الخطبة : 0028 - المولد النبوي2 - عدله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0028 - المولد النبوي2 - عدله.


1975-03-28

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .
صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ، يا من كانت الرحمة مهجتك والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك .

العدل سمة من سمات نبينا الكريم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في الجمعة الفائتة تحدثت عن رحمته صلى الله عليه وسلم , وبينت أن الاحتفال الصحيح بذكرى المولد هو الاهتداء بهدي صاحب المولد ، واقتفاءُ أثره ، تطبيق سنته ، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم ، قمةً في الرحمة فقد كان قمةً في العدل .
 والرحمة والعدل خصلتان متكاملتان ، لا تصلح الواحدة منها إلا بالثانية .
 ذات يوم تقدَّم من النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي ، وسأله مزيداً من العطاء ، وقال في غلظة ، اعدل يا محمد صلى الله عليه وسلم , فتبسم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقال للرجل ، ويحك , فمن يعدل إن لم أعدل .
 لقد أمرنا صلى الله عليه وسلم بتقصي مظاهر العدل حتى نهايته .
 أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نعدل بين أولادنا في القبل .
 فمن يعدل إن لم تعدل يا رسول الله ، كنت قمة في العدل ، والعدل عنده جزء من طبيعته ، وبقدر ما كان يتقصى أسباب العدل في أحكامه , وعطاياه ، كان يخشى الله رب العالمين العادل المقسط .
 وكان يقول صلى الله عليه وسلم رأس الحكمة مخافة الله .
 ذات يوم يرسل خادماً له في حاجة ، قريبة فيغيب نصف اليوم أو قرابة ذلك ، ويأخذ الرسول ما يأخذ كرام البشر من الغضب الكريم , ويظن من يراه أنه سيُنزل بالغلام حين يعود عقاباً أليماً ، وحين يعود الغلام : يلوَّح الرسول الكريم في وجهه بالسواك ، وهو يقول :

(( لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))

 أرأيتم يا إخوتي هذا السواك الذي لو ضُرب به رضيع ما آلمه وما أوجعه ، ومحمد صلى الله يخشى أن يضرب الغلام بهذا السواك خشية القصاص ، إنه استمساك نبينا صلى الله عليه وسلم بالعدالة ، لم يكن تباهياً في التواضع , ولا استمتاعاً بلذة العدل ، وإنما كان توقيراً للعدالة نفسها .
 لقد عرف صلى الله عليه وسلم طرفاً من حقيقة العدل الإلهي فتخلق بأخلاق الله ، وها هو ذا يحكي عن ربه عدالته : يقول الله تعالى في حديث قدسي :
 عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ أخرجه مسلم ]

من عدله عليه السلام , نصرة المظلوم :

 لذلك ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحذير الناس من الظلم مذهباً بليغاً يتناسب وعدالة السماء فيقول :
 عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ))

[ أخرجه مسلم ]

 عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ ))

[ أخرجه أحمد ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ثَلَاثَةٌ لَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُمُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَفْتَحُ لَهَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

 وقد أكد صلى الله عليه وسلم أن قصاص الظالم محتوم ومباغت :
 عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ , وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ))

[ أخرجه البخاري ]

 لقد رأى عليه الصلاة والسلام أن الظالم ظالم لنفسه قبل غيره ومنع الظالم من إيقاع الظلم بالآخرين نصر له , وفوز أكثر مما هو زجر وعقاب , لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
 عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ قَالَ تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ))

[ أخرجه البخاري والترمذي وأحمد والدارمي ]

 والظلم أيها الإخوة ؛ يأخذ أشكالاً ثلاثة :
 - ظلم بالفعل والعمل .
 - وظلم بالقول .
 - وظلم بالشعور .
 والظلم بالفعل , كل اعتداء على النفس الإنسانية من سفك دم إلى لطمة وجه ، قال عليه الصلاة والسلام :
 عَبْدَ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ بِالدِّمَاءِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد ]

 وقال أيضاً :
 عن البراء بن عازب رضي الله عنه : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ))

 وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من أن نقف موقف المتفرج بينما تسفك الدماء وتنهك الأعراض ، فقال :
 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا يقفن أحدكم موقفاً يقتل فيه رجل ظلماً فإن اللعنة تنزل على من حضره حيث لم يدفعوا عنه ، ولا يقفن أحدكم موقفاً يُضرب فيه رجل ظلماً فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

 بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرى أن مجرد التهويم بالسلاح أو بآلة حادة مؤذية عملاً يستوجب العقاب ، واللعنة ، يقول :
 عَنْ هَمَّامٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ))( أي يدفعه إلى الجريمة )

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد]

 وقال أيضاً :
 عَنِ ابْنِ سِيرِينَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُا قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّه ))

[ أخرجه مسلم ]

 ويمعن الرسول صلى الله عليه وسلم في استبعاد كل أسباب العدوان فيقول :
 عن أبو موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل ، فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحداً من المسلمين منها شيءٌ ، أو قال : فليقبض على نصولها ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

 ولا يحدس بها أحد .

من عدله عليه السلام , حماية الأعراض :

 ويصون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الأعراض في القوة والعزيمة التي يصون بها حرمة الأنفس والحياة .
 ذات يوم أقبل عليه سائل يسأله في صراحة العربي وجرأته ، طامعاً في أن يجد للزنا رخصة ، ويجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم كاشفاً له أن الزنا خطيئة كبيرة ، لأنها عدوان والعدوان ظلم ؛ لقد استدنى الرجل منه ، وربت على كتفه ، وقال له :
 عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ :

(( إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا مَهْ مَهْ فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا قَالَ فَجَلَسَ قَالَ أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ قَالَ أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ ))

[ أخرجه أحمد ]

 أجل كل عدوان عليك أو على من يلوذ بك لا ترتضيه لنفسك ولا ترتضيه لهم واجب عليك أن تجنب إيقاعه بغيرك .

من عدله عليه السلام , حثنا على كسب الحلال :

 هذا عن العدوان على النفس والعرض وأما العدوان على المال فلا يقل عنها خطراً .
 لقد حَرصَ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على حقوق الإنسان المالية أشد الحرص ، وجعل أداء الحقوق والكسب الحلال أساساً لصحة العبادة واستجابة الدعاء ، فقال عليه الصلاة والسلام :
 عن أبي سلمة أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا فَقَالَتْ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الْأَرْضَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأحمد ]

 وقد قال مرة لسيدنا سعد بن أبي وقاص :
 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل أربعين يوماً ، وأيما عبد نبت لحمه من سحت ( أي حرام ) فالنار أولى به ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ]

 وقال أيضاً :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي]

 وقد نكبر ونجل الأغنياء مع علمنا أن ثراءهم باطل في باطل ، لذلك أراد صلى الله عليه وسلم أن يزيل عن أعيننا هذه الغشاوة فقال :
 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا يغبطن جامع المال من غير حله , فإنه إن تصدق لم يقبل منه وما بقي كان زاده إلى النار ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

 وحرمة الأموال العامة لا تقل عن حرمة أموال الأفراد , ولو كان اغتصابها على شكل هديةٍ، أو عمولة .
 ذات يوم رجع إلى المدينة أحد الولاة , وذهب ليقدم للنبي الكريم الأموال التي جمعها من الزكاة ، فقدم بعضها ، وقال : هذا لكم واحتجز بعضها الآخر وقال : هذا أهدي لي , وفي التوِّ والناس مجتمعون في المسجد نهض الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
 عن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي ))

[ آخرجه البخاري ومسلم وأحمد ]

 أيها الإخوة ؛ إذا واهتديتم بهدي نبيكم وطبقتم سنته ، واقتفيتم أثره فقد توخيتم العدل والمساواة فيما بينكم ونفذتم قول نبيكم كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وعرضه وماله ، وقد احتفلتم بعيد مولده احتفالاً صحيحاً ، وإلا فلا يغنكم غير هذا شيئاً .
أو كما قال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018