الخطبة : 0532 - التقرب إلى الله 3 - الخوف من الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0532 - التقرب إلى الله 3 - الخوف من الله


1995-07-14

الخطبة الأولى:
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، أنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الخوف من الله عز و جل :

أيها الأخوة الكرام ؛ الموضوع المتسلسل هو التقرب إلى الله ، ومن أولى وسائل التقرب إلى الله طاعته ، وطاعته ينبغي أن تكون على جناحي الخوف والرجاء ، وكان الموضوع في الخطبة السابقة عن الخوف من الله عز وجل ، ونحتاج إلى خطبة ثانية في الموضوع نفسه لننتقل إن شاء الله تعالى في خطبة قادمة عن آيات الرجاء في القرآن الكريم كي يتوازن الخوف والرجاء معاً.
في القرآن آيات تخويف وتذكير وترهيب
أيها الأخوة الكرام ؛ في القرآن الكريم آيات فيها تخويف ، وتذكير ، وترهيب ، من أجل أن ينهض الإنسان إلى الجد والعمل ، وآيات التخويف غايتها حصول الخوف الحقيقي من خطر حقيقي ، وليس المقصود المعنى الدارج عند العامة وهو إحداث خوف من خطر موهوم ، أو غير حقيقي.
التخويف في القرآن الكريم إحداث خوف حقيقي من خطر حقيقي. أما في المعنى الدارج على ألسنة العامة فالخوف إحداث خوف من خطر مزعوم ، أو موهوم ، أو ليس حقيقياً.
قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾

[سورة الزمر: 15-16]

أي يا عبادي امتثلوا أمري ، واجتنبوا ما نهيتكم عنه خوفاً من هذا اليوم العسير ، ومن هذا العذاب الشديد .

 

المقياس الدقيق في كشف حقيقة الإيمان :

الخوف من آيات التخويف مقياس دقيق للإيمان
أريد أن أؤكد على هذه الحقيقة ، التخويف في القرآن الكريم تخويف حقيقي ، يجب أن يحدث خوفاً حقيقياً من خطر حقيقي. والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً ﴾

[سورة الإسراء: 60]

هذه الآية تبين الحد الفاصل بين المؤمن وبين غير المؤمن ، المؤمن إذا خوفه الله يخاف ، بينما الكافر إذا خوفه الله سبحانه وتعالى فلا يخاف ، لذلك يمكن أن يكون هذا مقياساً دقيقاً ، إذا جاءت آيات التخويف هل يمتلئ القلب خوفاً أم يمتلئ القلب شروداً وانحرافاً ؟ الله سبحانه وتعالى وصف الكفار بأنه يخوفهم فما يزيدهم - أي هذا التخويف - إلا طغياناً كبيراً. لذلك أحد المقاييس الدقيقة الناجعة في كشف حقيقة الإيمان مقدار الخوف الذي يستقر في قلبك إذا قرأت آيات التخويف ، هذا مقياس مُشعر ليس من شأن المؤمن إلا أن يخاف إذا خوفه الله تعالى ، ومن لا يخاف إذا خوفه الله تعالى فهو مع الطرف الآخر ، طرف الكافرين الذين لا يعبؤون بآيات الله البينات.

 

محاسبة الإنسان يوم القيامة على كل كبيرة و صغيرة :

أيها الأخوة الكرام ؛ العلماء اختلفوا ولاسيما المفسرون : أي الآيات القرآنية أشدّ تخويفاً ؟ قال بعضهم :

﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ﴾

[سورة الرحمن: 31]

والثقلان هما الأنس والجن ، سكان الأرض القائمون على ظهرها من ذوي العقول الذين كُلفوا حمل الأمانة ، هؤلاء الثقلان ؛ الإنس والجن سنفرغ لكم ، أي سنقصد إلى سؤالكم ، ومحاسبتكم ، وفصل القضاء بينكم ، فخذوا حذركم ، وأعدوا عدتكم .
هذه عند بعض العلماء من أشدّ آيات التخويف ، خالق السموات والأرض سيحاسبنا عن كل صغيرة وكبيرة .

الإيمان ما وقر في القلب و صدقه العمل :

قال تعالى :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 123]

الأماني بضائع الحمقى
الأماني : جمع أمنيات ، الأمنيات : جمع أمنية ، جمع الجمع ، الأمنية : شيء يتوهمه الإنسان ليس له وجود في الواقع ، لذلك قالوا : الأماني بضائع الحمقى. الله جل جلاله يقول :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 123]

لذلك يُروى عن سيدنا عثمان رضي الله عنه أنه قال :"وما تمنيت مذ أسلمت".
إياك - أيها الأخ الكريم - أن تتعامل مع الله بالتمنيات ، تعامل معه بالسعي الحثيث ، بالسعي الكافي ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 19]

﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

لم يقل : وسعى لها ، ما كل مجموع يدخلك كلية الطب ، كلية الطب لها مجموع خاص ، فإذا أحرزته قُبلت في هذه الكلية هذا معنى قوله تعالى :

﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾

لو أن الله جل جلاله قال : وسعى لها ، أي سعي مقبول ، لكن وسعى لها سعيها ، لابد من حدٍّ أدنى ، من سعي مخلصٍ دؤوب شديد.
أيها الأخوة الكرام ؛ معنى الآية الكريمة :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 123]

ينال المؤمنون ما وعدوا به بالجد والاجتهاد
أي ليس الإيمان ، وليس ما وعد الله به المؤمنين لمجرد أمانيكم ، ولكنه بالسعي الدؤوب ، والجد ، والاجتهاد ، وليس في الأرض كلها جهة ولا جامعة على الإطلاق تمنح الشهادات العليا بالتمنيات ، ولا بطلب بسيط ، ولا برجاء حار ، لا تُمنح الشهادة إلا بامتحان صعب ، فمن تجاوزه نال الشهادة.

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

[سورة العنكبوت: 2-3]

الإمام الحسن رضي الله عنه يقول :" ليس الإيمان بالتمني ، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل ، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة ، حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم ، وقالوا : نحسن الظن بالله تعالى وكذبوا ، ولو أحسنوا الظن بالله تعالى لأحسنوا العمل ".
قال عليه الصلاة والسلام :

((ليس الإيمان بالتمني ، ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب ، وصدقه العمل))

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال كبير]

الهموم والمصائب تكفر السيئات وترفع الدرجات :

أيها الأخوة الكرام ؛ لا زلنا في آيات التخويف :

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 123]

روى الإمام مسلم والإمام أحمد وغيرهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

(( لَمَّا نَزَلَتْ :﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، شَقَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَلَغَتْ مِنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَبْلُغَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَكُلُّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا))

[أحمد عن أبي هريرة]

فبالمصيبة الصغيرة والكبيرة يكفِّر الله السيئات.
روى ابن مردويه ، وابن جرير ، قال أبو بكر رضي الله عنه :

((يا رسول الله ما أشد هذه الآية : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾فقال عليه الصلاة والسلام مطَمْئِناً الصديق : يا أبا بكر ، المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا للمسلم جزاء))

أسعد الناس من وصل إلى القبر كيوم ولدته أمه
وروى الإمام الترمذي وغيره عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ : (( كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا أُقْرِئُكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَأَقْرَأَنِيهَا فَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي قَدْ كُنْتُ وَجَدْتُ انْقِصَامًا فِي ظَهْرِي فَتَمَطَّأْتُ لَهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَإِنَّا لَمُجْزَوْنَ بِمَا عَمِلْنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

[ الترمذي عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ]

ورد في الأثر أن الله سبحانه وتعالى يقول :

((وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده ، أو إقتاراً في رزقه ، أو مصيبةً في ماله أو ولده ، حتى أبلغ منه مثل الذر ، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))

[ ورد في الأثر ]

إذا وصل الإنسان إلى القبر كيوم ولدته أمه ، فهو من أسعد السعداء ، ومن أشدّ الناس فلاحاً ، وتفوقاً ، وفوزاً ، لذلك - أيها الأخوة - الهموم والمصائب تكفر السيئات ، وترفع الدرجات ، و روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ))

[مسلم عن عائشة]

المؤمنون ليسوا على شيء حتى يعملوا بكتاب الله و سنة رسوله :

أيها الأخوة الكرام ؛ ومن أشدّ الآيات تخويفاً قوله تعالى :

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

[سورة المائدة: 68]

المؤمنون ليسوا على شيء حتى يقيموا القرآن وأحكامه
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى : هذه الآية وإن كانت موجهة لأهل الكتاب ، ولكن فيها تسميعاً لهذه الأمة المحمدية ، على قاعدة : إياك أعني واسمعي يا جارة . لقد جرت طريقة القرآن الكريم ألا يجابه الله هذه الأمة المحمدية بتعنيف ، ولا توبيخ ، ولا ذكر مساوئ ، ولكن يذكر مساوئ من قبلهم ، ويعنف من قبلهم ، تسميعاً لهم ، وكأن الله تعالى يحذرهم من تلك المساوئ .
إذا أردنا أن نقيس هذه الآية على حياتنا ؛ يا أيها المؤمنون لستم على شيء حتى تقيموا القرآن الكريم ، حتى تقيموا أحكامه ، وتُحلوا حلاله ، وتحرموا حرامه ، وتصدقوا وعده ، وتخافوا من وعيده ، وتؤمنوا بما حكم.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾

[سورة الأحزاب: 36]

أيها الأخوة الكرام ؛ لسنا على شيء عند الله تعالى ما لم نعمل بكتاب الله عملاً حقاً ، مستمسكين به ، وعملاً بما أنزل النبي صلى الله عليه وسلم تبياناً وتفصيلاً لما أنزل الله عز وجل .

 

محاسبة كل إنسان على ما استقر في قلبه :

سوف تحاسب على كل حركة وكلمة
وقال بعض العلماء : إن أخوف آية في القرآن الكريم هي قوله تعالى :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[سورة الزلزلة: 7-8]

مثقال ذرة ، كلمة ، نظرة ، ابتسامة ، قالت عائشة عن أختها صفية : إنها قصيرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

((يا عائشة لقد قلت كلمة لو مُزجت بمياه البحر لأفسدته))

[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[سورة الزلزلة: 7-8]

تحاسب على الكلمة ، وعلى النظرة ، وعلى الابتسامة الساخرة ، وعلى الحركة ، والإيماء ، بل تُحاسب على ما استقر في القلب إذا كان ما استقر في القلب فيه الإصرار ، وفيه التدرج إلى العمل.

 

أخطر شيء في حياة الإنسان أن يقيّم نفسه بمقياس عاطفي :

أيها الأخوة الكرام ؛ ومن أشدّ الآيات تخويفاً قوله تعالى :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 8]

أكبر مصيبة أن يتوهم الإنسان طوال حياته أنه مؤمن ، وأن مصيره الجنة ، ثم يُفاجأ بعد فوات الأوان أنه ما كان مؤمناً ، وكان متلبساً بالمعاصي والآثام ، وكان منحرفاً عن الطريق المستقيم ، وكان آكلاً للمال الحرام ، وكان مجانباً للحق ، قال الله تعالى :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 8]

ليكن القرآن مقياسك لنفسك وعملك
أيها الأخوة الكرام ؛ أخطر شيء عليك أيها الإنسان أن تقيم نفسك بمقياس عاطفي، عليك بمقاييس القرآن الكريم ، وبأحاديث النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم ، اعرض نفسك على كلام الله . قال الله تعالى :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 2]

هل وجل قلبك ؟ اذكر آيات المؤمنين التي تصفهم ، هل أنت واحد منهم ؟ اذكر آيات المنافقين ، هل أنت متلبس بإحدى صفات المنافقين ؟
أيها الأخوة الكرام ؛ أخطر شيء في حياة الإنسان أن يستقل بتقييم نفسه عن المقاييس الموضوعية ، عندئذ يقع في شرِّ علمه ، وتنطبق عليه الآية الكريمة :

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[سورة الكهف: 103-104]

طاعة الله عز وجل مخافة ناره :

أيها الأخوة الكرام ؛ وقال أبو جحيفة : أخوف آية في القرآن الكريم :

﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 131]

قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة
قال بعض علماء الحديث : عثرت على حديث شريف جمع علم الأولين والآخرين ، فيه التخويف ، وفيه الرجاء ، وفيه التبشير ، وفيه التحذير : اعمل للجنة بقدر مُقامك فيها ، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها ، واتق النار بقدر صبرك عليها ، واتق الله بقدر حاجتك إليه .
الله جلّ جلاله يحتاجه كل شيء في كل شيء ، أطع الله بقدر حاجتك إليه ، واتق النار بقدر صبرك عليها ، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها ، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها.
أيها الأخوة الكرام ؛ وعند بعض العلماء : إن أخوف آية في القرآن الكريم :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

[سورة التحريم: 6]

وأشدّ الآيات تخويفاً قوله تعالى يخاطب الكفار :

﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾

[سورة النبأ:30]

وقوله أيضاً :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾

[سورة النساء: 56]

مقابلة النّعم بالشكر :

قابل نعم الله بالشكر
يا أيها الأخوة الكرام ؛ ومن أشدّ الآيات تخويفاً بكتاب الله قوله تعالى :

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور﴾

[سورة إبراهيم: 5]

قال علماء التفسير : ذكرهم بأيام الله التي مرت عليهم في الدنيا وتمرُّ عليهم الآن ، وهي أيام نعمائه ، وأيام بلائه ، أيام منحه ، وأيام محنه ، أيام السراء ، وأيام الضراء ، ذكرهم وبلغهم ، أن يقابلوا النعماء والسرَّاء والرخاء بالشكر ، وأن يقابلوا البلاء والضراء والشدائد بالصبر، ليعظم لهم الأجر ، لقوله تعالى :

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

[سورة إبراهيم: 5]

أيها الأخوة الكرام ؛ ومن لم يقابل النعم بالشكر فسوف يلقى الحساب الشديد ، ومن لم يتلق الشدائد بالصبر فسوف يلقى ما هو أشدّ من البلاء.

 

أذكى إنسان من أعدّ لله جواباً عن كل حركة و سكنة :

أيها الأخوة الكرام ؛ ومن أشدّ الآيات الكريمة تخويفاً ، قوله تعالى :

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 281]

أعقل العقلاء ، وأذكى الأذكياء ، وأحكم الحكماء هو الذي يُعِدُّ عن كل تصرفٍ ، وعن كل حركة ، وعن كل سكنة ، وعن كل عطاء ، وعن كل أخذ ، وعن كل ابتسامة ، وعن كل عبوس ، وعن كل غضب ، وعن كل رضا ، جواباً للواحد الديان ، أعدَّ الجواب لله عز وجل، ولا تعبأ برضا الخلق.

فليتـــــــك تحلو والحياة مريــرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خـراب
إذا صحّ منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
***

أعد الجواب لله ولا تعبأ برضا الخلق
ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه ، وأرضى عنه الناس ، والقصة التي أرويها لكم كثيراً هي أن يزيد بن معاوية أرسل إلى والي البصرة توجيهاً ، وكان عنده الحسن البصري من التابعين الأجلاء ، إن نفذ التوجيه أغضب الله ، وإن لم ينفذه أغضب يزيد ، وقع في حيرة ، قال : ماذا أفعل يا إمام ؟ فما كان جواب الحسن البصري إلا أنه قال: إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله.

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد: 11]

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

((كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ؛ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ))

[الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

تذكير بآيات التوحيد :

يا أيها الأخوة الكرام ؛ أذكركم بشكل سريع بآيات التوحيد :

﴿يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة فاطر: 2]

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود: 123]

﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة السجدة: 4]

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

[سورة الأنفال : 17]

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

[سورة الفتح : 10]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾

[سورة الزخرف: 84]

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[سورة الزمر: 62]

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 54]

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾

[سورة الرعد: 41]

هذه آيات التوحيد.

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 151]

العاقل من يعرف الحقيقة قبل اتهام أي إنسان :

أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 281]

يروي العلماء أن هذه الآية آخر آية نزلت في كتاب الله .

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 281]

عد للمليون قبل أن تتهم بريئا
عدَّ للمليون قبل أن تأخذ ما ليس لك ، قبل أن تتهم بريئاً ، قبل أن تجانب الحقيقة.

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 281]

قال معاذ :

((يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ ، أَوْ قَالَ : عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

و عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، حاسبوا أنفسكم في الدنيا حساباً شديداً ، ليكون حسابكم يوم القيامة سعيداً ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التقرب إلى الله ثمرة الإيمان :

القرب إلى الله هو ثمرة الإيمان
أيها الأخوة الكرام ؛ عود على بدء ، ذكرت لكم في مطلع الخطبة أن معرفة الله ليست مجديةً ما لم يرافقها تقرباً إليه ، قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف:110]

هذه الحقيقة وهذه العقيدة :

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾

[سورة الكهف:110]

أي تدخل وعبث بالطبيعة يؤدي إلى اختلال توازن البيئة
التقرب إلى الله هو ثمرة الإيمان ، وهذا التقرب لا يكون إلا بجناحي الخوف والرجاء ، وفي الخطبتين الحالية والسابقة تحدثنا عن الخوف ، لابد من أن تسمعوا آيات الرجاء، وأحاديث الرجاء من أجل التوازن ، من أجل أن تطيروا إلى الله بجناحي الخوف والرجاء ، فالذي حضر الخطبتين ينبغي أن يحضر الخطبتين التاليتين من أجل أن يقع التوازن بين الخوف والرجاء ، أن تعبد الله خوفاً وطمعاً ، أن ترجوه بقدر ما تخافه.

 

 

 

التوازن البيئي :

 

 

أيها الأخوة الكرام ؛ قرأت مقالةً لفتت نظري ، أن بعض المزارعين شكوا كثرة الصقور في بلادهم ، لأنها أحياناً تنقض على أفراخ الدجاج فتأكلها ، شكوا ذلك إلى المسؤولين- طبعاً ليس في هذا القطر ، في أماكن بعيدة ، في أمريكا- شكوا هذا إلى المسؤولين فوضعت الدولة جائزة سخية لمن يقتل الصقر ، خلال شهرين متتابعين تمّ القضاء كلياً على صقور هذه البلاد ، ثم فوجئ المزارعون أن فئران الحقل تكاثرت تكاثراً غير معقول ، وهذه الفئران قد أكلت أكثر المحاصيل التي هم في أشدّ الحاجة إليها ، ثم عرفوا أن هناك توازناً في البيئة بين كل الحيوانات ، وبين كل النباتات ، والآن هناك اتجاه جديد إلى استخدام المبيدات الحيوية ، وليس الكيماوية ؛ لأن المبيدات الحيوية متوازنة مع الأمراض النباتية ، أما إذا استخدمنا المبيدات الكيماوية فربما اختل توازن البيئة ، ووقعنا في أمراض نحن في أشدّ الحاجة إلى تجنبها.
أيها الأخوة الكرام ؛ تغيير خلق الله من صفات أهل الدنيا ، ومن صفات الكفَّار ، هناك حكمة بالغة ، هناك توازن دقيق بين الكائنات ، بين الحيوانات ، بين النباتات ، بين الحيوان والنبات ، بين النبات والإنسان، فأي خلل أصاب البيئة ندفع ثمنه باهظاً .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018