الخطبة : 0522 - من نفس عن مؤمن كربة2 - رتبة العلم - آسيا امرأة فرعون. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0522 - من نفس عن مؤمن كربة2 - رتبة العلم - آسيا امرأة فرعون.


1995-04-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

طريق العلم قد يوصل إلى الجنة و السعادة في الدنيا و الآخرة :

 عباد الله اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنت مسلمون ، في الخطبة السابقة بدأت بشرح حديث شريف من صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ))

 وتتمة الحديث:

((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ من سلك طريقاً : ماذا تعني هذه الكلمة في هذا الحديث ؟
 العلماء شرَّاح هذا الحديث يقولون : من سلك طريقاً السلوك المادي ، أي خرج من بيته ومشى إلى بيت من بيوت الله ، سلك سلوكاً مادياً بقدميه :

((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا))

 يلتمس من خلال هذا الذهاب أن يتعرف إلى الله ، أن يتعرف إلى أحكام دينه ، أن يتعرف إلى كلامه . وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا . ارتدى ثيابه وخرج من بيته ، وسار في الطريق . الطريق المؤدي إلى بيت من بيوت الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وبعضهم قال : قد يعني الحديث السلوك المعنوي . أي من حفظ ، ومن قرأ ، ومن ذاكر ، ومن درس ، ومن أعاد ، ومن تابع الأمر ، ومن تأمل ، ومن فكر . بعضهم قال : السلوك المادي إلى بيت من بيوت الله من أجل أن تعرف عن كلام الله شيئاً ، من أجل أن تعرف عن سنة النبي شيئاً ، من أجل أن تعرف أحكام دينك ، أحكام الحلال والحرام ، من سلك طريقاً بقدميه ، يريد من هذا الطريق أن يصل إلى بيت من بيوت الله ، سهل الله له به طريقاً إلى الجنة . فليعلم أن هذا الطريق الذي يطؤه بقدميه ، ربما أوصله إلى الجنة ، إلى سعادة الدنيا والآخرة .
 والمعنى الثاني : أنه من حفظ العلم ، ومن درس العلم ، ومن ذاكر العلم ، ومن قرأ العلم ، ومن تفهم العلم ، ومن تأمل فيما يقرأ . أيضاً هذا هو السلوك المعنوي .

 

رتبة العلم أعلى الرتب وهي الحاجة العليا في الإنسان :

 إذاً ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام ؟

((سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))

 قال شرَّاح الحديث : الله سبحانه وتعالى يسهِّل له العلم الذي طلبه . هناك قصة مثيرة جداً يرويها العلماء وهي قصة واقعية ؛ أن رجلاً في مصر أراد أن يطلب العلم وهو في الخامسة والخمسين ، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ، تعلم القراءة والكتابة ، وتعلم قراءة القرآن ، وحفظ القرآن ، وطلب العلم ، وما مات إلا شيخ الأزهر ، مات في السادسة و التسعين .
 معنى سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ أي سهل الله عليه هذا العلم .
 لعل أول العلم فيه صعوبة ، لكنه إذا سلكه صادقاً يصبح أكبر متعة في حياته . ما من رتبة يرقى بها الإنسان كرتبة العلم ، ورتبة العلم أعلى الرتب ، وهي الحاجة العليا في الإنسان ، وهذه الحاجة إذا طلبتها أكدت إنسانيتك ، أكدت أنك من بني البشر ، أكدت أنك المخلوق الأول ، وأنك المخلوق المكرم ، وأنك المخلوق المكلف ، ارتفعت بطلب العلم من مستوى الحيوانية إلى مستوى الإنسانية ، لأن الله سبحانه وتعالى خصّ الإنسان بهذه القوة الإدراكية ، وما خصّ الإنسان بهذه القوة الإدراكية إلا ليتعرف إلى الله . ما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، ما أمرنا أن نتوب إلا ليتوب علينا . ما أودع فينا هذه القوة الإدراكية إلا من أجل أن نتعرف عليه .

((من سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّة ))

 إما أن يسلك هذا الطريق بقدميه ، أو بمركبته ، أو بمركبة عامة .

((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّة ))

 ومن قرأ العلم في بيته ، ومن تفهم العلم ، وجلس مع إخوانه يذكر حقائق العلم ، تدارس العلم ، حفظ العلم ، تفهم العلم ، تعمق في فهم العلم ، راجع العلم ، ذاكر العلم ، أيضاً هذا هو المعنى الآخر .

 

العلم بالله و بشريعته يمتع وينفع ويسعد صاحبه في الدنيا والآخرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله جلّ جلاله يسهل له هذا العلم . ربما كان هذا العلم على من لا يريده صعباً ، ربما كان طلب العلم على من لا يريده كأن تحفر جبلاً بإبرة ، أما الذي يطلبه بصدق وإخلاص فيجعل الله له متعة وسعادة ما بعدها سعادة . لذلك لا تعجب من هؤلاء الذين يعكفون على طلب العلم ويمضون الساعات الطوال في قراءة القرآن ، وفي فهمه ، وفي درسه ، وفي تعليمه ، إنهم منغمسون في سعادة لا يعرفها إلا من ذاقها .
 على كل هؤلاء الذين يتعلمون علوم الدنيا يغرقون في متعته . مطلق العلم يمتع الإنسان ، لكن هناك علماً ممتعاً ، وهناك علماً ممتعاً نافعاً ، وهناك علماً ممتعاً نافعاً مسعداً في الدنيا والآخرة . العلم بالله والعلم الديني هو العلم الممتع والنافع والمسعد في الدنيا والآخرة . ربما كانت علوم الدنيا تمتع وتنفع  صاحبها في الدنيا ، ولا تنفعه في الآخرة ، وربما كان بعض العلوم لا يمتع لكنه ينفع ، بعض العلوم تنفع لكنها لا تمتع ، لكن العلم بالله ، والعلم بشريعته يمتع ، وينفع ، ويسعد صاحبه في الدنيا والآخرة .

((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ))

 بعضهم قال : أنت إذا عرفت الحقيقة ، وأنت تحب نفسك حباً جماً بسبب حبك لذاتك ، ومعرفتك للحقيقة تلتزم منهج الله عز وجل ، فإذا عرفت الحقيقة سلكت طريق الحق ، وهذا الطريق يؤدي بك إلى الجنة . وقد يقول أحدهم : إن هذا الحديث مقتبس من قوله تعالى :

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾

[سورة القمر:17]

 الله جلّ جلاله في عليائه ييسر على قارئ القرآن قراءته ، وييسر على متدبره تدبره، وييسر على متفهمه تفهمه ، وييسر على مطبقه تطبيقه . الله جلّ جلاله حينما يعلم أن هذا العبد صادق في طلب العلم ييسر له العلم . بل إن بعضهم قال : إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قرأ حديثاً عن رسول الله هو الذي عطفه إلى العلم ، وكانت عطفته تلك سبب سعادته، وإسعاد خلق كثيرين . هذا الحديث:

(( من طلب العلم تكفل الله برزقه ))

[ الخطيب في التاريخ عن زياد بن الحرث الصدائي]

 ليس معنى هذا أنه يأتيه رزق من السماء كمعجزة ، أو كرامة ، ولكن معنى هذا أن الله سبحانه وتعالى يوفقه في عمله توفيقاً بحيث يبقى له وقت مديد يطلب فيه العلم .

 

نية طالب العلم تحدد تيسيره أو تعسيره :

 أيها الأخوة الكرام ؛ معنى الحديث : هل من طالب علم فيعان عليه . النبي صلى الله عليه وسلم روى عن ربه الحديث القدسي :

((فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُ اللَّيْلِ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جَلَّ وَعَزَّ فَقَالَ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبَهُ؟ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 وهذا الحديث بهذا المعنى ، أي هل من طالب علم فأعينه على طلبه ؟ هل من طالب علم أجعل له هذا الطلب طريقاً إلى الجنة ؟ لكن العلماء يقولون : إن هذا العلم الديني ؛ العلم بالله ، والعلم لشرعه لا يتيسر لطالبه إلا إذا ابتغى به وجهه الكريم ، وابتغى به أن ينتفع به في دنياه وأخراه ، وابتغى به مرضاة الله عز وجل ، نية طالب العلم هي التي تحدد تيسيره أو تعسيره .

 

طلب العلم سبب للهداية والهداية سبب للسلوك القويم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ طلب العلم سبب للهداية ، والهداية سبب للسلوك القويم ، والسلوك القويم سبب لدخول الجنة .
 شيء آخر في الحديث : أنت قد تطلب العلم ، وتجتهد ، وتمضي الوقت في طلبه ، وتسلك الطريق إلى بيوت الله ، وتقتطع من وقتك الثمين وقتاً ، ربما كان وقت راحتك ، ربما كان وقت جلوسك مع أهلك وأولادك ، ربما كان وقت نزهتك ، تقتطع من وقتك الثمين وقتاً تطلب فيه العلم ، فالله سبحانه وتعالى يعطي أضعافاً مضاعفة ، قال :

((من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ))

[أبو نعيم عن أنس]

 وقالوا : إن من ثواب الحسنة الحسنة .

﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾

[ سورة مريم : 76]

﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾

[سورة محمد: 17]

 وقال بعضهم : من طلب العلم سهل الله له به طريقاً إلى الجنة . أي أنه إذا سار على الصراط اجتازه مسرعاً إلى الجنة . من كان قد طلب العلم في الدنيا ونفعه هذا العلم في طاعة الله عز وجل ، وفي التقرب إليه ، فهو يوم القيامة إذا سار على جهنم على الصراط المستقيم اجتازه مسرعاً كلمح البصر . سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ، هذا من معاني الحديث.
 ويقول بعضهم : العلم الحقيقي يدل على الله تعالى . لماذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم وقال :

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

[النسائي عن أنس بن مالك ]

 دخل النبي على بعض أصحابه ، فرآهم متحلقين حول رجل ، فقال : من هذا ؟ وهو يعلم من هذا ، سؤال العارف ، فقالوا : نسابه ، قال : وما نسابه ؟ فقالوا: يعلم أنساب العرب . فقال عليه الصلاة والسلام:

((ذلك علم لا ينفع من تعلمه ، ولا يضر من جهل به ))

 كان عليه الصلاة والسلام يقول :

(( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ))

[النسائي عن أنس بن مالك ]

 دقق أن لك مكتبة كبيرة جداً ، وعليك امتحان حاسم ، وفي هذه المكتبة كلها كتاب واحد هو الكتاب المقرر لهذا الامتحان ، فهل من العقل أن تقرأ كتاباً آخر ؟ لابد من أن تصطفي ، لابد من أن تقرأ الكتاب الذي تنتفع به في دنياك وأخراك ، لابد من أن تطلب العلم النافع ، العلم الذي يقيك الزلل ، العلم الذي يعرفك بالله عز وجل .

 

العلم النافع هو العلم الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ العلم الحقيقي يدل على الله تعالى ، فمن سلك طريق العلم مخلصاً غير منحرف وصل إلى الله . وصل إلى الله معرفةً ، ووصل إلى الله اتصالاً .
 وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا . والطريق الحقيقي إلى الله هو العلم ، فمن تعلم العلم الحقيقي مخلصاً غير منحرف نقله العلم إلى الله عز وجل ، نقله نقلة معرفة ، ونقله نقلة صلة بالله عز وجل . قال بعضهم: لا طريق إلى معرفة الله ، والفوز بطاعته ، والوصول إلى رضوانه وبلوغ قربه ، ومجاورته في الآخرة ، إلا بالعلم النافع ، الذي بعث الله به رسله ، وأنزل به كتبه . لا سبيل إلى معرفة الله ، ولا إلى الفوز بطاعته ، ولا إلى الوصول إلى رضوانه ، ولا إلى بلوغ قربه ، ولا إلى مجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله ، وأنزل به كتبه .
 هذا العلم النافع سماه الله نوراً . ألست بحاجة ماسة - وأنت تمشي في ظلمات بعضها فوق بعض - إلى نور كشاف يكشف لك الطريق ؟ يكشف لك معالم الطريق ؟ يكشف لك الحفر المخيفة ؟ يكشف لك النتوءات والأكمات ؟ يكشف لك الوحوش الضارية ؟ وأنت في طريق غابة ليلاً ألست بحاجة إلى نور يكشف لك الحقائق ؟ الله جلّ جلاله سمى العلم الذي جاء به الرسل نوراً ، قال تعالى:

﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة المائدة: 15-16]

 والنبي عليه الصلاة والسلام من بيانه الرائع البليغ أنه شبه حملة العلم من أمته في الأرض كالنجوم المتألقة في السماء . ففي المسند عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((إن مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر ، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة ، ومادام العلم باقياً في الأرض ، فالناس في هدى ، وبقاء العلم ببقاء حملته ، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به وقع الناس في الضلال ))

[أحمد عن أنس بن مالك]

انتزاع العلم بقبض العلماء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ))

[ البخاري عن ابن عمرو ]

 العلم يُنتزع بقبض العلماء . إذاً علينا أن نربي أولادنا على طلب العلم ، علينا أن نهيئ الدعاة إلى الله عز وجل ، لأن حاجة الناس إلى العلم كحاجتهم إلى الهواء ، به يحيون ، وبه يسعدون ، وبه يستقيمون ، وبه يصلون إلى الله عز وجل ، فلا بد من تجديد الدعاة إلى الله. يجب أن نفكر جدياً أن نربي أولادنا على طلب العلم ، يجب أن نطمح في أن يكون أبناؤنا دعاةً إلى الله عز وجل ، يجب أن نربيهم التربية الشرعية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام استعاذ من يوم يرفع فيه العلم ، فقيل : يا رسول الله كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءنا وأبناءنا ؟ كيف يُنزع العلم بيننا و كتاب الله نتلوه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : هذه التوراة والإنجيل ماذا تغني عنهم ؟ فسئل عبادة بن الصامت عن هذا الحديث فقال : لو شئت لأخبرتك ، أول علم يُرفع من الناس الخشوع في القلب ؛ لأن العلم علمان ، أحدهما ما كان ثمرته في قلب الإنسان ؛ العلم بالله ، المقتضي لخشيته ، ومهابته ، وإجلاله ، والخضوع له ، ومحبته ، والخوف منه ، ورجاؤه ، والدعاء له ، والتوكل عليه . هذا هو العلم النافع ، أن تتعرف إلى الله من خلال الكون ، من خلال أفعاله أن تتصل به ، أن تتوكل عليه ، أن تخشع له ، أن ترجو ما عنده ، أن تخشى عذابه ، أن تثق به ، أن تحبه ، أن تؤثره على كل شيء ، إذا عرفت الله وأقبلت عليه ذلك العلم النافع .
ابن مسعود يقول :" إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" .
 أما إذا وقع العلم في القلب فرسخ فيه ونفع . وقال الحسن : العلم علمان علم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم ، وعلم في القلب فذلك العلم النافع . العلم الذي على اللسان أيها الأخوة هو حجة الله لك أو عليك ، أول ما يُرفع من العلم النافع ، وهو العلم الذي يخالط القلوب ، ويطهرها ، ويبقى علم اللسان فيتهاون الناس به فلا يعملون بمقتضاه ، لا حملته ولا غيرهم ، ثم يذهب هذا العلم الذي على اللسان بذهاب حملته ، فلا يبقى إلا القرآن بالمصاحف وليس ثم من يعلم معانيه ، ولا حدوده ، ولا أحكامه ، ولا حلاله ، ولا حرامه .

 

الجلوس في المساجد لتعلم القرآن ومدارسته وتعليمه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يجب أن يدخل في برنامجنا جميعاً طلب العلم ، لأن العلم حياة القلوب ، والعلم خير من المال ؛ لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق . مات خزَّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة .
 تتمة الحديث:

((وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أول حقيقة نستفيدها من هذه الفقرة من هذا الحديث ، أنها تدل على ندب الجلوس في المساجد لتعلم القرآن ، ومدارسته ، وتعليمه . ففي صحيح البخاري عن عثمان بن عفان رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[البخاري عن عثمان بن عفان]

 خيركم على الإطلاق ولا أحد أخير من هذا الذي طلب العلم وعلمه . قال بعضهم من التابعين : هذا الحديث هو الذي أقعدني في مقعدي هذا في المسجد . ما الذي جعلك أن تجلس على ركبتيك ؟ ربما كان الجلوس في البيت مريحاً أكثر ، على فرش ومتكئات وطنافس ، الذي جعلك تجلس على ركبتين في المسجد هو هذا الحديث :

((خيركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[البخاري عن عثمان بن عفان]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يتوهم بعضهم أحياناً أن حضور الخطبة هي طلب العلم . الخطبة من أجل أن تقنعك بطلب العلم ، ألا ترى أن بعض الناس يعرضون البضاعة في واجهات محلاتهم ، من أجل أن يغرون المشاة في الدخول إلى المحل والشراء منه ؟ إن حضور الخطبة وحدها لا تكفي لطلب العلم ، طبيعة الخطبة لا تحتمل التفاصيل ، ولا الأحكام الفقهية ، ولا التعليلات ، ولا الأدلة ، لابد من عرض سريع ، وعرض موجز ، لكن طلب العلم شيء وأن تحضر خطب في الأسبوع مرة واحدة شيء آخر .
 سئل ابن عباس : أي العلم أفضل ؟ قال : ذكر الله ، وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطون فيه كتاب الله فيما بينهم ، ويتدارسونه إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها ، وكانوا أضياف الله ماداموا على ذلك حتى يخوضوا في حديث غيره . هم أضياف الله ، وهذا يؤكده الحديث القدسي :

((إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحق على المزور أن يكرم الزائر ))

[أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري]

 يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي . . . ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

من ذكر الله نزلت عليه السكينة وغشيته الرحمة و حفته الملائكة :

((....وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذه السعادة التي لا تُوصف ، هذه السكينة سمّها إن شئت التجلي ، سمّها إن شئت الطمأنينة ، سمّها إن شئت التفاؤل ، سمّها إن شئت الراحة ، هذه هي السكينة ، سكينة الله. وغشيتهم الرحمة . أي سُهلت أمورهم ، هم في مساجدهم والله في حوائجهم ، السكينة سعادة نفسية ، لكن الرحمة أشمل . قد توفق في عملك ، قد توفق في تجارتك ، قد توفق في اختيار زوجتك ، قد توفق في شراء مأوى يؤويك ، قد توفق في تربية أولادك ، هذه رحمة الله ، فأنت إذا اقتطعت من وقتك وقتاً تذكر الله فيه في المسجد ، نزلت عليك السكينة الطمأنينة ، وغشيتك الرحمة ، أي عمَّتك أنت وأهلك وأولادك . وحفتهم الملائكة . أي إذا سهوت الملك يذكرك ، وإذا ضللت الملك يرشدك ، وإذا عملت الخير الملك يطمئنك ، الملك أصبح في خدمتك يدعوك إلى الله ، يحضك على الإقبال عليه .

 

من ذكره الله رفع ذكره بين الناس :

 آخر شيء : وذكرهم الله فيمن عنده . أما إذا ذكر الله العبد فهذا ذكر عظيم ، لقول الله عز وجل :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 قال بعضهم في تفسير هذه الآية : ذكر الله أكبر من ذكرك له .

((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 يرفع الله ذكرك بين الناس . وفي صحيح مسلم :

((إن لأهل الذكر أربعة ، تتنزل عليهم السكينة ، وتغشاهم الرحمة ، وتحف بهم الملائكة ، ويذكرهم الرب فيمن عنده ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 قال :

((يا موسى أتحب أن أكون جليسك ؟ - فصعق هذا النبي الكريم- قال : كيف أكون جليسك يا رب ؟ قال : أما علمت أنني جليس من ذكرني ، وحيثما افتقدني عبدي وجدني ))

[ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر]

ربط الدرجات في الآخرة بالأعمال لا بالأنساب :

 تتمة الحديث :

((وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 الله جل جلاله ربط الدرجات في الآخرة لا على الأنساب ، بل على الأعمال ، قال تعالى :

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 101]

 قد تقع عين الأم على ابنها ، تقول له : يا بني ألم أجعل لك صدري سقاء وبطني وعاء وحجري وقاءً ؟ فهل من حسنة يعود عليّ خيرها اليوم ؟ يقول الابن لأمه يوم القيامة : ليتني أستطيع ذلك يا أماه إنما أشكو مما أنت منه تشكين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لما أنزل الله قوله تعالى :

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 214]

 جمع النبي الناس وقال لهم : يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله إني لا أغني عنكم من الله شيئاً .

(( يا عباس عم رسول الله ، يا فاطمة بنت محمد ، أنقذا نفسيكما من النار ، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 وقد ورد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي ، وليس كذلك ، إن أوليائي منكم المتقون ، من كانوا وحيث كانوا ))

[ الطبراني عن معاذ]

 وهذا يؤكد قول النبي :

((أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً ))

[قال السيوطي لا أعرفه ، وقال في الأصل رواه الديلمي وتمام بأسانيد ضعيفة ، فلفظ تمام عن أنس سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آل محمد ؟ فقال كل تقي من أمة محمد ، ولفظ الديلمي آل محمد كل تقي]

لعمرك ما الإنسان إلا بدينـــــه  فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب
لقد رفع الإسلام سلمان فارس  وقد وضع الشرك النســـــيب أبا لهب
***

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحكمة التي أرادها الله من ذكر قصة آسيا امرأة فرعون في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آية كريمة تلفت النظر وهي قوله تعالى :

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة التحريم: 11]

 ما الحكمة التي أرادها الله عز وجل من ذكر هذه القصة بشكل سريع ؟
 الحقيقة أن هذه القصة السريعة - امرأة فرعون صديقة ، قال عليه الصلاة والسلام :

((كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ....ِ))

[البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 منهم امرأة فرعون آسيا - هذه القصة السريعة في القرآن الكريم .

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة التحريم: 11]

 تدل على حقيقة كبرى ، وهي أن للمرأة أصالة في مجال عقيدتها ، أي أنها ليست تابعة لأحد في عقيدتها كائناً من كان ولو كان هذا الأحد فرعون ، الذي ادعى الألوهية ، وعبَّد بني إسرائيل ، أليس هذا تكريماً للمرأة ؟ أية امرأة الآن تقول : هكذا يريد زوجي ، تقترف المعاصي لأن زوجها ضغط عليها قليلاً ، أو ازور عنها قليلاً ، أو هددها بالطلاق قليلاً ، فترتكب المعصية إرضاءً له . أما آسيا . فرعون الذي قال : أنا ربكم الأعلى ، والذي عبَّد بني إسرائيل ، والذي ذبح أبناءهم ، واستحيا نساءهم ، لم يستطع أن يُخضع امرأته في عقيدته .
 معنى ذلك أن المرأة مستقلة استقلالاً تاماً في عقيدتها ، وفي دينها ، وفي علاقتها بربها عن زوجها ، إن أمرها زوجها بالخير هذا شيء رائع ، إن أمرها بالصلاة ، إن أمرها بالحجاب ، إن أمرها بالتقوى ، جمعت الحسنيين ، أما إذا أمرها بمعصية فهي مستقلة في عقيدتها وفي دينها وفي علاقتها بربها عن زوجها ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، والله سبحانه وتعالى يكرمها ، ويؤيدها ، يحفظها ويلقي في قلب زوجها احترامها ، وإكبارها ، وهيبتها ، وربما أخذت بيده إلى الله .
 آلاف الأزواج الذين اهتدوا على أيدي زوجاتهم . إيمان الزوجة القوي ووقفتها الصلبة تلين قلب زوجها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه المرأة ، امرأة فرعون ، عزفت عن جاه الألوهية الكاذبة ، وعن نعيمها الملفق ، وآثرت الجنة ، وهي مغيبة عنها ، ولا ضمانة لها إلا أن الله أخبر بها ، ووعد بها المؤمنين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المرأة العاقلة إذا رأت زخرف الدنيا ، إذا رأت مباهج الدنيا ، إذا رأت نعيم الدنيا ، تنظر إلى الجزاء الذي وعد الله به من يعصيه ، وتنظر إلى الثواب الذي وعد الله به من يطيعه . لذلك الخطأ الكبير أن تنظر إلى الدنيا وحدها ، إن نظرت إليها وحدها تغريك ، أما إذا ضممت إليها الحساب في الآخرة ، ضممت إليها المسؤولية ، ضممت إليها العذاب الشديد ، أو الجنة التي وعد الله بها المؤمنين ، إذا ضممت الآخرة إلى الدنيا ، لا تؤخذ ببهرج الدنيا ، ولا بنعيمها ، ولا بشهواتها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قصص القرآن ما أرادها الله قصصاً ، أرادها قوانين ، عرَّفنا بالحقائق تعريفاً مباشراً في آيات ، وتعريفاً غير مباشر في آيات ، فهذه القصة تبين أن المرأة - وأقول مطلق المرأة ، أية امرأة - أودع الله فيها العقل والاختيار الصحيح ، فهي مستقلة في عقيدتها ، وفي دينها ، وفي علاقتها بربها عن زوجها ، إذا أمرها بمعصية ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أما إذا أمرها بالطاعة فقد جمعت الحسنيين .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018