الخطبة : 0497 - ذكرى المولد 6 ، أدبني ربي فأحسن تأديبي2 - الاعتكاف على سنته. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0497 - ذكرى المولد 6 ، أدبني ربي فأحسن تأديبي2 - الاعتكاف على سنته.


1994-09-23

الخطبة الأولى:
vالحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العفو شيء ثمين جداً و نتائجه ثمينة جداً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الخطبة السابقة بينت أن الله سبحانه وتعالى حينما تحدث عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إما أنه ذكره واصفاً ، كقوله تعالى :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 وإما أن أدبه وأرشده ، كقوله تعالى :

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران : 159 ]

 فالآيات التي تتحدث عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخذت منحيين اثنين ، منحى الوصف ، ومنحى التوجيه ، ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام : " أدبني ربي فأحسن تأديبي "، وهذا الأدب الذي أدب الله به نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحن أحوج الناس إليه ، ونحن اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام ، ولقول الله عز وجل :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 21 ]

 ينبغي أن نهتدي بهذا الهدي ، وأن نتأدب بهذا الأدب ، في الخطبة السابقة بينت معنى قوله تعالى الله جل جلاله حينما قال للنبي عليه الصلاة والسلام :

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 199]

 وبينت لكم أن دقة الآية في كلمة خذ ، أي أن العفو شيء ثمين جداً ، بل إن نتائجه ثمينة جداً ، نتائجه استقرارٌ نفسي ، ورفعةٌ اجتماعية ، وعطاءٌ إلهي ، وأنوار في قلب المؤمن ، لذلك قال تعالى :

﴿خُذِ الْعَفْوَ ﴾

 وحين يعفو الإنسان عن أخيه ، الأخ يتصاغر ، والذي يعفو يتعاظم ، عندئذٍ هذا المعفو عنه آذانٌ صاغية لكل نصيحة ، قال تعالى :

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ ﴾

  الذي عفوت عنه بالعرف ، فإن كان جاهلاً أعرض عنه ، هذا موضوع الخطبة السابقة ، وموضوع خطبة اليوم وهي قوله تعالى :

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة فصلت : 34 ]

 هذا من تأديب الله جل جلاله للنبي عليه الصلاة والسلام .

 

مقابلة الإساءة بالإحسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا إلى الله ، تعرض لإساءات كثيرة ، إساءات في القول ، إساءات في المعاملة ، و إساءات في الخلق ، إساءات في الخصال ، ما أكثر الإساءات التي تعرض إليها النبي ، لكن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه أن يقابل هذه الإساءات ، ادفع الإساءة بالتي هي أحسن ، وكلمة أحسن هي اسم تفضيل ، إذا كان هناك عدة مواقف تقابل بها هذه الإساءة ، أيها أحسن ؟ عليك أن تختار الأحسن ، ادفع السيئة بالتي هي أحسن ، ما قال بالتي هي أحسن منها ، لو قال بالتي هي أحسن منها لكان هذا الحسن مقيداً بالإساءة ، لكن أطلق الله كلمة أحسن بالتي هي أحسن مطلقاً.
 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجه ألواناً منوعة من السفاهة، من الجهالة ، من الجحود ، من الإساءة في الأقوال ، وفي الأعمال ، هل يعقل وهو نبي الله ، يمثل دين الله ، أن يدفع هذه الإساءات ، وذاك الجحود ، وهذه السفاهات ، وهذه الانحرافات ، في الأقوال والأعمال والمعاملات والمواقف بإساءات مثلها ؟ هل هذا شأن مقام النبوة ؟ هل هذا الذي يدعو الناس إلى الله عز وجل مقبول منه أن يدفع الإساءة بإساءة ؟ قال تعالى :

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة فصلت : 34 ]

الإنسان مفطور فطرة عالية يحب الكمال و يكره النقص :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ولكن في الآية شيء دقيق جداً .

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 كيف يكون هذا ؟ كيف ينقلب العدو إلى صديق ؟ كيف ينقلب المبغض إلى محب ؟ كيف ينقلب البعيد إلى قريب ؟ كيف ينقلب الجحود إلى معترف بالفضل ؟ سرّ هذه الآية أن الإنسان أيها الأخوة مفطور فطرة عالية ، ماذا تعني هذه الفطرة ؟ تعني أن الإنسان يحب الكمال ويكره النقص ، يحب الكمال ولو من عدوه ، ويكره النقص ولو من صديقه .

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[ سورة الروم : 30 ]

 ولكن إياكم أيها الأخوة أن تظنوا أن محبة الكمال هو كمال ، قد يكون الإنسان ناقصاً ، لكنه يحب الكمال ، تلك هي الفطرة ، أن تحب العدل شيء ، وأن تكون عادلاً شيء آخر ، أن تحب الرحمة شيء ، وأن تكون رحيماً شيء آخر ، الفطرة محبة الكمال ، وكراهية النقص ، هذا في كل البشر ، من دون استثناء ، من شتى نحلهم ومللهم وأجناسهم وألوانهم في كل مكان ، وفي كل زمان ، فطرة الله تعني أن تحب الكمال وأن تكره النقص ، أن تحب الكمال ولو من عدوك ، وأن تكره النقص ولو من نفسك ، هذا تصميم الله عز وجل لهذه النفس البشرية.
 ما الذي يحدث لو أن إنساناً أساء إليك ؟ لو أن إنساناً جحد فضلك ؟ لو أن إنساناً أنكر عليك ؟ لو أن إنساناً بالغ في الإساءة إليك وعفوت عنه أولاً ؟ وقابلته لا بموقف حسن بل بموقف أحسن ؟ لم تقابله بإساءة كما أساء ، ولم تقابله بعفو عن إساءته ، بل قابلته بإحسانٍ ، ما الذي يحدث ؟ هذا المعتدي ، هذا المنحرف ، هذا الجحود ، هذا المنكر ، هذا المسيء يتصاغر بحسب فطرته ، وأنت تتعاظم في نظره ، كاد الحليم أن يكونا نبياً ، الحلم سيد الأخلاق ، بعفوك ، وإحسانك ، ورحابة صدرك ، ومقابلتك إساءته بالإكرام ، يتصاغر في عين نفسه ، وتكبر أنت في عينه ، وفي لحظة من اللحظات المشرقة تنقلب عداوته إلى محبة ، ينقلب بعده إلى قرب ، تنقلب إساءته إلى إحسان ، أنت يا أيها النبي إذا دفعت السيئة بالتي هي أحسن ، لم يقل بالتي هي أحسن منها ، أي أنت أساء إليك فأسأت إليه ، ولكن بدرجة أقل ، هذا معنى بأحسن منها ، أما قال تعالى :

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

 فمطلقاً ، لو أن هناك آلاف المواقف كلها توصف بأنها حسنة ، ينبغي أن تواجه خصمك بموقف أحسن على الإطلاق ، ما الذي يحصل ؟ قال :

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 هذه المقابلة بالإحسان تجعل العداوة المستحكمة محبةً شديدة ، ويشهد ذلك التاريخ الإسلامي . الأعداء الألداء الذين ناصبوا النبي صلى الله عليه وسلم العداء طوال عشرين عاماً حينما واجهوا النبي عليه الصلاة والسلام وعفا عنهم ذهبوا حباً به ، قال : والله يا محمد ما كان على وجه الأرض رجل أبغض إليّ منك ، والآن ما على وجه الأرض رجل أحبّ إليّ منك ، ويا محمد ما كان دين أبغض إليّ من دينك ، والآن ما من دين أحب إلي من دينك وما كان بلد أبغض إليّ من بلدك ، والآن ما بلد أحب إليّ من بلدك ، ما هذا الذي حصل ؟ ثمامة بن أثان ، صفوان بن أمية ، عمير بن وهب ، عكرمة بن أبي جهل ، هؤلاء الأعداء الألداء الذين بالغوا في الإساءة إلى النبي ، الذين لم يدعوا أسلوباً يؤذي أصحاب النبي إلا واتبعوه ، فلما واجهوا نفس النبي عليه الصلاة والسلام رأوا عفوه ، وإحسانه ، وكرمه ، ولطفه ، ورحمته ، فذابوا حباً به.

 

العداوات و الخصومات تفت عضد المسلمين و تضعفهم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما الذي يمزق جماعة المسلمين في العالم كله ؟ العداوات والبغضاء ، والحسد ، ما الذي يذيب هذه العداوات ؟ أن تقابل الإساءة بالإحسان ، إذا أردنا أن نحتفل بذكرى مولد النبي فالأدب النبوي بهذا الأدب ، أدب الله به نبيه ، قد يقول أحدكم لم أكن أدري العلاقة بين فقرتي الآية :

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾

[ سورة فصلت : 34 ]

 بهذا السلوك ، بهذا الدفع بالتي هي أحسن .

﴿ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 شتان بين أن يعيش الناس مع الأعداء ، مع المبغضين ، مع الحساد ، شتان بين أن يعيش مع هؤلاء وبين أن يعيش مع المحبين ، مع المخلصين ، ألا ترون أيها الأخوة أن مجتمع المسلمين ضعيف ، ما الذي أضعفه وهم كثرة كثيرة يزيدون عن مليار ومئتي مليون في العالم ، مع أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ؟ العداوات ، والخصومات ، والحسد ، وما إلى ذلك ، هذا الذي يفت في عضدهم ، هذا الذي يضعفهم ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

[ سورة الأنفال : 46 ]

 هذا أدب النبي ، وإذا كنت تحب الله عز وجل عليك أن تتبع أدب النبي ، لما كثر مدعو محبة رسول الله طولبنا بالدليل .

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

 أسلوب ردّ السيئة بأسوأ منها ، أسلوب الكفر ، أسلوب الحساب الدقيق ، أسلوب أهل النفاق ، لكن المؤمنين باتصالهم بالله عز وجل وتجاوزهم لإساءات الخلق يصبحون كالكواكب الدرية .

 

مقام العفو و الإحسان ثمنه المجاهدة :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ الآية دقيقة جداً :

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة فصلت : 34 ]

 إذا فعلت ذلك مخلصاً مترفعاً عن الانتقام .

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 ولكن هذا المقام ، مقام العفو ، ومقام الإحسان ، ومقام الدفع بالتي هي أحسن، هذا المقام لن تصل إليه بسهولة .

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت : 35]

 هذا الذي جاهد نفسه ، ووضع نزواته تحت قدمه ، وتجاوز حدوده النفسية ، ونزعاته الأرضية ، وعفا ، وأحسن ، وصبر باتصاله بالله عز وجل نال منه حظاً وافراً من الكمال ، مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً .

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا ﴾

 أي هذا الموقف أن تدفع السيئة بالتي هي أحسن ، أن تتجاوز السيئات ، والخصومات ، والجحود ، والإنكار ، هذا يحتاج إلى حظ وافر من الكمال البشري ، وهذا الحظ الوافر ثمنه المجاهدة .

﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت : 35]

من غلب على ظنه أن العفو يقرب المسيء من الله فليعفُ عنه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قد يقول أحدكم : هذا كلام غير واقعي ، ربما نحن في زمن اشتد اللؤم ، وابتعد الناس عن ربهم ، واستحكمت الشهوات فيهم ، فأصبحوا على قلوب كالحجارة، وأصبحوا وقد فرغت نفوسهم من كل كمال ، التعليق على هذا التعليق : أنه لا يشذ عن هذه القاعدة إلا من هو ممعن في الإجرام ، وهذا الشاذ عن هذه القاعدة له علاج خاص ، تؤكده الآية الكريمة .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى : 39 ]

 أي إذا رأيت خصمك من البعد والقسوة والانحراف ما لو عفوت عنه لاستخف بعفوك ، واحتقر موقفك ، وتمادى في طغيانه ، مثل هذا الإنسان - وهو حالة شاذة - له موقف خاص ، يجب أن تنتصر منه .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى : 39 ]

 أما إذا انتصرت منه فينبغي ألا تزيد على إساءته شيئاً ، لكن إذا غلب على ظنك أن عفوك عنه يصلحه فينبغي أن تعفو عنه ، وأجرك على الله ، والآية دقيقة جداً ، ميزان .

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ﴾

[ سورة الشورى : 39 ]

 إذا انتصروا .

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى : 40 ]

 أي إذا غلب على ظنك أن العفو يقربه منك أو من الله ، إذا غلب على ظنك أن العفو يردعه ، أن العفو يصلحه ، ينبغي أن تعفو عنه ، وينبغي أن تحسن إليه ، حتى يصبح ولياً حميماً كما قال الله عز وجل .

 

اقتران استعاذة اللسان باستعاذة القلب :

 لكن الشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى بعد هذه الآية مباشرة يقول :

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾

[ سورة فصلت : 36 ]

 ما علاقة هذه الآية بالتي قبلها ؟ أي أنت حينما يسيء إليك إنسان ما ، حينما يتجاوز حده ، حينما يبغي عليك ، حينما يعاديك ، حينما ينتقص من قدرك ، حينما يجحد فضلك ، حينما ينكر علمك ، هناك نوازع شيطانية تقول لك : انتقم منه ، أوقفه عند حده ، النوازع الشريرة هذه ليست منك إنها من الشيطان ، وعلاجها أن تستعيذ بالله ، أي لمجرد أن يسيء إليك إنسان تأتيك خواطر ينبغي أن تكيد له الصاع صاعين ، ينبغي أن تجعله عبرة لمن يعتبر ، ينبغي أن توقفه عند حده ، هذه ليست خواطر رحمانية .

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾

[ سورة فصلت : 36 ]

 علاج هذه النوازغ ، علاج هذه الخطرات ، علاج هذه الوساوس ، أن تستعيذ بالله، ولكن أيها الأخوة قد يقول أحدكم : أنا أستعيذ فلا تزيدني هذه الخواطر إلا اندفاعاً نحو الانتقام ، أقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، العلماء يقولون : الاستعاذة لا تقبل ، ولا تجدي، ولا تنفع ، إلا إذا اقترن مع الاستعاذة باللسان استعاذة بالقلب ، من أين استنبط العلماء هذه الحقيقة ؟

﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

[ سورة فصلت : 36 ]

 إذا استعذت بلسانك هو يسمع ، ولكن الله يريد قلبك ، يريد قلباً خاشعاً ، قلب منيباً ، قلباً مفتقراً ، قلباً متعلقاً بالله ، الله يعلم ما إذا كان قلبك في مستوى لسانك ، إنه سميع لاستعاذتك باللسان ، عليم بما في قلبك من افتقار ، ومن خشوع ، ومن ولاء ، ومن حب .
 هذه الآية من تأديب الله للنبي عليه الصلاة والسلام ، وما أشدّ جاجة المسلمين إلى هذا الأدب حتى يصبحوا قوة ، حتى يصبحوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، حتى يصبح المسلمون كما وصفهم النبي كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً .

 

أدب الله للنبي عليه الصلاة والسلام :

 أن تحيا حياة بين أخوة مؤمنين ، متحابين ، متعاونين ، متسامحين ، هذه حياة كالجنة ، أما أن يعيش الإنسان وسط مجتمع متحاسد ، متباغض ، متباعد ، متدابر ، يغش بعضهم بعضاً ، يغتاب بعضهم بعضاً ، يجرح بعضهم بعضاً ، ينكر بعضهم على بعض ، فهذه حياة أشبه بحياة أهل الكفر والمعصية هذا توجيه أول أيها الأخوة .
 التوجيه الثاني : لا زلنا في تأديب الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي))

[ من الجامع الصغير عن ابن مسعود ]

 التوجيه الآخر .

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾

[ سورة المدثر : 7 ]

 أكثر من عشرين آية وجه الله النبي عليه الصلاة والسلام إلى الصبر ، وما دمنا نحب الله ورسوله علينا أن نقتدي بهذا النبي العظيم .

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾

[ سورة المدثر : 7 ]

 لم يقل واصبر لربك ، قال :

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾

[ سورة المدثر : 7 ]

 فلما قدمت لربك على فاصبر أفادت القصر والحصر ، لا تصبر إذا كنت ضعيفاً، هذا الصبر لأنك ضعيف ، لا تصبر إذا كنت مخطئاً ، هذا الصبر لأنك مخطئ ، لا تصبر إذا كنت مقصراً ، هذا الصبر لأنك مقصر ، ولكن أنت في أعلى درجات القوة ، وفي أعلى درجات الكمال ، وجاء إنسان فأساء إليك ، ورأيت أنك إذا صبرت عليه ستقربه من الله ، اصبر لوجه الله ، اصبر تقرباً إلى الله ، اصبر لتقريب العباد إلى الله .

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴾

[ سورة المدثر : 7 ]

﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾

[سورة المزمل : 10 ]

  أحبب حبيبك هوناً ما وأبغض بغيضك هوناً ما . عسى أن يكون حبيبك يوم ما :

﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾

[سورة المزمل : 10 ]

 اهجرهم دون أن تؤذيهم ، اهجرهم دون أن تتكلم عليهم ، دون أن تنهش في أعراضهم ، دون أن تنقص من مكانتهم .

﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾

[سورة المزمل : 10 ]

 هذا من أدب الله للنبي عليه الصلاة والسلام .

 

الاتصال بالله عز وجل بديل الصبر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أكثر من عشرين آية تدعو النبي إلى الصبر .

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾

[ سورة ق : 39 -40]

 أي الصبر يحتاج إلى بديل ، إنسان يسيء إليك ، ما البديل ؟ البديل أن تتصل بالله ، أن تستمد من الله هذا الكمال ، أن تسعد بهذا القرب ، إذا سعدت بقربك من الله لا تبالي أأساء الناس أم لم يسيئوا ، لكن الإنسان الفارغ من الكمال إذا أسيء إليه يتمنى أن يكيل لهم الصاع صاعين ، يتمنى أن يمزقهم إرباً إرباً .

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾

[ سورة ق : 39 -40]

الأمور في النهاية لا تستقر إلا على فوز المؤمن ونجاحه في الدنيا والآخرة :

 آية رابعة :

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾

[سورة طه : 130]

 لعلك تسعد بهذا القرب ، لعلك تشعر بهذا الفوز ، لعلك تتصل بالله عز وجل ، لعل هذه الأنوار تهبط إلى قلبك ، لعل هذه السكينة تستقر في قلبك ، لعلك إذا سعدت بالله استغنيت عن الانتقام .

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾

[سورة طه : 130]

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

[ سورة القلم : 48 ]

 هذا الذي حصل هو حكم الله ، وأنت تحب الله عز وجل ، وهذا قراره ، وهذا حكمه ، وهذه مشيئته ، وهذه إرادته ، وهذا قضاؤه ، وهذا قدره .

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[ سورة الطور : 48 ]

 هل من آية تذيب نفس المؤمن كهذه الآية :

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 إنك برعايتنا ، إنك برحمتنا ، إنك بحفظنا .

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

[ سورة الطور : 48 ]

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة هود : 49]

 الأيام تدور ، أناس يصعدون ، وأناس يهبطون ، أناس يغتنون ، وأناس يفتقرون ، أناس أقوياء ، وأناس ضعفاء ، أناس أغنياء ، وأناس فقراء ، لكن الأمور لا تستقر إلا على فوز المؤمن ، ونجاحه في الدنيا والآخرة .

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾

[ سورة ق : 39 ]

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة هود : 49]

﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة هود : 115]

﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد 35 ]

 هذا الإحسان ، هذا الجهد ، هذا المال الذي أنفقته ، هذا الوقت الذي أمضيته ، هذا الحلم الذي تخلقت به ، هذا لن يضيع عند الله عز وجل .

 

بعض التوجيهات الإلهية للنبي بشأن الصبر :

 ثم الله سبحانه وتعالى يأمر النبي عليه الصلاة والسلام فيقول له :

﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾

[ سورة المعارج : 5 ]

 تجمل في الصبر ، لا تغضب ، لا تشتم .

﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ﴾

[ سورة المعارج : 5 ]

 قل : حسبي الله ونعم الوكيل .

﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾

[ سورة الأحقاف : 35 ]

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾

[ سورة القلم : 48 ]

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

[ سورة النحل : 127 ]

 استعن على الصبر بالله .

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾

[ سورة غافر : 55 ]

 هذه بعض التوجيهات الإلهية للنبي عليه الصلاة والسلام في شأن الصبر . والتوجيه الثالث والأخير في هذه الخطبة ، الثالث قبل الأخير .

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 التواضع أيها الأخوة يؤلف القلوب ، يملكها بالمحبة ، ولاسيما إذا كانت من عظيم، طبعاً التواضع فضيلة بالإنسان ، لكن إن تواضع الإنسان الضعيف قد يفهم تواضعه لضعفه ، أن يتواضع الإنسان الفقير شيئاً و أن يتواضع الغني شيئاً آخر ، أو أن يتواضع القوي، أو أن يتواضع ذو السلطة ، قال تعالى :

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام إذا جلس بين أصحابه كان كأحدهم ، والدليل إذا دخل أعرابي يريد النبي عليه الصلاة والسلام لا يعرفه يقول : أيكم محمد ؟ ألا تكفي هذه الإشارة ؟ وإذا سار مع أصحابه كان كأحدهم لا يعطي لنفسه امتيازاً ، نكفيك ذلك يا رسول الله ، قال : لا ، أعرف أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
 إذاً التواضع هو الذي يؤلف القلوب ، هو الذي يجمعها ، هو الذي يملكها بالمحبة، المتواضع يملك القلوب ، والقوي المستكبر يملك الرقاب ، وشتان بين من يملك القلوب وبين من يملك الرقاب .

 

الفرق بين الآيتين التاليتين :

 لكن في الآية أيها الأخوة إشارة دقيقة جداً ، قال تعالى :

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 215 ]

 وقال تعالى :

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 أليس هناك فرق بين الآيتين ؟ فرق دقيق وعميق ، أنك تحب كل مؤمن ، ولو لم يكن من جماعتك ، أما هذا النظرة الضيقة ، هذا التقوقع ، هذا الضيق في الأفق ، فهذا ليس من صفات المؤمنين ، أن تحب كل المؤمنين ، ولو لم يتبعك ، ولو كان بعيداً عنك ، ولو كان في طرف الدنيا ، ما دام مؤمناً بالله ورسوله ، مطبقاً للكتاب والسنة ، متخلقاً بأخلاق الإسلام ، فهو أخوك حقاً ، هذا هو المعنى المستفاد من التفاضل بين الآيتين :

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الشعراء : 215 ]

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 عامةً .

 

تواضع النبي و حلمه جعل الصحابة يحبونه و يفدونه بأرواحهم :

 كان عليه الصلاة والسلام يعود المريض ، ويتبع الجنازة ، ويجيب دعوة المملوك، وكان يخصف نعله بيده ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ، كان بشراً من البشر كما قالت السيدة عائشة يرقع ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه ، وكان يقول : أنا آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ، وكانت الأمة ، أي الطفلة الصغيرة تأخذ بيده وتنطلق بيده حيث تشاء ، بهذه التواضع ملك القلوب ، بهذا التواضع التف الصحابة حوله ، بهذا التواضع فدوه بأموالهم وأنفسهم ، بهذا التواضع أحبوه حباً ما أحبه أحد لأحد ، ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً .
 قال أبو سفيان لأحد الذين قبض عليهم في مكة ، وأرادوا أن يصلبوه : أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ فقال هذا الصحابي الجليل وهو على وشك الموت ، على وشك الصلب ، قال : والله لا أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة ، كيف أحبه هذا الحب ؟ بتواضعه ، برحمته ، بحلمه ، بوفائه ، بصبره ، بحرصه ، كان يعود المريض ، ويتبع الجنازة ، ويجيب دعوة المملوك ، ويخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته ، وكان بشراً من البشر ، يرقع ثوبه ، ويحلب شاته ، ويخدم نفسه ، وكان يقول : آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ، وكانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيده وتنطلق به حيث تشاء .

﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الحجر : 88]

 بهذا الأدب أدب الله نبيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

 

عدم مدّ النظر إلى ما مُتِّع به الناس من زهرة الحياة الدنيا :

 الأدب الأخير في هذه الخطبة طبعاً بالذات .

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة طه : 131 ]

 الدنيا خضرة نضرة ، فيها بيوت فخمة جداً ، فيها بساتين ، فيها مزارع ، فيها قصور ، فيها مركبات فارهة ، فيها زوجات جميلات ، كل شيء في الدنيا يفتن الإنسان . الأدب الأخير في هذه الخطبة :

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ ﴾

[ سورة طه : 131 ]

 بعضهم فسر الأزواج تفسيراً لطيفاً ، قال : هذا الذي أحب المال حباً جماً ، حتى صار المال زوجاً له ، يغنيه الله لأنه أصر على هذه الشهوة ، وهذا الذي أحب من متاع الدنيا شيئاً حباً جماً حتى استغرق فيه ، الله جلّ جلاله لحكمة بالغة يعطيه هذا الشيء ، فإذا رأيت أناساً يتمتعون بألوان النعيم ، يتمتعون بألوان المباهج ، أنت لست هناك يا محمد ، أنت في واد وهم في واد .

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[ سورة طه : 131 ]

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام علمنا كلما رأيت شيئاً جميلاً ، شيئاً فخماً ، شيئاً فارهاً قل : " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " لأنها منقطعة بالموت .
 في الصحيح أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما حلف على نسائه ألا يقربهن شهراً ، اعتزل في غرفة صغيرة ، ليس فيها شيء من متاع الدنيا ، دخل عليه عمر رضي الله عنه فبكى ، قال : ما يبكيك يا عمر ؟ رأى الحصير قد أثر في خده الشريف، فقال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير !! فقال عليه الصلاة والسلام : أو في شك أنت يا عمر ! أو في شك أنت يا بن الخطاب ! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا هذه رواية .
 الرواية الثانية : أما ترضى يا عمر الجنة لهم والآخرة لنا ؟
 الرواية الثالثة : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً ، أنا لست ملكاً ، هذه النبوة هكذا ، النبوة تواضع ، تقشف ، صبر ، لذلك ورد في السيرة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يتمنى شيئاً مما في أيدي الناس من متاع الحياة الدنيا ، تخلقاً بما أدبه الله به ، لم يكن يتمنى شيئاً .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ محك دقيق ، وامتحان دقيق ، قال الذين يحبون الحياة لما رأوا قارون بمتاعه وأمواله .

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القصص : 79]

 لكن الذين أوتوا العلم ماذا قالوا ؟

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة القصص : 80]

 فأنت حينما ترى شيئاً بديعاً جميلاً فارهاً فخماً إذا قلت : يا ليت عندي مثل ما عند فلان رسبت في الامتحان ، إذا قلت : يا ليت لي مثل هذا البيت ، مثل هذه المركبة ، يا ليتني أملك هذه الشهادة ، هذا يجعلك في مرتبة أدنى ، لكن إذا قلت : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، إذا رأيت الدنيا ممراً وليست مقراً ، إذا رأيت الدنيا دار تكليف لا دار تشريف ، دار عمل لا دار أمل ، عندئذٍ تنجح عند الله عز وجل .

 

الغنى المطغي من أكبر المصائب التي تصيب الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أليس لك برسول الله أسوة حسنة ؟ يقول عليه الصلاة والسلام: " اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً " أي يكفيه ، الكفاف ليس فقراً ، لكن المال يطغي، النبي عليه الصلاة والسلام عدّ الغنى المطغي من أكبر المصائب ماذا قال ؟ قال :

(( بادِرُوا بالأعمال سبعاً : هل تُنْظَرون إلا فَقْراً مُنْسياً ، أو غِنى مُطغياً، أو مَرَضاً مُفسِداً ، أو هَرَماً مُفنِداً ، أو موتاً مُجْهِزاً ، أوالدَّجَّالُ فشَرُّ غائب يُنَتظَرُ، أو الساعةَ فالساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))

[الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

 الغنى المطغي أيها الأخوة من أكبر المصائب ، المال إذا حملك على معصية الله فهو من أكبر المصائب ، المال إذا قادك إلى الحرام فهو من أكبر المصائب ، المال إذا اكتسبته من طريق مشبوه فهو من أكبر المصائب ، لأنه ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأبقيت ، ويوم القيامة لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن أربع ؛ عن علمه ماذا عمل به ؟ عن شبابه فيم أبلاه ؟ عن عمره فيم أفناه ؟ أما المال فهناك سؤالان ، عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وشتان بين الرزق وبين الكسب ، الكسب ما تملكه ، والرزق ما تنتفع به ، ما تملكه قد تحاسب عليه ، من أين اكتسبته ؟ وفيم أنفقته ؟ فالكسب لا تنتفع به لكن الرزق هو الذي تنتفع به ، فهذا البيت الذي تسكنه هو الرزق ، وهذا الطعام الذي أكلته هو الرزق ، وهذا الثوب الذي ترتديه هو الرزق ، وما سوى ذلك محاسب عليه ، كيف اقتنيته وكيف أنفقته .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ يدعو النبي ويقول : " اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً" لذلك إذا رأيت أحداً يقول لي : والله رزقي يكفيني على الحد ، أقول له : أصابتك دعوة النبي ، معنى هذا أن النبي يحبك ، وهذه شهادة من النبي أنه يحبك ، المال أيها الأخوة درج ، بالمدرج خط أحمر قبل هذا الخط هو في خدمتك ، وبعد هذا الخط أنت في خدمته ، أنت في خدمته وتشقى به .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلت ألح على أن الاحتفال بذكرى المولد ليس مجرد أن نجتمع ، وأن نستمع إلى الأناشيد ، وأن نأكل الحلوى ، هذا الاحتفال أعمق بكثير من هذه المظاهر ، أعمق بكثير ، هذا النبي الكريم الذي جعله الله قدوة لنا وأسوة هو المشرع ، هو القدوة، هو المثل ، هو الأسوة ، ينبغي أن نعكف على سنته القولية ، أن نقرأها ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7 ]

 ما لا يتم الأمر إلا به فهو أمر ، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة ، الذي يراه العلماء أنه فرض عين على كل مسلم أن يقرأ سنة النبي القولية ، وفرض عين على كل مسلم أن يقرأ سيرته العملية ، لأنه مأمور أن يتبعه في أقواله وأفعاله بنص القرآن الكريم ، لذلك ينبغي أن يكون احتفالنا بذكرى المولد منطلقاً لمعرفة هذا النبي الكريم ، منطلقاً لمعرفة أخلاقه ، لمعرفة شمائله ، لمعرفة مواقفه، إذا اقتديت بالنبي فأنت من أسعد الناس ، أنت من أحكمهم ، أنت من أعقلهم ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما قال الله عنه :

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب : 6 ]

 أي كلما توهمت أن مصلحتك بخلاف السنة ، في بيعك وشرائك ، في زواجك ، في رحلتك ، في نزهتك ، كلما توهمت أن مصلحتك ، وسعادتك ، ونجاحك ، في خلاف سنة النبي فأنت لا تعلم شيئاً ، لأنه أولى بك من نفسك ، ومعه تعليمات الصانع ، فينبغي أن تتبع سنة النبي ليكون النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك في الحياة وبعد الممات .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا أريد أن أطيل عليكم ولكن أريد أن يكون هذا الاحتفال ، الشام من فضل الله عز وجل ليلاً نهاراً تحتفل بذكرى المولد ، ولكن حقيقة الاحتفال هو هذا ، أن نتعلم سنته ، فنتبع أمره ونجتنب نهيه ، وأن ندرس أخلاقه فنقتدي به ، إذا فعلنا ذلك نكون قد احتفلنا أعظم احتفالٍ بذكرى مولد النبي عليه الصلاة والسلام .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018