الدرس : 09 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 20 - 25 من الإسلام التسليم بأحكام الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 09 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 20 - 25 من الإسلام التسليم بأحكام الله


2001-01-12

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية العشرين ، وهي قوله تعالى :

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾

 

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ

1 ـ وجه الله :

 ( وجهي) أي ذاتي ، وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى :

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

 وجه ربك أي ذاته العَليَّة .
 ومن أجمل ما قاله المفسرون في تفسير قوله تعالى :

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

 فكل عمل يعمله ابن آدم إلى زوال إلا عملٌ واحدٌ ابتغى به وجه الله ، هذا الذي يبقى إلى أبد الآبدين ، وهذا الذي يسعده إلى أبد الآبدين ، وهذا الذي يلقى جزاءه في يوم الدين .
 إذاً :

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ ﴾

2 ـ فَإِنْ حَاجُّوكَ

الإنسان يستعمل عقله لتغطية انحرافاته :

 الإنسان أوتي جدلاً ؛ لأنه أوتي فكراً ، هذا الفكر خلقه الله ليكون أداة معرفته ، قد يستغل لغير ما خُلق له ، قد يستغله الإنسان ليغطِّي انحرافاته ، لذلك الجدل في القرآن مذموم ، وفي السنة أيضاً مذموم ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ))

[ الترمذي ابن ماجه ، أحمد ]

 حينما يفكر الإنسان ليبرر ، يفكر ليغطي سلوكه المنحرف ، ليسبغ على سلوكه المنحرف مبررات ، ومسوِّغات معقولة ، إنه يستخدم فكره لغير ما خلق له .
 لذلك مرةً جاءني شابٌ وقال لي : أنا ملحد ، قلت له : والله إن كان إلحادك عن منفعةٍ تنتفع بها فلست مستعداً أن أجلس معك ولا دقيقة ، أما إن كان إلحادك عن قناعةٍ بريئةٍ فأنا أجلس معك ، فأقسم لي بالله إنه عن قناعةٍ ، ولا عن انتفاعٍ ، والمنتفع بكفره لن يؤمن .
 كنت أضرب مثلاً لعله طريفٌ ، أن إنساناً عنده دابة يعمل عليها ، فلما ماتت بنى عليها بناءً ، وأعطى اسماً لوليٍ من عقله ، من اختراعه ، وجاءه الناس بالهدايا ، والإكرامات ، وعاش في بحبوحةٍ ما بعدها بحبوحة ، هل هناك قوة في الأرض يمكن أن تقنعه أن الذي دفن هنا حمار ؟ أو دابة ؟ لا ، مستحيل ، هو دفنه بيده ، قناعته بأن هذا المدفون دابة أشد من قناعة الذي يجادله ، ولكن هذا الدخل الكبير الذي جاءه بسبب هذه الخدعة ، هذه لن تجعله يقرُّ بالواقع ، هو منتفعٌ بهذا الافتراء ، فالإنسان حينما ينتفع بكذبٍ ، أو بنفاقٍ ، أو له مصلحة هذا لا يناقش ، والأولى ألا تناقشه ، وإلا فلست على علمٍ ، ولست على وعيٍ إطلاقاً ، المنتفع بكفره لا يناقش ، المنتفع بنفاقه لا يناقش ، المنتفع بفكرةٍ معينة ، بطرحٍ معين ، برأيٍ معين ، بمذهبٍ معين ، المنتفع لا يناقش ، لأنه استخدم عقله لغير ما خلق له .
 لذلك كلمة الجدل أينما وردت في القرآن ليست ممدوحةً ، بل هي مذمومة :

(( مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ))

[ الترمذي ابن ماجه ، أحمد ]

 والمسلمون حينما تخلفوا عن تطبيق منهج ربهم دخلوا في متاهاتٍ فيما بينهم ، وأوتوا الجدل ، وجُعل بأسهم بينهم ، ويأتون بجزئيَّات الدين ويكبِّرونها ، ويجعلونها أصلاً في الدين ، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها إذا خالفهم أحدٌ في رأيهم ، هذا أيضاً من حب الدنيا .
فلذلك :

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾

3 ـ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّه

 إنّ حقيقة هذا الدين أن تطيع الله ، حقيقة هذا الدين يغلب عليها الطابع العملي ، طابع التديُّن عملي ، وليس كما يقولون : نظري ، نظرياً هناك أناسٌ كثيرون لهم اهتمامات إسلامية ، لهم ثقافة إسلامية ، يجادلون ، يحاورون ، يناقشون ، ينحازون ، وأحياناً يفعلون المُنكرات من أجل إثبات رأيهم أو اتجاههم ، والله عزَّ وجل يقول :

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ ﴾

 أسلمت ذاتي له ، وخضعت لأمره ، وانصعت لأمره ، وأنا مطبقٌ لأمره .

﴿ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾

4 ـ وَمَنْ اتَّبَعَنِ

 إذاً : على أي شيء كان النبي وأصحابه ؟ كما ورد في بعض الأحاديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً ، قَالُوا : وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ))

[ الترمذي ]

 لذلك أكبر تهمة توجه للمنحرفين عقدياً وسلوكياً أن تقول لهم : أنتم لستم على ما كان عليه النبي وأصحابه .
 أول خطبةٍ خطبها الصديق رضي الله عنه قال فيها : << إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم >> ، أنا متبع ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجة من الرقي يقول :

﴿ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾

 ثلاث نصائح تكتب على ظفر : اتبع لا تبتدع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع ، انفق باعتدال ، لا تسرف ، والمترفون في القرآن الكريم في ثماني مواضع هم كفار :

﴿ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة المؤمنون : من الآية 33 )

 فاتبع لا تتبع ، اتضع لا ترتفع ، الورع لا يتسع .

 

إذا عم النقاش غير الموضوعي فعليك بكتاب الله وسنة رسوله :

 أيها الإخوة ، مرة ثانية : هناك عقل صريح ، هذا أداة معرفة الله ، وهناك عقلٌ تبريري ، هذا أداة لتغطية الانحراف ، وما كلُّ فكرٍ تقرأه فكرا صريحا ، قد يكون فكراً تبريرياً ، قد يكون فكراً لتغطية انحرافٍ شديد ، الإنسان منطقي في الأساس ، حتى لو ارتكب جرائم يفلسف هذه الجرائم ، ويجعلها مبررة ، حتى لو أكل أموال الناس بالباطل ، يفلسف هذا الانحراف ، حتى لو كان زير نساءٍ ، له كلامٌ مزينٌ يقوله ، فالعبرة ما جاء به الوحي ، فهناك مقولات لا تنتهي ، هناك طروحات لا تنتهي ، هناك آراء لا تنتهي ، العبرة أن تصطفي من كل هذه المقولات ما جاء به الوحي ، لأنه من عند الله ، ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، القاعدة الثابتة التي لا تتزحزح ، ولا تتزلزل الكتاب والسنة ، ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنة رسوله ، هذا منهج ، هذا صراط مستقيم ، هذا حبل الله المتين ، هذه سنة النبيين ، إذا انتشر الجدال ، وعمَّ النقاش السفسطائي ، إذا فشا الحوار غير موضوعي فقل :

﴿ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾

 فعندنا نقل ، وهو الدين ، وعندنا عقل ، العقل له دورٌ في التأكُّد من صحة النقل قبل أن نقرأ النقل ، وله دورٌ في فهم النقل بعد أن نقرأ النقل ، له دورٌ قبل النقل في التأكد من صحته ، ودورٌ بعد النقل في فهمه ، لكن لن يكون العقل حَكَمَاً على النقل ، لأن العقل قد يخطئ ، وقد يصيب ، وقد يبالغ ، وقد يرتبط بواقع معيِّن ، فكما أن أجدادنا لو قاموا من قبورهم ، ورأوا ما فعله الإنسان من إنجازات لم يصدقوها ، لأن عقولهم وقتها مرتبطة بواقعٍ معين ، لكن حينما يرَوْنَ أن هذه الأشياء المستحيلة أصبحت واقعاً ، إذا أنكروها ما كانوا على صواب ، إذاً : العقل مرتبط بالواقع ، أما النقل فمرتبط بخالق الأكوان بشكلٍ أو بآخر ..

 

﴿ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ ﴾

 

 

وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ

الأميون هم مشركو العرب :

 الأميين هنا أي مشركي العرب ؛ لا دين لهم ، هم على فطرةٍ فيها سذاجة ..

﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾

( سورة الزمر : من آية " 3 " )

 ففي الجزيرة كان هناك مشركون ، وكان هناك أهل كتاب ..

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ﴾

 

معنى : أَأَسْلَمْتُمْ

المعنى الأول :

 أيها الإخوة ... أأسلمتم ، أي أسلِموا ، يعني ألم تسلموا بعد ؟! أأسلمتم ، أي أسلموا ، وماذا تنتظرون ؟ هذا المعنى الأول .

المعنى الثاني :

هو تهديد ، أأسلمتم أم لم تسلموا ؟
 أول معنى تقرير ، وفيه معنى الإنشاء ـ الأمر ـ وفيه معنى الاستفهام التقريري ، ألم تسلموا بعد ؟ وفيه معنى الطلب ، أسلموا ، ومعنى التهديد أأسلمتم ، أم لم تسلموا ؟..

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾

 

فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ

1 ـ مهمة الأنبياء التبليغُ والقدوةُ :

 الإنسان مخيَّر ، ومهمة الأنبياء تنتهي بالتبليغ ليس غير ، هناك مهمَّتان كبيرتان للنبي الكريم ؛ إحداهما مهمة التبليغ ، وثانيتهما مهمة القدوة ، ولعل مهمة القدوة أخطر ، وأبلغ من مهمة التبليغ ، فأيّ إنسان أوتي فصاحةً ، وبياناً ، وذاكرةً ، وفهماً ، وحفظاً يُبَلِّغ ، لكن الذي يؤثر ، هناك مَن يقنعك ، وهناك من يحملك على اتخاذ موقفٍ معين ، الذي يقنعك فصيحٌ بليغٌ عالم ، أما الذي يحملك على أن تقف موقفاً إيجابياً من الدين فهو القدوة ، لذلك نحن في حاجةٍ ماسةٍ إلى قدوةٍ صالحة .
 كيف قيل : إن النبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي ، نحن في حاجةٍ إلى مسلمٍ يتحرَّك أمامنا ، مسلم صادق ، أمين ، عفيف ، طاهر ، منصف ، متواضع ، رحيم ، هذا أبلغ كما كنت أقول لكم دائماً : حالُ واحدٍ في ألف أبلغُ من قول ألفٍ في واحد ، قول ألف رجلٍ فصيحٍ في واحد ربما لا يؤثرون ، وحال إنسانٍ مخلصٍ ، متصلٍ بالله ، وحال واحدٍ أبلغ من قول ألف .
إذاً:

﴿ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا ﴾

 لذلك ما كل ذكيٍ بعاقل ، قد تكون متفوِّقاً في اختصاصٍ نادر ، ويدرُّ لك هذا الاختصاص أرباحاً طائلة ، وأنت عند الله لست بعالم ، ولست بعاقل ، مَن هو العاقل ؟ الذي عرف الحقائق الكُبرى ؛ الذي عرف الله عزَّ وجل ، وعرف حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان ، وعرف مهمة الإنسان في الأرض ، وسر وجوده وغاية وجوده ، فإذا عرف ذلك ، وطبق ما عرف ، صار حكيماً ، فالذي يؤتى الحكمة أن تعرف ، وأن تعمل وفق ما عرفت ، فقد أوتي خيراً كثيرا ..

﴿ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا ﴾

2 ـ إما هدى وإما ضلال :

 ليس هناك إثنينية ، الحق واحد ، فإن لم تكن على الحق ـ لا سمح الله ولا قدر ـ فأنت على الباطل ، إن لم تستجب لله فأنت تتبع الهوى ، أبداً ، لك عقلٌ صافٍ يأمرك أن تؤمن بالله وأن تطيعه ، ولك نزواتٌ ، وشهواتٌ ، وغرائز تأمرك أن تشبعها بأيَّة طريقة ، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل حتماً ، وليس هناك خطٌ ثالث ، فهما خطَّان لا ثالث لهما ؛ أن تكون متبعاً للحق ، وأتباع الحق متوادُّون ، متحابون ، متناصحون ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحةً متوادون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غششةً متحاسدون ، ولو اقتربت منازلهم ))

[ البيهقي في شعب الإيمان ]

(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا ))

[ أحمد عن ابن عمر ]

 لو كنا جميعاً على الحق لكان بيننا من الود والحب الشيء الذي لا يوصف ، وهكذا كان أصحاب النبي رضوان الله تعالى عنهم أجمعين ، كانوا على مودةٍ فيما بينهم ، وكان بأسهم على غيرهم ، أما المسلمون حينما أصابوا ذنوباً كثيرة صار بأسهم بينهم ، وصار دينهم الجَدَل .
 الإسلام والله بسيط أيها الإخوة ، الإسلام بسيط جداً ، وينبغي أن نبسِّطه ، هو هواء ينبغي أن نستنشقه دائماً ، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء ، استنشاق الهواء ليس فيه تعقيد ، ولا فاتورة ، ولا عداد ، أينما ذهبت فهناك هواء تستشنقه ، لذلك الدين حاجتنا إليه أساسية جداً ، الإنسان خُلِقَ ضعيفاً ، خلق هلوعاً ، خلق عجولاً ، ما الذي يلغي ضعفه ؟ اتصاله بالله ..

﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلا الْمُصَلِّين ﴾

( سورة المعارج )

 ما الذي يلغي ضعفه ؟ أن يستعين بالله ..

وما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ  فبالافتقارِ إليك فقري أدفع
* * *

 أنت قويٌ بالله ، أنت عالمٌ بالله ، أنت حكيمٌ بالله ، أنت غنيٌ بالله .
 أيها الإخوة :

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِ ﴾

3 ـ من الإسلام التسليم بأحكام الله كلها من غير نقاش :

 جميل جداً أن تعلل ، وأن تبيِّن ، وأن توضح ، والأجمل من ذلك أن تتبع ، والمؤمن الصادق لا يعلِّق تطبيقه لأمرٍ من أوامر الله على فهمه ، أو على فهم حكمته ، هو عندئذٍ يعبد نفسه ، هو عندئذٍ لا يعبد ربه ، متى يعبد ربَّه ؟ حينما يثبت له أن هذا أمر الله ، فيطبقه ، فهمه أو لم يفهمه ، اقتنع به ، أو لم يقتنع به ، أحب ذلك ، أو لم يحب ، لأن في اعتقاده أن علة كل أمر أنه أمر .
 مرة كنت في جلسة ، نشب جدلٌ طويل بين التعدد ، وعدم التعدد ، الذي يتحدَّث عن التعدد هو تعدد ، يعني تزوج عدة زوجات ، ويقول : هو الأصل ، والذي بقي على زوجة واحدة يقول : لا التوحُّد هو الأصل ، واختلفوا ، قلت كلمةً ، قلت : أنا مرةً سمعت سؤالاً موجهاً إلى أستاذة في الجامعة في مصر عن التعدد ، أجابت إجابةً لم أر إجابةً أكثر وضوحاً وأصوليةً منها ، قالت : كيف لي أن أدلي برأي في التعدد ، وقد سمح الله به ؟ ما دام قد سمح الله به فلا معنى أن أدلي برأيٍ في التعدد .
 فالإنسان يجب أن يوطن نفسه على أن يرى أن هذا أمر الله ، انتهى الأمر ، لا يمكن أن يخضع أمراً إلهياً للمناقشة العقلية ، يفكر فيه بعقله ليكتشف إيجابيَّاته فقط ، ليكتشف حكمته ، أما أن يضعه على بساط البحث ليقبله أو ليرفضه ، معاذ الله ، عندئذٍ ليس مؤمنٍ ..

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 36 )

4 ـ تطبيق أحكام الله لابد أن تكو ابتغاء مرضاته :

 بالمناسبة ، هناك معنى دقيق جداً ، أنت حينما تكتشف أن هذا الشيء لصالحك تفعله وتضعف درجة العبادة فيه ، وحينما ترى شيئاً يتضارب مع مصالحك ، وتضع قدمك فوق مصالحك ، وتطبق هذا الشيء ابتغاء مرضاة الله ، يرتفع هنا مستوى العبادة في هذا الشيء ، إذاً : دائماً مستوى التعبد يرتفع وينخفض بحسب ما إذا كان هذا الشيء واضحاً جداً أنه لصالحك ، والإنسان إذا قام ونظف أسنانه قبل أن ينام ، هل يشعر أنه يضحي في سبيل الله ؟ لا والله ، هو يصون أسنانه ، لأنه واضح جداً أن صيانة الأسنان لمصلحة الإنسان ، إذاً : إذا قام إلى هذا العمل لا يشعر أنه يعبد الله ، مع أن تنظيف الأسنان من السنة ، لكن درجة التعبد في هذا العمل ضعيفة ، والمصلحة تغلب عليها ، أما حينما يقال لنبيٍ كريم وهو أبو الأنبياء : اذبح ابنك ، وابنه نبيٌ مثله ، وبلغ معه السعي ، وهو فتىً في ريعان الشباب ، ولا يعلم من هو الابن إلا الأب ، فيقول :

﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102) ﴾

( سورة الصافات )

 هنا تنتفي المصلحة ، وينتفي المنطق ، فأنت حينما تقبل على تنفيذ أمرٍ تعارض مع مصلحتك ، فآثرت طاعة الله على مصلحتك ، أنت ارتقيت إلى أعلى مستوى في العبودية لله ، فإن فعلت هذا انصياعاً لله ، وامتثالاً لأمره دون أن تكشف حكمته ، الآن ، يكافئك الله على هذا الانصياع ، وعلى هذا التعبُّد أن يكشف لك حكمته ، فتجمع بين مرتبة العلم وبين مرتبة العبادة ، هذا شيءٌ دقيقٌ جداً ، المؤمن لا يعلق أبداً على تطبيق أمرٍ إلهي فهمه لهذا الأمر ، لا يجعل فهمه ، وفهم حكمته ، وتعليله عقبةً أمام التطبيق ، ينطلق من قوله تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 36 )

 ولكن يكافئه الله أنه يكشف له ـ كما قيل ـ : " مَن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم " ، يكشف الله له حكمة هذا الأمر فيغدو عابداً عالماً في وقتٍ واحد .
 لكن أنا لا أقبل أبداً أن تضع الأمر الإلهي على بساط البحث ، فإذا قبله عقلك طبقته ، وإلا تقول : ما قنعت بهذا الأمر، هذا ليس سلوك المؤمن إطلاقاً ..

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

 أنت مع إنسان من جنسك ، لكنه عالم في الطب ، يقول لك : دع الملح ، ربما لا تجد حاجة إلى أن تسأله : لماذا ؟ يقول لك : هكذا قال الطبيب ، أنت لاحظ نفسك مع الخبراء الذين تستأجر خبرتهم ، تنفذ تعليماتهم بدقةٍ بالغةٍ مثيرةٍ للدهشة ، لأنك تعتقد بأنهم خبراء ، لكن مَن هو أخبر الخبراء ؟ قال تعالى :

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14) ﴾

( سورة فاطر )

 اليوم في خطبة الجمعة ذكرت أن قول النبي الكريم :

(( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ، من غض بصره أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ))

[مستدرك الحاكم عن حذيفة ، والطبراني في الكبير ]

 لكن النبي قال : (( سهمٌ مسموم من سهام إبليس )) ، فقد يفهم الإنسان أنه تضطرب حياته الاجتماعية والنفسية ، ولكن ثبت أخيراً ببحثٍ علميٍ أجري في البلاد العربية والإسلامية الشقيقة ، ودام هذا البحث عشرين عاماً ، أن الإنسان حينما يُتْبِع النظرة النظرة تجري في دمه هرمونات جنسية ، هذه الهرمونات تبدل نبض القلب ، وتبدل ضغط الدم ، وتبدل وضع البروستات ـ هذه الغدة ـ وتقبض الشُرَيْنات المتوسطة والصغيرة ، وتوسِّع الأوردة المحيطية ، وتبدِّل في كيمياء الدم ، وهناك آثار لا تنتهي في الجهاز الهضمي ، وفي جهاز القلب والدوران ، وفي الجلد ، كيف أن الغدد الدهنية والعرقية تتسع فوهاتها ، فالنتيجة بحث طويل ، تبيَّن أن النظرة إلى المرأة الأجنبية التي لا تحل لك ، إذا أتبعتها نظرةً ونظرةً ، فكأن هناك سمومًا تجري في دمك دون أن تدري ، ولها أثرٌ في القلب والأوعية ، وفي الجلد ، وفي بعض الغدد ، وما إلى ذلك ، فهذا كلام النبي ليس من عنده ..

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى(4) ﴾

( سورة النجم )

﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

 أنت بلِّغ ، وعلى الله الباقي ، أنت إن بلَّغت أديت الذي عليك ، وبقي الذي لك .
 ثم يقول الله عزَّ وجل :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ

1 ـ معنى : وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ

 سؤال جدلي : فلو أنهم قتلوا النبيين بحق أعليهم وزر ؟ هذا مرفوض ، هذا السؤال ، لأن هذا ليس قيداً احترازياً ـ كما يقول علما الأصول ـ هذا قيد وصفي ، يعني أنّ أيَّ قتلٍ للنبي هو بغير الحق ، ليس قيداً احترازياً ، إنما هو قيدٌ وصفي ، ومن شأن قتل الأنبياء أن يكون بغير الحق ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴾

2 ـ الكفر بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية :

 وآيات الله كما تعلمون ، آيات الله الكونية الدالة على عظمته ، وآيات الله القرآنية الدالة على علمه ، وآيات الله الفعلية الدالة على حكمته ، فحينما يكفر الإنسان بها أي لا يعبأ بها ، ولا يتخذها وسيلةً لمعرفة الله عزَّ وجل ، وبالمقابل هذا الذي أمره ونهاه ، وهذا الذي أعطاه منهجاً ، يتوهَّم أن هذا المنهج سيحدُّ من حركته ، ويلغي حريته في الحركة ، مثل هذا الإنسان ، كما قال الله عزَّ وجل ، يكفر بآيات الله ويقتل النبيين بغير بحق ، بل ..

﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

لا أَحَدَ أشقى ممّن يقف ضد الحق :

 فلا أرى أن في الأرض أشقى ممن يقف ضدَّ الحق ، ممن يقف معادياً لأهل الحق ، ممن يكون في خندقٍ مضادٍ لخندق المؤمنين ، هذا أشقى إنسان على الإطلاق أن تكون مناهضاً للحق وأهله ، أن تكون عدواً للمؤمنين ، أن تكون عدواً لوحي السماء ، هؤلاء أشقى الناس على الإطلاق ، وأذَكِّر بقوله تعالى :

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4) ﴾

( سورة التحريم )

 هما امرأتان ؛ حفصة وعائشة ، لهما شأنٌ مع رسول الله ، فالردُّ كان :

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ ﴾

 في حياتنا المادية أيعقل أن امرأتين انتقدتا النظام يستنفر الجيش كله ، والقوى الجوية كلها ، والقوى البحرية كلها ، والقوى البرية كلها ، وكل أفراد الشرطة ؟ غير معقول ، فما معنى الآية ؟ قال الله عزَّ وجل : إن أردت أن تكون عدواً للحق ، مناهضاً له ، فاعلم مَن هو الطرف الآخر ، الطرف الآخر هو الله ، ورسوله ، وجبريل ، والملائكة ، وصالح المؤمنين .
 إذاً : أشقى إنسان على الإطلاق هو الذي يناهض الحق وأهله ، هو الذي يعادي الله ورسوله ، هو الذي يؤذي المؤمنين ، هو الذي يبني مجده على أنقاضهم ، هذا إنسان من أشقى البشر ..

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( بئس القوم قومٌ يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، بئس القوم قومٌ لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، بئس القوم قومٌ يمشي المؤمن بينهم بالتقيَّة ))

[ فيض القدير عن ابن مسعود ]

 بئس هؤلاء ، بئس القوم قومٌ خافهم المؤمن ، بئس القوم قومٌ مشى بهم المؤمن بالتقية ، يخاف أن يعلن إيمانه ، بئس القوم قومٌ يقتلون المؤمنين ، يقتلون الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ..

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

 

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين

1 ـ المسلم بعمله الصالح :

 مَن أنت ؟ أنت عملك الصالح ، بعملك الصالح تسلم وتسعد وترقى ، فإن كان عملك سيِّئاً أنت أشقى الناس ، هكذا :

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ﴾

2 ـ هكذا يحبط العمل :

 أي أن عملهم صار شريراً ، طابعه الشَر ، أو عملهم مقبول ، لكن نواياهم ليست سليمة ، أنت قد تكون بعمل ظاهره مقبول ، لكن النوايا دنيوية ، النوايا شهوانية ، النوايا مكاسب ، فحينما تكون النية سيئةً يُحْبَط العمل ، أو حينما يكون العمل سيئاً لا قيمة لنيته ، فشرطان كلٌ منهما لازمٌ غير كافٍ ؛ ينبغي أن يكون عملك صواباً ، وفق منهج رسول الله ، وينبغي أن يكون عملك خالصاً لوجه الله ، فإن فعلت هذا وذاك ، كان الله معيناً لك..

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا ﴾

 عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا ، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

3 ـ أخطر شيءٍ أن تكتشف أنك لست مفلحاً في الدنيا والآخرة :

 أخطر شيءٍ أن تكتشف أنك لست مفلحاً في الدنيا والآخرة ، الدنيا تنتهي ، والموت ينهي كل شيء ، ينهي قوة القوي ، وينهي غنى الغني ، وينهي وسامة الوسيم ، وينهي صحة الصحيح ، وينهي مرض المريض ، والآخرة عُمْلَتها الرائجة العمل الصالح الخالص لوجه الله ، فإن كان لك عمل صالح ليس لوجه الله ، حبط العمل ، وإن كان عملك ـ لا سمح الله ـ سيئاً ولو أن نيته صالحة لا قيمة له عند الله ، فلا تنسوا هذه الحقيقة : أن يكون خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة .
 ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في الأرض ، وخليفة رسوله ، وخليفة كتابه ))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن الحسن ]

 وسأل النبي رجل من أصحابه قال : يا رسول الله مَن خير الناس ؟ قال :

(( آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ، وأتقاهم لله ، وأوصلهم لرحمه ))

[ من تخريج أحاديث الإحياء عن درة بنت أبي لهب ]

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 67 )

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾

( سورة التوبة : من الآية 67 )

 أيها الإخوة الكرام ... في قوله تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(21)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾

4 ـ ينبغي تغيير المنكر بمراتبه وضوابطه الشرعية :

 هناك حقيقةٌ ينبغي أن تكون واضحةً لديكم ؛ أنت حينما ترى منكراً ينبغي أن تقوِّمه ؛ بيدك إن كنت أميراً ، وبلسانك إن كنت عالماً ، وبقلبك إن كنت ضعيفاً ، فتقويم المنكر باليد من أولى خصائص الأمراء ، وتقويم المنكر باللسان من أولى خصائص العلماء ، وتقويم المنكر بالقلب من صفات الضعفاء ، هذه ناحية .
 الناحية الثانية : إذا كنت قادراً على أن تقوِّم المنكر بيدك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بلسانك ، وإن كنت قادراً على أن تقوِّمه بلسانك ، ليس مقبولاً منك أن تقوِّمه بقلبك ، هذه مراتب أيضاً ، وحينما لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر يعمُّنا البلاء ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

( سورة الأنفال : من الآية 25 )

 والله عزَّ وجل لم يكن ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها ـ قال : مصلحون ، ولم يقل : صالحون ـ الصالح الذي لا يأمر ولا ينهى يهلك ، أما المصلح فهذا الذي ينجو من عذاب الله .
 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( لا يحل لمؤمنٍ أن يذل نفسه ، قالوا : يا رسول الله ، وما إذلال نفسه ؟ قال : يتعرض من البلاء لما لا يقوم له ))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن أبي هريرة ]

 أنت لست مكلفاً أن تأمر بمعروفٍ ، أو أن تنهى عن منكرٍ ، وتأتيك مصيبةٌ بعدها لا قِبَل لك بتحمُّلها ، هذا ما كلفك الشرع به ، إن نتج عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تُنكره ففي هذه الحالة يقرر علماء الفقه أنه ليس عليك أن تنكر هذا المنكر ، لأنك لا تتحمل نتائج ما تنكر .
 ورد حديث عن أنس بن مالك قال : قيل : يا رسول الله ، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال :

(( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ، قلنا : يا رسول الله ، وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : المُلك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في أراذلكم ))

[ ورد في الأثر ]

 إذا كان العلم في الفُسَّاق ، كإنسان يحمل شهادات عليا ، لكنه فاسق ، فعندئذٍ كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( ... بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ ))

[ الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

 وإذا كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتنةٌ أشد من المنكر الذي تنكره ، عندئذٍ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها .
 وقد ورد في بعض الأحاديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ، بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

ومن علامات آخر الزمان أن ترتفع النخوة من رؤوس الرجال ، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء ، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء ، فلا رحمة في قلوب الأمراء ، ولا حياء في وجوه النساء ، ولا نخوة في رؤوس الرجال .
ثم يقول الله عزَّ وجل :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ

1 ـ سبب نزول هذه الآية :

 ورد في أسباب نزول هذه الآية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المِدْراس على جماعةٍ من يهودٍ فدعاهم إلى الله ، فقال نعيم بن عمرو :
 ـ على أي دينٍ أنت يا محمد ؟
 ـ فقال النبي : إني على ملة إبراهيم .
 ـ فقالا : إن إبراهيم كان يهودياً .
 ـ فقال النبي عليه الصلاة والسلام : فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم .
 فأبيا عليه ، فنزلت هذه الآية :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

 هؤلاء اليهود الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، والذين يرفضون أن يحتكموا إلى الكتاب ، ما الذي حملهم على ذلك ؟ قال :

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾

2 ـ مشابهة المسلمين لليهود في بعض أقوالهم وأفعالهم :

 وهؤلاء الذين قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم سيشفع لنا ، ولو فعلنا ما فعلنا ، هذا المرض نفسه ، أنت إما أن تتعلق بالحقائق ، وإما أن تتعلق بالأماني ، والله عزَّ وجل يقول :

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾

( سورة النساء : من الآية 123 )

 فاليهود قالوا :

﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾

 والمسلمون قالوا : نحن أمة محمدٍ مرحومة ، إذاً افعلوا ما تشاؤون ، هذه فِرْيَةٌ ما أنزل الله بها من سلطان ، هذه مقولةٌ قلناها نحن ، لكن الله عزَّ وجل يقول :

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19) ﴾

( سورة الزمر )

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ :

(( يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا ))

[ مسلم ]

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

 

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون

1 ـ يخترعون عقائد زائغة ثم يصدقونها :

 هم يفترون ما يشاؤون ، ثم يصدِّقون ما يفترون ، شيء مضحك ، إنسان اخترع شيئا ، ثم صدَّقه ، هو اخترع مجموعة عقائد زائغة زائفة فاسدة ، ثم تعلق بها واتخذها حجة ، واطمأن إلى مصيره المستقبلي .
 هناك مثل سأضربه لكم : طالب أوهمه زميله الكسول أن المدرس يعطي السؤال قبل يومين من الامتحان مقابل هدية معينة ، فهذا الطالب استراح ، عامٌ بأكمله لم يدرس فيه كلمة ، على أمل أنه قبل الامتحان يذهب إلى المدرس ، ويقدم له هدية ، فيعطيه السؤال ، ما الذي غره في هذا المدرس ؟ كلام صديقه الكسول ، ثم اكتشف فجأةً أن المدرس نزيه جداً وطرده من البيت ، وخسر العام كله .
 هذا المثل البسيط لو كبَّرناه ؛ أوهمك رجل أن الله غفور رحيم ، الله لا يدقق ، الله غفور رحيم ، كل أمة محمد مرحومة ، " حط رأسك بين الرؤوس وقل : يا قطاع الرؤوس " ، لا يصير شيء ، ضعها برقبتي ، هذا كلام العوام ، فكيف إذا فوجئت أنك سوف تحاسب عن كل شيء ؛ عن كل بسمة ، وعن كل قرش أكلته حراماً ، وعن كل كلمة لم تكن صواباً ، وعن كل حركة لم تبتغِ به وجه الله ..

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93) ﴾

( سورة الحجر )

 لكن ماذا تفعل بقوله تعالى :

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

( سورة الزلزلة )

 ماذا تفعل بقوله تعالى :

﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) ﴾

( سورة الأنبياء )

2 ـ ما الغرور ؟

 ماذا تفعل ؟ فيا أيها الإخوة ما الغرور ؟ أن تتوهم عن الله أشياء ليست صحيحة ، هو منزهٌ عنها ، أما الجواب الصاعق :

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 أين الأماني ؟ أين الأحلام ؟ أين التوهُّمات ؟

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 إذاً : معنى قوله تعالى :

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

3 ـ صحّح اعتقادك إن لم يكن صحيحا :

 لذلك أيها الإخوة الكرام ، يا أيها المؤمنون امسحوا عقائدكم ، اعملوا جردًا ، فأية عقيدة لا توافق الكتاب والسنة انبذوها ، وإلا هي مدمرة ، لأن كل خطأ بالاعتقاد يقابله خطأ في السلوك ، لابد من أن تتفحَّص ما ترسَّب في نفسك خلال هذا العمر ، هل هناك عقيدة غير صحيحة ؟ هل هناك غرور معيَّن ؟ هل هناك اغترار بالله ؟ هل هناك حديث موضوع تظنُّه صحيحاً ؟ هل هناك وهم تظنه حقيقةً ؟ لأن هنا مشكلة ..

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ(45) ﴾

( سورة الطور )

 هناك صعق ، فهم اعتقدوا أنه ..

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24)فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

 كيف يكون حالهم ؟ أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة ، واضمحلت عنهم تلك الزخارف التي ادَّعوها في الدنيا ؟ وجوزوا بما كسبوا من كفرهم واجترائهم على الله عزَّ وجل ليوم ..

﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 اخرج من الدنيا وليس لأحدٍ عليك مظلمة في مال وعرض ودمٍ :

 تلك الحقيقة المرة فابحث عنها ، وأعرض عن الوهم المريح ، والحساب دقيق ، والله عزَّ وجل عادل ، فعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

(( كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ : هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ ، فَصَلَّى عَلَيْهَا ، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ ، فَقَالُوا : صَلِّ عَلَيْهَا ، قَالَ : هَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ : فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ ، قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ))

[ البخاري ، والنسائي ، وأحمد ]

 يغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين ، فتقول لي أنا : أحج وأعود كيوم ولدتني أمي ، أقول لك : لا ، هذا فهم ساذج ، في الحج لا يغفر إلا ما كان بينك وبين الله ، ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة ، تقول لي : أنا صمت رمضان إيماناً واحتساباً ، أقول لك : صيامك لرمضان يغفر لك ما كان بينك وبين الله ، وما كان بينك وبين الناس لا يغفر إلا

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018