الخطبة : 0512 - مسائل في الدعاء - استشارة النساء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0512 - مسائل في الدعاء - استشارة النساء .


1995-01-20

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدعاء صلة متميزة بالله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الأسبوع الماضي تحدثت عن موضوع الدعاء ، وقد دار الموضوع حول فضائل الدعاء وقيمة الدعاء في حياة المسلم ، وكيف أن الدعاء هو العبادة ، وكيف أن الدعاء هو مخُّ العبادة ، اليوم نتابع هذا الموضوع في مسائل متعلقة في الدعاء .
 الصلاة عماد الدين ولا خير في دين لا صلاة فيه
أيها الأخوة الكرام ؛ قبل أن ندخل في تفاصيل هذه المسائل أريد أن أنوه إلى أن الدعاء هو الأصل في العبادة ، بل إن الدعاء هو الهدف ، وما حلّ المشكلة التي جاء الدعاء من أجلها إلا الوسيلة ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 42]

 لأن الإنسان بالدعاء يتصل بالله اتصالاً مكثفاً . الدعاء صلة متميزة بالله عز وجل لأن الحاجة لابستها ، الدعاء أعلى درجات الصلة بالله عز وجل ، والإنسان لا يسعد إلا إذا اتصل بالله عز وجل . لا خير في دين لا صلاة فيه .
 الأصل في الدين أن يتصل هذا المخلوق الضعيف بالخالق العظيم فيسعد ، الأصل في الدين أن تحكم هذه الصلة بين العبد وربه ، لذلك حينما تأتي المشكلة هدفها الأكبر أن تلجئ صاحبها إلى الدعاء ، أي أن تلجئ صاحبها إلى الاتصال بالله ، من أجل أن يسعد بالله . المشكلة في أصلها وسيلة وليست هدفاً ، وسيلة لتلجئ صاحبها إلى باب الله عز وجل ، إلى الإقبال عليه . وحينما يتكل الإنسان على ماله ، أو على وجاهته ، أو على أتباعه ، أو على من يلوذ به ، لحكمة بالغة بالغة تأتي مشكلة لا ينفع هؤلاء جميعاً ، يغلق الله على العبد كل أبواب الدنيا ويفتح باب السماء ، فالحكمة البالغة من الدعاء أن يلجئك إلى الله ، فالحكمة البالغة من الدعاء أن يوصلك بالله عز وجل وصلاً محكماً حقيقياً .

 

مسائل في الدعاء :

1 ـ الرد على المعروف بالمعروف :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إلى مسائل في الدعاء . المسألة الأولى :

(( عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ ))

[الترمذي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]

 الأصل أن ترد على المعروف بمعروف وعلى الهدية بهدية
ما من كلمة أبلغ لمن أسدى إليك معروفاً من أن تقول له : جزاك الله خيراً .
 لكن أيها الأخوة الكرام هذه الكلمات العظيمة من كثرة استعمالها وغفلة القلب عن الله عز وجل أصبحت كلمات لا معنى لها ، فُرغت من مضمونها ، نحتاج إلى قلب حاضر ، وإلى خشوع شديد ، حتى إذا قلت من أعماق أعماقك لله عز وجل داعياً : يا رب أجزه عني كل خير كي يستجيب الله لك . أي إذا أسدي إليك معروف فقلت لمن أسداه إليك : جزاك الله عنا كل خير ، فقد بالغت في الثناء . هناك حديث يقول :

((عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ ، وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ ، وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ))

[النسائي عن ابْنِ عُمَرَ]

 الأصل أن ترد على المعروف بمعروف ، وأن ترد على الإحسان بإحسان ، وأن ترد على الهدية بهدية ، وأن ترد على الخدمة بخدمة ، وأن ترد على شيء قُدم لك بشيء مشابه له تقدمه إليه ، أما حينما تعجز وحينما لا تستطيع أن تكافئ ، وحينما تكون أضعف من أن تكافئ ، إذا قلت لمن أسدى إليك هذا المعروف : جزاك الله عني كل خير فقد بالغت في الثناء . وروى الإمام مسلم :

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُم ))

[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

 هذا الذي يدعو على أولاده كفر بنعمة الأولاد ، وهذا الذي يدعو على نفسه كفر بنعمة الصحة ، وهذا الذي يدعو على ماله كفر بنعمة المال ، فلعل الله يؤدبه بأن يحرمه هذا المال ، أن يحرمه هؤلاء الأولاد ، أن يحرمه تلك الصحة . ولذلك من سوء الأدب ، ومن التطاول ، ومن الرعونة أن يدعو الإنسان على نفسه ، أو على أولاده ، أو على أمواله . إذا جاءت الأمور كما تشتهي قل كما قال عليه الصلاة والسلام : " الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات "، وإن جاءت على غير ما تريد قل كما قال عليه الصلاة والسلام :" الحمد لله على كل حال ".
 أيها الأخوة الكرام ؛ من الكفر الذي لا يخرج من الملِّة كما قال علماء العقيدة ، أن تحتقر نعمة الله عليك ، فهذا الذي يدعو على ماله ، أو يدعو على أولاده ، أو يدعو على نفسه ، هذا لا يعرف قيمة هذه النعم ، فربما كان التأديب بحرمانه منها . لذلك روى الإمام مسلم:

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى خَدَمِكُمْ ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَاعَةَ نَيْلٍ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُم ))

[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

2 ـ الإكثار من الدعاء عند السجود :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ومن وسائل الدعاء ما رواه الإمام مسلم :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ))

[ مسلم والنسائي عن أبي هريرة]

 لذلك ورد في الحديث :

(( إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْبَاقِي يَهْبِطُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَفْتَحُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى سُؤْلَهُ ؟ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَسْطَعَ الْفَجْرُ ))

[أحمد عن ابن مسعود]

 أي إذا كانت لك عند الله حاجة فصلِّ صلاة الليل وأنت ساجد ، اسأل الله هذه الحاجة ، فقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم :

(( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ ))

[مسلم عَنْ أبي هريرة]

3 ـ عدم الاستعجال :

 ومن مسائل الدعاء أيضاً أيها الأخوة ما رواه الإمام البخاري ومسلم :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ : دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ))

[متفق عليه عَنْ أبي هريرة]

 وكيف يعجل ؟ يقول : قد دعوت ربي فلم يستجب لي . إذا قال العبد : لقد دعوت الله فلم يستجب لي فقد تعجل في الحكم ، وعندئذ لا يُستجاب دعاؤه ، صار يائساً ، واليأس يلتقي مع الكفر ، والقنوط يلتقي مع الكفر . وفي رواية أخرى لمسلم :

(( لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 معنى ذلك أن مضمون الدعاء هل هو مضمون خير ؟ هل هو مضمون يرضي الله عز وجل ؟ فإذا قلت : اللهم ارزقني طيباً واستعملني صالحاً . فهذا المضمون يرضي الله عز وجل . إذا قلت : اللهم اهدني واهدِ بي ، إذا قلت : اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها . إذا قلت : اللهم إني أسألك حبك ، وحب من يحبك ، وحب عمل صالح يقربني إلى حبك ، انظر إلى مضمون الدعاء ، فإذا كان الدعاء مما يرضي الله عز وجل فالله سبحانه وتعالى يستجيب لك ، أما إذا دعا الإنسان بقطيعة رحم ، أو دعا بإثم ، أو استعجل ، أي قال: دعوت فلم يُستجب لي ، عندئذ لا يستجيب الله له . نصل الحديث :

(( لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ ؟ قَالَ : يَقُولُ : قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

الناس في الدعاء ثلاث فرق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الناس في هذا الموضوع ثلاث فرق ، فرقة هجرت الدعاء ، وتوهمت أنه لا يجدي ، هذه فرقة ضالة . وفرقة آمنت به من دون قيد أو شرط ؛ مقيم على المعصية ، يأكل مالاً حراماً ويدعو ، والله لا يستجيب :

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

(( وَذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ؟))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 55]

 أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة
أي هؤلاء الذين يعتدون لا يستجيب الله لهم ، لأنه لا يحبهم ، فالفرقة التي آمنت بالدعاء من دون قيد أو شرط ، من دون أن تستجيب لله ، ومن دون أن تؤمن به ، من دون أن ترعى أمر الله ونهيه ، هذه فرقة وقعت في وهم كبير . والفرقة التي أعرضت عن الدعاء هذه فرقة أعرضت عن أثمن ما في الدين ، الدعاء مخ العبادة ، لكن الوضع المتوسط هو الخير ، أن تؤمن بالدعاء مشروطاً ، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، آمن بالله واستجب له تكن مستجاب الدعوة ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 ليستجيبوا لي ، لكن بعد أن يؤمنوا بي ، آمن واستجب وأخلص تلق الإجابة .
 ادع الله تضرعاً ، تذللاً ، وادعه خفية ولا تكن معتدياً تلق الإجابة .

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي ﴾

 أخلص في الدعاء تلق الإجابة ، ليكن دعاؤك ذا مضمون خير تلق الإجابة .

((فلا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدع بإثم ، أو قطيعة رحم وما لم يستعجل ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ))

[مسلم عن أبي هريرة]

(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ ؟ قَالَ : جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ ))

[ الترمذي عن أبي أمامة ]

 بعد أن تصلي ادع الله ، ادع الله دعاءً بينك وبين الله ، ادع الله واسأله حاجتك كلها ، إن الله يحب من العبد أن يسأله حاجته كلها ، ادع الله واسأله ملح طعامك ، لهذا المستوى ، ادع الله فإن الله يحب الملحين في الدعاء ، ادع الله فإن الله يستجيب للعبد إذا دعاه مخلصاً .

((عنَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا ، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ إِذًا نُكْثِرُ ؟ قَالَ : اللَّهُ أَكْثَرُ ))

[الترمذي عنَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ]

 مهما أكثرت من الدعاء فخزائن الله مفتوحة ، مهما أكثرت من الدعاء فإن الله يحب أن يسعدك إلى كل درجة . الله أكثر : أي خيره أعظم من كل دعائك ، فمهما ظننت أن هذا الدعاء كبير ، وسوف يأتيك منه خير كثير ، فالله سبحانه وتعالى يعطيك أكثر .

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ))

[متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 وهذا الدعاء من العلم .

 

التوحيد مع الكرب :

 ماذا تعني كلمة التوحيد مع الكرب ؟ تعني كلمة التوحيد مع الكرب أن هذا الذي حدث بمشيئة الله ، وأن أفعال الله سبحانه وتعالى كلها خير مطلق ، لأن أسماءه كلها حسنى ، لذلك لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش الكريم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم . المشكلة ألا ترى أن هذا الشيء جاءك عن طريق إنسان ، جاءك عن طريق الواحد الديان ، إذا أيقنت أن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وأن حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، عندئذ تقول كما قال عليه الصلاة والسلام إذا جاءت الأمور على غير ما يحب : لا حول ولا قوة إلا بالله . ترضى وتستسلم .
 وقد كان أحدهم يطوف حول الكعبة ، ويسأل الله رضوانه ، قال : يا رب هل أنت راض عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي ، قال : وهل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ فقال هذا الرجل : يرحمك الله من أنت ؟ فقال الشافعي : أنا محمد بن إدريس ، قال : كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟ فقال الإمام الشافعي : يا هذا إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله . ليس شيئاً سهلاً أن ترضى عن الله ، أن ترضى عن حظك من الله ، أن ترضى عما أعطاك في الدنيا ، أن ترى ذلك حكمة بالغة ، أن تقول كما قال الإمام الغزالي : ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني . إذا رضيت عن الله فقد آمنت بحكمته ، وإذا رضيت عن الله فقد آمنت بأسمائه الحسنى ، وإذا رضيت عن الله كنت مؤمناً بأن العطاء الحقيقي في الآخرة وليس في الدنيا . هذا هو المؤمن .

الدين كلّه أخلاق و قيم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عود على بدء ، الدعاء مخ العبادة ، والدعاء هو العبادة ، والدعاء صلة متميزة بالله عز وجل ، بسبب أن الحاجة والاضطرار لابس هذه الصلة ، فجعلها صلة محكمة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ربما كانت الشدائد وسائل للدعاء ، وليس الدعاء وسيلة لحل المشكلات ، بل المشكلات وسيلة لإلجائك إلى باب الله عز وجل . إنك إن اتصلت به وأقبلت عليه سعدت في الدنيا والآخرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مما يُروى عن الصحابة الكرام . روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال :

(( بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ كُلُّهُمْ رَامٍ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَقَالُوا : هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى فَدْفَدٍ ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَالُوا لَهُمُ انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ وَلَا نَقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا ، قَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ : أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ الْيَوْمَ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ، اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَةٍ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ وَابْنُ دَثِنَةَ وَرَجُلٌ آخَرُ ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَأَوْثَقُوهُمْ ، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ : هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ وَاللَّهِ لا أَصْحَبُكُمْ إِنَّ لِي فِي هَؤُلَاءِ لَأُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى فَجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى فَقَتَلُوهُ ، فَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَابْتَاعَ خُبَيْبًا بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا فَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ بِنْتَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَأَخَذَ ابْنًا لِي وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ قَالَتْ فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِي وَجْهِي فَقَالَ : تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ - هذه أخلاق المؤمن ، هو سيُقتل بعد حين ، وابنهم على فخذه ، والسكين في يده - وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا ...))

[البخاري عن أبي هريرة]

 الدين كله أخلاق وقيم
أيها الأخوة الكرام ؛ الدين كله أخلاق ، الدين كله قيم ، الدين كله حدود ، أسير أُسر ظلماً وبيع بيع العبيد ، وسيقتل ، وما أراد أن يمس ابنهم الصغير بسوء ، هذه أخلاق الإسلام .

(( فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ : ذَرُونِي أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا ، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ ، وَمَا أُصِيبُوا ، وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا ، أما صفوان بن أمية فقد اشترى زيد بن الدثنة ، وقتله أمام ملأ من قريش فيهم أبو سفيان ، فقال أبو سفيان لزيد بن الدثنة : أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك ؟ فقال زيد : والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويُصاب رسول الله بشوكة ، عندئذ قال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ))

الحكمة من الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أردت أن نعرف جميعاً أن الدعاء مخ العبادة ، وأن الإنسان إذا اتصل بالله عز وجل شعر بكل السعادة ، وأن الله أحياناً يلجئ العبد إلى بابه إذا ساق له بعض الشدائد فيلجئه إلى بابه ، وليوقفه على أعتابه ، وليسعده باتصاله به . وهذه حكمة الدعاء.
 لذلك العاقل هو الذي يلجأ إلى الله قبل أن يلجئه الله إليه ، ويقف على أبوابه قبل أن يوقفه الله على أبوابه ، ويدعو ربه وهو في سلام قبل أن يدعوه وهو في ضيق ، والعاقل هو الذي يأتي ربه مسرعاً قبل أن يدبر الله له تدبيراً يجعله يأتيه مسرعاً .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

استشارة النساء اقتداء بالنبي الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وعدتكم قبل خطبتين أن أعالج حيناً موضوعاً فقهياً ، وحيناً موضوعاً علمياً في الخطبة الثانية . يتناقل عامة الناس هذا القول على أنه حديث شريف ، وهو متعلق بالنساء : " شاوروهن وخالفوهن " والحقيقة أن علماء الحديث لم يعثروا على أصل لهذا الحديث ، إذاً هو ليس حديثاً ، ولم يصح أثراً منقولاً عن عمر بن الخطاب ، ولا عن غيره .
 فقد روى الإمام البخاري أنه صلى الله عليه وسلم دخل يوم الحديبية على أم سلمة يشكو إليها تباطؤ الصحابة بنحر هديهم ، وحلق رؤوسهم ، فقالت : يا رسول الله ، أتحب ذلك اخرج ولا تكلم أحداً منهم كلمة ، حتى تنحر هديك وتحلق رأسك .
 والحقيقة أيها الأخوة أن الصحابة الكرام حينما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه وحلق رأسه بادروا إلى فعل ذلك . لكن كتاب السيرة يعلقون فيقولون : رسول الله صلى الله عليه وسلم بما منحه الله من حكمة ، غني كل الغنى عن أن يستشير زوجته أم سلمة، لكنه كما قال الإمام النووي في التعليق على هذا الحديث : أحب أن يقتدي الناس من بعده ، وأن لا يشعروا بمعرة في مشاورة نسائهم ، فقد يرى الرجل أنه أوفر حظاً من المرأة في الدراية والعلم والبصيرة ، ومع ذلك قد يأتيه من امرأته نصح رشيد .
 المشاورة تشعر الآخر أنه شريك في القرار
وقد صحَّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستشير الأحداث من الفقهاء والعلماء ويستشير ذوات البصيرة من النساء . فقد روى ابن الجوزي عن يوسف ، قال لي ابن شهاب ، وابن أخ لي ، وابن عم لي ، وعن صبية : " لا تستحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم ، فإن عمر بن الخطاب كان إذا أعياه الأمر المعضل دعا الأحداث فاستشارهم لحدة عقولهم وكان يشاور النساء ".
 وروى ابن حجر العسقلاني في الإصابة ، عن أبي بردة عن أبيه :" ما أشكل علينا أمر فسألنا فيه عائشة إلا وجدنا عندها علماً في هذا الموضوع " ، وقال عطاء بن أبي رباح :" كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس مشورة " .
 وقد صح أن عمر بن الخطاب كان يحيل إليها كل ما يتعلق بأحكام النساء ، وبأحوال النبي البيتية ، وقد استشار عمر ابنته حفصة ، في المدة التي تستطيع الزوجة أن تصبر فيها عن زوجها ، فأمضى كلامها . إذاً الإنسان عليه أن يستشير ، وأما الحكم الفصل في هذا الموضوع ففي الآية الكريمة وهي قوله تعالى :

﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾

[سورة الطلاق: 6]

 ائتمروا : فعل أمر ، ماضيه ليس أمر بل تآمر ، معنى تآمر أي أمر بعضهم بعضاً ، فعل فيه مشاركة . ما الذي يمنع أن تسأل وأن تستشير أقرب الناس إليك ؟ لك أن تأخذ برأيها ولك ألا تأخذ ، لكن الإنسان العاقل هو الذي يجعل من زوجته شريكةً له في حياته ، يسألها ويأخذ رأيها . وهذا من السنة ، لذلك هذا القول الذي يظنه الناس حديثاً شريفاً ليس له أصل لا في السنة ولا في الأثر : " شاورهن وخالفوهن " . النبي عليه الصلاة والسلام فيما روى الإمام البخاري فعل نقيض ذلك ، ليكون قدوةً لمن بعده . وسيدنا عمر استشار حفصة ، واستشار عائشة في أمور النساء وفي أمور حياة رسول الله البيتية . وابن حجر العسقلاني أيضاً أورد نصوصاً في الاستشارة ، والإمام النووي رحمه الله تعالى يقول : أراد النبي أن يقتدي الناس به من بعده ، وألا يجد أحدهم معرة في استشارة زوجته . هذا مما يرفع من قيمة الزوجة ، ويجعلها شريكة الحياة حقيقة ، أما إذا أشارت عليك برأي غير صحيح فناقشها فيه ، ارفض رأيها وأعطها التعليل ، أما أن تستبد بكل صغيرة وكبيرة ، وأن تجعلها صفراً على الشمال كما يقولون فهذا ليس من السنة في شيء .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018