الخطبة : 0508 - حقيقة الحياة الدنيا2 - التكاثر في الأموال والأولاد - الإيدز . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0508 - حقيقة الحياة الدنيا2 - التكاثر في الأموال والأولاد - الإيدز .


1994-12-16

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إعطاء الدنيا حجمها الحقيقي الذي أراده الله لها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كانت الخطبة السابقة حول الآية الكريمة ، وهي قوله تعالى :

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[سورة الحديد: 20]

 وقد أشرت بفضل الله جل جلاله إلى تعريف اللعب واللهو والزينة والتفاخر وبقي علينا من هذه الآية كلمة التكاثر . . حينما يقول الله عز وجل وهو خالقنا وربنا إن الحياة الدنيا هي حصراً لَعِبٌ ، وَلَهْوٌ ، وَزِينَةٌ ، وَتَفَاخُرٌ ، وَتَكَاثُرٌ ، فينبغي أن نصغي إلى هذه الآية ، وأن نعطي الدنيا حجمها الحقيقي الذي أراده الله لها ، أما إذا فهمنا الدنيا فهماً خلاف هذه الآية رأيناها أكبر من حجمها ، فهذا هو الغرور ، لذلك ربنا جل جلاله يقول :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 الغرور هو الشيطان ، فالإنسان مفطور على حب ما ينفعه ، لكنه ليس مفطوراً على معرفة ما ينفعه ، ينبغي أن نعرف حقيقة الحياة الدنيا وحقيقة الحياة الآخرة .

التّكاثر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التكاثر هو في هذه الآية في الأموال والأولاد ، بالتعريف الدقيق الطمع المقرون بالأمل ، وهذا الطمع يفضي بنا إلى التملك ، والاستئثار ، والتملك والاستئثار ينبعان من أنانية في الإنسان ، لا بصر لها ، ولا عقل يلزمها . التكاثر أساسه طمع مقرون بالأمل ، وهذا الطمع يفضي إلى التملك ، لمجرد التملك ، لمجرد الجمع ، لمجرد الحيازة، وهذا التملك والاستئثار ينبع من أنانية عمياء جموح ، لا بصر يهديها ، ولا عقل يلزمها . ورد في الحديث الشريف :

((لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَاب))

[مسلم عن أنس ]

 الوادي يكفيه . . الإنسان من دون تعلم ، من دون تبصر ، من دون حضور مجالس العلم ، من دون تدبر القرآن الكريم ، عنده أنانية عمياء ، هذه الأنانية العمياء لا بصر يهديها ، ولا عقل يلجمها ، هذه الأنانية وراء حب التملك غير المعقول والاستئثار ، وحب التملك والاستئثار المظهر المادي للطمع المقرون بالأمل ، والطمع المقرون بالأمل هو الذي يدفع إلى التكاثر ، والتكاثر هنا في الآية الكريمة تكاثر في الأموال والأولاد ، ولكن التكاثر الذي جاء في سورة التكاثر جاء مطلقاً ، قال تعالى :

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾

[سورة التكاثر: 1-2]

 الإنسان في الدنيا تنتهي كل لذَّاته دفعة واحدة ، تنتهي كل مكتسباته في ثانية واحدة .

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾

[سورة التكاثر: 1-2]

 وفي كلمة (ألهاكم) إشارة إلى أن الإنسان الأحمق يلهو بالخسيس عن النفيس ، وبالزائل عن الباقي ، وبالشيء السخيف عن الشيء الجميل . . لو أوتي ابن آدم وادياً من ذهب لابتغى وادياً ثانياً ، ولو أوتي ثانياً لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب . .
 أردت أيها الأخوة أن أوضح معنى التكاثر ، لأن الإنسان قد يحصّل حاجته ، قد يحصّل مطلوبه من الدنيا ، قد يحصّل رزق أولاده ، هو يسكن في بيت ، وله رزق معلوم ، وله زوجة وأولاد ، ولكن ينزلق إلى الجمع ، إلى التكاثر لذلك قال الله عز وجل :

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة الزخرف: 32]

حرص الإنسان على سلامته و سعادته يدفعانه إلى الإيمان بالله و اليوم الآخر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية ، أين الدواء ؟ الدواء في الإيمان بالله واليوم الآخر ، الإيمان بالله يجعل المطلب سامياً ، يجعل الحياة مطية ، يجعل حظوظ الإنسان من الدنيا درجات يرقى بها ، يجعل طاقاته قوى يستعين بها على بلوغ الآخرة ، ثمة فرق كبير بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن .

﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

[سورة النساء: 104]

 الهموم مشتركة ، والنوايا متفاوتة ، الهموم مشتركة ، والبواعث متباينة ، الهموم مشتركة ، والأهداف مختلفة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أنانية الإنسان هي أنانية الإنسان ، ولكنه إذا آمن بالله واليوم الآخر يختار الباقية على الفانية ، يختار المنازل الرفيعة في الآخرة على منازل الدنيا الفانية ، يختار نعيماً مقيماً على لذة طارئة ، يختار حياةً أبديةً هانئة على حياة دنيا مشحونة بالمتاعب .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأنانية نفسها إذا عرفت الله عز وجل ، وعرفت منهجه ، وعرفت لماذا خلقت ؟ ولماذا جاء بك إلى الدنيا ؟ وماذا أعدّ لك بعد الموت ؟ حرصك على سعادتك وسلامتك ، حبك لوجودك ، ولسلامة وجودك ، ولاستمرار وجودك ، ولكمال وجودك، يدفعك إلى العمل الصالح ، يدفعك إلى معرفة الله ، يدفعك إلى طلب العلم ، يدفعك إلى إنفاق المال ، يدفعك إلى الدعوة إلى الله هي هيَ ، لكن الأنانية عمياء عليك أن تبصرها ، ليس الإنسان مفطوراً على معرفة ما ينفعه ، لكنه مفطور على حب ما ينفعه ، فإذا عرف أن الذي ينفعه في الدار الآخرة ، وأن الذي يرقى به هو طاعة الله عز وجل ، وأن الذي يجعله خالداً إلى أبد الآبدين في جنة عرضها كعرض السموات والأرض هي طاعة الله عز وجل ، بدافع حرصه على سعادته ينطلق إلى هذا الطريق .

 

ارتقاء الإنسان بالتّعليم و التّعلّم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إذاً لابد من التعلم ، حقيقة دقيقة ، أنت مفطور على حب ما ينفعك ، لكنك لست مفطوراً على معرفة ما ينفعك ، لابد من التعليل . تصور أن مستودعًا للماء له أنبوب طويل يخرج من هذا المستودع ، وفي هذا الأنبوب فتحتان : فتحة قريبة ، وفتحة بعيدة، إذا ضغطت الماء ماذا يحصل ؟ يخرج الماء من الفتحة القريبة ، هذه طبيعة الماء ، يختار أيسر السبل ، هذا يعرفه أطباء القلب ، بين الأذينين فتحة ، فإذا انقبض القلب انتقل الدم من فتحة إلى فتحة ، ولم يسلك طريق الرئتين ، هذا الثقب الذي كشفه العالم بوتال ، يُسد بجلطة بفعل قدير عند الولادة ، لو أنه بقي مفتوحاً لأصيب الطفل بداء الزرق ، لأن الدم يستسهل الطريق الأقرب على الطريق الأبعد . فالإنسان مفطور على حب ما ينفعه ، فإذا رأى الدنيا بزينتها ، بمتعها ، بمباهجها ، بمالها ، ببساتينها ، ببيوتها ، بنسائها ، رآها بين يديه ، وهي خضرة نضرة ، أقبل عليها بدافع من أنانيته ، لكن التعليم ماذا يعمل به ؟ يبصره أن هذه الحياة الدنيا فانية ، وأن وراء هذه الحياة الدنيا حياة باقية .
 فلذلك لابد من تعليم ، ولابد من تعلم ، إما أن تطلب العلم ذاتياً ، وإما أن تصغي إلى من يعلمك . الإنسان بالتعلم وبالتعليم يرقى .

عدم التّساهل بالطاعات من أجل الحياة الدّنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل من خلال آياته الكريمة :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 الموت حق ، والقبر حق ، والبرزخ حق ، ويوم القيامة حق ، والصراط حق ، والجنة حق ، والنار حق .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 فلا تغرنكم الحياة الدنيا . . لو أن إنساناً نظف محلاً ، ووضع القمامة في علبة فاخرة ، ولفها بورق فاخر ، ووضع لها شريطاً فاخراً ، ووضعها على الرصيف ، ومرَّ مارٌّ ، ماذا يظنها ؟ شيئاً ثميناً ، حاجة غالية الثمن ، ساعة رفيعة المستوى ، يقبل عليها ، ما إن ينزع الشريط ، ثم ينزع الورق ، ثم يفتح العلبة ، حتى يخيب ظنه ، وحتى يُصاب بالإحباط ، هذه الحادثة هي الغرور ، اغتر بهذه العلبة ، ظن فيها شيئاً ثميناً ، ظن فيها قطعة ذهبية ، أو ساعة رفيعة المستوى ، أو هدية غالية الثمن ، فإذا بها قمامة محل تجاري . هذه الحالة بشكل صارخ حاد تفسر حالة الغرور .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 لا تراها بحجم فوق حجمها الحقيقي ، لا تبع دينك من أجلها ، لا تضيع فرض صلاة من أجلها ، لا تهدر كرامتك من أجلها ، لا تبذل ماء وجهك من أجلها ، لا تنس ذكر الله من أجلها ، لا تتساهل في طاعة من أجلها ، لا تستأهل . . عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

[الترمذي وابن ماجه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد]

طول الأمل من المهلكات :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 الغرور هو الشيطان . .

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[سورة النساء: 120]

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 175]

﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾

[سورة البقرة : 268]

 دائماً إذا شعرت بخوف حينما تنفق المال في سبيل الله ، فهذا الخوف شيطاني ، لأن الله عز وجل يقول في ثماني آيات قرآنية :

﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[سورة سبأ: 39]

 فإذا خفت في أثناء الإنفاق في سبيل الله فمعنى ذلك أن الشيطان يخوفك .

﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[سورة النساء: 120]

 أن يمتد الأمل إلى عشرين عاماً ، أو إلى ثلاثين عاماً قادمة ، أو إلى عشرة أعوام ، وأن تعيش في مستقبل حالم ، هذا من الشيطان ، طول الأمل من المهلكات .

 

الآخرة هي الحياة الكبرى والخالدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة العنكبوت: 64]

 الحيوان : المعنى المعجمي الحياة الكبرى الخالدة ، في التعريف شيئان ؛ في التعريف نوعها أعظم ، وأمدها أطول . الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة يؤكد هذا المعنى :

﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[سورة طه: 131]

﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

[سورة الشورى:36]

﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

[سورة طه:72-73]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

[سورة الأعلى: 14-17]

 خير نوعاً ، وأبقى أمداً . .

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة فاطر: 5]

 والحيوان هي الحياة الكبرى والخالدة . آية ثانية لقد شبه الله الحياة الدنيا .

﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾

[سورة الحديد: 20]

 كالدورة النباتية تُزرع الأرض ، ينبت النبات ، يزهر النبات ، يورق النبات ، يثمر النبات ، يجف النبات ، يصبح كالحطب ، وهكذا انتهت هذه الدورة ، هذه الدورة الزراعية نراها بعدد سنوات حياتنا .

 

منازل الآخرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الآية إشارة دقيقة :

﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾

[سورة الحديد: 20]

 لمن آمن وعمل صالحاً . .ثلاث منازل ، المنزلة العظمى لمن آمن وعمل صالحاً، هذه منزلة الرضوان ، والمغفرة لمن تاب في الدنيا وأصلح ، والعذاب الشديد لمن مات كافراً . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ آية ثانية :

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء: 77]

 آية ثالثة :

﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾

[سورة إبراهيم: 30]

 متاع : اسم يُطلق على كل ما يتمتع الإنسان به إلى أجل ، متعة وقتية ، لذة طارئة ، لا يعقبها شيء ، تنتهي ، وشيكة الزوال ، سريعة الانتقال هذه اللذة طارئة ، ومؤقتة ، وفانية ، تنتهي وتفنى . .

 

في الآخرة نعيم مقيم و الدنيا متاع الغرور :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[سورة آل عمران: 185]

 أما كلمة السعادة ، أما كلمة النعيم المقيم ، فهذه الأوصاف خصها الله للدار الآخرة ، قال :

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾

[سورة هود: 108]

 في الآخرة نعيم مقيم ، النعيم المقيم وصف الله بها الدار الآخرة ، وأما الدنيا فسماها متاع الغرور . . قل متاع الدنيا قليل ، قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار . . لو أن إنساناً أكل شطيرة لدقائق معدودة انتهت لذتها ، لو جلس في مكان جميل ثم ارتحل عنه ، لدقائق معدودة أو لساعات معدودة ثم انتهى الأمر ، لو ذهب إلى مصيف جميل ، كل ما في الدنيا متعة طارئة ، متعة مؤقتة ، لذة تنقضي ، هذه طبيعة الحياة الدنيا ، وربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء: 77]

﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾

[سورة إبراهيم: 30]

 في الآية الكريمة :

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[سورة آل عمران: 185]

 متعة يظنها الإنسان شيئاً عظيماً ثم يُفاجأ أنها أقل مما يظن ، بل إنها لا شيء ، فالغرور هو الباطل ، أو الشيء الذي يبدو بحجم أكبر من حجمه ، أو الشيء الخادع الذي يخدع . . والدنيا كما قال بعض العلماء : متاع زائل ، وظل حائل ، يغتر بها الجاهل . .

 

من أراد ثواب الدنيا يعطيه الله من ثوابها بقدر عمله و إتقانه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الموضوع يتشعب إلى فروع كثيرة ، الحياة الدنيا يقف الناس منها موقفين ، أناس أرادوها وأصروا عليها ، وأعرضوا عن الآخرة ، وأناس أرادوها ، وأرادوا الآخرة ، ماذا قال الله عز وجل بحق هذين الصنفين ؟ قال سبحانه :

﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾

[سورة البقرة: 200]

 يطلب الدنيا ، ويؤتيه الله الدنيا ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 20]

 فمن الناس من يطلب الدنيا وحدها .

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ﴾

[سورة الإسراء: 18]

 لكن أناساً آخرين يطلبون الدنيا ، ويطلبون الآخرة .

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة البقرة: 201]

 أحد الأئمة الكبار سئل عن حسنة الدنيا فقال : المرأة الصالحة ، الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ، التي إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا غبت عنها حفظتك ، وإذا أمرتها أطاعتك . .

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة البقرة: 201]

 لذلك ورد في الحديث الشريف :

((ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، حتى يصيب منهما جميعاً))

[الديلمي وابن عساكر عن أنس ]

 وفي الدعاء النبوي الشريف : "اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا "
 يُفهم من هذا الدعاء ، ومن ذاك الحديث ، ومن هذا التوجيه في الآية الكريمة أن الدنيا ممر وليست مقراً ، إذاً أنت بحاجة وأنت في هذا الممر وأنت في هذا الطريق المفضي إلى الآخرة ، بحاجة إلى زاد ، بحاجة إلى بيت يؤويك ، وإلى رزق يكفيك ، وإلى زوجة تعصمك من الزلل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا من الدنيا مطلوب ، وإذا طلب الإنسان هذا من الدنيا لا شيء عليه ، لكن الخطر أن تنزلق قدمه في طلب الدنيا إلى المعصية ، وفي قوله تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 145]

 فرق دقيق بين الطلبين ، إذا أردت ثواب الدنيا يعطيك الله من ثواب الدنيا بقدر عملك ، وبقدر إتقانك ، وبقدر إخلاصك ، وبقدر جهدك ، وبقدر تعبك .

﴿ نُؤْتِهِ مِنْهًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهًا﴾

[سورة آل عمران : 145]

الفرق بين طلب ثواب الدنيا و طلب ثواب الآخرة :

 لكن هناك إضافة :

﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾

 معنى ذلك أنك إذا عرفت الله في الدنيا ، عرفت حقه عليك ، أقمت العبودية له ، معنى ذلك أنك شكرته ، وإذا شكرته في الدنيا حينما عرفته ، وحينما طبقت منهجه ، وحينما تقربت إليه ، وحينما خدمت عباده هذا الشكر له جزاء عند الله ، لذلك الجزاء غير محدود ، جنات تجري من تحتها الأنهار ، لهم فيها ما يشاؤون، إذاً هناك فرق دقيق بين طلب ثواب الدنيا ، وطلب ثواب الآخرة . .

﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 145]

 قال بعض العلماء : استطاعة المؤمن أن يظفر بثواب الدنيا ، وثواب الآخرة معاً لقوله تعالى :

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة النساء: 134]

 أي إذا طلب الآخرة ، وكانت نفسه تتوق إلى ثواب الدنيا أعطاه الله الدنيا والآخرة، لذلك من أدق المقولات : من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً . . إذا أردت الدنيا وحدها يعطيك الله منها بقدر جهدك ، أما إذا أردت الآخرة فيعطيك منها بقدر سعيك وسيجزي الشاكرين ، إنك إذا أردت الآخرة من خلال معرفة الله ، وطلب رضوانه فأنت شاكر ، عندئذ لك عند الله جزاء الشاكرين ، إذاً تدخل جنات تجري من تحتها الأنهار . إذاً إذا أمكن أن تجمع بين الدنيا والآخرة من دون أن تعصي الله عز وجل هذا شيء مقبول ومطلوب . .

ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا  وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل
***

 أما إذا كان حبك للدنيا يضر بآخرتك ، إذا كان هذا الدخل الكبير فيه شبهة تحجبك عن الله عز وجل ، إذا كان في هذا العمل إيذاءٌ لإخوانك من بني البشر ، إذا تعارضت الدنيا والآخرة ، ينبغي أن تركل الدنيا بقدمك .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة: 38]

 خالق السموات والأرض يقول لك : المتاع قليل . آية ثالثة في هذا الموضوع الدقيق :

﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة النحل: 30]

 إذا أردت رضوان الله عز وجل أعطاك الله سؤلك في الدنيا والآخرة معاً .

 

التناقض بين طلب الآخرة وبين الإلحاح على زينة الحياة الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل :

﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

[سورة إبراهيم: 2]

 ويصدون عن سبيل الله ويدبغونها عوجاً . . إن أمكن التوفيق بينهما فلا مانع ، وإن أضرت دنياك بآخرتك عليك أن تختار الآخرة ، عليك أن تختار الآخرة ، أما هؤلاء الذين كفروا ، وماتوا وهم كفار ، واستحقوا جهنم إلى أبد الآبدين ، فما علة دخولهم إلى النار ؟ قال:

﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾

[سورة إبراهيم: 3]

 وكأن هناك تناقضاً بين طلب الآخرة وبين الإلحاح على زينة الحياة الدنيا .

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

[سورة الأعلى: 14-17]

 معنى ذلك إما أن تفلح فتذكر الله عز وجل ، وتتصل به ، وإما أن تؤثر الحياة الدنيا ، وفي النهاية ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 37-39]

بطولة الإنسان أن يأخذ من الدنيا ما يكفيه وأن يطلب الآخرة :

 ولكن أيها الأخوة الكرام ؛ قبل أن أنهي هذا الموضوع ألح كثيراً على هذه الحقيقة؛ ليس الغرض من التزهيد في الدنيا صرف المسلمين عن عمارة الأرض ، وتنمية الثروات التي تقوى بها شوكة المسلمين ، وتدفع عنهم البؤس والحاجة ، ليس الغرض من التزهيد في الدنيا أن يكون المسلمون ضعفاء ، محتاجين ، فقراء ، عالة على غيرهم ، ليس هذا أبداً ، عمارة الأرض جزء من الدين ، تعاونوا على البر والتقوى ، البر صلاح الدنيا ، أن تهيئ للشباب بيوتاً ، أن تهيئ لهم أعمالاً ، أن تستغل ثروات الوطن ، أن تنمي مستوى المعيشة ، هذا من الدين ، ولا يتعلق بحب الدنيا ، ولكن المشكلة إذا أحببت الدنيا ، وحملك هذا الحب على معصية ، أو على كذب ، أو على إيذاء المسلمين ، فهنا الخطر ؛ الخطر أن تبني مجدك على أنقاض الآخرين ، أن تبني غناك على إفقارهم ، أن تبني أمنك على خوفهم ، أن تبني حياتك على موتهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حتى التمتع بزينة الحياة الدنيا التي أذن الله بها هذا لا غبار عليه ، لكن الذي يهلك أن تكون الدنيا ومحبتها وإيثارها سبباً في ضياع الآخرة ، فالقضية تحتاج إلى دقة بالغة .
 التطرف دائماً سهل ، لكن الصعوبة في الخط الوسط ، أن تزهد في الدنيا ، وأن تسيح في الأرض ، وأن تصبح يدك هي السفلى ، وأن تكون عالة على الناس ، هذا شيء لا يحتاج إلى جهد ، وأن تنغمس في الدنيا حتى قمة رأسك ، وأن تأخذ من مالها ومن متاعها ما شئت ، هذا أيضاً لا يحتاج إلى دقة في الموازنة ، لكنك أن تأخذ من الدنيا بالقدر الذي سمح الله به ، وأن تستمتع بالقدر الذي سمح الله به ، وألا تغفل حقوق الآخرين ، وألا تنسى الآخرة ، وألا تنسى واجباتك تجاه ربك ، وأن تؤدي العبادات ، وأن تطلب العلم ، وأن يكون لك عمل ترفع رأسك به ، وأن تكون يدك هي العليا ، وأن تكون محسناً ، وأن تكون أباً مثالياً ، أو أخاً مثالياً ، فهذه هي البطولة ، أن تأخذ من الدنيا ما يكفيك ، وأن تطلب الآخرة ، أن تجعل الدنيا بلاغاً للآخرة ، أن تجعل الدنيا مزرعة للآخرة ، أن تستغل المال في الدنيا للعلو في منازل الآخرة ، أن توظف قوتك ، ومالك ، وخبرتك ، وعلمك في سبيل إحقاق الحق ، في سبيل نشر الحق ، هذه هي الدنيا التي يحبها الله عز جل ، أن تسخرها للآخرة ، أن تجعلها مطية للآخرة ، أن تجعلها موظفة للآخرة ، لذلك الآخرة تحتاج إلى عمل ، والعمل يحتاج إلى مال ، أو إلى خبرة ، أو إلى علم ، أو إلى مكانة ، أو إلى وجاهة ، إذا أردت الآخرة وسعيت إلى الدنيا لتأخذ منها شيئاً تنفقه في سبيل الله فهذه الدنيا متصلة بالآخرة ، وليست متناقضة معها إطلاقاً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 خير ألف مرة من المؤمن الضعيف ، لأن فرص العمل الصالح المتاحة أمام المؤمن القوي أضعاف فرص العمل الصالح المتاحة أمام المؤمن الضعيف .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الحياة الدنيا - ولاسيما في عصر الفتن وفي عصر الفساد - حياة معقدة جداً ، ولابد للمؤمن من أن يكون مكتفياً حتى لا يبذل ماء وجهه ، وحتى لا يبذل دينه من أجل حاجاته الأساسية ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى مرةً يداً خشنة ، يد سيدنا ابن مسعود فقال : " هذه اليد يحبها الله ورسوله " ، و يقول سيدنا عمر : " إن الرجل إن لم يكن له عمل يسقط من عيني " .
 إنّ قيمة المرء ما يحسنه . . أنا أدعوكم إلى أن تتقنوا أعمالكم ، وإلى أن تحصنوا أرزاقكم بكدكم وعرق جباهكم ، أدعوكم إلى أن تبذلوا مالكم في سبيل الله ، أدعوكم إلى التفوق في الدنيا حتى يُقال : هذا هو المؤمن ، هذا هو المؤمن العزيز الذي استخلفه الله في الأرض .. الأب المهمل لواجباته ، العامل المهمل لصنعته ، هذا لا يرضي الله عز وجل . .

((إن الله يحب من المرء إذا عمل عملاً أن يتقنه))

[الجامع الصغير عن عائشة]

 التزهيد في الدنيا ليس القصد منه أن تتركها ، ولا أن تنسحب منها ، ولا أن تنهزم من متاعبها ، ولا أن تقفز فوق مشكلاتها ، الزهد في الدنيا أن تنقلها من قلبك إلى يديك فقط ، التزهيد في الدنيا ألا تسمح لها أن تشغلك عن طاعة ، ولا عن طلب علم ، ولا عن أداء واجب ، التزهيد في الدنيا يعني ألا تضيع ذرة من دينك من أجلها ، المؤمن قوي في دينه .

 

موضوع الدنيا موضوع خطير يمس كلّ إنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آيات الحياة الدنيا والآخرة دقيقة جداً ، حبذا لو أن أحدكم قرأ القرآن الكريم ، ومرَّ بهذه الآيات العظيمة ، كتبها ووازن بينها ، وجعلها دستوراً له في حياته ، فالدنيا تغر وتضر وتمر . . والدنيا جيفة طلابها كلابها ، والدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له ، وإن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً ، وأحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكنى القبور ، والتأهب ليوم النشور .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .
 أختم الخطبة بهذه المقولة التي ذكرتها قبل قليل ، ينبغي أن تحفظوها : " من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً ، ومن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى ". ابق في منهج الله ، ابق مع طاعة الله ، ولا تلتفت إلى كل المغريات ، تأتيك الدنيا وهي راغمة ، أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . .
 موضوع الدنيا موضوع خطير ، يمس كل إنسان ، فإما أن تنزلق قدمه فيها فيخسرها ، ويخسر الآخرة ، وإما أن يعرفها قبل فوات الأوان ، أي إما أن تضحك على الدنيا ، وإما أن تضحك عليك . . متى ؟ عند لقاء الله عز و جل . . فالذي انغمس إلى قمة رأسه ، وكان عمله الصالح قليلاً ، أو ليس له عمل صالح ضحكت الدنيا عليه ، ترفرف روحه فوق النعش تقول : يا أهلي ، ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلّ وحرم ، فأنفقته في حله ، وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة علي . . أما إذا لقيت الله عز وجل مؤمناً به ، مقيماً لأمره ، طائعاً له ، مقبلاً عليه ، مشتاقاً إليه ، أنت ضحكت على الدنيا ، التي ضحكت على ألوف الملايين . هذا الذي يموت ، ويترك دنيا عريضة ، وليس له عمل صالح يرقى به عند الله ضحكت الدنيا عليه . . يا دنيا طلقتك ثلاث ، غري غيري يا دنيا ، شأنك حقير وأمدك قصير . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا تنسوا أن الدنيا يمكن أن ترقى بها إلى أعلى عليين إذا وظفتها في طاعة الله ، ويمكن أن تهوي بها إلى أسفل سافلين ، إنها درجات ترقى بها ، أو دركات تهوي بها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعملوا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الإيدز :

 أيها الأخوة الكرام ؛ رغبت إلينا وزارة الأوقاف أن نتحدث في موضوع الإيدز ، هذا المرض الخطير ، والحديث عنه طويل ، وقد أشرت إليه مرات كثيرة ، لكن الذي أود أن أقوله : إن المسلم لمجرد أن يطيع الله عز وجل فهو في حرز حريز من هذا المرض الخطير ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 68]

 حينما وصف المؤمنين قال : ولا يزنون ، فإذا كان المؤمن يغض بصره عن محارم الله ، فهو في الأعماق ، فلأن يكون بعيداً عن أن تزل قدمه من باب أولى ، إذا كان همه غض البصر أيقع في الزنا ؟ لذلك المجتمعات التائهة ، الشاردة ، الضالة ، حينما أرادت المتعة الحسية بلا منهج ، المتعة الحسية التي أودعها الله بنا ، هذه المتعة ليست محرمة مطلقاً لأن ديننا دين الفطرة ، وليست مباحة مطلقاً كما هو في الغرب ، إنها مباحة وفق منهج ، هذه المتعة مباحة من خلال الزواج ، لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة تسلك فيها ، فكل المتع التي أودعها الله في الإنسان بإمكانه أن يستمتع بها إلى أعلى المستويات وهو في طاعة الله ، في نظافة ما بعدها نظافة ، في ودٍّ ما بعده من ود ، في وفاء ما بعده من وفاء، في ثمرات يانعات هي الأولاد . هذا هو منهج الله عز وجل .
 لي صديق قال لي : طُرق بابنا الساعة الرابعة فجراً ، قال : فتحت الباب فلم أجد أمامي رجلاً ، ولا طارقاً ، ثم التفت فإذا كيس فيه شيء يتحرك ، انكببت عليه فإذا هو طفل وُلد لتوه ، فقلت : سبحان الله حينما يكون الزواج شرعياً ، ويشعر الرجل أن امرأته حامل يهيئ لها كل شيء ، إذا ولدت يأتي الناس ليباركون هذا المولد الطيب ، تُقدم الهدايا ، تُوزع الحلوى ، هذا هو الطريق المشروع ، لكن الطريق غير المشروع يفضي بالإنسان إلى أن يضع المولود في الحاوية ، هناك حوادث وضع المولود في الحاوية . . فالإنسان حينما يسلك الطريق المشروع يسعد ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا ولها قناة نظيفة .

الدعاء :

 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحبه وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018