاة والسلام :

((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قَالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ حِلَقُ الذِّكْرِ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

رياض الجنة هي حلق الذكر
شارحو الحديث شرحوه على النحو التالي : حلق الذكر ، حلق الجالسين لتلاوة كتاب الله ، وحلق الجالسين لدراسة معاني كتاب الله ، وحلق الجالسين لقراءة حديث رسول الله ، ولدراسة معاني حديث رسول الله ، لقوله تعالى :

﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾

[سورة الأحزاب : 34]

الحكمة : هي السنة المطهرة . وحلق الجالسين للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وحلق الجالسين لذكر الله ، بتسبيح ، أو تحميد ، أو تهليل ، أو تكبير ، أو لذكر اسم من أسماء الله الحسنى ، أو صفاته الفضلى ، وحلق الجالسين بالدعاء ، والتوجه إلى الله عز وجل . من الذكر أن تفهم معاني القرآن

((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا قَالُوا وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ قَالَ حِلَقُ الذِّكْرِ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

أي أن تذكر الله ، أن تذكر اسمه ، أن تذكر أسماءه ، أن تسبحه ، أن تستغفره ، أن تدعوه ، أن تحمده ، أن تكبره ، أن توحده ، أن تقرأ كتابه ، أن تفهم معاني كتابه ، أن تقرأ سيرة رسوله ، أن تفهم معاني سيرة رسوله ، أن تدرس العلم الفقهي .
الرواية الثالثة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : الْمَسَاجِدُ ، قُلْتُ : وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ))

[ الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

حقيقة هذه الكلمات أن تسبحه ، وأن تحمده ، وأن توحده ، وأن تكبره .

 

العالم والمتعلم شريكان في الأجر :

إذا لم ننشئ أولادنا على طلب العلم ينكمش العلم
أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع جزئي في الموضوع الأساسي : عن أبي الدرداء رضي الله عنه :

((من غدا يريد العلم يتعلمه لله تعالى فتح الله له باباً إلى الجنة ، وفرشت له الملائكة أكنافها ، وصلت عليه ملائكة السموات ، وحيتان البحر ، وللعالم من الفضل على العابد كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء))

[شعب الإيمان عن أبي الدرداء]

هذا الذي يغدو يطلب العلم يتعلمه لله تعالى .
لعل أحدكم يقول : هذا الموضوع يطرقه أكثر الخطباء ؛ طلب العلم ، الشيء الذي ينبغي أن ننتبه إليه أنه إذا لم نتعهد طلاب العلم ، والدعاة إلى الله ، إذا لم ننشئ أولادنا على طلب العلم ، وعلى الدعوة إلى الله ، العلم ينكمش بموت العلماء .
أيها الأخوة الكرام ؛

(( العلماء ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، ولكنهم ورثوا هذا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، وموت العالم مصيبة لا تُجبر وثلمة لا تُسد ، وهو نجم طُمس ، وموت قبيلة أيسر من موت عالم ))

[شعب الإيمان عن أبي الدرداء]

العالم والمتعلم شريكان في الأجر
النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوبه البليغ، وبطريقته التربوية الرائعة يبين للمسلمين أن العالم والمتعلم شريكان في الأجر .
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ ، وَقَبْضُهُ أَنْ يُرْفَعَ ، وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ هَكَذَا ، ثُمَّ قَالَ : الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ ، وَلَا خَيْرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

وقبضه أن يرفع العالم والمتعلم . هذا كلام النبي ، إما أن تكون عالماً ، وإما أن تكون متعلماً ، وكلاكما شريك في الأجر ، ولا خير في سائر الناس .
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

((خُذُوا الْعِلْمَ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ ، قَالُوا : وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ ؟ قَالَ : فَغَضِبَ لَا يُغْضِبُهُ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ، أَوَلَمْ تَكُنِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمْ شَيْئًا ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ ، إِنَّ ذَهَابَ الْعِلْمِ أَنْ يَذْهَبَ حَمَلَتُهُ))

[الدارمي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ]

العلم المطلوب هو العلم الذي ترافقه الخشية :

لكن أيها الأخوة ؛ ينبغي أن ألفت النظر إلى حقيقة خطيرة وهي أن العلم الذي لا يحمل صاحبه على الخشية ، ليس علماً نافعاً ، ولا مفيداً ، ولا جدوى منه ، العلم الحق هو الذي حمل صاحبه على الخشية ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ وتلا قوله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء))

[الترمذي عن أبي أمامة ]

حينما قال هذه الكلمة ، وتلا تلك الآية ، بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن العلم المطلوب هو العلم الذي ترافقه الخشية .

(( . . إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ ، وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ ))

[الدرامي عن مكحول]

العلم النافع هو العلم الذي يهذب السلوك و يحملك على طاعة الله :

العلم النافع هو الذي يرقى بصاحبه
شيء آخر : العلم النافع هو العلم الذي يهذب السلوك ، العلم الذي يرقى بصاحبه إلى الكمالات البشرية ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

((لا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى لَا يَحْسُدَ مَنْ فَوْقَهُ ، وَلَا يَحْقِرَ مَنْ دُونَهُ ، وَلا يَبْتَغِيَ بِعِلْمِهِ ثَمَنًا))

[الدرامي عن ابن عمر]

فالعلم النافع هو العلم الذي يحملك على طاعة الله ، والعلم النافع هو العلم الذي يرقى بك ويسمو بنفسك ، فلا حسد ، ولا حقد ، ولا انحراف ، ولا كبر . لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ))

[الدرامي عن ابن كعب بن مالك عن أبيه]

ينبغي أن يكون طلب العلم خالصاً لله عز وجل .

 

استمرار أجر العلم النافع إلى يوم القيامة :

يستمر أجر العلم النافع إلى ما بعد الموت
ولا تنسوا - أيها الأخوة - الحديث الشريف الذي يبين أنك إذا طلبت العلم ، أو علمته ، أو تركت علماً نافعاً ، فهذا أجره إلى يوم القيامة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ؛ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

كل شيء ينتهي عند الموت إلا العلم النافع فإنه يستمر بصاحبه إلى يوم القيامة .

 

 

 

 

طلاب العلم هم وصية رسول الله :

 

 

 

من أجل هذا وصانا النبي صلى الله عليه وسلم بطلبة العلم وصية ثمينة ، فقد روى الترمذي عَنْ هَارُونَ الْعَبْدِيِّ قَالَ : كُنَّا نَأْتِي أَبَا سَعِيدٍ فَيَقُولُ : مَرْحَبًا بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا))

[الترمذي عَنْ هَارُونَ الْعَبْدِيِّ]

كل من يقدم معونة لطلاب العلم فقد نفذ وصية رسول الله
طلاب العلم هم وصية رسول الله . وكل إنسان يقدم معونة ، وخدمة ، وتسهيلاً لطالب العلم فقد نفذ وصية رسول الله .
وعن صفوان بن عسال قال :

((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في المسجد متكئ على برد أحمر ، فقلت : يا رسول الله ، إني جئت أطلب العلم قال : « مرحبا بطالب العلم ، إن طالب العلم لتحفه الملائكة ، وتظله بأجنحتها ، ثم يركب بعضها بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من حبهم لما يطلب))

[المعجم الكبير عن صفوان بن عسال المرادي]

والشيء الذي يلفت النظر أنه رأى رجلاً يصلي في المسجد في غير أوقات الصلاة، فقال :

((من يطعمك ؟ قال : أخي ، فقال عليه الصلاة والسلام : أخوك أعبد منك))

[ورد في الأثر]

ولما شكا شريك شريكه لرسول الله في تقصيره وكان طالب علم قال له النبي كلاماً آخر ، يبدو في ظاهره مناقضاً للكلام الأول : الأول قال له : أخوك أعبد منك ، أما الثاني فقد قال له : لعلك تُرزق به ، لأن طالب العلم يطلبه ليعم الخير ، ولينتشر الهدى ، وليصلح الناس به .

 

طالب العلم كالمجاهد في سبيل الله :

ثم إن الله سبحانه وتعالى بيّن في القرآن الكريم عن أولئك الذين يخرجون من بيوتهم ابتغاء مرضاة الله ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

السفر في القديم كان مظنة هلاك لطول المسافات
كالمجاهد في سبيل الله . ولا تنسوا أن السفر كان أصله الهلاك ، السفر في قديم الزمان الأصل فيه الهلاك ، لكثرة المسافات الطويلة ، والمفاوز المخيفة ، وقطاع الطريق ، والوحوش الضارية ، فالإنسان إذا سافر فاحتمال أن يهلك في هذا السفر احتمال قائم ، ومع ذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام :

((إذا جاء الموت لطالب العلم وهو على هذه الحالة مات وهو شهيد ))

[البزار عن أبي ذر وأبي هريرة]

مات شهيداً من خرج يطلب العلم .
والحقيقة قال بعض العلماء : إنما جُعل طلب العلم خروجاً في سبيل الله لأن به قوام الدين والدنيا .

 

أنواع الجهاد :

الجهاد أنواع ، يمكن أن تجاهد نفسك وهواك بحملها على طاعة الله ، ويمكن أن تجاهد العدو بالسيف والسنان ، ويمكن أن تجاهد بالقرآن النازل بالحجة والبرهان ، وهو أفضل أنواع الجهاد عند رأي معظم العلماء ، لقوله تعالى:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 52]

أي بالقرآن . لك أن تجاهد نفسك وهواك ، ولك أن تجاهد العدو ، ولك أن تجاهد بالقرآن ، بتلاوته ، وتعلمه ، وتعليمه ، وسمى الله هذا الجهاد جهاداً كبيراً .

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 52]

الغلو في الدين أحد أهم الأخطار التي تهدد الدين :

العلماء المخلصين العاملين سراج الدنيا ومصابيح الآخرة
أيها الأخوة الكرام ؛ من هم العلماء الذين يرضى الله عنهم والذين هم منارات الأمة وسراج الدنيا ومصابيح الآخرة ؟ من هم العلماء الذين أثنى الله عليهم في كتابه ؟ وأثنى عليهم نبيه في سنته ؟

((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين))

[ ابن عدي في الكامل ، وأبو نعيم ، وابن عساكر عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري]

تحريف الغالين : إذاً أحد الأخطار التي تهدد الدين الغلو في الدين، مجاوزة النص الشرعي . فالمبطل الذي يضيف على الدين ما ليس فيه ، والجاهل الذي يؤول النصوص على غير ما أراد الله ، والمغالي الذي يضخم كلية من كليات الدين على حساب بقية كلياته . المغالي والمبطل والجاهل هم أخطر الجهات على الدين ، لذلك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِد))

[ الترمذي وابن ماجه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

وللإمام أحمد رحمه الله قول رائع في العلم ، قال : " الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، لأن الطعام والشراب يحتاجه الناس في اليوم مرةً أو مرتين ، أما العلم فيحتاجه الإنسان بعدد أنفاسه " .
كل موقف تحتاج إلى الحكم الشرعي ؛ هل يجوز أم لا يجوز ؟ هل هو أمر أم فرض أم واجب أم سنة أم مباح أم مكروه تنزيهاً أم مكروه تحريماً أم حرام ؟ أي موقف ، وأي عمل ، وأي حركة ، وأية سكنة ، وأي سكوت ، وأي نطق يجب أن تعرف الحكم الشرعي ، فإذا كنت تحتاج الطعام والشراب في اليوم مرةً أو مرتين فأنت بحاجة إلى العلم الشرعي في اليوم الواحد بعدد أنفاس الإنسان .

 

طلب العلم فريضة على كل مسلم :

الآن دققوا في هذين الحديثين ؛ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((يَا أَبَا ذَرٍّ لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ))

[ ابن ماجه عَنْ أَبِي ذَرٍّ وفيه عبد الله بن زياد وهو مجهول]

أيها الأخوة الكرام ؛ طلب العلم فريضة على كل مسلم ، وأنت إنسان إذا طلبت العلم ، ترقى به ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل الإنسان عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ، فالجهل أعدى أعداء الإنسان ، لأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً ، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً .
اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تحريم شراء حاجة مسروقة أو مأخوذة بغير حق :

أيها الأخوة الكرام ؛ وعدتكم من حين لآخر أن ألقي على مسامعكم حكماً شرعياً يحتاجه المسلمون في أوقاتهم تلك ، كثيراً ما يسألني أحد الأخوة الأكارم أن حاجة وجدتها بسعر رخيص فهل هناك مانع من أن أشتريها ؟
أيها الأخوة الكرام ؛ من الصور التي حرمها الإسلام في البيع والشراء ليحارب الجريمة وليحاصر المجرم في أضيق دائرة أنه حرَّم على المسلم أن يشتري شيئاً يعلم أنه مغصوب ، أو مسروق ، أو مأخوذ بغير حق .
من اشترى سرقة وهو يعلم فهو شريك في إثمها وعارها
أنت كمسلم محرم عليك أشدّ التحريم أن تشتري حاجة تعلم أنها مسروقة ، أو مغتصبة ، أو مأخوذة بغير حق ؛ لأن هذا الفعل يضيق على الغاصب ، والسارق ، والمعتدي ، بهذه الطريقة نضيق على المنحرف ، أما إذا اشترينا منه نعينه على عمله ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((من اشترى سرقة - أي بضاعة مسروقة - وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها))

[المستدرك عن أبي هريرة]

الآن يقول أحد الأخوة الأكارم : أنا لا أعلم ، هل يُعقل أن يقول لك السارق : هذه مسروقة تعال أبعك إياها ؟ هل يفعلها سارق واحد في الأرض ؟ ما الذي يعلمك أنها مسروقة ؟ سعرها . إذا كان سعرها أقل من رأسمالها فأغلب الظن أنها مسروقة ، أو مغتصبة ، أو مأخوذة بغير حق ، فلذلك أن تعلم أنها مغتصبة ، أو مسروقة من سعرها فقط ، لأن السارق أو المغتصب لا يمكن أن يقول لك : هذه مغتصبة تعال أبيعك إياها .

((من اشترى سرقة ، وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها))

[المستدرك عن أبي هريرة]

شيء آخر : لا يدفع الإثم عنك أيها الأخ طول أمد المسروق ، فإن طول الزمن في الإسلام لا يجعل الحرام حلالاً . التقادم ، طول مدة الزمن في الإسلام لا يجعل الحرام حلالاً ، ولا يسقط حق المالك الأصلي ولا يسقط حق المالك بالتقادم . فقبل أن تشتري يجب أن تعلم أن هذه البضاعة يمتلكها صاحبها حلالاً ليس لك أن تدقق إلا إذا كان سعرها معتدلاً ومقبولاً وكان البائع إنساناً معروفاً ، أما إذا كان هناك فرق بالسعر كبير ، فأغلب الظن أنها مغتصبة ، أو مسروقة ، أو مأخوذة بغير حق .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018