الخطبة : 1171 - الغلو في الدين - الابتعاد عن الانفعالات الخاطئة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1171 - الغلو في الدين - الابتعاد عن الانفعالات الخاطئة.


2010-10-29

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

حاجة الأمة الإسلامية إلى جيل واع يجمع بين صحة الجسد وطهر النفس ورجاحة العقل :

المستقبل للدين بحفاظنا عليه
أيها الأخوة الكرام، الأمة في أمس الحاجة إلى جيل يكون ناهضاً بمستقبلها، تتمثل فيه صحة الجسد، وطهر النفس، ورجاحة العقل، هذا الجيل ينبغي أن يبنى بناءً متوازناً بين المادة والروح، بين الحاجات والقيم، بين صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، هذا الجيل يجعل من الإنسان إنساناً متميزاً، يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، له قلب كبير، وعزم متين، وإرادة صلبة، هدفه أكبر من حاجاته، ورسالته أسمى من رغباته، يملك نفسه ولا تملكه، يقود هواه ولا ينقاد له، تحكمه القيم ويحتكم إليها من دون أن يسخرها أو يسخر منها، يحسن فهم هذا الدين العظيم، ويحسن تطبيقه، ويحسن عرضه على الطرف الآخر، هذه الكلمة ذكرتني بعالم أمريكي كبير هداه الله إلى الإسلام، والتقى الجالية الإسلامية في بريطانيا فقال: "أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام، بشرط أن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر".
هذه ورقات العمل التي ينبغي أن تكون بين أيدينا، أن نحسن فهمه، أن نحسن تطبيقه، أن نحسن عرضه على الطرف الآخر.
أيها الأخوة الكرام، الإسلام وسطي فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، ولا طغيان ولا إخسار، الإسلام وسط بين المادية المقيتة والروحية الحالمة، بين الواقعية المرة والمثالية التخيلية، بين الفردية الطاغية، والجماعية الساحقة، بين الثبات الرتيب والتغير المضطرب، بين الحاجات الملحة والقيم البعيدة، بين العقلانية الباردة والعاطفية المتقدة، بين نوازع الجسد ومتطلبات الروح.
وحينما يبنى الإنسان هذا البناء القويم عندئذ نقدمه للإنسانية عنصراً نظيفاً، نقدمه للمجتمع لَبِنَةً صالحةً، وهذا ما تهدِفُ إليه التربية في أعظم أهدافها.
أيها الأخوة الكرام، وصدقوا ولا أبالغ عندئذ يمكن أن نواجه القنبلة الذَّرية بقنبلة الذُّرية، نحن في أمس الحاجة إلى تربية جيل واع، مؤمن بأهداف أمته.

تضييع الأب أحياناً أبناءه حينما يهمل تربيتهم ويشتغل بدنياه :

أيها الأخوة الكرام، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))

[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

من يقوت؟ أولاده، هو يطعمهم، يلبسهم، يتابع تحصيلهم العلمي، وقد لا يهتم بإيمانهم، وقد لا يهتم بدينهم، وقد لا يهتم بصلاتهم، وقد لا يهتم بمعرفة أصدقائهم:

((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))

[ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

أيها الأخوة الكرام، الأب أحياناً يضيع من يقوت حينما يهمل تربيتهم، ويشتغل بدنياه، عندئذ تتقاذف الأولاد قنوات المجاري الفضائية، ومواقع القمامة الإباحية، وقد قام عدد من الباحثين بدراسة ظواهر السرقة، والاغتصاب، والقتل الفردي، والقتل الجماعي، وأعمال العنف، دراسة علمية، فوجدوا أن للمواد الإباحية تأثيراً مباشراً وملحوظاً في جميع الجرائم والأعمال، فضلاً عن أن في العالم اليوم أربعين مليوناً من المصابين بمرض الإيدز، وقد مات في العقدين السابقين اثنان وعشرون مليوناً بهذا المرض، هذا مرض التفلت، مرض الإباحية.
والأب يضيع ابنه ثانياً حينما لا ينشئه على المبادئ الإسلامية الصحيحة، ولا يغرس فيه القيم الأخلاقية الرفيعة، ولا يدله على عالم رباني، يقدم لابنه الإسلام الوسطي المتوازن الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام.
يضيعه ثالثاً حينما لا يتابع تفاصيل حركته في الحياة، لا يعلم الأب أحياناً من يصاحب ابنه، مع من يسهر، أحياناً يلتقي مع الغلاة المتطرفين، وقد يلتقي مع المتحللين، وكلاهما تطرف، هناك تطرف تشددي يبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير، وهناك تطرف يبدأ بالإباحية وينتهي بالانحلال.

 

الابتعاد عن الغلو في الدين :

الإسلام دين الوسطية
أيها الأخوة الكرام، لذلك كل الذي أتمناه أن نبتعد عن الغلو في الدين، الله عز وجل يقول:

﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 171 ]

الغلو في الدين موضوع هذه الخطبة، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((إياكم والغلوَّ في الدين! فإنه أهلك من كان قبلكم))

[السيوطي عن أبي هريرة]

ومعنى الغلو: مجاوزة الحد، الحد إلى هنا فإن تجاوزت هذا الحد إلى هنا فقد وقعت في الغلو، الحد هو النصُّ الشرعي، كلام الله عزَّ وجلَّ، وما صحّ من كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن يُفهم هذا النص وفق قواعد علم الأصول، قد قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾

[ سورة الأحزاب:36 ]

المؤمن أمام الآية القرآنية والنص النبوي الصحيح يعطل عقله :

في أكثر المؤتمرات، المؤتمرون يتفقون على أن هناك عدداً من البنود لا تقبل البحث، لا تقبل الدرس، لا تقبل المراجعة، هذه الثوابت، هذه القيم الخالدة، هذه المبادئ، فلذلك المؤمن أمام الآية القرآنية التي فيها حكم الله، أمام النص النبوي الصحيح الذي فيه شرح كلام الله، المؤمن أمام هذين النصين يعطل عقله:

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتي))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾

[ سورة الأحزاب:36 ]

﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء:59 ]

من أدق ما قرأت عن شرح هذه الآية شرح الإمام الشافعي، من هم أولي الأمر؟ قال: العلماء والأمراء، العلماء يعلمون الأمر، الأمراء ينفذون الأمر، وكأن هذا الإمام العظيم أشار إلى التكامل بين العلماء والأمراء، العلماء يعرفون الأمر والأمراء ينفذون الأمر.

 

الابتعاد عن المغالي في الدين لأنه يتخير من النصوص ما يعجبه :

كذلك جعلناكم أمة وسطا
لذلك أيها الأخوة الكرام، في الإسلام الصحيح والوسطي، الإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، الإسلام الكامل، من أراد هذا الإسلام عليه أن يجمع النصوص القرآنية والنبويّة، وأن يؤلف بينها، على وجه لا يغلب بعضها على بعض، ولا يأخذ نصاً ويهمل غيره، ولا يأخذ فقرة من نصٍّ ويُهمل بقية الفقرات، أما الغلاة المتهورون فيضربون بعض النصوص ببعض، يأخذون نصاً يُلائم غلوَّهم يُسلِّطون عليه الأضواء، ويُعَتِّمون على نصٍّ آخر ينقض غلوهم، فالآيات التي يمكن أن تغطي غلوَّهم يشدُّونها عن طريق التأويل المتكلف إلى ما يوافق أهواءهم، والآيات التي تناقض غلوهم يغفلون ذكرها، وإذا ذُكَّروا بها صرفوها إلى غير المعنى الذي أراده الله، أمّا فيما يتعلق بالأحاديث الشريفة، فهم يقبلون الضعيف، بل الموضوع إذا غطّى غلوهم ويُعرضون عن الحسن بل الصحيح إذا فضح انحرافهم، إنهم فيما سوى القرآن والسنة، يقبلون كل قولٍ يدعم غلوهم متجاوزين القاعدة المنهجية، إذا كنت ناقلاً فالصحة، مدَّعياً فالدليل، جئت بفكر من عندك ما الدليل على صحته؟ نقلت نصاً هل اعتمدت صحة النص قبل أن تنقله؟
أيها الأخوة، لذلك المغالي في الدين يتخير من النصوص ما يعجبه، وهذا حال أهل الرأي، الذين تحَكَّموا بالنصّ ولم يحتَكِموا إليه، واعتقدوا ثم استدلوا، و الأصل أن تستدل ثم تعتقد، لا ينبغي أن تعتقد أولاً ثم تبحث عن الأدلة، ينبغي أن تبحث في الأدلة ثم تعتقد، أي استدل ثم اعتقد، لا أن تعتقد ثم تستدل.

أنواع الغلو :

1 ـ غلو اعتقادي :

أيها الأخوة، أنواع الغلو؛ له نوعان كبيران، غلو اعتقادي، وهو أن الغلاة يعتقدون فيمّا هو جزء من الدين أنه الدين كلّه، وغلاة كلّ فرع من فروع الدين، يجعلون هذا الفرع محلَّ الأصل، وينظرون إلى من عُني ببقية فروع الدين نظرة ازدراءٍ وإشفاق، وقد أشار إلى هذين النوعين من الغلّو الإمام الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ في موافقاته، ولا يخفى أن من كليات الدين الجانب الاعتقادي، والجانب السلوكي، والجانب النفسي، وحينما تحلُّ كلية من هذه الكليات محلَّ الدين كلّه فهذا غلو وأي غلو، القلب له حاجة، والعقل له حاجة، والجسم له حاجة، ما الغلو؟ أن تعتقد أن الإنسان عقل ليس غير، تغذي العقل، وتهمل القلب.
وغلو آخر، أن تعتقد أن الإنسان قلب ليس غير، تغذي هذا القلب، وغلو ثالث أن تعتقد أن الإنسان جسم يحتاج إلى المتع الحسية، فالغرب وقعوا في غلو المادة ونحن بين غلوين؛ غلو يجعل العقل فوق النص، وغلو يجعل النص في خدمة القلب ليس غير، الصواب الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، إن لبيت حاجات العقل والقلب والجسم معاً تفوقت، وإذا لبيت واحدة تطرفت، وفرق كبير بين التفوق والتطرف.

2 ـ غلو عملي :

الغلو يقود للدمار
أيها الأخوة، هناك غلو عملي، فحينما يقع الإنسان فريسة وساوسه المتسلطة، فيظن أنه بمفرده يستطيع أن يرفع المعاناة عن الأمة كلها بعمل غير مشروع في منهج الله، فهذا غلو وأي غلو، وحينما يتجاوز العبد في عبادته الحد الذي شرَّعه الله فيهمل عمله، ويهمل أسرته، وبهذا يختل توازنه، ولا يحقق الهدف الأمثل من تدينه، فهذا غلو وأي غلو.
أيها الأخوة، قال العلماء: الغلو الاعتقادي أخطر أنواع الغلو، لأن صاحبه لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، هذا غلو خطير.
أيها الأخوة، الطرف الآخر حينما يعتمد في مكافحة الغلو على القوة وحدها، فهذا الاعتماد على القوة وحدها، ما لم يكن مصحوباً بدرجة عالية من الاستماع الجيد، والتفهم الدقيق لرأي المغالي، ومراعاة لدوافعه وجراحاته، وإقناعه بدل قمعه، فالقوة في النهاية لا تصنع الحق، ولكن الحق يصنع القوة، والقوة من دون حكمة تدمر صاحبها.
أيها الأخوة الكرام، أنواع الغلو افترقت منه الفِرق، وبزغت عنده الأهواء، واختلفت فيه العقول، وتباعدت من أجله القلوب، وسالت من تداعياته الدماء، قال تعالى:

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة الأنفال: 46 ]

أسباب الغلو :

1 ـ الجهل :

أيها الأخوة الكرام، أسباب الغلو كثيرة، من أبرزها الجهل، نحن في أحاديثنا نقول دائماً: أعداء المسلمين الاستعمار والصهيونية، والله هناك عدو أخطر، عدو الإنسان هو الجهل، لأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.

2 ـ عدم معرفة حكم الله عزّ وجل و سنة رسوله :

تعلم وافهم جيداً دين الله
أيها الأخوة، أحد أسباب الغلو عدم معرفة حكم الله جلّ وعلا، وعدم معرفة سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، المغالي أحياناً يكون معظماً للحرمات، غيوراً على دين الله، فإذا رأى إنساناً متلبساً بمعصية، لم يطق، بل لم يتصور أن هذا الشخص مسلم، أو أن ذنبه يمكن أن يُغفر، لذلك يتهمه بالكفر والخروج من الدين، والبطولة أن تعتمد هاتين القاعدتين لا نكفر بالتعيين، ليس هذا من شأن الإنسان، وهناك رأي آخر ما كل من وقع بالكفر وقع الكفر عليه، كيف؟ هذا الذي ضلت ناقته، وعليها طعامه وشرابه، فأيقن بالهلاك، أخذته سِنة من النوم، فلما أفاق وجد الناقة، فاختل توازنه، فقال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي، أليس هذا هو الكفر؟ لكن النبي عليه الصلاة والسلام ما علق على أنه كفر، لذلك قالوا: ما كل من وقع بالكفر وقع الكفر عليه، فليس من شأن الإنسان أن يُقيّم أحداً، استرح من هذه المهمة، أنت لست وصياً على خلق الله، خذ ما تعلم ودع ما تنكر، لذلك حينما تتهم الناس بالكفر خرجت عن اختصاصك، أنت إنسان أنا أقول دائماً لخمسة وثلاثين عاماً تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، أنا لا أُقيّم أحداً، أنا لست وصياً على أحد.
أيها الأخوة الكرام، وقد تكون له محبة لرجل صالح، أصل هذه المحبة مشروع في الدين، ولكن هذه المحبة زادت وطغت بسبب الجهل حتى وصلت إلى درجة الغلو، الذي رفع هذا الإنسان فوق منزلته، واتهم كل من لم يقره على ذلك بالكفر والفسق، وقد يكون الجهل جهلاً بالدليل لعدم معرفته، أو لعدم الاطلاع عليه، وقد يكون جهلاً بالاستنباط، أو جهلاً بقواعد اللغة العربية.
أيها الأخوة الكرام، الجهل أسهلُ أسبابِ الغلو معالجةً، ولاسيما إذا كان المغالي بريئاً من الهوى، والنزعات الشريرة، فالجهل يزول بالعلم، ففي عهد عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد ناظر الخوارج وحاورهم، فرجع منهم ما يزيد عن ألفي إنسان في مجلس واحد، الحوار، لا تكفر بل حاور، لا تُقيّم بل خذ بيده إلى الله.

3 ـ الهوى :

من أسباب الغلو أيضاً فضلاً عن الجهل، الهوى، الذي يجر صاحبه إلى التعسف في التأويل، وردّ النصوص الصحيحة، وقد يكون الهوى لغرض دنيوي من طلب الرئاسة، أو الشهرة، أو نحوهما، وقد يكون المغالي بعيداً عن هذه المطالب، ولكن الانحراف سبق إلى عقله وقلبه واستقر فيهما، وتعمَّق جذوره، وترسخت أصوله، وكما قيل :

أتاني هواها قبل أن أعرفَ الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكَّنا
***

عندئذ يَعِزُّ على المغالي أن يتخلى عن غلوه، وأن يقرَّ على نفسه أنه كان متحمساً للباطل، مناوئاً للحق، عندئذ يتشبث بباطله، ويلتمس له الأدلة الضعيفة الواهية من هنا وهناك، لذلك قيل: تعلَّموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلموا.
أيها الأخوة، وقد يكون الهوى بسبب نفسية مريضة، معتلَّة، منحرفة، تميل إلى الحدة، والعنف، والعسف في آرائها ومواقفها، وتنظر دائماً إلى الجانب السلبي والمظلم للآخرين، وقد يتصف صاحبها بالعلو والفوقية، من دون أن يشعر بذلك، فضلاً عن أن يعترف بهذا، فإذا التقى الأشخاص أو قرأ كتبهم، فيبحث عن نقاط ضعفهم، مغفلاً النواحي الإيجابية التي يتمتعون بها، وعندئذ تتبخَّر ثقته بالعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، و يبتعد عنهم، ويستقل بنفسه ورأيه، فينتج عن هذا الشذوذ في الآراء والمواقف والتصورات، غلو وأي غلو.

 

4 ـ غلو الطرف الآخر :

لا تتبعوا ما ليس من دينكم
أيها الأخوة، من أسباب الغلو أيضاً غلو الطرف الآخر، فالعالم الغربي حينما يجر المجتمعات الإسلامية إلى الفساد، والإباحية، وإلى الانحلال الخلقي، وينتهكون الحرمات، ويستخفون بالثوابت، ويدنسون المقدسات، هم في الحقيقة من المتسببين في حدوث الغلو، وإن أعلنوا الحرب عليه.

 

 

 

 

على الإنسان أن يفرق بين الغلو الحقيقي و الغلو الموهوم :

 

 

 

 

أيها الأخوة الكرام، لابدّ من تنويه، قبل أن نبحث في الحلول الفعَّالة للقضاء على الغلو، يجب أن نفرِّق بين غلو حقيقي وهو مجاوزة للحدِّ الشرعي، وانحراف عن سواء السبيل، وبين غلو موهوم في رأس أعداء الدين، فهم يصفون المؤمنين الملتزمين بالأصولية والتقوقع تارة، وبالتطرف والتزمت تارة أخرى، هم في الحقيقة يدعون بإخلاص إلى الله تعالى، وإلى دينه، وإلى تحكيم شريعته، والعمل بكتابه وسنة نبيه.

القضاء على الغلو الحقيقي لا يكون إلا بـ :

1 ـ تمكين العلماء الربانيين من القيام بواجبهم في الدعوة إلى الله وَفقَ أُسس صحيحة:

أيها الأخوة الكرام، لا سبيل إلى القضاء على الغلو الحقيقي في الدين، إلا بتمكين العلماء الربانيين، العاملين، المخلصين، من القيام بواجبهم في الدعوة إلى الله، وَفقَ أُسس صحيحة متوازنة، ومن خلال رؤية صافية لحقيقة الدين الحنيف، وبأساليب نابعة من الكتاب والسنّة.

2 ـ على كل إنسان أن يقوم بواجبه تجاه دينه الإسلامي :

لكل مسلم دوره في بناء المجتمع
أيها الأخوة الكرام، بعض الواجبات الفردية، الآباء ينبغي أن يعلموا أن الأبوة رسالة ومسؤولية، وأن تربية أولادهم أعظم كسبهم، والأمهات ينبغي لهن أن يتفرغن لتربية أولادهن والعناية بهم، كي تتماسك الأسر، ويكون الأولاد لبنات في بناء المجتمع، والمعلم ينبغي له أن يحمل رسالة سامية يسعى إلى تحقيقها في طلابه، وطالبنا ينبغي أن يتفوق، وعاملنا ينبغي أن يتقن عمله، وفلاحنا ينبغي أن يرتبط بأرضه ليزرعها، وموظفنا ينبغي أن يتفانى في خدمة المواطنين، وقاضينا ينبغي أن يعدل، والأستاذ الجامعي ينبغي أن يؤثر خدمة أمته على حظوظه من دنيا الآخرين، وداعيتنا ينبغي أن ينصح لا أن يمدح ولا أن يقدح، وضابطنا ينبغي له أن يوقن أن المعركة مع العدو قادمة لا محالة، وأن الحديث مع العدو عن السلام مراوغة، وكذب، وكسب للوقت ليس غير، وثرواتنا ينبغي أن تستخرج، ومصانعنا ينبغي أن تطور، وأرضنا ينبغـي أن تستصلح، ومياهنا ينبغي أن يرشد استهلاكها، وهذا لا يكون إلا بإيمان بالله، يحملنا على طاعته، وإيمان باليوم الآخر يمنعنا أن نظلم بعضنا بعضاً، وحين نقول للطالب: واصل دراستك وكن متفوقاً، وخطط لسنوات قادمة لتكون شيئاً مذكوراً في حياة الأمة ومستقبلها لاستثقل هذا، وآثر سماع الأخبار، وأن يكون منفعلاً لا فاعلاً، إن بعض الاندفاع قد يضاعف المعاناة بدلاً من حلها، فكما أننا نصغر أمام شاب يموت في سبيل الله، وفق منهج الله، كذلك نحن في أمس الحاجة إلى شاب يعيش في سبيل الله، ويقدم لأمته كل خير، والغفلة عن المستقبل تجعلنا مشغولين أبداً بإطفاء الحرائق هنا وهناك عن العمل الجاد الذي يخفف المعاناة عن أجيالنا اللاحقة، إن علاج جرح مفتوح على أهميته يجب ألا ينسينا التفكير في مستقبل أجيالنا التي سوف تتساءل هل تركنا لها شيئاً آخر غير الجراح ؟
أيها الأخوة الكرام، الحقيقة موضوع الغلو في الدين سلباً أو إيجاباً، تفلتاً أو تشدداً، هو مشكلة كبيرة لا يحلها إلا طلب العلم الحقيقي، حتى تعلم أن الإسلام وسطي جمع بين الدنيا والآخرة، وبين الحاجات والقيم، وبين متطلبات الحياة ومتطلبات المبادئ، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا مؤمنين كما كان عليه أفضل المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الابتعاد عن الانفعالات الخاطئة التي تجني على المسلمين و مصالحهم :

أيها الأخوة الكرام، يقول الإمام علي رضي الله عنه: "الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم".
عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، هؤلاء أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا بني أن تكون منهم، لذلك أيها الأخوة، أعظم ما أقدمه لأخوتنا الكرام في مثل هذه الأحداث الصعبة أن نكبح جماح الانفعالات، بحيث لا ينتج عنها اجتهادات خاصة ربما جنى بعضها أول ما يجني على المسلمين ومصالحهم، وأن يكون عند المسلمين بخاصة برغم حرارة الانفعال وشدة التأثر تبصر في معالجة الأمور، فينبغي ألا يخرجنا التأثر إلى التهور، ولا الحماس إلى الطيش، إن الحماس طاقة فاعلة منتجة، إذا وجهت في الطريق الرشيد، وإن العبرة ليست بتنفيس المشاعر وتفريغ العواطف، ولكن العبرة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، اجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل ِكلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018