أمهات المؤمنين : عائشة بنت أبي بكر 5 - ورعها, زهدها, مكانتها العلمية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أمهات المؤمنين : عائشة بنت أبي بكر 5 - ورعها, زهدها, مكانتها العلمية


1997-10-13

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ما كتب في كتاب حلية الأولياء عن السيدة عائشة :

أيها الأخوة الكرام, مع سير الصحابيّات الجليلات رضوان الله عليهنَّ أجمعين، ومع سير زوجات النبي صلى الله عليه وسلَّم، ونحن في سيرة السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد وصلنا إلى فصلٍ عن ورعها وتقواها .
أيها الأخوة, عَقَدَ الحافظ أبو نُعيم ترجمةً لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في كتابه (حِلية الأولياء)، قال في مستهلِّ هذا الكتاب: إن عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من الأولياء .
ولكن يجب أن تعلموا, أن كل واحدٍ منكم يجب أن يكون ولياً، لأن تعريف الولاية في القرآن الكريم:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾

[سورة يونس الآية: 62-63]

كل من عرف الله واتقى أن يعصيه فهو ولي الله
تعريفٌ بسيطٌ، جامعٌ, مانع، كل من عرف الله، واتقى أن يعصيه, فهو وليٌ لله، وأعظم ثمرة ينالها وليُّ الله, قال تعالى:

﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة يونس الآية: 62]

الماضي مغطَّى ولا هم يحزنون، والمستقبل مغطى لا خوفٌ عليهم, قال تعالى:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة يونس الآية: 62]

يجب أن تكون قريبا من الله
الماضي مغطى بعدم الحزن على ما فاتك من الدنيا، والمستقبل مغطَّى بعدم الخوف، والإنسان دائماً يحزن على ما مضى, ويخاف مما سيأتي، الآية الكريمة:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

[سورة طه الآية: 123]

لا يضل عقله, ولا تشقى نفسه, قال تعالى:

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 38]

أعظم ثمار الإيمان: ألّا يضل عقلك، وألّا تشقى نفسك، وألّا تندم على ما فات، وألّا تخشى مما هو آت, قال تعالى: المرأة كالرجل تصل لأعلى مراتب الإيمان

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة يونس الآية: 62]

ابتغوا الرفعة عند الله، لا يليق بك أيها الإنسان أن تكون لغير الله، يجب أن تكون محسوباً على الله لا على عبد الله، أجل على الله، أنت وليُّ الله، يجب أن تكون علاقتك بالله طيبةٌ جداً، يجب أن تكون قريباً من الله .
السيدة عائشة كما قال عنها الحافظ أبو نُعيم: والصديقة بنت الصديق، والعتيقة بنت العتيق، وحبيبة الحبيب، وأليفَهُ القريب، سيد المرسلين، والمبرَّأة من العيوب، والمعرَّاة من ارتياب القلوب، كانت للدنيا قالية، وعن سرورها لاهية، وعلى فقد أليفها باكية، المبرَّأة في الكتاب, هذه أوصافٌ جامعة مانعة للسيدة عائشة رضي الله عنها .
أيها الأخوة الكرام, هذا الدرس يعطينا حقيقةً خطيرة: أن المرأة كالرجل، يمكن أن تصل إلى أعلى المراتب في الإيمان، ويمكن أن تكون قمةً في معرفة الله، والسيدة عائشة من هذا القبيل، المرأة كالرجل تماماً مساويةٌ له في التكليف, والتشريف, والمسؤوليَّة .

ما قيل عن حب النبي لعائشة وما قيل عنها :

كان أحد الصحابة إذا حدَّث عن عائشة يقول:

((حدَّثتني الصديقة بنت الصديق، وحبيبة حبيب الله))

فالإنسان يحب الرفعة، يحب الكمال، هل تعلم أنه ما من مرتبةٍ علـى الإطلاق أعلى من أن تكون مع الله، أن تكون حبيب الله، أن تكون وليَّ الله، أن تكون مقرَّباً إلى الله، أن تكون في عين الله، أن تكون مصافياً لله, هذه مرتبةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها .
قال أنسٌ رضي الله عنه:

((أول حبٍ كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وســلَّم لعائشة رضي الله عنها))

حبك لزوجتك يرضي الله
فيجب أن تعلم أنه ما من شيء أودعه الله عزَّ وجل في الإنسان إلا جعل له قناة نظيفة، فأن تحب زوجتك هذا مما يرضي الله، علاقتك بالأنثى بالعصر الحالي مليون علاقة محرَّمة، مليون علاقة مشبوهة، مليون علاقة آثمة، مليون علاقة تحجبك عن الله, إلا علاقة الزواج؛ هذه علاقةٌ يرضى الله عنها، هذه علاقة كلَّما تمتَّنت اقتربتَ من الله .
كانت هذه السيدة الجليلة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام:

((كيف حبك لي؟ فكان عليه الصلاة والسلام يقول: كعقدة الحبل, فكنت أقول من حينٍ إلى آخر: يا رسول الله, كيف العقدة؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: على حالها))

إذاً: أن تمتِّن علاقتك بزوجتك فهذا من منهج الله، أن ترحمها هذا من منهج الله، أن تحبها هذا من منهج الله .
أرادك الله أن تحب المرأة الحب الذي يؤسس أسرة
ولعلَّ الله سبحانه وتعالى حينما أعطى المرأة هذا الشكل المحبَّب، وهذه الوداعة، وهذا اللطف، وهذه الرقَّة, أراد منك أن تحبها الحب الذي يرضى الله عنك، الحب الذي يثمر أولاداً أطهاراً، الحب الذي يؤسِّس أسرةً، فالحب يتوهَّمه الناس فقط عند الكفار، فقط عند الفَسَقَة، الحب بأعلى مستوياته في رحاب الإيمان، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب السيدة عائشة حباً شديداً، وهو أول حبٍ في الإسلام, حب مشروع, الإنسان حينما يبحث عن الحرام يشعر بالكآبة، يشعر بالخزي والعار .
امرأةٌ تعمل في الفن في فرنسا سألوها: ما شعوركِ وأنتِ على خشبة المسرح؟ قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين, وفي غرفٍ مغلَّقة .
هذا الحب المشروع في الإسلام بينك وبين زوجتك، وكلما تمتَّنت العلاقة بينكما رضي الله عنكما .
هذه المرأة الصحابيَّة الجليلة التي كان ولدها على وشك الموت، فجاء زوجها في المساء، سألها عن حال الولد, فقالت:

((يا أبا طلحة إنه في أهدأ حال, وعنت أنه قد مات, لأنه هادئ، تزيَّنت له، وأصاب منها، وفي الصباح قالت له: لو أن الجيران أعاروك عاريةً ثـم استرجعوها منك، أتغضب؟ قال: لا, قالت: هكذا فعل الله معنا, أعطانا هذا الغلام ثم استردَّه, ثم ذكر أبو طلحة هذا الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:

((بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا))

[أخرجه أحمد في مسنده]

وقد تروي الكتب أنه تزوج, وأنجب عشرةً من الحُفَّاظ، هما أنجبا ولداً, وهذا الولد أنجب عشرة حفاظٍ لكتاب الله .
إذاً: ما من شيء أودعه الله عزَّ وجل في الإنسان إلا جعل له قناة نظيفة، في الإسلام ليس هناك حرمان، لكن أقدس حب أن تحب زوجتك .
مرَّة كنا في الجامعة أحد الأساتذة الكبار, أحيل إلى التقاعد، أقيمت له حفلةٌ كبيرةٌ جداً لوداعه, أنا أذكر أنه بعد أن سمع كلمات التكريم والوداع, قام وقال هذه الكلمة، قال: كل إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب، ليس من بني البشر .
ليس من بني البشر من لا يحب
إذا كنت من بني البشر, يجب أن تشعر بحاجةٍ إلى أن تُحِب، وينبغي أن تشعر بحاجةٍ إلى أن تُحَب، ماذا نحب؟ نحب زوجاتنا، ونحب أولادنا, ونحب أعمالنا، ونحب الحقيقة ، وأعلى أنواع الحب: أن تحب الله جل جلاله، أي هذا أعلى حب، أي حبِ آخر يتناقص، أي حبٍ آخر ينقطع بالموت، لكن حب الله جلَّ جلاله أبديٌ سرمدي .
وتعليق سريع: الحب الذي ينشأ في الحرام يتناقص، والحب الذي ينشأ في رحاب الإيمان يتنامى، فإذا كنت مؤمناً فحبك لأهلك يتنامى .
الحب الذي ينشأ في رحاب الإيمان يتنامى
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما لأم المؤمنين:

((كنتِ أحبَّ نساء النبي صلى الله عليـه وسلَّم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحب إلا طيِّباً .

-أي أن مقام النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يليق به أن يحب؟ أيحب امرأةً لجمالها فقط؟ بل أن يحبها لكمالها، ولعلمها، ولخلقها، ولمحبتها لله عزَّ وجل، حب النبي مؤشِّر كبير جداً، هل يعقل أن يحب النبي إلا طيباً؟- .
وقال: هلكت قِلادتكِ بالأبواء, فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يلتقطها، وبعدها لم يجد ماءً للوضوء, فأنزل الله عزَّ وجل:

﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾

[سورة النساء الآية: 43]

-وهذه الآية التي سمحت للمسلم بالتيمم- قال: كان بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة, وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، فليس مسجدٍ يُذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الله وأطراف النهار .
-فهل من السهولة أن يذكر الله في كتابه الكريم، الذي نقرؤه متعبدين إلى أبد الآبدين, أن يذكر فيه اسم صحابي، أو أن ينوِّه القرآن بامرأةٍ في القرآن الكريم؟ .
قد يقول أحدكم: أي صحابي ذُكر اسمه في القرآن الكريم؟ صحابي واحد هو سيدنا زيد، لكن لماذا ذُكر اسمه؟ لأنه كان متبنَّى النبي عليه الصلاة والسلام، واسمه زيد بن محمد، فلما أراد الله عزَّ وجل أن يبطل هذه العادة, عادة التبني, وبدأ بالنبي عليه الصلاة والسلام، فخسر هذا الاسم زيد بن محمد، فعوَّضه الله خيراً من هذا, حين ذكر اسمه في القرآن، في كتاب الله يتلى إلى يوم القيامة، اسمه في القرآن الكريم, قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾

[سورة الأحزاب الآية: 37]

قالت: يا بن عباس, دعني منك, ومن تزكيتك، فو الله لوددت أني كنت نَسياً منسيا))

 

معنى ذلك: أن المخلص لا يلتفت إلى مديح الناس، ومديح الناس لا يملأ قلبه، المخلص يريد الله عزَّ وجل، أن يكون الله راضياً عنه، أما الناس فلا يعبأ كثيراً بمدحهم وبتوقيرهم .
بعض الناس لديهم مرض استجداء المديح
هناك مرض نفسي يصيب بعض الناس, وهو استجداء المديح, أي إذا أنت لم تمدحه فإنه يذكّرك بشيء من أجل أن تمدحه، إذا أنت لم تثنِ عليه يلفت نظرك لشيء، فإذا كان قد دعاك إلى طعام يسألك: أما أحببت الأكل؟ لتقول له: أعوذ بالله أكل ممتاز، الله يعطيك العافية, أو يسألك مثلاً: كيف كانت هذه المحاضرة؟ كيف وجدت هذا الدرس؟ ما رأيك بهذا الكتاب؟ إذا أنت لم تثنِ عليه, فقد يواجهك بمشكلة، هذا مرض اسمه: استجداء المديح .
أما الإنسان إذا كان مخلصاً لله عزَّ وجل, فإنه فوق هذا بكثير، دعك يا بن عباس من هذه التزكية, فو الله لوددت أني كنت نسياً منسيا .
الإنسان يحب بقاء نوعه
فالإنسان يحب أشياء ثلاثة؛ يحب بقاء وجوده: عن طريق الطعام والشراب، ويحب بقاء نوعه: عن طريق الزواج, ويحب بقاء ذكره: عن طريق تأكيد الذات، فكل واحد من بني البشر هكذا فُطِر؛ يحب أن يبقى ذكره، يحب أن يؤكِّد ذاته، يحب أن يكون له أهميةٌ كبيرة، لكن هذه الأشياء الثلاثة يمكن أن تحقق في الخير، فإذا قرأت القرآن، وتعلَّمت القرآن، وعلَّمت القرآن، واقتربت من الواحد الديَّان, يرفع الله ذِكرك, قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[سورة الشرح الآية: 1-4]

وكل مؤمن له من هذه الآية نصيب, قال تعالى:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[سورة الشرح الآية: 4]

بالطعام والشراب تحافظ على وجودك
أنت بالطعام والشراب تحافظ على وجودك، وبالزواج تحافظ على نوعك، وبالعمل الصالح، ومعرفة الله، والاستقامة على أمره, يرفع الله لك ذكرك بين الناس، دون أن يكون هذا الرفع بطريقٍ غير مشروع .
عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت:

((رأيتك يا رسول الله واضعاً يدك على معرِفة فرسٍ, -أي على عرف الفرس- وأنت قائمٌ تكلِّم دِحْيَةَ الكَلبي, فقال عليه الصلاة والسلام: أوقد رأيته؟ قالت: نعم, قال : فإنه جبريل وهو يقرئكِ السلام .

-أحياناً إنسان يمدحه عِلية القوم, فيزهو بهذا المديح، وأحياناً يمدحه الساقطون والساقطات، وهذا مديحٌ لا قيمة له، فالعبرة من الذي يمدحك؟ من الذي أنت عنده كبير؟ من الذي ترقى عنده؟ المؤمن له عند الله مقعد صدق, قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

[سورة القمر الآية: 54-55]

فلما قال لها: وهو يقرئك السلام, قالت: وعليه السلام, ورحمة الله, وجزاه الله خيراً من زائر، فنعم الصاحب, ونعم الداخل))

ماذا عن زهد عائشة وإنفاقها في سبيل الله ؟

أما زهد هذه السيدة الجليلة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: فعن القاسم بن محمد قال:

((كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, تصوم حتى يزلقها الصوم))

أي يجهدها.
وعن ابن المنكدر, عن أم ذَرَّ, وكانت صاحبة عائشة، قالت:

((بعث إليها بمالٍ أراه ثمانين أو مئة ألفٍ, فدعت بطبقٍ، وهي يومئذٍ صائمة, فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهمٌ واحد .

لابد أن يكون أهلك على شاكلتك بالاستقامة
-أهل بيت النبي على شاكلة النبي، أهل بيت النبي جزءٌ من الدعوة، فالناس لا يصدقونك إذا كنت أنت في واد, وأهلك في وادٍ آخر, ولم تهتم بتربيتهم، أهل بيت النبي جزءٌ من الدعــوة، وهناك سؤال كبير: إذا لم تستطع أن تربي أهلك, هذا المنهج غير واقعي، وإن كان بالإمكان أن تفعل فلم تفعل, فأنت مقصِّر، فما جوابك؟ ما من جواب، لذلك:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 33 ]

تولَّى الله بنفسه تطهير أهل بيت النبي, لأنهم جزءٌ من الدعوة، أنت متى تثق بإنسان؟ إن رأيته في حياته الخاصة مستقيماً، إن رأيته يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول، فإذا لم تكن هناك مسافة أبداً بين القول والعمل ترقى بذلك، لذلك يعد أهل بيت النبي جزءاً من الدعوة إلى الله، إذا كان هناك تقصير أو خلل, فالدعوة عرجت -.
فلما أمست قالت: يا جارية أين فطوري؟ فجاءتها بخبزٍ وزيت، مئة ألف وزَّعتها وهي صائمة، ولم تبقِ منها شيئاً، فجاءت بخبزٍ وزيت، قالت لها أم ذر: أما استطعت مما قسمت اليوم, أن تشتري لنا لحماً بدرهمٍ, نفطر عليه؟))

قال تعالى:

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾

[سورة الحشر الآية: 9]

وقال عروة:

((لقد رأيت عائشة رضي الله عنها تقسم سبعين ألفاً, وإنها لترقع جيب دِرعها))

النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((يا عائشة, إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي, فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ, وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ, وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

وعن عروة أيضاً:

((أن معاوية بعث إلى عائشة رضي الله عنها بمئة ألفٍ، فو الله ما غابت الشمس عن ذلك اليوم حتى فرَّقتها، قالت لها مولاتها: لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهمٍ لحماً, قالت: لو قلتِ قبل أن أفرِّقها لفعلت))

هذا من زهد هذه السيدة, طبعاً من النادر أن ترى امرأةً زاهدة، بل إن شأن النساء أن يحمِلن أزواجهن على ما لا يطيقون، لذلك حين قال الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾

[سورة التغابن الآية: 14]

قال علماء التفسير: هذه عداوة مآل وليست عداوة حال, بمعنى أن الرجل حينما يأتيه ملك الموت، ويستحق العذاب على ما أكل من أموالٍ حرام، وأن زوجته كانت هي السبب, دفعته إلى أكل المال الحرام، عندئذٍ تنشأ عداوةٌ متأخِّرة بينه وبين زوجته، لولاها لما كان في النار، لذلك: أعظم النساء بركةً على زوجها أقلَّهنً مؤنةً .
أعظم امرأةٍ هي التي لا تكلِّف زوجها ما لا يطيق، لا تحمله على معصية، لا تحمله أن يجهد في كسب الرِزق، لا تحمله على أن يأكل مالاً حراماً، هذه هي المرأة الصالحة، لا التي تضغط على زوجها, حتى يهيِّئ لها مسكناً فخماً، وأثاثاً راقياً تتباهى به، وزوجها يتقلَّب في النار، لا .
النساء في زماننا يبالغن في تزيين بيوتهن
زوجة طلبت من زوجها بعض الأشياء الغالية, فقال لها: أيتها المرأة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض, لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهنَّ من أجلك .
المؤمن لا يستجيب لطلبٍ يغضب الله، أو يبعده عن الله .
عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: أهدى معاوية لعائشة ثياباً وورِقاً,أي فضةً, وأشياء توضع في أسطوانتها, الأسطوانة خزانة الثياب, فلما خرجت عائشة, نظرت إليه فبكت, ثم قالت: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لم يكن يجد هذا، ثم فرّقته ولم يبقَ منه شيء, وعندها ضيف، فلما أفطرت، وكانت تصوم من بعد رسول الله، أفطرت على خبزٍ وزيت، فقالت المرأة: يا أم المؤمنين, لو أمرتِ بدرهمٍ من الذي أهدي إليكِ, فاشتري لنا به لحماً فنأكله ، فقالت عائشة رضي الله عنها: كلي فو الله ما بقي عندنا منه شيء, هكذا إنفاقها، وهكذا زهدها .
فالنساء في زماننا, يبالغن في تزيين البيت، فيأتي ملك الموت، فيذهبن إلى الآخرة صَفِرات اليدين .

مكانتها العلمية :

روى هشام بن عروة عن أبيه, قال:

((ما رأيت أحداً من الناس أعلم بالقرآن، ولا بفريضةٍ، ولا بحلالٍ وحرام، ولا بشعرٍ، ولا بحديثٍ، ولا بنسبٍ, من عائشة رضي الله عنها))

إذا علمت فتاة علمت أسرة
كانت متفوقةً في هذه العلوم، والحقيقة بيني وبينكم: ليس في المرأة شيءٌ أروع من أن تكون عالمة، جمعت المَجد من كــل أطرافه، هي محبَّبة، ومؤنسة، وغالية، ورقيقة، فإذا كانت عالمة، فقيهة، تحفظ كتاب الله، تعرف الحق من الباطل، الحلال من الحرام، الخير من الشر، ما ينبغي وما لا ينبغي، تربي أولادها تربيةً راقية، لذلك إذا علَّمت فتاةً علَّمت أسرةً .
فأنا لا أكتمكم أن في جامعنا عدداً كبيراً من أخوةٍ كرام, سبب هدايتهم زوجاتهم اللواتي عرفن الله قبل الزواج، فحملن أزواجهن على طاعة الله، وهذه نعمةٌ كبرى، وليس في المرأة شيءٌ أبشع من الجَهل، وليس شيءٌ في المرأة أبشع من أن تتباهى بما عندها، وما عند زوجها، وتكسر قلب أقرانها، وتستعلي عليهنَّ, شيطانة ولو أنها تدَّعي أنها مسلمة.
كان عروة يقول:

(( يا أماه, كيف أعجب من فقهك؛ إنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وابنة أبي بكر؟!))

أي لا يليق بالإنسان أن يكون هو عالم وزوجته جاهلة، هو في أعلى درجة من العلم ، وزوجته في أدنى درجة من الجهل .
حدثني أخ فقال لي: رجل عنده مكتبة قيمة جداً، وعنده كتاب نادر، رجوناه رجاءً حاراً أن نستعيره منه ليلةً واحدة, فلم يرضَ أبداً, أقسم بالله بعد موته, أنه رأى الكتاب في حاوية القمامة .
أحياناً تجد الزوج متعلِّماً, وعنده مكتبة قيِّمة، وله زوجة لا ترى هذه الكتب إلا عبئاً, يجب أن يلقى في سلة المهملات, جاهلة، فالحقيقة الرائعة: أن الإنسان جميل أن يكون له زوجة، وتكون زوجته رفيقته، وإذا كان هو متعلِّماً، ويطلب العلم الشرعي، وزوجته كذلك، تصبح إضافةً إلى أنها زوجته, فهي رفيقته .
ترتاح لجلوسك مع أخيك المؤمن لأنه على شاكلتك
فأنت لاحظ نفسك، تجلس مع أخ مؤمن ساعتين, أو ثلاثاً, أو أربعاً, أو خمساً, فلا تمل منه، لماذا؟ لأنه على شاكلتك, يقدِّر ما تقدِّر، يحب ما تحب، يعظِّم ما تعظِّم، يكره ما تكره ، بينكما انسجام، ومن الممكن أن تجلس مع إنسان عشر ساعات, ولا تمل من حديثه، إذا كان على شاكلتك، وكان في مستوى ثقافتك، في مستوى إيمانك، في مستوى تفكيرك، في مستوى قيَمك، ولكن إنساناً آخر قد لا تستطيع أن تحدثه كلمة واحدة، قد لا تستطيع أن تجلس معه ولا ربع ساعة، فما من قواسم مشتركة بينكما .
فالإنسان إذا تزوج، فهذه الزوجة يعرفها كلياً بعد حين، انتهت أيام الخطبة، ويمكن أن تكون المكالمة ثلاث ساعات حين الخطبة، لكن بعد سنتين انتهى كل هذا، فإن لم تكن هذه الزوجة على شاكلة زوجها، فلن تكون محببةً إليه، لذلك اهتم أيها المؤمن بتعليم زوجتك العلم الشرعي، كي تغدو رفيقةً لك, فضلاً عن أنها زوجةً لك، كما أنها عالمة .
وقد عجب منها بعض الصحابة حينما علموا أنها كانت عالمةً بالطب .
قالت:

((إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يسقم في آخر عمره, فكانت تقدم عليه الوفود من كل وجهٍ، فتنعت له, -أي تصف له الأدوية- فكنت أعالجه، فمن ثمَّ علمت أساليب الطب))

فكانت بارعةً بالطب .
وقال أبو موسى:

((ما أشكل علينا أمرٌ, فسألنا عنه عائشة، إلا وجدنا عندها فيه علماً))

وقال بعض العلماء:

((لو اجتمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل))

تناصح مع زوجتك وليأمر كل طرف الأخر بما هو خير
فالنبي اللهمَّ صلِّ عليه, علَّمنا أن نقدِّر زوجاتنا، هل تصدِّقون أنه استشار أم سلمة في موقفٍ عصيب في صلح الحديبية, وأشارت عليه أن يتحلَّل هو من إحرامه, وأن يحلق، فيقلِّده الصحابة عندئذ؟ وهذا الذي حصل، لذلك قال تعالى في معرض ذكر النساء:

﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾

[ سورة الطلاق الآية: 6]

تناصحوا ليأمر كلٌ منكم الطرف الآخر بما هو خير، أي تأمرها وتأمرك، تنصحها وتنصحك .
وقال أبو الزناد:

((ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك؟ قال: روايتي من عائشة))

وقال عطاء بن رباح:

((كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامَّة))

وقال مسروق:

((رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر, يسألونها عن الفرائض))

من خصوصيات السيدة عائشة :

ما الأمور التي امتازت بها عائشة رضي الله عنها؟ .
قالت عائشة:

((فضِّلت بعشرٍ، فذكرت من هذه العشر؛ مجيء جبريل بصوتها, -أي أن جبريل جاء بصوتها, لأن صوتها يؤنس رسول الله صلى الله عليه وسلَّم- ولم ينكح بكراً, ولا امرأة, أبواها مهاجران غيري, وأنزل الله براءتي من السماء، وكان عليه الصلاة والسلام ينزل عليه الوحي وهو معي، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه, وقُبض بين سَحْري ونحري في بيتي, وفي ليلتي، ودفن في بيتي))

هذا مما اختصت به هذه السيدة الجليلة .

 

من افتراءات أعداء الإسلام في التاريخ :

نحن في تاريخنا الإسلامي موقعة اسمها: موقعة الجمل, والسيدة عائشة كانت طرفاً فيها، وهناك أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، هناك افتراءاتٌ عديدة، هناك مبالغاتٌ سخيفة، لكن فيْصل هذا الموضوع ما ورد:
أن قتلة عثمان رضي الله عنه خافوا أن يتفق عليٌ رضي الله عنه مع طلحة والزبيـــر وعائشة على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة، فَظَنَّوا أن علياً حمل عليه ، فحملوا دفاعاً عن أنفسهم، فظن عليٌ أنهم حملوا عليه، فحمل دفاعاً عن نفسه .
هذان السطران لهما قيمةٌ كبيرة جداً في التاريخ، وهذا يحدث دائماً بين فريقين، يأتي فريق ثالث يضرب هؤلاء ويضرب هؤلاء، يظن هؤلاء أن هؤلاء حملوا عليهم، فيدافعوا عن أنفسهم، ويظن هؤلاء أن هؤلاء حملوا عليهم، فيدافعوا عن أنفسهم, والفريقان بريئون جداً من نيَّة القتل ونية الفتنة، وهذا الذي حدث، معركة الجمل حجمها صغيرٌ جداً، أعداء الإسلام كبَّروها جداً، وأضافوا عليها ما ليس منها، أرادوا تشويه سمعة المسلمين .
هناك من يوقع الفتن بين المؤمنين
أي جرى سوء تفاهم، والأطراف كلهم اجتهدوا، والمجتهد له أجرٌ إذا أخطأ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا .
معركة الجمل وقعت, ولكن حجمها الحقيقي أقل بألف مرة من حجمها الذي في الكُتُب، لأن أعداء الدين يريدون أن يشوِّهوا سمعة الصدر الأول من الإسلام، وهذه الحقيقة, قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 7]

اسألوا علماء التاريخ، اسألوا المحققين، اسألوا المُنصفين، اسألوا الذين محَّصوا هـذه الروايات، أكثرها مبالغٌ فيه, وما أنزل الله به من سلطان .
كان عليٌ كرَّم الله وجهه يوقِّر أم المؤمنين عائشة، ويجلُّها، وكان دائماً يُذِّكر بمقامها السامي الكريم .
وقد قال عمَّار بن ياسر: سمعت علياً كرَّم الله وجهه يقول على المنبر: إنها لزوجة نبينا صلى الله عليه وسلَّم في الدنيا والآخرة, ويعني عائشة, وكانت عائشة تجلُّ علياً وتوقِّره.
وكل ما كان بين الصحابة من الخلاف, لم يكن سبباً للعداوة، والكراهية، والبغضاء فيما بينهم، بل كانت نتيجة اجتهاداتٍ قد أعذر الله بعضهم بعضاً، رضي الله تعالى عنهم جميعاً, وحشرنا في زمرتهم .
لا يليق بممرِّض أن يقيِّم طبيبين كبيرين, اختلفا في وجهات النظر، لا يليق بجنديٍ غِر أن يقيَّم قائدي جيشين, اختلفا في وجهات النظر، فنحن لسنا أهلاً أن نقيِّم الفريقين، قال عليه الصلاة والسلام: إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا .
موقعة الجمل حجمها صغيرٌ جداً جداً، بالغ بها أعداء الإسلام، ضخَّموها تضخيماً غير معقول، وأصل هذا التضخيم أن فريقاً ثالثاً لعب دور الفتنة .
أنا سمعت عن حرب أهليَّة -انتهت والحمد لله- في بلد مجاور سنوات طويلة، كلَّما وقِّعت هدنةٌ بين الفريقين, جاء فريق ثالث وضرب الفريقين، فتشتعل وهكذا، فهذا أسلوب قذر وقديم، فريقٌ ثالث ليس في صالحه أن يتفق الفريقان، فكلَّما عُقدت هدنةٌ بينهما ضرب الأول وضرب الثاني، يظن الأول أن الثاني نقض العهد فيحمل عليه، والأول كذلك .
فإذا أردت أن تعطي تفسيراً دقيقاً جامعاً مانعاً لهذه الموقعة: فهذا هو حجمها، فريقٌ منحرفٌ هجينٌ, أراد أن يوقع الفتنة بين الفريقين، والإنسان محاسبٌ على نيَّته، واجتهاده إذا أخطأ فيه, فله أجر .

الخاتمة :

وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله, ننتقل إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018