الخطبة : 0495 - ذكرى المولد 4 - رحمته صلى الله عليه وسلم - التخلق بأخلاقه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0495 - ذكرى المولد 4 - رحمته صلى الله عليه وسلم - التخلق بأخلاقه.


1994-09-09

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهمَّ ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

النبي العظيم ذو خلق عظيم علينا الاقتداء به :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا في شهر مولد النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد كانت موضوعات الخُطَبِ السابقة جوانب من شخصية النبي عليه الصلاة والسلام . تحدَّثنا عن الجانب الاجتماعي في خطبة ، وها نحن أولاءِ ننتقل إلى جانب الرحمة في شخصيته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام خطيباً من الطراز الأوَّل ، وكان عالماً ، وكان مجتهداً ، وكان مفتياً ، وكان قائداً ، وكان زعيماً . كل الصفات التي هي فيه كانت في أعلى المستويات ، كان قمَةً في كل شيء ، لكن الله سبحانه وتعالى حينما أراد أن يمدحه ، بماذا مدحه ؟ قال :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 وقد استنبط بعض العلماء أن كلمة " على " في هذه الآية تفيد التمكُّن ، أيْ كان عليه الصلاة والسلام متمكناً من أخلاقه الفاضلة ، الإنسان أحياناً أيها الأخوة يقع في صِراع ، ينتصر على نفسه بشقِّ الأنفس ، وقد لا ينتصر ، فإذا انتصر ليس على خُلُقٍ عظيم ، نقول : هو ذو خلقٍ عظيم . أما أن يكون على خلقٍ عظيم فإنه متمكنٌ من أخلاقه العالية ، هذا وصف الله جلّ جلاله له .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية :

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

 تتكامل معها آيةٌ ثانية . .

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 21 ]

 إذاً هذا ليس وصفاً لمجرَّد الإعلام ، إنه وصفٌ للتأسِّي ، ربنا عزَّ وجل وصف القرآن الكريم بأنه مثاني ، ومن معاني هذه الكلمة : أن كل آيةٍ تنثني على أختها لتوضِّحها ، فحينما وصف الله النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ذو خُلُقٍ عظيم . ليس هذا مجرَّد وصفٍ ، وليس هذا مجرد ثناءٍ ، وليس هذا مجرد مدحٍ ، وليس هذا مجرد إعلامٍ ، وليس هذا مجرد إخبارٍ؛ إنما من أجل التأسِّي ، من أجل الاقتداء ، من أجل أن تكون أخلاقنا فاضلة ، والدليل الآية الثانية :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 21 ]

 النبي عليه الصلاة والسلام على خُلُقٍ عظيم ، وهو القدوة لنا .

 

حياة النبي مدرسةٌ سلوكيَّة خُلُقية شاملة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال بعض كُتَّاب السيرَة : حياة النبي صلى الله عليه وسلَّم مدرسةٌ سلوكيَّة ، خُلُقية شاملة . كما قالت السيدة عائشة :

(( كان خلقه القرآن ))

[ مسلم عن عائشة ]

 وكما قال بعضهم : القرآن كونٌ ناطق ، والكون قرآنٌ صامت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلَّم :

(( كان أحسن الناس خُلُقاً ))

[ البخاري، واللفظ لمسلم عن أَنَسٌ]

 لكن لو أخذنا قطعةً من الذهب الخالص ، ودرسنا خصائصها ، لعرفنا كل خصائص هذا المعدن على الإطلاق ، لذلك لو درسنا خُلق النبي عليه الصلاة والسلام وتبحَّرنا فيه ، وغصنا في أعماق دلالاته ، لعرفنا من خلال أخلاق النبي الذي جعله الله أسوةً لنا ، لعرفنا حقيقة الخُلُق الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان . قال تعالى :

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الجمعة : 2]

 نقف في هذه الآية عند كلمة " ويزكيهم " أيْ أنَّ اتباع النبي من خصائصه ومن لوازمه تزكيةُ النفس ، فما لم تكن تزكية فلا معنى لهذا الاتِّباع ، ولا قيمة له ، إنه انتماءٌ شكلي لا يقدِّم ولا يؤخِّر ، نحن مع القرآن الكريم . .

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الجمعة : 2]

على المؤمن أن يكون متميزاً بأخلاقه و معاملاته :

 ينبغي أن تكون أخلاق المؤمن صارخةً ، ينبغي أن يكون متميزاً بأخلاقه ، ينبغي أن يكون متميزاً بمعاملاته ، ينبغي أن يكون في أعلى درجات الصدق مع ربه ومع الناس ومع نفسه ، ينبغي أن يكون في أعلى درجات الأمانة بكل مفهوماتها . قال تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾

[ سورة النساء : 58 ]

 جاءت جمعاً ؛ أولادك أمانة ، زوجتك أمانة ، طُلاَّبك أمانة ، صنعتك أمانة ، زبائنُك أمانة ، الموظف الذي أمام الطاولة يراجعك أمانةٌ في عنقك . .

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾

[ سورة النساء : 58 ]

 لذلك أيها الأخوة ما لم تزكُ نفس المؤمن فلا معنى لاتباعه للنبي ، إنه انتماءٌ شكلي ، واتباعٌ ظاهري لا يقدّم ولا يؤخّر ، وحسبكم يا أخوة الإيمان أن سيدنا جعفر حينما عرَّف الإسلام قال :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لتوحيده ، ولنعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء))

[أخرجه ابن خزيمة عن عفر بن أبي طالب ]

 مضمون أخلاقي ، مضمون سلوكي . إذاً قِفوا عند كلمة " ويزكيهم " . ما لم تزك النفس فلا معنى لهذا الاتِّباع . .

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

الفوز و التفوق في تطبيق السنة الشريفة :

 أيها الإخوة الكرام ؛ الله جلَّ جلاله يقول في مُحْكَم تنزيله :

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 6 ]

 الإنسان يعرف مصلحته ، يعرف ما ينفعه ، يعرف ما يضرُّه ، يعرف ما يرفعه ، يعرف ما يخفضه ، إلا أن النبي صلى الله عليه و سلم أرحم بنا من أنفسنا ، لشدة رحمته ، أولى بنا من أنفسنا ، هذا نَصّ القرآن الكريم . .

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 6 ]

 أيْ لو تصوَّرت أن في تطبيق السُنَّة إضراراً بمصالحك فأنت واهم ، وأنت مخطئ، لأن كل مصلحتك ، وكل نجاحك ، وكل فوزك ، وكل تفوقك ، وكل فلاحك في تطبيق السُنَّة :

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 6 ]

 طبعاً بعد وفاته كيف نفسِّر هذه الآية ؟ نفسرها بتطبيق سنَّته ، سُنَّته وحيٌ من عند الله . .

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

 والله هو الخالق ، وهو الصانع ، وهو المُدَبِّر ، وهو الخبير ، وهو العليم ، دققوا في هذه الآية :

﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 6 ]

 أيْ أرحم بأنفسنا مِنَّا ، فإذا طبَّقنا سُنَّته فهذا يعود علينا بالرحمة ، يعود علينا بالخير ، يعود علينا بالنجاح ، يعود علينا بالفلاح .

 

 والآية التي تصف رحمة النبي هي قوله تعالى :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 وهذه الآية أيها الأخوة في كل كلمة معنى دقيق . .

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾

 جاءت الرحمة هنا مُنَكَّرةً ، وربنا عزَّ وجل يقول عن ذاته :

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾

[ سورة الكهف : 58 ]

 أي أرحم الخَلق بالخلق هو النبي عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك فالرحمة التي في قلبه جزءٌ من رحمة الله العُظمى . .

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾

 وهذه الرحمة من الله ، لا تتأتَّى للإنسان إلا حينما يتَّصل بالله ، الرحمة شيء ؛ حينما تسري أنوار المؤمن في قلب المؤمن ، حينما تنعقد الصِلَة بالله عزَّ وجل يمتلئ القلب رحمةً ، لذلك علامةٌ صارخة المؤمن ذو قلبٍ رحيم ، وغير المؤمن ذو قلبٍ قاسٍ ، قسوة القلب دليل البُعْد ، والرحمة في القلب دليل القُرْب.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

من لوازم الرحمة لين الجانب :

 أيها الأخوة ؛ من لوازم الرحمة ، من نتائج الرحمة ، من آثار الرحمة ، من دلائل الرحمة ، لين الجانب . هذا اللين . . رحم الله عبداً سمحاً إذا باع ، سمحاً إذا اشترى ، سمحاً إذا قضى ، سمحاً إذا اقتضى ، الله عزَّ وجل يقول :

﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34]

 فألزم صفةٍ في قلب الرحيم اللين . .

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 المعنى المقابل : لو لم تكن في قلبك هذه الرحمة لقسوت عليهم ، لكنت قاسياً ، لكنت عنيفاً ، لكنت جبَّاراً ، لكنت مُنَفِّراً .
 العلاقة الثالثة : إن كان في قلبك رحمة لنت لهم ، فإذا لنت لهم أقبلوا عليك ، واجتمعوا عليك ، وأحبوك ، والتفوا حولك ، وفَدَوْكَ بأرواحهم وأموالهم .
 المعنى المقابل : إن لم يكن في قلبك رحمة كنت قاسياً عليهم ، من لوازم القسوة أن ينفضوا من حولك . لذلك قال العلماء : الأقوياء مَلَكوا الرقاب ، لكن الأنبياء ملكوا القلوب ، وشتَّان بين أن تملك رقبة إنسانٍ وهو في أعماقه يتمنَّى أن تقع في الشَر ، وبين إنسانٍ مَلَكْتَ قلبه يتمنى لك كل الخير . بطولتك أيها الأخُ الكريم إذا كنت قوياً لا أن تملك الرقاب ، هذه يملكها الطُغاة ، بطولتك أن تملك القلوب لأن الأنبياء ملكوا القلوب .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 لو كان قلبك خالٍ من الرحمة لكنت فظاً ، غليظ القلب ، عندئذٍ ينفضُّ الناس من حولك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا معنىً . معنىً آخر للآية : أيْ أيها الدعاة إلى الله إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، الذي أُنزل عليه القرآن ، الذي أُيّد بالمعجزات ، الذي كان أقرب الخَلق إلى الله ، هذا النبيُّ الكريم بكل هذه الميزات ، وكل هذه الخصائص ، لو كان فظاً غليظ القلب لانفضَّ الناس من حوله ، فكيف بمن لا يوحى إليه ؟ ولم يؤيَّد بالمعجزات ؟ ولا يأتيه الوحي ؟ وليس كريماً على الله ؟ وليس في قمة البشر ؟ أيعقل أن يكون الإنسان عادياً قاسياً ويُقْبِلُ الناس عليه ؟ هذا مبدأٌ أساسيٌ في الدعوة إلى الله ، الناس لا ينجذبون إلا إلى أخلاقك الرَضِيَّة ، إلا إلى قلبك الرحيم ، إلا إلى عفوك الشامل ، إلا إلى تسامحك الشديد ، إلا إلى ترفُّعك عن الصغائر . هذا دَرْسٌ بليغٌ للدعاة إلى الله عزَّ وجل . .

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

صفات كل إنسانٍ يشغل منصباً قيادياً :

 ما صفات القائد الروحي ؟ ما صفات الزعيم ؟ ما صفات كل إنسانٍ يشغل منصباً قيادياً ؟ . .

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 وكل إنسانٍ تولَّى أمر عشرة أشخاص ؛ رئيس في دائرة ، مُعَلِّم في صف ، طبيب في مستشفى ، صاحب معمل ، جعلك الله قيِّماً على هؤلاء ، ينبغي أن تتأسَّى بسُنة النبي ، بما أمر الله به النبي . .

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

 روى البخاري ومسلم عن أنسٍ رضي الله عنه قال :

(( كنت أمشي مع رسول الله ، وعليه بُرْدٌ نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي ، فجذه من ردائه جذبةً شديدة ، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثَّرت بها حاشية البُرد - أعرابي أمسك النبيَّ من برده وجذه جذبةً شديدة حتى أثرت حاشية الثوب في عنق النبي عليه الصلاة والسلام - ثم قال : يا محمد مُر لي من مال الله الذي عندك ؟ فالتفت إليه النبي عليه الصلاة والسلام ثمَّ تبسَّم وأمر له بعطاء ))

[ متفق عليه عن أنس]

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾

 إن لم تعفُ لن تكون قائداً عليهم ، لست أهلاً أن تكون مشرفاً، ولا قائداً ، ولا زعيماً ، ولا إنساناً متميِّزاً تتميَّز على الناس برحمتك وعفوك وأخلاقك الرضيَّة . وروى الإمام مسلمٌ عن عائشة أنها قالت :

((مَا ضَرَبَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[ مسلم عن عائشة]

 و :

(( ولم يكن رسول الله فاحشاً ، ولا متَفَحِّشاً ، ولا صخَّاباً- هكذا الرواية - في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ))

[ الشمائل المحمدية عن عائشة]

﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾

 أمرٌ إلهي . والشيء الذي يلفت النظر أن الله أمر النبي أن يعفو عن المسلمين وعن غير المسلمين . .

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة المائدة : 13]

استغفار النبي للمؤمنين حينما يخطئون دليل رحمته الشديدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية الكريمة :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 ماذا يعني الاستغفار ؟ الأخ أحياناً يرى أخاه قد أخفق في حياته ، يفرح ، ويقول : أنا نجحت أما أخي فرَسَب ، أنا لي عملٌ أعيش منه ، أخي عاطل عن العمل . عدم المشاركة الوجدانيَّة هذه الصفة لا تليق بالمؤمنين فيما بينهم ، فاستغفار النبي للمؤمنين حينما يخطئون دليل رحمته الشديدة ، بل إن استغفار المؤمنين للمؤمنين دليل رحمتهم ببعض الشديدة ، فالعلاقة الوجدانيَّة التامَّة ، المشاركة الوجدانيَّة الشديدة ؛ أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى . هذه علامة الحياة الاجتماعيَّة السليمة ، أما إذا كان هناك تدابُر ، كان هناك تشفِّي ، كان هناك شماتة ، فهذا دليل تمزُّق المؤمنين ، تمزقهم ، وهذا لا يرفعهم عند الله عزَّ وجل ، هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾

 حينما ترى أخاك في مشكلة ، أو في معصية ، قل له : غفر الله لك . تدعوه إلى المغفرة ، إلى أن يستغفر، تبيِّن له الحكم الشرعي ، تنصحه ، تدعوه إلى أن يتوب ، هذا مضمون الاستغفار ، فدليل محبتك لأخيك إن رأيته قد زَلَّت قدمه ، أو انحرف قليلاً تبادر إلى نُصْحِهِ ، تبادر إلى التبيين ، إلى التوضيح ، إلى حمله على التوبة . .

﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

.

 

الاستشارة و الاستفادة من خبرات الآخرين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لئلا تكون المشاورة على المؤمنين فيها غضاضة ، النبي صلى الله عليه وسلم سيّد الخَلق والمعصوم أُمِرَ أن يشاور ، فمن أنت ؟ لماذا لا تشاور ؟ لماذا لا تستشير ؟ . من استشار الرجال استعار عقولهم ، من استشار رجلاً استعار عقله ، لو أنك استشرت رجلاً من أُولي الخبرة ، مؤمناً ، ورعاً ، نصوحاً ، أخذت كل خبراته ، وكل طاقاته . .

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 خُذ رأي الأكثريَّة ، وخذ رأي الأقليَّة ، وخذ رأياً غريباً ، ثم مَحِّص . .

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 لئلا نقع في الفوضى والغوغائية لك أن تأخذ آراء الجميع ، ولك أن توازن بينها ، لكن في النهاية القرار لك . .

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

المقطوع عن الله قلبه لا يرحم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآية تبيِّن رحمة النبي ، وتبيِّن لنا طريق بلوغ الرحمة ، الرحمة من الله ، المقطوع عن الله قلبه لا يرحم ، وإذا عمل أعمالاً فيها رحمة هذه رحمةٌ استعراضيَّة ، هذه رحمةٌ ذكيَّة من أجل كسب مودَّة الناس ، لكنه في الحقيقة ينطوي على قلبٍ قاسٍ كالصَخْر . ما يفعله الإنسان في المجتمع بفعلٍ ذكي هذا لا يرقى إلى مستوى العمل الصالح ، لابدَّ من أن تكون الرحمة صادرةً عن قلبٍ رحيم ، لكن الإنسان أحياناً لمصلحةٍ راجحةٍ عنده يعمل عملاً رحيماً دون أن يكون قلبه رحيماً ، هذا يفعله لينتزع إعجاب الآخرين ، وليحقِّق مصالحه في الدنيا ، ورحمة البعيدين عن الله عزَّ وجل من هذا القبيل . .

قـتل امرئ فـي غابـةٍ جـريـمةٌ لا تغـتـفر  وقتل شــــعـبٍ آمن مســــألةٌ فيها نظر
* * *

 هم حينما يحرصون على سلامة أفرادهم ، ورفع مستوى معاشهم ، وحريَّاتهم المُطْلَقَة ، يبيحون لأنفسهم أن يسلبوا ثروات الشعوب الأخرى ، وأن ينتهكوا حرمات الشعوب الأخرى ، وأن يوقعوا بين الشعوب العداوة والبغضاء ليعيشوا على عداوة الشعوب ، وعلى مشكلاتهم ، هذه ليست رحمة ، إنما هي رحمةٌ استعراضيَّة ، هدفها أن تتحقَّق المصالح الدنيوية.

 

رحمة النبي بالمؤمنين أشدّ من رحمته على الناس عامةً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الثانية التي وصف الله بها رحمة النبي هي قوله تعالى :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة التوبة : 128]

 لو أن إنساناً رأى أطفالاً ثلاثة في الطريق يدخِّنون ؛ أحدهم ابنه ، والثاني ابن أخيه ، والثالث لا يعرفه ، الانفعال الشديد على من ؟ على ابنه ، والأقل انفعال على ابن أخيه ، وأما الشاب الثالث فلا يكلمه ولا كلمة . إذاً رحمة الله التي أودعها في قلب الأب تتمثَّل حرصاً شديداً ، وغلبةً على قلبه حينما يتوجَّه نحو ابنه . هذا تمثيل ضربته تمهيداً لتفسير الآية . الله جلَّ جلاله يقول :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾

[ سورة التوبة : 128]

 العنت هو الشقاء ، أيْ شقاؤكم عزيزٌ عليه ، أيْ يغلب صبره ، أيْ أنَّ شقاءكم في الدنيا والآخرة ، أو سيركم في طريقٍ ينتهي بكم إلى النار هذا شيءٌ لا يتحمَّله النبي ، فوق طاقة النبي ، هذا الذي جعله يتألَّم ويبادر إليكم ، خرج إلى الطائف يدعو أهلها إلى الهدى ، ردوا دعوته ، سخروا منه ، أوغروا به صبيانهم ، ضربوه ، فجاءه جبريل قال :

(( إن شئت أطبق عليهم الأخشبين ، قال : لا يا أخي، اللهم اهدِ قومي ، اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[متفق عليه عن عائشة]

 ما تخلَّى عن قومه ، وعفا عنهم ، والتمس لهم العذر ، وتوسَّم في أولادهم الإيمان، هذه رحمته . لماذا لم ينتقم منهم ؟ لماذا لم يقل لجبريل : افعل ما تقول ؟ جاءه عرض من جبريل عن الله عزَّ وجل !! هذا معنى قول الله عزَّ وجل :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾

 أيْ أنه لا يحتمل شقاءكم ، لا يحتمله صبره ، أي شقاؤكم فوق طاقة تحمُّله ، من شدة رحمته ،

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾

 معنى الحِرص : توجُّه الإرادة مع التصميم الشديد . فلان يريد أن ينجح ، وفلان حريصٌ على أن ينجح ، الحرص أشدّ من الإرادة، أيْ حريصٌ على هُداكم ، حريصٌ على سلامتكم ، حريصٌ على سعادتكم ، حريصٌ على فوزكم بالجنة ، حريصٌ عليكم . .

﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

 هو في الأساس رحيم .

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

 قال علماء التفسير : الرأفة أشد من الرحمة . لذلك المؤمن يرحم الناس كلَّهم ، يرحم الناس قاطبةً ، يرحم كل مخلوق ، لكن رحمته أشدّ بكثير على إخوانه المؤمنين ، بدافع المشاركة الوجدانيَّة . لذلك وصف الله النبي بأن رحمته على المؤمنين أشد من رحمته على الناس عامةً ، من كلمة :

﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

.

 

الرحمة التي ترقى بالإنسان عند الله هي الرحمة العامَّة وليست الخاصة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام وصف الرحمة التي ترقى بالإنسان عند الله بأنها رحمةٌ عامَّة وليست خاصة ، في قلب كل أبٍ أو أم أودعت رحمةٌ من أجل أن يتعايش الناس ، من أجل أن تدور عجلة الحياة ، لولا هذه الرحمة التي يتراحم بها الناس فيما بينهم لتعطَّلت الحياة . فأمٌ كلما ألقت في التنور رغيفاً قبَّلت ابنها ، لو نُزِعَت الرحمة من قلبها لألقته في التنور ، عطف الأمهات على أبنائهم ، والآباء على أولادهم برحمةٍ أودعها الله في قلوبهم ، هذه ليست كسبيَّة إنما هي فطرية ، والشيء الفطري لا يرقى به الإنسان ، لا يرقى إلا بالكسبيّ ، أما إذا رحمت عامة الناس فهذه رحمةٌ من آثار اتصالك بالله ، هذه الرحمة التي ترقى بك عند الله ، أن ترحم إنساناً لا تعرفه ، أن ترحم موظفاً عندك في المحل التجاري ، وتعامله وكأنه ابنك ، هذه الرحمة التي ترقى بالإنسان ، أن يتراحم الناس من دون قراباتٍ بينهم ، أما رحمة القرابات فهذا شيءٌ بديهيٌ وواقع بين كل الناس .

 

النهي عن الوصال في الصوم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام نهى أصحابه عن الوِصال في الصوم رحمةً بهم ، فقالوا : يا رسول الله إنك تواصل!! قال :

(( إني لست كهيئتكم ، إني يطعمني ربي ويسقيني ))

[ البخاري عن عائشة ]

 نهى عن الوصال في الصوم رحمةً بأصحابه . وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة :

((إن لله مئة رحمة أنزل منها رحمةً واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام بها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وبها تعطف الوحش على ولدها ، وأَخَّر الله تسعاً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 رحمة القطة على أولادها ، رحمة البهائم ، رحمة كل المخلوقات هذا جزءٌ من مئة جزء ، والباقي يرحم الله بها عباده يوم القيامة .

 

الرحمة الحقيقية هي الرحمة الصادرة عن قلبٍ رحيم :

 وروى البخاري ومُسْلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال :

(( إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطوِّل فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوَّز في صلاتي كراهة أن أشقَّ على أمه ))

[البخاري عن أبي قتادة ]

 وروى البخاري ومسلمٌ أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( إذا صلَّى أحدكم بالناس فليخفِّف فإن فيهم الضعيف ، والسقيم ، والكبير ، وذا الحاجة ، وإذا صلَّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما يشاء له ))

[البخاري عن أبي قتادة ]

  وروى البخاري ومسلم عن السيدة عائشة :

(( أنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 وروى البخاري ومسلمٌ أيضاً عن عائشة :

((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتقبلون الصبيان نحن لا نقبلهم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : وماذا أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة ؟!))

[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]

 أي أن محبة الصغار ، والعطف عليهم ، وإكرامهم ، واحتضانهم ، وتقبيلهم من الرحمة . .

(( وماذا أملك إن نزع الله من قلبك الرحمة ؟! ))

 وروى البخاري ومسلمٌ أيضاً عن أسامة بن زيد :

(( أن النبي صلى الله عليه وسلَّم رُفِعَ إليه ابن ابنته وهو في الموت ، ففاضت عينا رسول الله ، فقال له سعد : ما هذا يا رسـول الله أتبكي ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام : هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرُحَمَاء ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ))

[متفق عليه عن أسامة بن زيد]

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع الرحمة موضوعٌ طويل ، لكن يحسُن بنا أن نؤمن أن الرحمة في قلبك دليل اتصالك بالله ، وإذا رأيت رحمةً من قلبٍ مقطوعٍ عن الله ، فهذه رحمةٌ استعراضيَّة ، يغْلِب عليها أنها من أجل مكسبٍ دنيويٍ بسيط ، لكن الرحمة الحقيقية هي الرحمة الصادرة عن قلبٍ رحيم .

 

الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ آيتان كريمتان ، الأولى :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران : 159]

 والآية الثانية :

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة التوبة : 128]

 وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين . إيَّاكم أن تقولوا : هذا النبي . أنت مأمورٌ أن تقلِّد النبي ، إياك أن تقول : هذا شيءٌ لا نستطيع فعله . إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

التّخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تعليقٌ سريع ، ينبغي أن ننطلق في شهر المَوْلِد من معرفة سُنَّة النبي القولية ، وسنته العملية ، لا ينبغي أن نحتفل وانتهى الأمر ، ينبغي أن ننطلق من هذه المناسبة للتخَلُّق بأخلاق رسول الله ، ينبغي أن نحاسب أنفسنا حساباً شديداً ، ينبغي أن نوازِن دائماً بين ما نحن عليه ، وبين ما ينبغي أن نكون عليه ، بين أخلاقنا وبين أخلاق النبي ، بين سلوكنا وبين سلوك النبي .
 ويجب أن نعلم مرَّةً ثانية : أن الله عزَّ وجل حينما وصف النبي بالخُلُق العظيم ، ليس هذا الوصف مجرَّد إعلامٍ ، ولا إخبارٍ ، ولا ثناءٍ ، إنما هو مجرد حَثٍ لنا على التخلُّق بخلقه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام مضى إلى ربه ويحتل عند ربه أعلى مكانة ، لكن المعوَّل علينا نحن الأحياء ، نحن نرتقي عند الله بقدر اتباعنا لسنة النبي ، فالناس رجلاً : رجلٌ موفَّقٌ في حياته لا لشيءٍ إلا لأنه اتبع سُنَّة النبي ، ورجلٌ مُخْفِقٌ في حياته لأنه لم يتَّبع سنة النبي ، وسنة النبي وحيٌ من الله لقوله تعالى :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

 يجب أن نعكف في بيوتنا على دراسة أقوال النبي ، وعلى اتباع سُنَّته ، وعلى التخَلُّق بأخلاقه ، وعلى قراءة سيرته ، وأن يكون شهر المولد مُنْطَلَقَاً لنا طوال العام في السَيْر على منهج النبي ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 بعد موته ما كان الله ليعذبهم وسُنَّتك مطبقةً في أعمالهم ، في بيوتهم ، في احتفالاتهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم ، في سفرهم ، في إقامتهم ، في الزواج ، في الطلاق ، في التجارة ، في الكسب ، في أي شيء اتبع سنة النبي ، اسأل ، السؤال مفتاح العِلم . .

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

 هل هذه الصفقة تجوز ؟ هل شراء هذه البضاعة يجوز ؟ هل فتح هذا المحل لهذا الهدف يجوز ؟ هل الزواج من هذه الفتاة يجوز ؟ قبل أن تُقْدِم اسأل ، إما أن تعلم ، وإما أن تسأل ، أما أن تتحرَّك حركة عشوائية من دون ضابط ، من دون منهج ، من دون قيَم ثابتة فهذا شأن الغافلين ، وشأن الشاردين ، وشأن الضائعين ، وعندما يأتي مَلَكُ الموت يعرف الإنسان حجم خسارته ، وفداحته خَطْبِهِ . .

﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 83]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018