الخطبة : 0023 - الهجرة 3 - المعنى الحقيقي والمعنى الزائف للهجرة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0023 - الهجرة 3 - المعنى الحقيقي والمعنى الزائف للهجرة.


1975-01-30

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

الحكمة من المكوث في قباء :

 أيها المؤمنون ؛ في الجمعة الماضية ، واكبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في سيرهما من مكة إلى يثرب ، وقبل أن يصل صلى الله عليه وسلم إلى المدينة نزل في قباء بظاهرها ، وأقام فيها ثلاثة أيام ، وفي اليوم الرابع تحول صلى الله عليه وسلم إلى عرين الأنصار وموطن الإسلام الجديد .
 أتدرون أيها المؤمنون ؛ أي سرٍّ وأية حكمة ينطوي عليها نزوله صلى الله عليه وسلم في قباء ، وعدم دخوله المدينة فور وصوله .
 لقد حقن النبي الكريم بحسن سياسته ، وبليغ حكمته الدماء ، وخفف المتاعب والأعباء وقد تبدو إقامته صلى الله عليه وسلم هذه في ظاهرها أنها استجمام ، واستراحة ، من مشقة السفر و وعثاء الطريق ، ولكنها في حقيقتها حكمة عالية ، وسياسة مركزة ، وكياسة عظيمة ، إن هذا النزول في قباء ، يعد على بساطته الظاهرة ، يعد إيذاناً بولادة الدولة الإسلامية , وحجر الأساس في بنائها العظيم ، لقد وصل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى مغانم كثيرة ، ومكاسبه جمة ، بأقل كلفة ، وأيسر سبيل ففي خلال مقامه صلى الله عليه وسلم في قباء ، شاع الخبر ، في المدينة المنورة ، وعلم الجميع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلبست يثرب حلة العيد ، وأصبح سكانها يتشوقون إلى مقدمه ، ويودون رؤيته وينتظرون طلعته ، واهتزت المدينة بأسرها ، وتهيأت لاستقبال وافدها العظيم ، وتغير حال ساكنيها الأنصار منذ علموا بمقدم المختار صلى الله عليه وسلم كل ذلك كان يجري بسرعة عجيبة ، أمام أعين اليهود القاطنين في المدينة المنورة ، وتحت سمعهم وبصرهم ، فيدهشهم اهتمام الناس الكبير ، واستعدادهم العظيم لاستقبال النبي صلى الله عليه وسلم ويدرك اليهود آنذاك مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب المسلمين الأنصار وشأنه العالي عندهم ، وحرصهم على حمايته ، وإعزازه ومن أجل ذلك كله نراهم يلزمون جانب الحذر ، والاستكانة ، ويعدلون عن كل خطة كانوا يبيتونها ، أو مكر يدبرونه للشغب على هذا الدين الجديد ، في موطنه الجديد بل نراهم يحرصون على ألا يبدر منهم ما يسيء إلى جيرانهم الأنصار الذين احتضنوا الدين الجديد ، وتبنوه واعتنقوه ، مع أنهم هم الذين تعودوا الغدر وتربصوا بالناس الدوائر حسداً من عند أنفسهم ، وسعياً وراء الحياة الدنيا وزينتها .
 أرأيتم أيها المؤمنون ؛ أنه صلى الله عليه وسلم بإقامته في قباء ، أياماً ثلاثة قد سلك مع هؤلاء اليهود ضرباً من الحرب النفسية ، أضعفت معنوياتهم وكسرت شوكتهم ، وأذلت كيانهم وأعلت قدر المسلمين وأعزتهم ، ورفعت شأنهم ، كل ذلك دون تكاليف ، وأعباء ، ودون حرب ودماء ، بل بأسلوب نبوي حكيم ، وخطة محمدية رفيعة .
 وقد تم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأثمرت غراس نزوله في قباء ، وبدت أسرار حكمتها بعد ذلك فما إن دخل عليه الصلاة والسلام المدينة حتى جاءه اليهود يعرضون عليه ويطلبون منه أن يوادعهم بعهود ومواثيق ، مكتوبة ، بينه وبينهم ، وقد أجابهم صلى الله عليه وسلم إلى ذلك لكنه طوى الأمر على جانب من الحذر ، وقد سدَّ بذلك تلك الثغرة في الجبهة الداخلية التي كان يمكن للإسلام في المدينة أن يؤتى منها غدراً وخيانة .

الهجرة ومعناها الحقيقي والزائف :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حُق للهجرة المباركة أن تكون بداية التاريخ الإسلامي ، وحق لها أن تكون علماً على الإسلام لأنها المظهر العملي للإيمان ، وفضلاً عن ذلك فللهجرة معاني كبرى ، تمس حياتنا اليوم ، من هذه المعاني .
- أن الهجرة في حقيقتها موقف نفسي قبل أن تكون رحلة جسدية ، إنها هجر المنكر والمهاجر الحق هو من هجر ما نهى الله ورسوله عنه وإذا كان باب الهجرة من مكة إلى المدينة قد أغلق بعد انتشار الإسلام في مكة فإن باب الهجرة من المعصية إلى الطاعة مفتوح إلى يوم القيامة , قال عليه الصلاة والسلام :
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وأحمد ]

 - وثاني هذه المعاني أن الهجرة ليست محصورة بين مكة والمدينة ، بل هي تشمل كل بلدين يشبهان مكة والمدينة ، وقت الهجرة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً * وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء ]

 هذا عن الهجرة في سبيل الرحمن .
 - أما عن الهجرة التي في سبيل الشيطان فنعوذ بالله منها ، ونعوذ بالله أن نترك بلداً آمناً مطمئناً تجبى إليه ثمرات كل شيء وتقام فيه شعائر الدين على نحو آو آخر ، نعوذ بالله أن نهجره إلى بلد كثير الفتن ، والموبقات ، تقترف فيه المعاصي على قارعة الطرقات ولا تجد فيه من يقول للزاني ابتعد عن أنظار الناس , ولا يأمن فيه المرء على دينه ولا على عرضه ، وإذا وجد الإنسان في مثل هذا البلد المال الوفير فقد ضيَّع من إيمانه الشيء الكثير ، وباع دينه بدنياه ، وخاب مسعاه والعاقبة عند ربك للمتقين .
 وحينما يطمح الآباء إلى أن يرسلوا أبناءهم إلى ديار الغرب لينهلوا من العلوم المادية وينالوا الشهادات الاختصاصية ، فإنه قد فاتهم أن أكثر هؤلاء الأبناء يعودون إلى ديارهم ، وقد انقلبت عندهم الحقائق والقيم وأصبحوا لا ينتمون إلى أمتهم ، ودينهم إلا انتماءً شكلياً ، هذا إن كان فيهم بقية من رغبة في وطنهم حملتهم على العودة .
 وحينما يعبد المؤمن ربه ، والفتن تموج وتروج والمنكرات يُتباهى بها والشهوات يتسابق إلى الانغماس فيها ، والمال يتهافت على جمعه ، إن العبادة في هذه الأجواء لهي هجرة خالصة إلى الله ورسوله لا تقل عن هجرة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم .
 وهذا المؤمن الذي تعرض له الفتيات في الطرقات يخطرن بأثوابهن الفاضحة ، فيغض بصره ويقول إني أخاف الله رب العالمين ، وذلك الذي يدعي إلى حفلة منكرة ، فيؤثر عليها مجلس علم ودين ، وهذا الذي تسنح له الفرصة أن يمتلك ألوف الألوف من طريق غير مشروع فيردّه عن ذلك ورع وخوف , ويرضى براتبه القليل ، ودخله اليسير ، هؤلاء المتمسكون بدينهم في الظروف الصعبة ، لهم مهاجرون حقاً وصدقاً .
 جاء في الحديث القدسي :

(( عبادةٌ في الهرج ( أي الفتن ) كهجرة إليَّ ))

 عن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( قَالَ الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة ]

 قال عليه الصلاة والسلام :
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَنَّهُ أَتَى إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ثُمَّ قَالَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا قَالَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانِي الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ أُمَّتِكَ بَعْدُ قَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ خَيْلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ أَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ثُمَّ قَالَ أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا ))

 أخرجه النسائي وابن ماجة ، وأحمد ]

 

]

 

عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا يَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ أَوْ قَالَ عَلَى الشَّوْكِ ))

[أخرجه أحمد والترمذي ]

 أو كما قال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018