الخطبة : 0024 - أثر القدوة في الناس . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0024 - أثر القدوة في الناس .


1975-02-07

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

المواقف والأعمال الحسنة خير طريق لتعليم :

يتساءل المرء أحياناً ، عن السرِّ الدفين الذي استطاع به الأنبياء والمرسلون إرساء الفضائل في مجتمعاتهم , وتحقيق السمو في نفوس أتباعهم ، فكيف استطاع نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم , أن يغير وجه العالم في ربع قرن ، وأن يقوض عرشي قيصر و كسرى في حين أن العالم الإسلامي اليوم طافح بالمساجد والمكتبات ، والمعاهد ، والجامعات , والعلماء والخطباء ومع ذلك تجد أكثر الناس يتعاطفون مع الإسلام بمشاعرهم ولا يطبقونه في سلوكهم .
ولعل السرَّ في هذا , ولا أقطع به , أن الأنبياء صلوات الله عليهم علموا الناس بمواقفهم وأعمالهم ، قبل أن يعلموهم بألسنتهم وأقوالهم .
والناس , كما يقول الإمام الغزالي :
( لا يتعلمون بآذانهم بل بعيونهم )
فالأم التي تلقي على أبنها عشرات الدروس في الصدق ، ثم تكذب على أبيه أمامه مرة واحدة ليست جديرة أن تعلم ابنها شيئاً ، وليس ابنها مستعداً أن يصغي إلى كلماتها إلا مجاملة لأن قدسية الكلمة عنده قد سقطت ، وقوتها قد تلاشت ، يقول أحد الكتاب :
إن مثلاً واحداً أنفع للناس من عشرة مجلدات، فالأحياء لا تصدق إلا المثل الحي
إن مثلاً واحداً أنفع للناس من عشرة مجلدات , لأن الأحياء لا تصدق إلا المثل الحي لهذا كان النبي الواحد بجهاده واستشهاده في سبيل الخير أهدى للبشرية من آلاف الكتَّاب الذين ملئوا بالفضائل والحكم بطون المجلدات إن أكثر الناس يستطيعون الكلام عن المثل العليا ، ولا يستطيعون أن يعيشوها ، لهذا كان الأنبياء قليلين ، وكانت حياتهم إعجازاً , وما من رجل دين يستطيع أن يثير في النفس إحساساً علوياً حقاً , إلا إذا كان في طريق حياته مستقيم السلوك سليم الأسلوب ، بغير ذلك يختل التناسق بين الغاية والوسيلة ، وبهذا الاختلال يداخل النفس شعور الشك في حقيقة رجل الدين .
قال سيد المربين ، وإمام المعلمين عليه صلاة رب العالمين :
عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إنما بعثت معلماً ، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))

[ أخرجه البزار في مسنده ]

لقد علمنا صلى الله عليه وسلم بمواقفه ، والتعليم بالمواقف أبلغ من التعليم بالألفاظ ، لأنه يقدم الحقيقة والبرهان عليها ، والحقيقة وتطبيقاتها , والحقيقة ونتائجها في الفرج والمجتمع ، جاء في كتاب رياض الصالحين , باب الوعظ والإرشاد , عن معاوية بن الحكم السلمي قال :
عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال :

(( بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَو َاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ ))

[ أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي ]

تعلم وتحقق وتطبق :

وتأكيداً على أن التعليم بالمواقف ، و توضيحاً لأسلوب التعليم المحمدي قال عليه الصلاة والسلام :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ عِلْمًا ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

[ أخرجه ابن ماجة ]

ليكن بين تعلّم العلم وتعليمه فسحةٌ من الوقت للتحقق منه وتطبيقه
أيها الإخوة ؛ إن عظمة هذا الحديث تكمن في كلمة (ثم) فهي للترتيب على التراخي كما يقول علماء النحو ، أي يجب أن يكون بين تعلم العلم وتعليمه فسحة من الوقت .
فقبل أن يسارع المرء إلى نقل ما تعلمه للآخرين , عليه أن يتحقق أولاً من حقيقة هذا العلم ، أن يناقشه مع نفسه ، أن يعرضه على القرآن ويبحث عن دليله فيه ، أن يعرضه على المنطق السليم ، أن يعرضه على الواقع ، أن يرى نتائجه في الفرد والمجتمع ، أن يرى مدى ما يحقق من سعادة للإنسان في دنياه وأخراه .
-هذا معنى ينطوي تحت كلمة ثم .
-أي أن يتحقق من العلم الذي تعلمه .
وقبل أن يسارع المرء إلى نقل ما تعلمه للآخرين عليه أن يطبقه بنفسه ليكتشف الخير الذي ينطوي عليه ، وليتذوق منعكساته النفسية ، وعندها يصبح لكلامه قوة تهز الجبال ، ولبيانه سحراً يأخذ بالألباب ، وهو بهذا يقطع الطريق على أولئك الذين يشككون بالدين ، وبرجاله زاعمين أن دعاته يأمرون بما لا يأتمرون به , وينهون عما لا ينتهون عنه ، لذلك جاء في الحديث القدسي :

(( يا عيسى بن مريم ، عظ نفسك فإن وعظتها فعظ غيرك ، وإلا فاستح مني ))

فالمرء إذا تحقق مما تعلم وعمل بما علم ، تمكن من علمه ، وقوي موقفه ، وأثر فيمن حوله ، وقطع الطريق على الذين يصدون عن سبيل الله .
-هذا معنى ثان ينطوي تحت كلمة (ثم) .
وقبل أن يسارع المرء إلى نقل ما تعلمه للآخرين عليه أن يفتح قلوبهم قبل أن يفتح عقولهم ، عليه أن يغزوها بالمودة قبل أن يغزوها بالحق عليه أن يمهد لتقبل علمه بالكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة , والمودة البالغة , والخدمة الخالصة , والمعونة الصادقة , والعفو الكثير والحلم والواسع ، لذلك جاء في الحديث الشريف :
أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( رأس العقل بعد الإيمان ، التودد إلى الناس ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

وهكذا , أيها الإخوة ؛ نجد أن بين تعلم العلم وتعليمه فاصلاً يجب أن يُملأ بالتحقق والتطبيق ، والتمهيد بالمودة .
أما لِمَ عليه الصلاة والسلام وصف تعليم العلم بعد تعلمه بالصدقة إذ قال :
عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يجب على الآباء والمربين أن يعلموا أولادهم علماً نافعاً، وأن يعلموهم بمواقفهم قبل ألسنتهم

(( أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَرْءُ عِلْماً ثُمَّ يُعَلِّمَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

[ أخرجه ابن ماجه ]

فهذا مشتق من الصدق ، صدق الإنسان في محبة خالقه ، ومربيه وترجمة هذه المحبة إلى محاولة لإنقاذ ذلك الإنسان الضال الضائع القلق من حرف المعصية والشتات ، قال تعالى :

﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾

[ سورة المائدة]

ويعني بها النفس .
فيا أيها الآباء والمربون ، علموا أولادكم ومن يلوذ بكم علماً صحيحاً نافعاً ، وعلموهم بمواقفكم قبل أن تعلموهم بألسنتكم ، وافتحوا قلوبهم بالمودة قبل أن تفتحوا عقولهم بالحقيقة .

حكمة وقوة واستقامة , هذا عمر :

ذات يوم يتلقى سيدنا عمر من أحد ولاته هدية من الحلوى ، ولا تكاد توضع بين يديه حتى يسأل الرسول الذي يحملها ـ ما هذا ؟
قال : حلوى يصنعها أهل أذربيجان ، وقد أرسلني بها إليك عتبة بن فرقد ، وكان والياً على أذربيجان ، فذاقها عمر ، فوجد لها مذاقاً شهياً فعاد يسأل الرسول ، أوكل المسلمين هناك يطعمون هذا ؟
قال : الرجل لا , هذا طعام الخاصة ، فأعاد عمر إغلاق الوعاء جيداً وقال للرجل أين بعيرك ؟ خذ حملك هذا وارجع به لعتبة ، وقل له , عمر يقول لك : اتق الله ولا تشبع من طعام حتى يشبع منه سائر المسلمين قبلك .
أيها الإخوة ؛ إنه قوة عمر ، وهيبته ، وشدة تأثيره في الناس ، كانت من استقامته ومواقفه المشرفة .
وكان إذا سن قانوناً ، أو حظر أمراً جمع أهله أولاً وقال لهم :
" إني قد نهيت الناس عن كذا وكذا ، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا ، وإن هبتم هابوا ، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه ، إلا ضاعفت له العذاب لمكانه مني فمن شاء منكم فليتقدم ، ومن شاء فليتأخر ".
أرأيتم أن القربى من عمر ليست ميزة بل مسؤولية ، وهذا هو مبعث قوته .
أو كما قال .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018