الخطبة : 0478 - الثوابت والمتغيرات - القلب ، العين ، الدماغ. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0478 - الثوابت والمتغيرات - القلب ، العين ، الدماغ.


1994-04-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده ، و نعوذ به من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضلَّ له ، و من يضلل فلن تجد له وليّا مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علمًا ، و أرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، و ارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الجمع بين الثبات و التطور في الإسلام :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوع الخطبة السابقة كان حول : وسَطِيَّة الإسلام ، واليوم نتابع هذا الموضوع الدقيق فنتحدَّث كيف أن الإسلام جمع بشكلٍ معجز بين الثبات والتطور ، فلاشكَّ أن المجتمعات اليوم تضطرب اضطراباً لا حدود له ، لأن الثوابت فيها معدومة ، كل شيءٍ يمكن أن يتبدَّل ، كل شيءٍ يمكن أن يتغيَّر من طرفٍ إلى طرف ، ومن أعلى إلى أسفل ، ومن أسفل إلى أعلى ، من الحرية المُطْلَقَة إلى التقييد المُطلق ، هذا الاضطراب الشديد هو ما تعانيه المجتمعات البشرية اليوم ، لذلك كيف جمع الإسلام بشكلٍ مُعْجِز بين الثبات والتطور ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ كما أن الله واحدٌ في خلقه ، واحدٌ في تشريعه ، كلُّكم يعلم أن الأجسام الصُلبة تتميَّز بحجمٍ ثابت وشكلٍ ثابت ، وأن العناصر المائعة - السائلة - تتميَّز بحجمٍ ثابت وشكلٍ متغيِّر ، وأن الأشياء الغازية تتميز بحجمٍ متغيرٍ وشكلٍ متغير ، فهناك من ينظر إلى الإسلام أيها الأخوة من زاوية مرونَتِهِ ، ومن زاوية مسايرته لكل الظروف الطارئة ، عندئذٍ يزول هذا الإسلام في المجتمعات الحديثة ، وتزول معالمه الأساسية ، أصاب من جهةٍ وأخطأ من جهات أخرى ، وهناك من يبرز في الإسلام الجانب الثابت ، فإذا هو كالصخرة الصُلبة لا تتحرَّك ولا تلين ، هناك من يصور الإسلام كالسائل يتشكَّل بأي إناء ، يدخل أي إناء ويأخذ أي شكل ، وهناك من يُبرز الإسلام على أنه صُلْبٌ متين كالصخرة الصلبة لا تتحرَّك ولا تلين ، والحقيقة هذا عيبٌ في الدعوة ؛ أن تنظر إلى الإسلام من زاوية وتنسى الزاوية الأخرى ، أن تبرز جانباً وتنسى جانباً آخر ، هؤلاء الذين يفعلون هذا إما أنهم يقعون في الإفراط أو يقعون في التفريط ، إما أنهم يقعون في الغلو أو يقعون في التقصير .

 

الإسلام هو الشرع الذي يستوعب البشرية في ثوابتها ومتغيّراتها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حقيقة النهج الإلهي الفريد أنه قام على أساسين اثنين : أساسٍ ثابت ، وأساسٍ متغيِّر .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ في الإسلام قيمٌ ثابتة فيما ينبغي أن يَخْلُدَ ويبقى ، وفي الإسلام عناصر تقبل التطور والتغيّر فيما ينبغي أن يلائم الإسلام الظروف المتجدِّدة ، والبيئات المختلفة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ الشرائع السماوية التي كانت قبل الإسلام سجَّل عليها التاريخ أنها وقفت بعُنْفٍ أمام الحقائق العلميَّة ، ولم تقبلْ أيَّ كشفٍ علميٍّ جديد ، بينما الشرائع الوضعيَّة تمثل المرونة المطلقة نراها في تغيرٍ دائم ، لا تستقر على حال ، حتى الدساتير التي هي أُمّ القوانين أحياناً تُلغى أو تُعدَّل بجرَّة قلم ، إذاً نحن بين جمودٍ قاسٍ يرفض كل شيء ، وبين مرونةٍ فائقة تقبل كلَّ شيء ، الإسلام بين هذا وبين ذاك ، بين الجمود المطلق الذي لا يتغير ولا يتبدَّل، وبين المرونة المطلقة التي لا تستقر على حال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ شاءت حكمة الله جلَّ جلاله أن يجعل هذا الدين الحنيف القويم ديناً يجمع بين الثبات والتطور ، ففيه عنصر مرونةٍ ثابت ، هذا من روائع الإعجاز ، ومن آيات خلود الإسلام ، وصلاحيته لكل زمانٍ ومكان ، الذي نلمحه في الإسلام أيها الأخوة أن الثبات متعلقٌ بالأهداف والمبادئ والغايات ، وأن المرونة متعلِّقةٌ بالوسائل والأساليب ، الأصول والكُلِّيات ثاتبةٌ في الإسلام ، والفروع والجزئيات مرنةٌ تقبل التطور والتغيير ، هذا الجمع المعجز الرائع المتناسق بين القيم الثابتة المتعلقة بالمبادئ والأهداف والأصول ، وبين القيم التي تقبل التطور والمتعلقة بالأساليب والوسائل ، والمتعلقة بالفروع والجزئيات ، هذا الجمع بين الثبات والتطور ، هذا الجمع بين الصلابة والمرونة ، هو أعظم ما في الإسلام .
 لذلك أيها الأخوة الكرام يمكن أن نَعُدَّ الإسلام هو الشرع ، أو الدستور ، أو النظام الذي يستوعب البشرية في ثوابتها وفي متغيّراتها .

 

الشرع فيه ثوابت ومتغيرات انسجاماً مع الكون الذي خلقه الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كما قلتُ وأقولُ دائماً : الكون خَلْقُهُ وهذا الشرع دينه ، هو واحدٌ في خلقه وواحدٌ في شرعه ، إذاً ينبغي أن نلمح الثبات في الكون ، وينبغي أن نلمح الثبات في الإنسان ، وينبغي أن نلمح التطوَّر في الكون ، وينبغي أن نلمح التطور في الإنسان .
 هذا الإنسان الذي وصل إلى القمر ، هذا الإنسان الذي سَخَّر العلوم البشريَّة منذُ أن ظهر العِلْم لتكون هذه العلوم في خدمة غايته التي أراد أن يصل بها إلى القمر ، أليس هذا عملاً رائعاً ؟ والإنسان الذي عجز عن أن يواري سوأة أخيه ، قال :

﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ﴾

[سورة المائدة : 31 ]

 بين إنسانٍ عجز عن أن يواري سوأة أخيه ، وبين إنسانٍ وصل إلى القمر ، هذا يمثِّل التطور ، والتبدُّل في علمه ، وفي إمكاناته ، وفي سيطرته على الطبيعة كما يقولون ، أما الإنسان الذي عجز عن أن يواري سوأة أخيه ، والإنسان الذي وصل إلى القمر ، ألا يأكل ويشرب ؟ ألا يشتهي الطَرَفَ الآخر ؟ ألا يحب وجوده ؟ ألا يحب سلامة وجوده ؟ ألا يحب كمال وجوده ؟ ألا يحب استمرار وجوده ؟ إذاً يوجد بالإنسان ثوابت . ألا يخاف ؟ يخاف . ألا يخشى ؟ يخشى ، يحب ، ويخاف ، ويخشى ، ويتمنى ، ويأوي إلى ركنٍ ركين ، هذه كلها من خصائص الإنسان الثابتة ، مع أن هناك تطوراً كبيراً جداً أصاب حياته ، إذاً في الإنسان عناصر ثابتة وعناصر متبدلة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان أحياناً فيه غرائز ، وفيه ضمائر ، الضمير يدعوه إلى الأخلاق ، والغرائز تدعوه إلى الشهوة ، وهو بينهما في صِراع ، فإذا رجح جانب العقل سيطر على غرائزه ، فسما إلى مرتبةٍ تفوق الملائكة ، وإذا ضعف عقله وسيطرت عليه غرائزه ، هبط إلى مستوىً أدنى من مستوى الحيوان ، إذاً الإنسان فيه تبدل وفيه تطور وفيه ثوابت .
 كذلك الكون أيها الأخوة ، أليس في الأرض جبالاً ؟ في الأرض جبال ، و أنهار ، و ليل ، و نهار ، و شمس ، و قمر ، و نجوم هذه ثوابت ، أليس هناك جزرٌ تنشأ ، وبحيراتٌ تجف ، وأنهارٌ تَسيل ، وماءٌ يطغى على اليابسة ، ويابسةٌ تزحف على الماء ، أرضٌ ميتةٌ تحيا ، وصحارٍ قَفْرٍ تخضر ، بلادٌ تعمَّر ، أمصارٌ تخرَّب ، زرعٌ ينبت وينمو ، وآخر يصبح هشيماً تذروه الرياح ؟ إذاً في الأرض ثوابت وفيها متغيرات ، في الإنسان ثوابت و متغيرات ، فالشرع إذاً ينبغي أن يكون فيه ثوابت ومتغيرات ، انسجاماً مع أن الكون خَلْقُهُ والشريعةَ كلامه .

أهم الثوابت في القرآن الكريم :

1 ـ مبدأ الشورى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه مقدِّمة ، والآن ندخل في صُلب الموضوع . قال تعالى في القرآن الكريم :

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 هذا من الثوابت . وقد وصف الله المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ، وهذه من الثوابت . والإنسان لا يُفْلِح أيها الأخوة إلا إذا استشار ، وقد ورد أنه :

((ما ندم من استشار ولا خاب من استخار))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 الاستخارة لله عزَّ وجل ، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين ، لكن طريقة الشورى هذه تأخذ أشكالاً متعدِّدة بحسب الظروف ، بحسب المُعْطَيات ، بحسب الإمكانات ، بحسب التطور ، شكل الشورى تركه الله مع المتغيّرات ، لكن مبدأ الشورى ثبَّته الله مع الثوابت ، قال تعالى :

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 يأمر النبي عليه الصلاة والسلام ، الذي يوحى إليه ، المعصوم ، المؤيَّد بالمعجزات، الذي كان قمَّة الخلق وحبيب الحَق ، يأمره هو بالذات أن يشاور أصحابه ..

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 وقد وصف الله المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم ، لكن هذا الأمر وهذه الحقيقة كيف نمارسها ؟ كيف نَسْلُكَهَا ؟ هذا متروكٌ لكل زمنٍ بحسب ظروفه ، وبحسب معطياته ، وبحسب تعقيد الحياة ، وبحسب بساطتها .

2 ـ الحكم بالعدل :

 ثابتٌ من ثوابت القرآن قال تعالى :

﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾

[ سورة النساء : 58]

 العدل أساس المُلْك ، العدل قيمةٌ كُبرى من قيَم الإسلام ، عدل ساعة أفضل من أن تعبد الله ثمانين عاماً ، والآية الثانية :

﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

[ سورة المائدة :49 ]

 ينبغي أن تعدل ، وينبغي أن تتبع في حُكْمِكَ شريعة الله عزَّ وجل لا شريعةً أخرى..

﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾

[ سورة المائدة :49 ]

 هذا هو الثبات ، العدل قيمةٌ ثابتةٌ في القرآن الكريم ، لكن كيف نَحْكُم ؟ محاكم درجة واحدة ، أم درجتان ، أم ثلاث درجات ؟ هذا مع التطورات ، قاضٍ فرد أم هيئة قضاة ؟ أَنُقَسِّم الأمور إلى مدنيات وجنائيَّات ؟ الأساليب ، والفروع ، والصِيَغ هذه تستمدُّ من كل عصرٍ بحسب تعقيدات الحياة ، وبحسب ظروفه ، وبحسب معطياته . أما القيمة الثابتة فهي العَدْلُ ، طريقة الوصول إلى العدل فيها مرونةٌ فائقة .

3 ـ تمايز المؤمنين عن الكافرين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قيمةٌ ثابتة ثالثة ، قال تعالى :

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء﴾

[سورة آل عمران:28]

 لابدَّ من أن يتمايز المؤمنون عن الكافرين ، لابدَّ من أن يكون لهم مبادئهم ، وأساليب حياتهم ، وقيَمهم ، وطريقة كَسْبِهِم للمال ، أما إذا اختلط المؤمنون مع الكافرين ، ذاب المؤمنون في مجتمع الكافرين ، وذاب مع ذوبانهم دينهم وانتهوا ، فلابدَّ من التمايز ، المسلم له مبدؤه ، وله غايته ، وله أسلوبه ، مقيدٌ بالشرع ، مأمورٌ بأن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، أما إذا حصل اختلاط ؛ تداخل المال الحرام بالحلال ، إذا حصل اختلاط ؛ ضاعت الأنساب ، انهدمت الأسرة ..

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء﴾

[سورة آل عمران:28]

 هذا هو الثبات ، أين المرونة إذاً ؟ هناك استثناءٍ استثناه الله عزَّ وجل ، قال :

﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾

[سورة آل عمران:28]

 ليس بحكيمٍ من لم يدارِ ، من لابدَّ من مداراته ..

﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾

[سورة آل عمران:28]

 لو أنَّك لم تجامل بإمكان الطرف الآخر أن يُنْهي وجودك ، إذاً لك أن تتقي منهم تقاة ، هذا إذاً من المرونة .

4 ـ تحريم أكل الميتة و لحم الخنزير :

 من الثوابت :

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾

[سورة البقرة : 173]

 بالمناسبة أيها الأخوة الأشياء الثابتة هي التي لا تتبدَّل بحسب المكان والزمان . والأشياء المتغيرة هي التي يُقبَل أن تُغَيَّر وتبدَّل بحسب الظروف والمعطيات ، لكنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[سورة البقرة : 173]

 والضرورة تقدَّر بقدرها .
 إذاً أيها الأخوة تحريمٌ آخر واستثناءٌ نادر..

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾

[سورة البقرة : 173]

5 ـ عدم الإفساد في الأرض :

 ثابتٌ من ثوابت القرآن :

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾

[سورة الأعراف : 56]

 أن تقلع الشجر هذا من الإفساد في الأرض ، أن تلوِّث الماء هذا من الإفساد في الأرض ، أن تلوِّث الهواء هذا من الإفساد في الأرض ، أن تلوّث التُرْبَة بهذه المواد الكيماويَّة هذا من الفساد في الأرض ، أي تبديلٍ لطبيعة الأشياء هذا من الفساد في الأرض ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾

[سورة الأعراف : 56]

 لكن هناك ظروفاً استثنائيَّة فعلها النبي عليه الصلاة والسلام ، وأقرَّه القرآن عليها ، قال :

﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ﴾

[سورة الحشر : 5]

 من شجرةٍ ..

﴿ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة الحشر : 5]

 أحياناً من أجل أن نُرْغِمَ عدونا على أن يستسلم بأقل خسارةٍ ممكنة ، هناك استثناءٌ من هذا الأصل الذي قرَّره القرآن الكريم ..

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾

[سورة الأعراف : 56]

6 ـ تحريم الربا :

 هناك حقائق ثابتة في كسب المال ، قال تعالى :

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾

[سورة البقرة : 275]

 هم اجتهدوا أن الربا مثل البيع ، وهذا تشبيه مقلوب ، أيْ كأنهم يقولون : إن الربا مثل البيع ، فالله سبحانه وتعالى ردَّ عليهم وقال :

﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾

[سورة البقرة : 275]

 ما قَبِلَ اجتهادَهم ، لكن في آيةٍ ثانية قَبِلَ اجتهاد المُجتهدين ، وأثنى على الذي اجتهد فأخطأ ، قال تعالى :

﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾

[سورة الأنبياء : 78-79]

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام استنبط أنه :

((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر))

[البخاري عن عمرو بن العاص ]

 إذاً هناك موقف حينما يكون الربا وسيلةً لتهديم المجتمعات البشرية ، حينما يكون الربا وسيلةً لتجمُّع الأموال في أيدٍ قليلة ، وحرمانها من الكثرة الكثيرة ، عندئذٍ تُعزا كل أشكال العنف البشري إلى هذا الفارق الكبير بين قلةٍ تملك كل شيء ، وبين كثرةٍ لا تملك شيئاً ، المسؤول عن هذا الربا الذي يُجَمِّعَ الأموال في أيدٍ قليلة ويحرم منها الكثرة الكثيرة ، المسؤول عن ذلك هو الربا، بتعبيرٍ آخر : حينما يَلِدُ المالُ المالَ من دون جهدٍ بشري هذا هو الربا .
 الكسب المشروع أن تأتي بالمال نظير جهدٍ ، زراعةٍ ، أو صناعةٍ ، أو تجارةٍ ، أو خدمةٍ ، أو عملٍ ، فإذا جاءك المال على أثر هذا فهذا كسبٌ مشروع ، أما إذا ولد المالُ المالَ فهذا هو الربا . لذلك الله سبحانه وتعالى رفض اجتهاد المجتهدين فقال :

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾

[سورة البقرة : 275]

فوائد الأشياء الثابتة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من فوائد الأشياء الثابتة أن المجتمع المسلم بقيمه الثابتة يستعصي على عوامل الانهيار ، والفناء ، والذوبان التي نجدها في المجتمعات الأُخرى ، يستعصي على التفكُّك إلى عدة مجتمعات ، بالثبات يستقرُّ التشريع ، وتبنى المعاملات والعلاقات على دعائم متينة وأسسٍ راسخة ، إذاً القيم الثابتة في العقيدة ، وفي السلوك ، وفي المعاملات ، وفي العبادات هذه من شأنها أن تحمي المجتمع من الانهيار ، أن تحمي المجتمع من الذوبان ، أن تحمي المجتمع من التجزئة ، من التفرُّق ، من التشرذم ، وبالتطور يتكيَّف المجتمع المسلم بحسب تغيّر المكان وتغيّر الزمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ تعقيبٌ سريعٌ على هذا الموضوع : الثبات في الشريعة يتجلَّى في المصادر الأصلية ، في القرآن والسُنَّة ، في النصوص القطعية الدلالة والثبوت ، في كتاب الله وسُنَّة رسوله ، القرآن هو الأصل ، والسُنة هي الشرح النظري والبيان العملي ، وتتجلَّى المرونة في المصادر التشريعيَّة الأخرى ؛ في الإجماع ، والقياس ، والاستحسان ، والمصالح المُرْسَلَةِ ، وأقوال الصحابة ، وشرع من قبلنا .

 

موضوعات لا تخضع للمناقشة ولا للبحث ولا لأنصاف الحلول :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إليكم بعض الموضوعات التي لا تخضع للمناقشة ، ولا للبحث، ولا لأنصاف الحلول ، وهي عوامل ثبات المجتمع المسلم ، وعوامل وحدته ، وعوامل تقدُّمه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في العقائد الأساسيَّة ؛ الإيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، الإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته الفُضْلى - هذه ثوابت - الإيمان باليوم الآخر ؛ سيجمعنا ليومٍ لا ريب فيه ، ويحاسب المحسن على إحسانه ، والمسيء على إساءته ، والإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين .
 وأما الأركان العملية ؛ فالشهادتان ، والصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج .
 وأما المحرَّمات اليقينيَّة فالسحر ، وقتل النفس ، والزنا ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم، وقذف المُحصنات ، والتولّي يوم الزحف ، والغَصْب ، والسرقة ، والغيبة ، والنميمة . هذه ثوابت لا تخضع للمرونة، ولا للتبديل ، ولا للتعديل .
 وأمهات الفضائل ؛ الصدق ، والأمانة ، والعفَّة ، والصبر ، والوفاء بالعهد ، والحياء. ألم يقل سيدنا جعفر للنجاشي حينما طلب منه أن يحدِّثه عن النبيَّ الجديد قال :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ...))

[ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 هذه أمهات الفضائل : الصدق ، والأمانة ، والعفَّة ، والصبر ، والوفاء بالعهد ، والحياء .
 وفي الشرائع هناك ثوابت ؛ ثوابت الزواج ، ثوابت الطلاق ، ثوابت الميراث ، ثوابت الحدود ، ثوابت القِصاص .
 كل هذه العقائد ، والأركان العملية ، والمحرَّمات اليقينيَّة ، وأمهات الفضائل ، والشرائع القطعيَّة كلها ثبتت بنصوصٍ قطعيَّة الدلالة ، قطعية الثبوت ، نزل بها القرآن ، وتواترت بها الأحاديث ، وأجمعت عليها الأُمَّة ، وهي كُلِّيَاتٌ أبديةٌ باقيةٌ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ لعلَّكم لا تفقهون ، أو لا نفقه جميعاً لماذا نحن متماسكون بعد ألفٍ وخمسمئة عام ؟ بهذه الثوابت ، بهذه الصلوات الخمس ، بصلاة الجمعة التي هي عبادةٌ تعليميَّة ، فالمسلم حينما يصلي الجمعة ويستمع إلى آيةٍ واحدة قد شُرحت ، أو إلى حديثٍ واحدٍ قد شُرِحْ ، وقد أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يبلِّغ عنه ولو آية ، فإذا بلَّغ كلٌ منكم آيةً واحدة مما سمع يوم الجمعة انتشر الحَق ، وساد شرع الله عزَّ وجل .

 

انفراد الإسلام من بين الشرائع بالجمع بين القيم الثابتة و المتغيرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرَّةً ثانية : الإسلام ينفرد من بين الشرائع بأنه يجمع بشكلٍ رائع ومعجز بين القيَم الثابتة في العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق ، والتشريعات ، والنُظُم، وبين القيَم التي تقبل التطور . لذلك يمكن أن يُسَاير الإسلام مختلف الظروف ، مختلف البيئات ، مختلف المتغيرات من دون أن يُصْبِحَ كالسائل الذي يقبل أي إناء ، ويتشكَّل مع أي شكل ، ومن دون أن يبقى كالصخرة الصلبة التي لا تلين ولا تتحرَّك .
 هذا الجمع وقد أبرزته اليوم بفضل الله تعالى من خلال القرآن الكريم ، هذا الذي يجعل من أمة النبي الكريم أمة متماسكة شامخة كالطود ، بفضل ثباتها على مبدئها .
 ومرَّةً ثانية حينما قال الله عزَّ وجل :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 هذه الخَيْرِيَّة التي أثبتها الله في القرآن الكريم أساسها الأمر بالمعروف والنَهْي عن المُنْكر ..

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 لماذا ؟ ما علَّة هذه الخيرية ؟

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 فإذا تَخَلَّت الأمة عن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر فقدت خيريَّتها ، لذلك فرَّق العلماء الأَجِلاَّء بين أمة الاستجابة ، وبين أمة التكليف ، فكل من وُلِدَ من أبوين مسلمين بحكم انتمائه التاريخي إلى هذه الأمة هو من أمة التكليف ، وكل من استجاب لله ورسوله ، وأقام شرع الله في حياته ، في بيته ، وفي عمله ، وضبط بهذا الشرع سلوكه فهو من أمة الاستجابة ، وكل الآيات والأحاديث التي تُثْنِي على أُمَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم لا يقصد بها إلا من كان مستجيباً لله ورسوله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع هواها ، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين ،

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

القلب والعين و الدماغ من الآيات الدالة على إعجاز الله في خَلْقِهِ :

 أيها الأخوة ؛ من الآيات الدالة على إعجاز الله في خَلْقِهِ أن الله سبحانه وتعالى خَلَقَ قلب الإنسان وجعله متبدل الاستطاعة ، مع أن هذا حتى الآن لم يكن ولن يكون ولا في القريب العاجل في المُحَرِّكات التي يصنعها الإنسان ، فالمحرك له استطاعة ، لكن يُتحايل على استطاعته بعلبة التروس - كما يقولون - لكن المحرك له استطاعة واحدة ، أما هذا القلب البشري فتتبدَّل استطاعته بحسب الظروف ، فبينما يدق ثمانين دقَّة في الدقيقة ، وهذا هو الحَدُّ الأدنى الثابت ، إذا به حينما يواجه ظروفاً صعبة ، حينما يواجه صعود جبالٍ ، أو صعود دَرَجٍ ، أو حينما يواجه مشكلةً نفسيَّة ، أو حينما يخاف الإنسان ترتفع دقاته إلى مئةٍ وثمانين دقة ، من ثمانين إلى مئةٍ وثمانين ، كيف أن هناك عدداً ثابتاً وأن هناك عدداً متبدِّلاً .
 العين ؛ ترى كل شيءٍ بوضوحٍ تام بعد ستين متراً ، أما قبل الستين فلابدَّ من عمليةٍ غايةٍ في الإعجاز ، هي عملية المُطابقة ، فإذا أردت أن تنظر إلى كرةٍ- والذي لا يُصدَّق - كأن جهةً ثالثة تقيس المسافة بين العين وبين الكرة ، وتضغط على الجسم البلوري ضغطاً بمعشار الميكرون حيث يبقى خيال هذا الجسم على شبكية العين ، وهذه المطابقة حتى هذه الساعة تفسيراتها غير مُقْنِعِة ، إنها عناية الله عزَّ وجل ، بإمكانك أن ترى طريقاً مزدحماً بالمارة ، كلَّما نظرت إلى إنسانٍ تبدَّل اِحْتِداب العدسة تبدلاً بحيث يجعل خياله على المحرق - أي على الشبكيَّة - هذا لا يتم إلا بعضلاتٍ هدبيةٍ بالغة الدقَّة تضغط على الجسم البلوري تزيد احتدابه ، أو تخفِّف احتدابه ، بحسب بُعْدِ الجسم عن العَيْن ، هذه مطابقة .
 شيءٌ آخر أيها الأخوة ... الإنسان من الكائنات ثابتة الحرارة ، لكن كيف يواجه الإنسان الجو الحار ؟ يواجهه بملايين الغدد العرقية ، والغدد العَرَقِيَّة هي جهازٌ بالغ الدقَّة في تكييف الجسم ، فحينما تفرز هذه الغدد السائل ، وحينما يتم التبادل الحراري بين هذا الماء وبين حرارة الجلد يكسب الماء من الجلد حرارته ، وتخف بذلك حرارة الجلد ، إذاً التعرُّق وسيلةٌ بالغة الدقة والتعقيد ، يتلافى بها الجسم ارتفاع الحرارة ، فإذا انخفضت الحرارة عن الحد المعقول ، يأتي الرَجَفَان ليحرِّك العضلات ، وليولد حرارةً ، ويقف شعر الجسم ليخزن كميةً من الهواء الساخن تعينه على تلافي الجو البارد . إذاً القشعريرة والتعرُّق بهذين الطريقتين يتلافى الجسم مواجهة الجو الحار والجو البارد .
 الدماغ أيها الأخوة ؛ إذا أصاب الأعصاب الحسية مؤثرٌ خارجي كالحر ، أو البرد ، أو الألم ، أو الأثر الكيميائي لا شك أن الإنسان يشعر بالألم ، ولكن إذا بلغ الألم حداً لا يُطاق يفرز الدماغ مادةً تخدِّره ، وهي من أرقى المواد المخدِّرة حتى يغيب عن الألم ، وهذا هو الإغماء، الإغماء سببه أن الدماغ يفرز مادةً تخدره وتبعده عن الإحساس بالألم .
 أرأيتم أيها الأخوة إلى هذا الإنسان المعجز في خلقه ؟ تارةً فيه ثوابت ، ضربات القلب ثابتة ولكن تصل عند الضرورة إلى مئةٍ وثمانين ، ورؤية العين ثابتة ولكن دون الستين متراً تجري مطابقة من أدق العمليّات في العَين ، وحرارة الجسم ثابتة لكن القشعريرة والتعرُّق وسيلتان يتكيَّف بهما الجسم مع الجو الحار والجو البارد . والدماغ يشعر بالألم بشكلٍ ثابت ، لكن حينما يزداد الألم يتدخل الدماغ فيفرز مادة تخدِّره ، وهذه هي حالة الإغماء التي يعاني منها الإنسان أحياناً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018