الخطبة : 0013 - البر والإثم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0013 - البر والإثم


1974-11-29

الخطبة الأولى :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات .

البر والإثم .

أيها الإخوة المؤمنون ؛ روى الإمام أحمد في مسنده :
عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ :

(( أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لا أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالإثْمِ إِلا سَأَلْتُهُ عَنْهُ وَإِذَا عِنْدَهُ جَمْعٌ فَذَهَبْتُ أَتَخَطَّى النَّاسَ فَقَالُوا إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ فَقُلْتُ أَنَا وَابِصَةُ دَعُونِي أَدْنُو مِنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ فَقَالَ لِي ادْنُ يَا وَابِصَةُ ادْنُ يَا وَابِصَةُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ فَقَالَ يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْهُ أَوْ تَسْأَلُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنِي قَالَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ قُلْتُ نَعَمْ فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهَا فِي صَدْرِي وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ نَفْسَكَ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ قَالَ سُفْيَانُ وَأَفْتَوْكَ ))

[ رواه أحمد والدارمي ]

استفت قلبك :

أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا الحديث الشريف ميزانٌ دقيق ، يزودنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو موعظة حسنة ، وحكمة بليغة ، تدور مع الناس في شتى أمورهم ، وأحوالهم ، وعلاقاتهم ، ( استفت قلبك ) هذا الهديُّ النبوي والفرقان الواضح ، ساقه النبي صلى الله عليه وسلم لرجل سليم الفطرة شفاف الفؤاد ساعٍ إلى الخير ، رجل يتحرج من الإلمام بصغيرة ويخشى أن تفوته مواطن الخير .
أراد النبي الكريم أن يريحه من عناء التساؤل المتكرر ، والاستفتاء الكثير ، فرده إلى فؤاده الممتلئ يقيناً وهدىً يستلهمه الرشد كلما تشابهت أمامه الأمور ، ويستريح إلى إجابته وإن أكثر عليه المفتون .
إن أردت أن تعرف مواطن البر والإثم فإستفت قلبك
لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوصاية الثمينة موضعها اللائق عند صحابي ، يستهويه النبل والفضل ، لحق وهذه الوصاية النبوية العالية مُساقة إلينا أيضاً , نحن المؤمنين , ما دمنا ننتسب إلى هذا النبي الكريم ، ونسلك طريق التقوى ، ونطلب العفاف والهدى ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الأنفال ]

ما دمنا ننتسب إلى النبي الكريم، ونسلك طريق التقوى فسيغفر الله لنا
يا أخوة الإيمان ؛ لنطبق هذا الحديث الشريف في بيعنا وشرائنا .
" استفت قلبك "
فقد تحدث البائع نفسه ، أن يمزج سلعةً بأخرى ، تختلف عنها في الثمن أو في النوع ، ويأتي الشيطان بكيده ، فيزيِّن له الأمر ويغريه بالإثم ويقول له : لابأس في ذلك أنت صاحب عيال , وعليك تبعات كثيرة ، ويتردد الأمر في الصدر وتتدافع الخواطر ، وتكثر التعليلات , ولكن المُشعرَ الحقيقي ، والكاشف والدليل على الإثم هو الاستخفاء عن الناس ، فالإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وكرهت أن يطلع عليه الناس .
الإثم هو ما حاك في النفس و كرهت أن يطلع الناس عليه
ألا يكره هذا البائع أن ينكشف الأمر للمشتري ؟ إذاً كفى بذلك إثماً أو دليلاً على الإثم ، لذلك نرى بعضهم يستخفون ، ويستترون عن العيون وهم يقومون بهذا العمل ، ويسمونه هيناً ، وهو عند الله عظيم .
وقد يبيع البائع بضاعته متظاهراً ، أن ربحه فيها قليل وأنه يكاد يخسر فيها ، ولكنه في حقيقة الأمر مشتط في الثمن ، ولو اطلع المشتري على السعر الحقيقي لهاله الغبن الفاحش ، لذلك نراه يحاول الإخفاء والتستر والتمويه ، وهذا الإخفاء والتستر والمواربة دليل على الإثم والمعصية .
قال عليه الصلاة والسلام :
عن أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( غبنُ المسترسل ربا ، غبن المسترسل حرام ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]

والمسترسل هو الجاهل بالأسعار ، وقال تعالى :

﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴾

[ سورة الأنعام ]

أيها الإخوة ؛ أما البرٌّ فإنه غير هذا وذاك ، إنه حقٌ أبلج ، ودليل نير واضح يطمئن إليه القلب ، وترتاح إليه النفس ، وتذهب عنها حيرتها ، ولا تستحي به ولا تخفيه .
قال تعالى :

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 177 ]

أيها المؤمنون ؛ البرُّ ما اطمأنت إليه القلب ، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس .
البر هو ما اطمأن إليه القلب والإثم ماحاك بالصدر واحتار به
لنطبق هذا الحديث في بيعنا ، وشرائنا ، وأجارنا ، واستئجارنا ، وفي بيتنا وعملنا ، وفي كل علاقاتنا وشتى مجالات حياتنا .
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام :

(( عشْ ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

وقال أيضاً :
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( الاقتصاد في المعيشة خير من بعض التجارة))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

من بعض التجارة القائم على الغش والكذب والتدليس والغبن والربا والاحتكار ، وهذه كلها من الكبائر .

 

الحلال بين والحرام بين :

أيها الإخوة المؤمنون ؛ حديث شريف آخر متمم للحديث الأول رواه البخاري في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صل الله عليه وسلم :

(( إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم ]

إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
يا أخوتي المؤمنين ؛ إن ترك المعاصي واجب يقيناً بيد أن على المؤمن أيضاً أن يبتعد عن المظان والمزالق، حتى يأمن أسباب الإغواء ، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، والمؤمن الصالح يرجح في كثير من الأمور الحظر على الإباحة ، ضماناً لسلامة إيمانه ، وسيره مع الحزم في هذه الميادين يرسخ قدمه في طريق الحق ويجعله قصياً عن المزالق ، ومواطن الزلل ، أما التهاون فربما بدأ خفيف الأثر لكنه يجرُّ بعد إلى مالا تحمد عقباه ، فلا صغيرة مع الإصرار وإياكم ومحقرات الذنوب .
من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام
عن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( إن من يخالط الريبة يوشك أن يجر ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أي يجترئ على المعصية ، وفي رواية النسائي أنه ؛
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( فمن ترك ما شبه عليه من الإثم ، كان لما استبان عليه أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشكَ أن يُواقع ما استبان ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أيها الإخوة ؛ جاء في خطبة جامعة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع :
كل ربا موضوع
أيها الناس : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ، وقد بلَّغت ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كلَّ رباً موضوع ، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون
أيها الناس : إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه أبداً ، ولكنه رضي أن يُطع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم .
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم وعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 46]

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ولا يعزُّ من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت .
اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تُهِنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك . اللهمَّ استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنَّا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهمَّ لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك، اللهمَّ يا أكرم الأكرمين أعطنا سؤلنا ، واغفر لنا ذنوبنا وارحمنا إنك أرحم الراحمين . اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء مولانا رب العالمين ، اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعلي كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018