الخطبة : 0525 - ذكر الله2 - فوائد الذكر - النطق . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0525 - ذكر الله2 - فوائد الذكر - النطق .


1995-05-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ذكر الله أصل من أصول الدين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم :

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾

[سورة البقرة: 184]

 ونحن في هذه الأيام المعدودات ، قال ابن عباس : هي أيام التشريق ، وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم :

((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[مسلم عن ابن عباس]

 وقال عكرمة : معنى الآية التكبير في أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات .
 وقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((أنه كان يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ ، وَعَلَى فِرَاشِهِ ، وَفِي فُسْطَاطِهِ ، وَمَجْلِسِهِ ، وَمَمْشَاهُ ، تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا . . . فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى))

[البخاري عن ابن عمر]

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾

[سورة البقرة: 184]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكر الله أصل من أصول الدين ؛ لأن في الإنسان جوانب ثلاثة : جانب جسمي مادي ، غذاؤه الطعام والشراب ، و جانب عقلي إدراكي ، غذاؤه العلم ، وجانب نفسي ، غذاؤه الذكر ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾

[سورة الأحزاب: 41-43]

 قال علماء التفسير : ليس الأمر منصباً على الذكر فحسب ، بل على ذكر الله الذكر الكثير .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب: 41]

 وقد ورد في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى))

[الترمذي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ]

من ذكر الله حفته الملائكة و غشيته الرحمة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

((مَا مِنْ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 وقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ :

((مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 وقد ورد عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :

((سَيُعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ مِنْ أَهْلِ الْكَرَمِ ، فَقِيلَ : وَمَنْ أَهْلُ الْكَرَمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: مَجَالِسُ الذِّكْرِ فِي الْمَسَاجِدِ))

[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ]

 وعن معاوية بن أبي سفيان قال : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ :

((مَا أَجْلَسَكُمْ ؟ قَالُوا : جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا ، قَالَ : آللَّهِ ، مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ ؟ قَالُوا : وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ ، قَالَ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ))

[مسلم عن معاوية بن أبي سفيان]

 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ لَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَهُ إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُمْ قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضحاً في أذهانكم أن تبديل السيئات حسنات لا كما يفهمه بعضهم ، من أن سيئته تصبح حسنةً ، لا ، لكن هذا الذكر لله عز وجل ، والإقبال عليه ، وتلقي النور الإلهي يجعله حليماً بعد أن كان غضوباً ، يجعله كريماً بعد أن كان بخيلاً ، يجعله منصفاً بعد أن كان جحوداً ، يجعله رحيماً بعد أن كان قاسياً ، هذا معنى تبديل السيئات بالحسنات ، أما من يفهم هذا النص على أن السيئة التي اقترفها تصبح حسنة فهذا فهم سقيم ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم . هذا المعنى يؤكده الحديث القدسي :

((ليس كل مصلّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ، على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره ، أكلؤه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمسُّ ثمرها ، ولا يتغير حالها))

[الديلمي عن حارثة بن وهب]

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن ثابت قال :

((كان سلمان في عصابة يذكرون الله - أي في جماعة - فمر النبي صلى الله عليه وسلم بهم فكفوا ، فقال : ما كنتم تقولون ؟ قالوا : كنا نذكر الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني رأيت الرحمة تتنزل فأحببت أن أشارككم فيها ، ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم))

[أحمد والحاكم وصححه عن ثابت]

فوائد الذكر :

1 ـ الذكر يطرد الشيطان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عدَّدَ ابن القيم رحمه الله للذكر أكثر من مائة فائدة ، يقول : إن الذكر يطرد الشيطان ويقمعه ، إذا ذكرت الله طردت الشيطان ، طردت وساوسه ، طردت خطراته ، طردت تخويفه لك .

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 175]

 طردت ما يدعوك إليه من البخل ، يأمركم بالبخل . طردت الشيطان جملة وتفصيلاً ، طردت وساوسه ، طردت خطراته ، طردت كوابيسه ، لذلك إذا أردت أن تنجو من الشيطان فاذكر الله ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 201]

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الأعراف: 200]

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾

[سورة الفلق: 1-5]

 لكن العلماء اجتمعوا على أن الذكر الذي يطرد الشيطان ويقمعه هو الذكر الذي فيه حضور القلب وخشيته ، أما الذكر الأجوف ، أما الذكر باللسان دون أن يكون القلب حاضراً، ودون أن يكون القلب خاشعاً ، فربما هذا الذكر لا يجدي .

2 ـ يرضي الرحمن :

 شيء آخر : من فوائد الذكر أنه يرضي الرحمن ، فإذا ذكرت الله عز وجل فأنت تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله ، أنت في رضوانه ، أنت في الحفظ ، أنت في التأييد ، أنت في النصر ، أنت في التوفيق ، هذا معنى قول الله عز وجل : إن الله مع المتقين ، إن الله مع المؤمنين ، إن الله مع الصابرين ، قالوا : هذه المعية الخاصة ، التي تعني الحفظ ، والتأييد ، والتوفيق ، والنصر . فإذا أردت أن تكون في ظل الله عز وجل ، إذا أردت أن يدافع الله عنك ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله .

3 ـ يزيل الهم و الغم و الحزن عن القلب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ومن فوائد الذكر أنه يزيل الهم والغم والحزن عن القلب ، وهل الإنسان إلا قلب يسعد أو يشقى ؟ هل الإنسان إلا قلب يسعد بذكر الله ويشقى بالبعد عنه ؟ فإذا أردت أن تبعد عن قلبك الهم ، والهم من المصائب ، كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من الهم والحزن ، ومن العجز والكسل ، ومن الجبن والبخل ، ومن غلبة الدين وقهر الرجال . إذا استحوذ الهم على القلب سحقه ، الهم والحزن والغم إذا استحوذت هذه على القلب سحقته وجعلته شقياً . يبدأ الشقاء في القلب .

4 ـ يجلب للقلب الفرح و السعادة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وبالمقابل ، ذكر الله عز وجل يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط . قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت: 30]

 هذه الطمأنينة ، وتلك السعادة ، وهذا البشر ، وذاك التفاؤل ، وهذا التوازن ، إنما هي من ثمار ذكر الله عز وجل ، كيف لا وقد قال الله عز وجل :

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[سورة الرعد: 28]

 القلب لا يطمئن إلا بذكر الله .

5 ـ ينور الوجه و القلب معاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ومن فوائد الذكر أنه ينور الوجه والقلب معاً ، الذاكر وجهه متألق فيه نور لا يعرفه إلا من ذكر الله عز وجل ، تألق الوجه وبريقه وبشره أحد ثمار الذكر . ينور الوجه وينور القلب ، فإذا ألقى الله في قلب العبد نوره ، رأى الحق حقاً فاتبعه ، ورأى الباطل باطلاً فاجتنبه .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة الحديد: 28]

6 ـ يقوي القلب و البدن :

 والذكر أيها الأخوة يقوي القلب والبدن ، كيف نفهم هذا ؟ الإنسان إذا ذكر الله عز وجل يطمئن قلبه ، وإذا اطمئن قلبه أبعد عنه آلاف الأمراض العضوية التي تعود بسببها إلى الضغط النفسي ، إذا ذكرت الله ووحدته اطمأن قلبك ، وإذا اطمأن قلبك نجوت من آلاف الأمراض العضوية ، التي مبعثها الشدة النفسية ، كلما تقدم الطب تبين أن الشدة النفسية وراء أكثر الأمراض ، ارتفاع الضغط من الشدة النفسية ، توتر الشرايين وتصلبها من الشدة النفسية ، ارتفاع السكر في الدم من الشدة النفسية ، مرض القرحة في المعدة من الشدة النفسية ، بعض الآلام العضلية التي ليس لها منشأ عضوي من الشدة النفسية ، أمراض كثيرة ، وكلما اتسع العلم اتسعت دائرة الأمراض التي تسببها الشدة النفسية ، وقد قال الله عز وجل :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

 أحد أكبر أسباب العذاب الإشراك بالله . والله سبحانه وتعالى يبين أن الرعب الذي يسحق الإنسان مبعثه الشرك ، قال تعالى :

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾

[ سورة آل عمران: 151]

 الشرك يعني الرعب ، الشرك يعني الخوف ، الشرك يعني القلق ، الشرك يعني الانهيار العصبي ، الشرك يعني آلاف الأمراض العضوية ، فلذلك يقول هذا العالم الجليل : إن ذكر الله عز وجل يقوي القلب ، ومتى قوي القلب قوي البدن ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب))

[متفق عليه عن النعمان بن بشير]

7 ـ يجلب الرزق :

 ويقول هذا العالم الجليل : إن ذكر الله عز وجل يجلب الرزق ، إنك إن ذكرت الله عز وجل أقبلت عليه ، وإذا أقبلت عليه تقربت إليه بعملك الصالح ، وإذا كان عملك صالحاً ، واستقامتك على أمر الله تامة ، فماذا يفعل الله بعذابك ؟ قال تعالى :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147]

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الأعراف:96]

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجن: 16]

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح: 10-12 ]

 ذكر الله عز وجل يجلب الرزق .

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه: 132]

8 ـ يكسو الذاكر مهابة و حلاوة :

 ثم إن من فوائد الذكر أنه يكسو الذاكر مهابة ، وحلاوة ، ونضرة ، ألا ترى أن المؤمن الصادق كالكوكب الدري ؟ ألا ترى تألقه ؟ ألا ترى نورانيته ؟ ألا ترى هيبته ؟ مكانته ؟ علو قدره ؟ هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[سورة الشرح: 1-4]

 من اتقى الله هابه كل شيء ، من اتقى الله ألقى عله المهابة ، يهابه الناس ، يحترمونه ، لأنه أصلح فيما بينه وبين الله ، فأصلح الله ما بينه وين الناس ، إنه خشي الله فخشيه الناس ، إنه رجا ما عند الله ، فرجا الناس ما عنده . لذلك يمكن أن نقول : إن ما يعاني منه المسلمون في هذا العصر أنه هان أمر الله عليهم فهانوا على الله . ولو أنهم عظموا شعائر الله ، لو أنهم عظموا أمره ، لو أنهم أحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، لو أنهم أقاموا الإسلام في بيوتهم ، وفي أعمالهم ، وفي علاقاتهم ، لو أنهم عظموا أمر الله لكانوا في حال غير هذا الحال. قال تعالى :

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[سورة مريم: 59]

 عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ، قَالَ : قُلْنَا : وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الْحَيَاةِ ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))

[أحمد عَنْ ثَوْبَانَ]

 فالذاكر يكسوه الله المهابة ، والحلاوة ، والنضرة .

9 ـ يورث المحبة :

 والذاكر يورثه الذكر المحبة ، محبة الله التي هي روح الإسلام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإسلام جسد روحه محبة الله ، إذا ألغيت محبة الله من هذا الدين ألغيت الدين ، وجعلت الدين جثة هامدة ، جثة لا حياة فيها ، حياة هذا الدين أن تحب الله، قال تعالى :

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[سورة المائدة : 54]

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جئتكم به))

[ الأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر]

 الحب في الله ، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المحبة هي روح الإسلام ، وقطب رحى الدين ، ومدار السعادة والنجاة ، وقد جعل الله لكل شيء سبباً ، وجعل سبب المحبة دوام الذكر ، لذلك وصف الله المؤمنين والمؤمنات بأنهم :

﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾

[سورة الأحزاب : 35]

 والعجيب في أكثر المواطن التي وردت فيها كلمة الذكر قُيدت بالذكر الكثير .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب: 41]

﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾

[سورة الأحزاب: 35]

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[سورة النساء: 142]

 الفرق الفيصل بين المنافق والمؤمن أن المؤمن يذكر الله الذكر الكثير بينما المنافق يذكر الله الذكر القليل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في الأثر أنه من أكثر من ذكر الله فقد برئ من النفاق ، ومن حمل حاجته بيده فقد برئ من الكبر ، ومن أدى زكاة ماله فقد برئ من الشح .

10 ـ يورث المراقبة :

 وذكر الله أيها الأخوة يورث المراقبة ، والمراقبة تدخل الإنسان في باب الإحسان، وباب الإحسان أعلى من مرتبة الإسلام والإيمان . هناك الإسلام ؛ الانصياع التام لأوامر الله عز وجل ، وهناك الإيمان ؛ أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، خالقاً ورباً وإلهاً ، أن تؤمن برسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره من الله تعالى . الإيمان عقيدة ، والإسلام سلوك ، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
 لعل الإكثار من ذكر الله عز وجل يقودك إلى مرتبة الإحسان . لذلك يقول بعض العلماء : لا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان . باب الإحسان مسدود عليه .

 

12 ـ يورث الإنابة :

 والذكر يورث الإنابة ، وهي الرجوع إلى الله عز وجل ، فمن أكثر الرجوع إلى الله بذكره ، أورثه الرجوع إلى الله بقلبه في كل أحواله ، فيلقى الله مَفزعه ، ملجأه ، وملاذه ، ومعاذه، وقبلة قلبه ، فعلى قدر ذكر الله عز وجل يكون القرب من الله عز وجل .

13 ـ يورث الهيبة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وذكر الله عز وجل يورث الهيبة لله عز وجل ، لشدة استيلائه على القلب وحضوره مع الله .

((أتحب أن أكون جليسك يا موسى ؟ قال : كيف ذاك يا رب ؟ قال : أما علمت أني جليس من ذكرني ، وحيثما التمسني عبدي وجدني ؟))

[ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر ، وفيه محمد بن جعفر المدائني قال أحمد : لا أحدث عنه أبدا . عن سلام بن مسلم (في المنتخب سلم وقال في التقريب سليم أو سلم المدائني) المدائني متروك ، عن زيد العمي ليس بالقوي]

((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين))

[ البيهقي عن بكير بن عتيق]

في الإسلام كليات ثلاث على المؤمن أن يتحرك وفقها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عدّ العلماء أكثر من مئة فائدة لذكر الله تعالى ، ولا عجب أن يكون القرآن الكريم ، والسنة الصحيحة تلح على ذكر الله الذكر الكثير .
 وأعود إلى مقدمة الخطبة : في الإنسان جانب عقلي غذاؤه العلم ، وجانب نفسي غذاؤه الذكر ، وجانب مادي غذاؤه الطعام والشراب ، في الإسلام كليات ثلاث ، كلية إدراكية ، وكلية نفسية ، وكلية سلوكية ، والمؤمن الحق يتحرك في الخطوط جميعها ؛ يطلب العلم غذاءً لعقله ، ويذكر الله غذاءً لقلبه ، وينصاع لأمر الله ضماناً لسلامته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

النطق أشرف ما خصّ الله به الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قبل أن أنتقل إلى الموضوع الثاني من الذكر أن تتلو القرآن ، ومن الذكر أن تدعو الله في كل أوقاتك ، ومن الذكر أن تستغفره ، ومن الذكر أن تذكره ، ومن الذكر أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر ، ومن الذكر أن تطلب العلم ، لذلك وسع العلماء دائرة الذكر إلى المستوى الذي يجعل كل شيء يقربك إلى الله من الذكر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الموضوع العلمي هو أن النطق أشرف ما خصّ الله به الإنسان ، بل إن النطق هو الصورة المعقولة للإنسان ، لقد ميز الله الإنسان بالعقل ، والعقل لا يُرى بالعين ، ولكن يدرك حينما يتكلم الإنسان ، فالكلام هو الصورة المعقولة للإنسان ، قال تعالى :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 لا شك أنكم تعلمون لماذا قدم الله تعليم القرآن على خلق الإنسان ؟ لأن هذا التقديم تقديم رتبي ، فالإنسان لا معنى لوجوده من دون منهج يسير عليه ، لكن الله سبحانه وتعالى أتبع ذلك بقوله : علمه البيان ، ما قال الله عز وجل : الرحمن علم القرآن خلق الإنسان وعلمه البيان ، جاءت جملة علمه البيان تفسيرية ، أي أن أخصّ خصيصة لهذا الإنسان التي تميزه عن بقية المخلوقات أنه علمه البيان . ولعل الله سبحانه وتعالى علمه البيان من أجل أن يعرفه ، وعلمه البيان من أجل أن يعرف الناس به .
 على كلّ قال العلماء : باللغة يستطيع الإنسان تجريد الوجود المادي ، لو قلت : شجرة ، هذا مفهوم ، مفهوم الشجرة ، لو قلت : حيوان ، لو قلت : إنسان ، لو قلت : حرية ، هذه الكلمات تجريد للواقع ، فباللغة يستطيع الإنسان أن يجرد الواقع ، وباللغة يستطيع الإنسان أن يحقق الوعي ، به يجرده ويعيه ، وباللغة يفهم ويفهِّم ، يعبر عما في نفسه ، ويفهم ما في نفس الآخرين ، واللغة كما قال العلماء صلة راقية جداً بين أفراد النوع ، هناك اتصال عضلي ، وهناك اتصال لغوي ، فإذا أردت أن تخرج إنساناً من دون لغة عليك أن تدفعه بيديك ، أما إذا قلت له : اخرج ، فخرج ، هذا اتصال ، ولكن من أرقى أنواع الاتصال . واللغة كما قال العلماء أداة التفكير ، فنحن نفكر باللغة ، وقد ورد في بعض الأحاديث أن اللغة قوام الانتماء لهذه الأمة.
 ليست العربية لأحدكم من أم أو أب ، ولكن من تكلم العربية فهو عربي ، إذا أحببت هذه اللغة ، وتكلمت بها ، وفكرت فيها ، انتقل إليك ما فيها من تراث .
 أيها الأخوة الكرام ؛ باللغة المكتوبة ينتقل العلم إلى أماكن بعيدة ، باللغة المكتوبة ينتقل العلم من جيل إلى جيل ، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة :

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾

[ سورة العلق: 3-5 ]

استقلال كل إنسان بصوته و صورته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن هناك حقيقة دقيقة جداً هي أن هذه اللغة لا قيمة لها لولا أن الإنسان مستقل بصوته وبصورته ، لك صورة خاصة ، ولك صوت خاص ، وهذا الإنسان مزود بإدراك هذه الفروق ، لو أن إنساناً اتصل بك هاتفياً ، تقول له : أنت فلان . أودع الله فيك إدراك الفروق بين الأصوات ، ولا تنس أيها الأخ الكريم أنك نسيج وحدك في صوتك ، وأن نبرات الصوت هوية تامة ، وقال بعض العلماء إنها هوية كمثل هوية الإنسان المأخوذة من صورته ، صورة وجهك هوية ، ونبرة صوتك هوية ، وتركيب الدم هوية ، ورائحة الجلد هوية ، وقزحية العين هوية ، وبصمتك هوية .
 ومن آيات الله عز وجل اختلاف اللغات بين القبائل والشعوب ، واختلاف اللهجات بين البطون ، وعلى مستوى المدن ، وعلى مستوى الأحياء ، وعلى مستوى الأسرة ، وعلى مستوى الأفراد ، فلكل أسرة كلمات تكثر من تردادها ، ولكل حيّ لغة خاصة ، ولكل إقليم لغة خاصة ، ولكل شعب لغة خاصة ، ولكل أمة لغة خاصة ، وهذه من آيات الله الدالة على عظمته .

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾

[سورة الروم: 22]

القدرة على التفريق بين النبرات في الأصوات من آيات الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر : هو أن الله عز وجل لولا أنه أودع فينا القدرة على التفريق بين النبرات في الأصوات لما كان لهذا الاختلاف من معنى ، لو تشابهت الصور والنبرات ، لالتبس الأمر على الناس ، ولو اختلفت الصور والنبرات ، ولم نملك القدرة على التفريق لالتبس الأمر على الناس ، فلا بد من الاختلاف في الصور والنبرات ، ولا بد من القدرة على التفريق .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأذن السليمة تعرف كل إنسان بصوته ، وهذه من آيات الله الدالة على عظمته ، لذلك قال بعض العلماء : القدرة الإلهية أزالت الإشكال باختلاف الأشكال . وقال العلماء : إن تحقيق شخصية الإنسان عن طريق صوته لا تقل قيمة عن تحقيق شخصيته عن طريق صورته ، وقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن صوت الإنسان يحقق شخصيته بواقع تسعة وتسعين بالمئة . الصوت وحده يبرز شخصيتك ، هذه من آيات الله الدالة على عظمته .

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾

[سورة الروم: 22]

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 أنت إنسان مكرم ، علمك البيان ، تفهم ما يُقال ، وتنقل بلسانك ما في نفسك ، وتقرأ ما كُتب ، وتكتب لتعبر ، القدرة على فهم النص الشفهي ، وعلى التعبير الشفهي ، والقدرة على فهم النص المقروء ، والتعبير المكتوب ، هذه من أركان اللغة التي كرم الله بها الإنسان ، ثم إن اللغة أداة اتصال دقيقة ، بكلمة واحدة يأتمر الناس وينتهون ، ولولا اللغة لوجب أن تخصص لكل إنسان إنسانًا يدفعه إلى بيته مثلاً .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018