الخطبة : 0527 - الهجرة ، الوقت - طول العمر يكون بالعمل الصالح و الاستقامة التامة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0527 - الهجرة ، الوقت - طول العمر يكون بالعمل الصالح و الاستقامة التامة .


1995-06-09

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معنى مضي الزمن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا زلنا في مناسبة ذكرى الهجرة ، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، وقد كان موضوع الخطبة في الأسبوع الماضي حول المعاني والاستنباطات والدروس والعبر التي يمكن أن تؤخذ من أحداث الهجرة ، اليوم نتناول الموضوع من زاوية أخرى .
 ما معنى أن يمضي عام هجري وأن يأتي عام آخر ؟ ما معنى أن تمضي الثواني والدقائق ، وأن تمضي الساعات والأيام ، وأن تمضي الأسابيع والشهور ، وأن تمضي الفصول والسنوات ، وأن تمضي العقود والحقب ، ما معنى مضي الزمن ؟ إنه موضوع هذه الخطبة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مضي الزمن هل يوجد في التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان ؟ مفهوم الزمن هل يوجد في الكتاب والسنة ؟ ما علاقة الإنسان بالزمن ؟ هل تتسع هذه العلاقة وتقوى حتى تبلغ درجة التطابق ؟ وهل الإنسان في حقيقته زمن ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن أخطر تعريف للإنسان هو أنه زمن ، كلما انقضى وقت من الزمن انقضى بعضه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان بضعة أيام يعيشها في دنيا محدودة ، يعمل فيها الصالحات ليكون عمله سبباً لجنة عرضها الأرض والسموات .

 

العمل الصالح هو المهمة الأساسية التي جاء الإنسان إلى الدنيا من أجلها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ خُلق الإنسان للجنة ، وجاء إلى الدنيا ليعمل عملاً صالحاً يُعد سبباً لدخول الجنة ، لذلك حينما يغفل الإنسان عن المهمة الأساسية التي جاء من أجلها ، ويأتيه ملك الموت ، لا يندم إلا على شيء واحد ، يقول :

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[سورة المؤمنون :99-100]

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[سورة الفجر : 24]

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾

[سورة الفرقان : 27]

 حقيقة الحياة الدنيا أنها معدودة ، وأن الإنسان يعيش فيها بضعة أيام ، وأن هذه الأيام هي وعاء عمله ، وأن العمل سبب لدخول الجنة ، وأن الإنسان في الأصل خُلق لجنة ربه.
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن ألصق آية في القرآن الكريم بالزمن هي سورة العصر ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1-3]

 والخسارة التي وردت في الآية الكريمة هي خسارة محققة لكل إنسان ؛ لأن مضي الزمن وحده يستهلك عمر الإنسان ، والإنسان العاقل لا الذي يعدُّ عمره عداً تصاعدياً ، يقول : أنا بلغت الخمسين ، بلغت الستين ، بلغت السبعين . العاقل هو الذي يعدُّ عمره عدّاً تنازلياً ، يقول : كم بقي لي من حياتي ؟ وهل بقي لي بقدر ما مضى ؟ وهذا الذي مضى كيف مضى ؟ إنه كلمح البصر ، إنه كساعة من نهار .

 

خطورة الزمن في حياة كل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من سنن الله عز وجل أنه إذا أقسم بشيء من خلقه فإنما يقسم ليلفت نظر عباده إلى خطورة هذا الشيء ، وإلى عظيم أثره في حياتهم . الزمن أيها الأخوة خلق من خلق الله ، لذلك لا يمكن أن يُقال : متى كان الله ؟ لأن الله هو خالق الزمان ، ولا يمكن أن يُقال : أين الله ؟ لأن الله خالق المكان ، فالزمان والمكان من خلق الله . فالزمان خلق من خلق الله ، وقد أقسم الله به كما أقسم بالشمس ، قال :

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

[سورة الشمس : 1]

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[سورة الفجر : 1-2]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما يقسم رب الأكوان بشيء من خلقه فليلفت نظر عباده إلى خطورة هذا الشيء ، وأثره الخطير في حياتهم . قال بعض العلماء : إن العصر هو الزمن، بل هو مطلق الزمن ، وحين أقسم الله بالعصر أقسم بالزمن ، لمن ؟ لهذا المخلوق الذي هو في أدق تعاريفه زمن يمضي . وزمن ينقضي .

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1-3]

 الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .

 

الزمن أقسام ثلاثة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ دققوا في هذا البيت :

ما مضى فات والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

 الزمن أقسام ثلاثة ؛ زمن مضى لا جدوى من الحديث عنه ؛ لأنه لن يعود . و زمن سيأتي وقد لا يأتي ، هو غيب ، لكن الشيء الذي تملكه من الزمن هو اللحظة الراهنة ، في هذه اللحظة يمكن أن تتوب ، إذا قلت : سأتوب قد لا تصل إلى الغد ، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت .

ما مضى فات ، والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

 أيها الأخوة الكرام ؛ في منطق التجار ، قد يكون للتاجر رأس مال كبير ، وقد تقل أرباحه فيقول : خسرنا في هذا العالم كذا وكذا ، وهو يقصد أن أرباحه انخفضت عن المستوى الذي يطمح إليه ، لكن خسارة التاجر الحقيقية المؤكدة التي لا مبالغة فيها أن يخسر كل رأسماله، وألا يملك درهماً واحداً ، لذلك أكبر خسارة يخسرها الإنسان أن يخسر عمره ، أن يخسر العمر الذي هو ظرف العمل الصالح ، أن يخسر العمر الذي به يصل إلى الجنة ، الذي به ينجو من النار ، الذي به يتعرف إلى الله ، الذي به يتعرف إلى منهج الله ، الذي به يتوب ، لذلك دققوا في قول الله تعالى :

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[سورة الزمر : 15]

 الخسارة الحقيقية أن تخسر الوقت ، لأنه في الوقت وحده تصل إلى الله ، فإن خسرت الوقت ، وجاء ملك الموت ، انتهى اختيارك ، وختم عملك ، وانتهى كل شيء ، خسرت رأسمالك كله ، لأن عمر الإنسان رأسماله ، وظرف علمه .

 

الزمن هو البعد الرابع للأشياء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الزمن كما يقول بعض العلماء : هو البعد الرابع ، للشيء بعدان سطحيان ؛ طول وعرض ، وبعد حجمي ؛ عمق وارتفاع ، وبعد حركي هو الزمن ، فالإنسان شيء له طول وعرض وارتفاع ، وله وزن ، لكنه يتحرك ، يتحرك بالبعد الرابع ، هذه الحركة لن تكون إلى أبد الآبدين ، لابد من وقت أتى ، أو لم يأت ، أو سوف يأتي ، على وجه اليقين تتوقف فيه الحركة ، يلتقي مع الله عز وجل ، تُسحب روحه من جسده ، يصبح جثة هامدة ، الحركة انتهت ، معنى ذلك أن الزمن قد انتهى ، البعد الرابع قد توقف ، أصبح الإنسان رهين عمله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : الأولى والأجدى أن يعد الإنسان عمره عدّاً تنازلياً لا أن يعده عدّاً تصاعدياً ، أن يسأل نفسه دائماً : كم بقي لي من عمري ؟ وأن يسأل نفسه السؤال الآخر : هل بقي بقدر ما مضى ؟ والسؤال الثالث : هذا الذي مضى كيف مضى ؟ مضى كلمح البصر كساعة من نهار .

حكم المنية في البرية جــــــار  مـــــا هذه الدنيا بدار قـــرار
بينا يُرى الإنسان فيها مخبراً  حتى يرى خبراً من الأخبار
***

 إنسان ملء السمع والبصر في ثانية واحدة يصبح خبراً على الجدران .

 

الزمن جزء من عقيدة المسلم تتعلق به سعادة الدنيا والآخرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ معنى هذا أن الزمن جزء من عقيدة المسلم ، معنى هذا أن الزمن جزء من عقيدته خطير ، تتعلق به سعادة الدنيا والآخرة .
 أيها الأخوة ، يقول عليه الصلاة والسلام في إحدى خطبه :

((أيها الناس لا خير في العيش إلا لمستمع واع أو عالم ناطق ، أيها الناس إنكم في زمان هدنة ، وإن السير بكم لسريع ، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، - دققوا في وصف النبي لليل والنهار- يبليان كل جديد - لكل جديد بهجة ، البيت الجديد له بهجة ، والمركبة الجديدة لها بهجة ، وفي أول الزواج بهجة- وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد – تقول : متى يأتي الشتاء ؟ يأتي الشتاء . متى يأتي الصيف ؟ يأتي الصيف ، متى أنال الإجازة الجامعية ؟ تمضي السنوات الأربع كلمح البصر ، وتكون في الصف الرابع . متى أتزوج ؟ تتزوج . متى أنجب ؟ تنجب . متى أزوج بناتي ؟ تزوج بناتك- الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، فقال المقداد : يا نبي الله ما الهدنة ؟ - نحن في زمن هدنة ، المسلم يأكل ، والكافر يأكل ، المسلم يشرب ، والكافر يشرب ، المسلم يسكن في بيت ، والكافر يسكن في بيت ، الأوراق مختلطة الآن ، لا يُعرف الإنسان إلا بعمله ، أما كإنسان فيعيش المسلم كالكافر ، يأكلان ، ويشربان ، ويتزوجان ، وينجبان ، ويعملان ، ويكسبان المال . لكن متى يُفرز الناس ؟ قال تعالى : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)﴾[سورة يس]متى يُفرز الناس إلى فريقين مؤمن وكافر ؟ محسن ومسيء ؟ مستقيم ومنحرف ؟ ظالم ومنصف ؟ رحيم وقاس ؟ يوم القيامة- قال : دار بلاء وانقطاع ))

[كنز العمال للمتقي الهندي عن علي]

 بلاء ، دار امتحان ، قد يفهم العامة من كلمة بلاء أي مصيبة ، لا ، البلاء في اللغة الامتحان ، والفتنة الامتحان ، دار ابتلاء .

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[سورة المؤمنون : 30]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[سورة العنكبوت : 2]

 دار بلاء ، أنت في الدنيا ممتحن .

 

حظوظ الدنيا حيادية توظف في الخير أو الشر :

 لذلك كل حظوظ الدنيا حيادية ؛ صغيرها وكبيرها حيادي ، يمكن أن يُوظف في الحق ، أو أن يوظف في الباطل ؛ سمعك وبصرك ، عقلك ونطقك ، ومالك وزوجتك ، أولادك وعلمك ، طلاقة لسانك ، شأنك ، قوتك . كل حظ من حظوظ الدنيا يمكن أن يوظف في الدنيا في الخير أو في الشر . دار بلاء - أما التعريف الثاني فيقصم الظهر - وانقطاع ، انقطاع حاد ، أي أن الذي حصّلته في الدنيا كلها ، ساعة بساعة ، ويوماً بيوم ، وشهراً بشهر إلى أن أصبحت في هذا الحجم ، في الحجم المالي ، أو الاجتماعي ، أو العلمي ، هذا الحجم تفقده في ثانية واحدة ، عندما يتوقف القلب ، هذه خطبة حاسمة من خطب النبي .

((قال المقداد : يا رسول الله وما الهدنة ؟ قال : دار بلاء وانقطاع ، فإذا التبست الأمور عليكم كقطع الليل المظلم ))

[كنز العمال للمتقي الهندي عن علي]

 نظريات ، ومذاهب ، وأكاذيب .

((إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه))

[ أبو داود، ابن ماجه، الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

((إذا ائتمن الخائن ، وخون الأمين ، وصُدق الكاذب ، وكذب الصادق))

[ورد في الأثر]

((إذا رأيت المطر قيظاً ، والولد غيظاً ، وفاض اللئام فيضاً ، وغاض الكرام غيضاً))

[الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]

((... كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة]

((فإذا التبست عليكم الأمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن - منهج الله ، وحي السماء إلى الأرض ، حبل الله المتين - فإنه شافع مشفع و، شاهد مصدق ، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه قاده إلى النار ، وهو الدليل إلى خير سبيل ، وهو الفصل ليس من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم ))

[كنز العمال للمتقي الهندي عن علي]

 هذه إحدى خطب النبي عليه الصلاة والسلام . نحن في دار هدنة ، ودار الهدنة أي دار بلاء وانقطاع ، وإن الليل والنهار يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود . . لا أنسى كلمة قالها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى . قال : " إن الليل والنهار يعملان فيك ، فاعمل فيهما ".
 كل واحد منا لينظر إلى صورة له وهو شاب في ريعان الشباب ، وليضع هذه الصورة إلى جانب صورة حديثة جداً ، الفرق واضح جداً ، هذا الفرق فعل من ؟ فعل الليل والنهار ، مضي الزمن : " إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما " ، إن لم تعمل فيهما عملا فيك ، وخسرت الدنيا والآخرة ، فاعمل فيهما لتربح الدنيا والآخرة .

 

التعرف إلى الله من آياته الكونية و التكوينية و القرآنية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا في سورة العصر :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1-3]

 تعرفوا إلى الله عز وجل من آياته الكونية ، وآياته التكوينية ، وآياته القرآنية ، من الخلق ، ومن أفعال الله عز وجل ، ومن كلامه ،

﴿آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 لا تصدق أن مؤمناً يستقر الإيمان في قلبه ولا يعبر عن ذاته بعمل صالح . ليس في الإسلام حالة سكونية ، حالة انهزامية ، حالة منعزلة . المسلم متحرك ، في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان بالنفس يأبى إلا أن يعبر عن ذاته عن طريق عمل صالح يكسب به رضوان الله عز وجل .

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 3]

 التواصي بالحق أحد أركان النجاة ، التواصي بالحق لا من أجل نمائه بل من أجل الحفاظ على وجوده ، التواصي بالحق حق الفرد على الجماعة ، وحق الجماعة على الفرد، التواصي بالحق فرض عين على كل مسلم ، من أجل أن تنمو دوائر الحق، وبنموها تضيق دوائر الباطل ، ما من إنسان أصغر من أن يوصي بالحق ، وما من إنسان أكبر من أن يصغي إلى الحق . ليس الذي يقبل النصيحة بأقل أجراً من الذي يسديها .

﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

  بعد أن يثبت الحق لابد من الحفاظ عليه من هجمة أعداء الحق ، أعداء الحق يكيدون للحق ، إذاً لابد من الصبر ، لابد من الصبر على الإيمان بالله ، وعلى طاعته ، وعلى الدعوة إليه ، وعلى كل أولئك .

 

خصائص الزمن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الزمن الذي هو موضوع الخطبة له خصائص ، أولى خصائصه أنه سريع الانقضاء ، والدليل :

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة يونس : 45 ]

 ثمانون عاماً بالصيف والشتاء والربيع والخريف ، كل عام ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً ، وصباح ومساء وظهر وليل ونهار ، كل هذا العمر قال :

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة يونس : 45 ]

 إذاً العمر الماضي يمضي كلمح البصر ، ودققوا أنتم الآن ، كل إنسان له عمر ، ليسأل نفسه : كيف مضى هذا العمر ؟ كلمح البصر ، يقول لك الإنسان : البارحة كنا صغاراً .
 الخاصة الثانية : أن هذا الزمن لا يعود ، ولا يعوض ، لذلك ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة . والحقيقة أن الزمن- وأنا أعني ما أقول - أثمن شيء يملكه الإنسان على الإطلاق ، لو أنه يملك ألف مليون وجاء أجله ماذا تنفعه هذه الدراهم ؟ لكن إذا كان هناك وقت بأجله ، بهذا الوقت يتعرف إلى الله ، بهذا الوقت يتوب إليه ، بهذا الوقت يصلي ، بهذا الوقت يذكر الله . لذلك الزمن أثمن شيء يملكه الإنسان على الإطلاق . سريع الانقضاء ، ولا يُعوض ، وهو في أدق تعاريفه وعاء العمل الصالح . لابد للعمل من وعاء ووعاؤه الزمن .

 

الإنسان يندم مرتين ؛ مرة عند انقضاء أجله ومرة يوم القيامة :

 الإنسان - أيها الأخوة - يندم أشدّ الندم مرتين ، مرةً عند انقضاء أجله ، ومرةً يوم القيامة . استمعوا إلى قول الله عز وجل :

﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾

[سورة المنافقون : 10]

 يأتي الجواب الإلهي :

﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة المنافقون : 11]

 والموقف الثاني :

﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

[سورة فاطر : 37]

 يأتي الجواب الإلهي :

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

[سورة فاطر : 37]

 ما هو النذير ؟ النبي هو النذير ، والقرآن هو النذير ، وسن الأربعين هو النذير ، والشيب هو النذير ، وموت الأقارب نذير ، والمصائب نذير .

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

[سورة فاطر : 37]

مرض الغفلة عن الله أخطر مرض يصاب به الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ القرآن الكريم يحذر الناس أشدّ التحذير ، كيف أن أثمن شيء تملكه هو الوقت ، إن أخطر مرض تُصاب به هو مرض الغفلة عن الله . قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 179]

 عند الناس الورم الخبيث أخطر مرض ، أما عند الله فأخطر مرض أن يكون القلب غافلاً ، والعين لا ترى ، والأذن لا تسمع ، وحبك الشيء يعمي ويصم ، وحب الدنيا رأس كل خطيئة .
 المرض الثاني : مرض التسويف ؛ بعد أن أنتهي من الامتحان أتوب إلى الله ، في أول الموسم ، بعد نيل الشهادة ، عندما أؤسس هذا المعمل ، بعد الزواج ، هلك المسوفون ، قال ابن عباس : " إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك ، فإن يكن لك غدٌ فكن في غد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم ".
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال بعض العلماء : احذروا التسويف فإن سوف من جنود إبليس . لا شك أن الحديث الشريف الصحيح :

((اغتنم خمساً قبل خمس . . .))

[الحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة، والمنذري في الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 هو ألصق حديث بالوقت :

((اعتنم خمساً قبل خمس ، حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك ))

[الحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة، والمنذري في الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
 أيها الأخوة الكرام ؛ زاوية أخرى من زوايا الهجرة : مضى عام هجري ، وأتى عام جديد ، مضي عام ، ومجيء عام يعني مضي الوقت ، والوقت أخطر شيء يملكه الإنسان.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

طول العمر يكون بالعمل الصالح و الاستقامة التامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن أكثر دعاء متداول بين الناس هو دعاء طول العمر ، والسؤال الدقيق ، هل يُعقل أن يطول عمر الإنسان ؟ مع أن القرآن الكريم يؤكد أن عمر الإنسان لا يزيد ولا ينقص .

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 34]

 الإنسان مفطور على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، قال تعالى :

﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾

[سورة البقرة : 96]

 ففطرة في الإنسان أن يطول عمره ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أشار في حديث صحيح حينما سئل : يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال :

((من طال عمره وحسن عمله))

[ الترمذي عن عبد الله بن بُسر]

 إذاً المؤمن يتمنى طول العمر بعمل صالح واستقامة تامة ، لكن الذي يراه أن الموت يختطف الشاب وهو في ريعان شبابه ، وقد يختطف الشاب الوحيد المدلل من بين يدي والديه ، وقد يختطف الغني المترف في أحضان نعمته ، وقد يختطف القوي المرهوب من بين يدي خدمه وحشمه ، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف الموت بأنه : هادم اللذات ، مفرق الأحباب ، مشتت الجماعات . ومما يؤكد هذه الحقيقة أنه في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما أنْزَلَ الله من داء إلا أنزل له دواء ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 العلم كله يقف مكتوف اليدين أمام ظاهرة الهرم ، لابد من الموت ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر .

 

كل ابن أثنى و إن طالت سلامت ه يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــــــــلت إلى القـبور جنـازة  فاعلم بأنك بعدها محمــــــــــول
***

أخطر أعمار الإنسان عمره الإيماني :

 أيها الأخوة الكرام ؛ العمر لا يطول ، ولا يقصر ، لكن العمر في التعريف الإيماني هو حجم العمل الصالح الذي فعلته في الدنيا ، لذلك قال ابن عطاء الله السكندري : " رب عمر اتسعت آماده ، وقلّت أمداده - بلا عمل- ورب عمر قليلة آماده ، كثيرةٌ أمداده ". بعض العلماء عاش أقل من خمسين عاماً ، ترك مؤلفات لا يعلم خيرها إلا الله ، وهناك أناس عاشوا فوق المئة وعمرهم تافه جداً لذلك : " رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده ، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده " و قال أيضاً : " من بورك له في عمره أدرك في يسيرٍ من الزمان مِنْ مِنَن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ، ولا تلحقه الإشارة " .
 أتفه أعمار الإنسان عمره الزمني ، أخطر أعماره عمره الإيماني ، أي حجم عمله الصالح بهذا الظرف الزماني الذي عاشه ، فإذا دعوتم بطول العمر أي أنكم تدعون بالعمل الصالح الذي يغني العمر ، وأوضح مثل وأبسط مثل : إنسان فتح محله التجاري باع بساعتين بمليوني ليرة ، وإنسان فتح محله بشهر باع بمئة ليرة . فما قيمة الزمن ؟ لا قيمة له إطلاقاً ، القيمة بحجم المبيعات في هذا الزمن المحدود .

 

حجم العمل مع إتقانه و الإخلاص فيه يرفع قيمة الإنسان و يطيل عمره :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآن حجم العمل مع إتقانه ، ومع الإخلاص فيه هو الذي يرفع قيمة الإنسان ، حجم العمل المتقن الخالص لوجه الله عز وجل .
 شيء آخر : مما يطيل العمر أن تتسع رقعة العمل فتشمل الأمم والشعوب . إلى أين وصل هدى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ إلى مشارف الصين ، إلى مشارف باريس في أوربا، إلى أعماق إفريقيا ، إلى أعماق الشمال ، إلى أذربيجان ، مما يزيد من قيمة العمل اتساع رقعته ، ومما يزيد من قيمة العمل امتداد أمده ، حتى إن الأجيال بعد الأجيال تتوارث هذه الأعمال الصالحة ، مما يزيد في قيمة العمل تغلغل هذا العمل في الكيان المادي ، والنفسي ، والاجتماعي ، والروحي في الإنسان .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ حجم العمل مع إتقانه ، والإخلاص فيه ، واتساع رقعته ، وامتداد أمده ، وتغلغله في أعماق الإنسان ، هذا كله يطيل عمر الإنسان .
 ومما يزيد في قيمة العمل كثرة المعوقات ، وعظم الصوارف عنه ، وقلة المعين عليه .
 الدنيا خضرة نضرة ، كل شيء فيها يغري الإنسان بالبعد عن الله ، كل أجهزة لهوها ، وأطباقها الفضائية ، ومجلاتها ، وقصصها ، وأعمالها ، كل شيء يصرف عن الله ، فالذي يزيد من قيمة العمل كثرة المعوقات ، وعظم الصوارف ، وقلة المعين . وفي الحديث :

((اشتقت لأحبابي ، قالوا : أو لسنا أحبابك ؟ قال : لا ، أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ، أجره كأجر سبعين، قالوا : منا أم منهم ؟ قال : بل منكم ، قالوا : و لمَ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً و لا يجدون ))

[ الترمذي عن أنس]

 كثرة المعوقات ، وعظم الصوارف ، وقلة المعين ، هذا يرفع قيمة العمل الصالح.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما تفسد المجتمعات ، وتضطرب الأحوال ، ويتجبر الأقوياء ، ويترف الأغنياء ، ويداهن العلماء ، وتشيع الفاحشة ، ويظهر المنكر ، ويختفي المعروف ، عندئذ :

((عبادة في الهرج كهجرة إلي))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

 ونحن في مناسبة عيد الهجرة .

 

إطالة العمر إلى الأبد بصدقة جارية أو ولد صالح أو علم ينتفع به :

 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر متعلق بطول العمر ، بإمكانك - وهذا باختيارك- أن تطيل عمرك إلى ما تشاء ، إلى أبد الآبدين ، عن طريق صدقة جارية تفعلها في حياتك :

(( إذا مات ابن آدم انقطع علمه إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 إذا ربيت ابنك تربية إسلامية ، وجعلته داعية فأنت لن تموت ، يموت جسمك ، ويبقى ذكرك إلى أبد الآبدين .
 يا بني العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر . بإمكانك أن تطيل عمرك عن طريق ولد صالح تربيه تربية إسلامية ، وتجعله داعية إلى الله من بعدك ، عن طريق صدقة جارية ، تنشئ مسجداً ، ميتماً ، مشفى ، مستوصفاً ، عملاً خيرياً ، عن طريق صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أن تترك أثراً علمياً ذا قيمة دينية تنفع الناس في دينهم ودنياهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك حديث آخر أكثر تفصيلاً يقول عليه الصلاة والسلام :

((إن مما يلحق المؤمن من علمه وحسناته بعد موته ، علم علمه ونشره ، أو ولد صالح تركه ، أو مصحف ورثه ، أو مسجد بناه ، أو بيت لابن السبيل ، أو نهر أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته))

[منتخب من حديث الزهري للذهلي عن أبي هريرة]

 وفي الحديث:

((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ إلى يوم القيامة))

[ أخرجه ابن ماجه عن أبي جحيفة ]

 وألخص الخطبة بكلمتين : كلمة هنيئاً وكلمة ويل . . هنيئاً لمن نام تحت أطباق الثرى وأعماله باقية بعد موته ، علم ينتفع الناس به ، ولد صالح يدعو إلى الله عز وجل . . والويل لمن كان تحت أطباق الثرى والناس غارقون في الفساد الذي أحدثه ، وفي البدع التي أنشأها ، وفي الضلالات التي ابتدعها . لذلك أخطر عمل صالح هو العمل الذي يبقى بعد موت صاحبه ، وأخطر عمل سيئ ؛ إنسان أسس دار لهو ثم مات والمعاصي تُقام فيها كل يوم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . فلنجهد أن نطيل أعمارنا بعمل صالح يُعد صدقة جارية عند الله .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018