الخطبة : 0007 - خُلُقُ الرسول صلى الله عليه وسلم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0007 - خُلُقُ الرسول صلى الله عليه وسلم .


1974-09-20

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
وبعد:

أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام :

عن عائشة أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :

(( كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ))

النبي عليه الصلاة والسلام كان خُلُقُه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه
وسئل هو - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الخلق الرفيع الذي يتحلى به فقال :

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

وكان ينصح أصحابه الكرام فيقول :

(( تخلقوا بأخلاق الله ))

وقد قال في حديث له :

(( ثلاث منجيات : خشية الله في السر والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ))

وقد كان صلى الله عليه وسلم متواضعا متيسرا من دون تكلف ولا تصنع ، يلقى بالبشر والتواضع لأبعد الناس وأقربهم وأصحابه ومن والاه وأهل بيته ومن وفد إليه .

 

عدي بن حاتم الطائي :

واسمعوا إلى عدي بـن حاتم يروي قصته وقد قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فتحت جيوش المسلمين بلاده وبعد أن فر إلى الروم هارباً يقول وقد كان يظن أنه سيلقى ملكاً في المدينة .
قال :
وجد عدي بن حاتم بيت النبي عليه الصلاة والسلام متواضعاً وقد كان يظن أنه سيلقى ملكاً
دخلت على رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم فقال :

(( من الرجل ؟ ))

فقلت :
عدي بـن حاتم .
فقام وانطلق إلى بيته فوا لله إنه لعامد إلى بيته إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته ، فوقف طويلاً تكلمه في حاجةٍ لها فقلت : ما هذا بملك ! ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بي بيته .
تناول وسادة من أدمٍ محشوةً ليفاً فألقاها إلي فقال :

(( اجلس على هذه ))

قلت :
بل أنت فاجلس عليها قال :

(( بل أنت ))

فجلست عليها وقلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال :

(( إيه يا عدي بـن حاتم ألم تكن ركوسيـاً ؟ ))

[ ركوسياً : دين بين النصرانية والصابئة ]

قلت :
بلى ، قال :

(( أولم تكن تسير في قومـك بالمرباع ؟ ))

قلت : بلى ، قال :

(( هـذا لا يحـل لك في دينك ))

قلت : أجل والله ، وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يُجهل ، ثم قال :

(( لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخولٍ في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها تزور هذا البيت لا تخاف ، ولعلك إنما يمنعك من دخولٍ فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ))

فأسلمت ...
ولقد عاش عدي حتى رأى القادسية والقصور البابلية مفتحةً للمسلمين .
وكان صلى الله عليه وسلم حكيماً رقيقاً في معاملته لأصحابه الكرام بخاصة والناس بعامة .

موقفه من الأنصار :

واسمعوا إلى كتاب السيرة يروون موقفه الحكيم من الأنصار إثر غزوة حنين وبعد أن وزع صلى الله عليه وسلم الغنائم واهتم اهتماماً بالمؤلفة قلوبهم وهم أولئك الأشراف الذين دخلوا الإسلام من قريب وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساعدهم على أنفسهم بهذا التآلف كما أعطى ذوي الحاجة من المقاتلين أما أولوا الإسلام المكيين فقد وكلهم إلى إسلامهم ولم يعطهم من الغنائم في هذه الغزوة شيئاً .
والذي نفس محمدٍ بيده: إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار
وكان عطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد العطاء شرفاً يحرص عليه جميع الناس وهكذا تساءل الأنصار في مرارة لماذا لم يعطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حظهم من الفيء والغنيمة ورأى زعيم الأنصار سعد بن عبادة بعضاً من قومه يتهامس بهذا الأمر فذهب من فوره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :
يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء قال فأين أنت من ذلك يا سعد قال يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا من ذلك قال فاجمع لي قومك فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال قد ـ
اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - تملى وجوههم الآسية وابتسم ابتسامة متألقة بعرفان جميلهم وتقدير صنيعهم - فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل ثم قال يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم وموجدة وجدتموها في أنفسكم ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف بين قلوبكم قالوا بل الله ورسوله أمن وأفضل قال ألا تجيبوني يا معشر الأنصار قالوا وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المن والفضل قال أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم فو الذي نفس محمد بيده إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم - فقد ملأت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم أفئدتهم رضىً وأرواحهم ثراءً وأنفسهم عافية - وقالوا رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا .
يا لها يا لها من حكمة ما بعدها من حكمة ، و يا لها من رقة ليس كمثلها رقة .
لقد كان عليه الصلاة و السلام جم التواضع وافر الأدب يبدأ الناس بالسلام وينصرف بكله إلى محدثه صغيراً أو كبيرا ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في يد المسكين وإذا جلس جلس حيث ينتهي المجلس بأصحابه ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته أو حاجة صاحب أو جار فكان يذهب إلى السوق و يحمل بضاعته ويقول أنا أولى بحملها و كان يجيب دعوة الحر و العبد والأمة و المسكين و يقبل عذر المعتذر وكان يرفو ثوبه ويخصف نعله و يخدم نفسه ويعقل بعيره ويأكل مع الخادم ويقضي حاجة الضعيف والبائس .
هذا التواضع و التياسر و هذه الرقة والحكمة صورة صادقة له بعيدةٌ عن التكلف و التصنع و لم ينقص هذا من هيبته و لا من محبته حتى أنه قد قيل في وصفه من رآه بداهة هابه ومن عاشره أحبه .
فإذا أردنا أيها الأخوة أن يكون لنا حظ من هذه الأخلاق فلنقبل على الله بملء قلوبنا و لنتجه إليه بكل جوارحنا وقد كان في رمضان هذه الصلة و موعد لهذا اللقاء وإن لم تبلغ ما مضى من أيام رمضان ما نصبو إليه .

أساسيات لتعامل مع اهل بيتك :

يا إخوة الإيمان نحن في شهر الصيام شهر التوبة و الغفران شهر التوبة والسمو النفسي والرقي الأخلاقي ومع ذلك فبعض الناس تسوء أخلاقهم في رمضان بحجة الصوم ولكن الصوم إذا اقترن بالإقبال على الله أدى إلى كل مكرمة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس أجود ما يكون في رمضان فهو كالمطر إذا استقبلته الريح وهل يلد الخير إلا الخير
فليكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا فلنقتف أثره ولنتبع سنته

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران ]

على الأب أن يكون قدوةً لأبنائه في سلوكه ومعلماً لهم في حديثه
إن أحبابه هم الذين ساروا على هديه واستمسكوا بسننه واقتفوا أثره وتخلقوا بأخلاقه فلنبدأ بنفوسنا فنصلحها ونهذبها ونزكيها .
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
ثم لنثن بأهلنا ومن نعول ، عن بكر بن الحارث الأنماري أنه قال : يا رسول صلى الله : من أبر قال :

(( أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ، ذلك حق واجب ورحم موصولة ))

هؤلاء عليك أن تبالغ في التردد إليهم من أن تطيعهم في معصية ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُــــمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾

[ سورة الإسراء ]

واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال:

(( ليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار ، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))

أما زوجتك فهي أم أولادك وعونك على دينك ودنياك .. واعلم أن المرأة خلقت من ضلع لين كما قال عليه الصلاة والسلام ، وقد وصفهن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهن المؤنسات الغاليات وقال :

(( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ))

ولكن من أن يقودك إكرامك لهن إلى معصية عندئذ تكون الزوجة شؤما على زوجها ومصيبة في دينه تسوقه إلى نار جهنم وهو لا يشعر .
أما أولادك فهم رعيتك في مملكتك ، وأهلك الأقربون .. كن قدوة لهم في سلوكك ومعلماً لهم في حديثك فإن كانوا صغاراً فتصابى لهم حتى يحبوك قال عليه الصلاة والسلام :

(( من كان له صبي فليتصابى له))

وإن كباراً فتجاوز عن أخطائهم حتى يوقروك جاء في الحديث الشريف :

(( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))

ولا تحنق عليهم بسبب شذوذ منهم لأن الشباب شعبة من الجنون كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( علموا أولادكم ولا تعنفوهم لأن المعلم خير من المعنف ))

وقد جاء في الحديث الشريف :
(لاعب ولدك سبعاً ))

 

حتى السابعة .

(( وأدبه سبعا ))

حتى الرابعة عشر .

(( وراقبه سبعاً ))

حتى الحادي والعشرين .

(( ثم اترك حبله على غاربه ))

أي دعه وشأنه .
المؤمن حريص على أن يكون كسبه حلال من خلال إتقان صنعته والقناعة في ربحه
أخي اجعل كسبك حلالاً بتأدية واجبك وإتقان صنعتك والقناعة في ربحك وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ))

واعلم يا أخي أن ما عند الله لا ينال بمعصية الله ، وأن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا ترده كراهة كاره ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام ورفعت الصحف .

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة فاطر ]

لذلك ارفع رأسك واخش ربك وأطع من بيده كل أمرك وإليه منقلبك ومصيرك ، واعلم أنه من أسخط الله في رضا الناس سخط الله وأسخط عليه من أرضاه ، ومن أرضى الله في سخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه من أسخط في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينيه .
أخي اجعل بيتك روضةً من رياض الجنة وذلك بقراءة القرآن والإكثار من ذكر الله ، والتحدث إلى الأهل والولد فيما يرضي الله ، ولا تجعله بؤرةً من بؤر الشيطان فلا تنغمس في الملهيات في هذا الشهر إكراماً له - كما يقولون .
ولا تنس أنه من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه ، ورمضان هو فرصتك إلى أن تولد من جديد إنساناً مؤمنا مستنيراً طيب النفس كريم السجايا .
قال الشيخ عبد الغني النابلسي :

كـن مـع الله تر الله مـعك واترك الكل وحـاذر طمعـك
لا تؤمل من سواه أمـــلا إنما يسقيك من قد رزقـــك
ثم ضع نفـسك بـالذل لـه قبل أن النفس قهراً تـضعـك

أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018