الخطبة : 1117 - الإسراء و المعراج - معاناة المسلمين هي دفع إلى باب الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1117 - الإسراء و المعراج - معاناة المسلمين هي دفع إلى باب الله.


2009-07-24

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الحق أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء :

     أيها الأخوة الكرام، قبل أيام مرت ذكرى الإسراء والمعراج، والوقائع والتفاصيل تسمعونها من عشرات السنين، لكن الذي أتمنى أن أوفق إليه المعنى الدقيق أو الاستنباط الذي يحتاجه المسلمون اليوم، فالله جلّ جلاله خلق الكون بسماواته، وأرضه، وخلق العوالم، وعلى رأسها الإنسان وفق أنظمة بالغة الدقة، ومن أبرز هذه الأنظمة نظام السببية وهو تلازم شيئين وجوداً وعدماً أحدهما قبل الآخر يسمي الإنسان الأول سبباً والثاني نتيجة.
     مما يكمل هذا النظام الرائع أن العقل البشري يقوم على مبدأ السببية، فالعقل لا يفهم حدثاً من دون محدث، ومن رحمة الله بنا أن هذا النظام في الكون وذلك المبدأ في العقل يقودنا برفق إلى مسبب الأسباب، إلى خالق السماوات والأرض، فالأقدام تدل على المسير، والماء يدل على الغدير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟
     ومن رحمة الله بنا أيضاً أن تلازم الأسباب مع النتائج يضفي على الكون طابع الثبات، ويمهد الطريق لاكتشاف القوانين، ويعطي الأشياء خصائصها الثابتة ليسهل التعامل معها، ولو لم تكن الأسباب متلازمة مع النتائج، ولو لم تكن النتائج بقدر الأسباب، لأخذ الكون طابع الفوضى العبثية، ولتاه الإنسان في سبل المعرفة، ولم ينتفع بعقله، لكن الله جلّ جلاله أكرمنا لكن حينما يعتقد الإنسان ـ الآن دخلنا في لب الموضوع ـ أن الأسباب وحدها تخلق النتائج، ثم اعتمد على الأسباب وحدها، ولم يعبأ بخالق السماوات والأرض، وقع في الشرك، عندئذ يتفضل الله على هذا الإنسان الذي وقع بالشرك الخفي فيؤدبه بتعطيل فاعلية هذه الأسباب، فيفاجأ بنتائج غير متوقعة، ومن ترك الأخذ بالأسباب متوكلاً في زعمه على الله فقد عصى، ومن أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها ونسي الله فقد أشرك.
     نحن أمام عالم غربي وعالم شرقي، العالم الغربي أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألهها، واستغنى عن الله عز وجل، فوقع في وادي الشرك، والعالم الشرقي لم يأخذ بها أصلاً فوقع في وادي المعصية، لا الفريق الأول على حق ولا الثاني على حق، ولكن الحق أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.

الشرك الخفي :

     أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

     هذا هو الشرك الخفي الذي قال عنه الإمام علي رضي الله عنه: " الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور وأن تبغض على عدل ".
     إنسان نصحك بأدب بينك وبينه لأنه تجرأ ونصحك تكرهه ؟! فأنت تؤله نفسك، أو أن تحب إنساناً ظالماً تنتفع به، هذا الحب لظالم أو الغضب من ناصح نوعان من الشرك، ونعوذ بالله من الشرك الخفي.

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي ))

[ورد في الأثر]

     شرك جلي، ليس هناك في العالم الإسلامي ـ والفضل لله عز وجل ـ شرك جلي، ليس في عالم المسلمين إله يعبد من دون الله كبوذا مثلاً، الشرك الجلي عافانا الله منه:

(( إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))

[ الترغيب والترهيب عن سليمان بن عمرو عن أبيه]

     ولكن مشكلة المسلمين في الشرك الخفي، " الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور وأن تبغض على عدل ".

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

     قال بعض المفسرين: ﴿ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾ هذا هو الشرك الخفي.

المعجزة برهان على صدق إرسال النبي ومصداقية منهجه :

     أيها الأخوة الكرام، هذه مقدمة للإسراء والمعراج، هذا النظام نظام السببية يخرق أحياناً متى وكيف ؟ حينما يأتي إنسان ويقول إنه رسول من عند الله، جاء ليبلغ منهج الله، ومعه منهج افعل ولا تفعل، لابدّ أن يطالبه الناس ببرهان، ما الدليل على أنك رسول الله ؟ ولأنه جاء بمنهج افعل ولا تفعل جاء بمحرمات، والذين ألفوا المحرمات، واستساغوا الشهوات، يرفضون هذا المنهج:

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

(سورة الرعد )

     فكيف يشهد الله للناس وقد أرسل إليهم رسولاً أن هذا الإنسان رسوله كيف ؟ وهنا تأتي المعجزة، وهي خرق للعادات، مقبولة عقلاً، مرفوضة عادة، السذج يرفضونها لم يألفونها، أما العقلاء، الذي قنن القوانين يلغي هذه القوانين، الذي فعل الأسباب يلغي تفعيل الأسباب.
     أيها الأخوة الكرام، المعجزة برهان على صدق إرسال النبي، و مصداقية منهجه، والمعجزة في بعض تعاريفها: خرق لنواميس الكون، ولقوانينه، ولا يستطيعها إلا خالق الكون، لأنه هو الذي وضع القوانين والنواميس، يعطيها لرسله لتكون برهاناً على صدقهم في إرسالهم، وصدقهم في إبلاغهم عن ربهم، والمعجزة كما قلت قبل قليل: ممكنة عقلاً غير مألوفة عادة، فهناك فرق كبير بين أن يحكم العقل على شيء باستحالته، وبين أن يعلن عجزه عن هذا الشيء، فعدم العلم بشيء ليس علماً بعدم ذلك الشيء.

 

حكمة الله عز وجل من وقوع سيدنا إبراهيم في أيدي قومه و إحراقه و تعطيل الأسباب :

     أيها الأخوة، كتطبيق عملي قوم سيدنا إبراهيــم ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ عبدة الأوثان، جاؤوا بسيدنا إبراهيم عليه السلام بعد أن حطم أصنامهم، وأوقدوا له ناراً هائلةً ليحرقوه، ليحرقوه أمام آلهتهم، ليكون إحراقه انتقامهم من سيدنا إبراهيم، وانتقاماً لآلهتهم، جاؤوا بالحطب، فأوقدوا النار العظيمة، كل شيء مُعدٌ لتمجيد آلهة غير الله سبحانه وتعالى، والسؤال هنا مناقشة دقيقة، لماذا سمح الله لهم أن يأتوا بإبراهيم ليحرقوه بالنار أمام آلهتهم، وهو رسول الله ؟ كان من الممكن أن يختفي إبراهيم عليه السلام ولا يظـهر، وعندئذ ينجو إبراهيم من الحرق، ولكنْ لو حدث هذا لقالوا: لو قبضنا على إبراهيم لأحرقناه، وعندئذ ستظل قوة الآلهة المزيفة مسيطرة على عقولهم، وأنها تنفع من يعبدها وتضر من يؤذيها، لذلك لابد من أن يقع سيدنا إبراهيم في أيديهم، قبضوا عليه، ليشهد القوم عجز آلهتهم المزعومـة أمام قدرة الله، وكان من الممكن أن يطفئ الله النار بسبب أرضي، كأن ينزل أمطاراً غزيرة جداً، فلو حدث هذا لقالوا: إن آلهتنا قادرة على أن تحرق إبراهيم، ولكن السمـاء أمطرت، ولو أن السماء لم تمطر لانتقمت آلهتنا منه بالحرق، ما الذي حدث ؟ الذي حدث لحكمة بالغة أن إبراهيم عليه السلام لم يختفِ، بل وقع في أيديهم، وأن النار لم تنطفئ، بل ازدادت اشتعالاً، ثم ألقوا بإبراهيم في النار، فإذا الله سبحانه وتعالى يعطل فاعلية الأسباب ـ هنا الشاهد ـ يعطل فاعلية الأسباب، ويبطل إحراق النار، وتكون النار برداً وسلاماً على إبراهيم، قال تعالى:

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )

     أحياناً الله عز وجل يؤخر الفرج إلى قبيل الدمار، ثم يتدخل ربنا جلّ جلاله لحكمة بالغة بالغة فيلغي كل تخطيط الطرف الآخر، ولنسأل أخوتنا المستمعين والحاضرين، ماذا سيكون لو أن الأمر الإلهي كان ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً ﴾ لألغي مفعول النار إلى أبد الآبدين، وماذا لو أن الله تعالى قال: يا نار كوني بردا لمات إبراهيم عليه السلام من البرد، قال تعالى: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً ﴾ لا إلى أبد الآبدين، ولكن:﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ على إبراهيم وحده، دقة النص: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً ﴾. لئلا يموت من البرد، ﴿ وَسَلَاماً ﴾. ولئلا يلغى مفعول النار ﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾.
     أيها الأخوة، هذه دقة القرآن الكريم.

 

بدء الآية بكلمة ﴿ سُبْحَانَ ﴾ تفيد أن الإسراء والمعراج لا يخضع لقوانين الأرض :

     الآن دخلنا في موضوع الإسراء والمعراج، قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

( سورة الإسراء )

     وقال في سورة أخرى:

﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) ﴾

(سورة النجم)

     أيها الأخوة الكرام، الآية عندما بدأت بقول الله عز وجل: ﴿ سُبْحَانَ ﴾. تفيد أن الإسراء والمعراج لا يخضع لقوانين الأرض، استثناء على غير قوانين الأرض، على غير النواميس، هذه معجزة والمعجزة شيء والإعجاز العلمي شيء آخر، الإعجاز سبق علمي، القرآن الكريم أشار إلى قانون اكتشف بعد ألف عام، ذاك إعجاز، أما المعجزة خرق لنواميس الكون، ولقوانين الكون، ولا تخضع هذه المعجزة للقوانين التي قننها الله عز وجل، هي شهادة الله للناس أو لنبيه هنا أنه رسوله.

 

الإسراء و المعراج تكريم من الله عز وجل لنبيه الكريم لأنه أراه فيها آياته :

     أيها الأخوة، العقل البشري لا يستطيع إخضاع حادث الإسراء والمعرج إلى قوانين العقل، وقوانين الواقع، إذاً هي معجزة، لكن الشيء الطبيعي أن الذي قنن القوانين في أية لحظة قادر على تغييرها، إما على إبطالها، أو على عدم تفعيلها، أو ما شاكل ذلك، فلذلك قالوا: المعجزة ليست مرفوضة عقلاً لكنها مرفوضة بالعادات والتقاليد.
     أولاً: هذه المعجزة تكريم من الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، لأنه أراه في المعراج آيات ربه، فعالم الغيب بالنسبة إلينا خبر، أما بالنسبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام شهود رأى بعينه مصائر البشر، مصائر العصاة، مصائر الطائعين، كل شيء أخبرنا الله به في القرآن الكريم بالنسبة إلينا خبر صادق، لكن بالنسبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام شهود واقع، فهو قد أراه ما سيكون، والله عز وجل كما يقولون: علم ما كان، وعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
     أيها الأخوة الكرام، أراد الله عز وجل أن يكون يقين النبي عليه الصلاة والسلام بما سيكون يقيناً حسياً لا إخبارياً، أي أنت قد يقال لك: في بيروت بحر ولم تر البحر في كل حياتك، هذا الخبر من صادق، أنت مصدق لهم، فرق بين أن يكون الخبر خبراً، أو أن يكون الحس واقعاً، أن تذهب إلى هناك، وأن ترى البحر، وأن تركب البحر، أراد الله عز وجل أن يكون عالم الغيب بالنسبة إلى النبي عالم شهود لا عالم غيب، نحن إيماننا باليوم الآخر إيمان إخباري يقيني، أما إيمان النبي باليوم الآخر إيمان شهودي معرفي.

أعلى درجات الرفعة عند الله أن تكون عبداً له :

     الآن: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾. هذه تكرمة عظيمة جداً أن إنسان ينطلق من مكة المكرمة، إلى بيت المقدس، ثم يعرج منه إلى السماوات العلا، ويبلغ أعلى درجة بلغها مخلوق إلى سدرة المنتهى، ويعود إلى فراشه، ولا يزال ساخناً، هذا خرق للنواميس، لذلك هذا الإنسان مهما نال هذا التكريم، وذاك التعظيم هو عبد لله، إذاً أعلى درجات الرفعة عند الله أن تكون عبداً لله.
     والحقيقة أيها الأخوة، كلما خضعت لله رفع شأنك، وكلما افتقرت إليه نصرك، وكلما قلت: أنا، تخلى عنك، ونحن جميعاً بحاجة ماسة إلى تجربتين، تجربة بدر وحنين، في بدر قال الصحابة الكرام الله، فنصرهم، وتولاهم، وأكرمهم، ورفع شأنهم، هم هم، ومعهم سيد الخلق في حنين قالوا:

(( لن نغلب من قلة ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عباس ]

     فتخلى الله عنهم ولم ينتصروا:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

     هذا الدرس أيها الأخوة، نحتاجه كل ساعة، حينما تعتد بعلمك، بخبراتك، المتراكمة، بعشيرتك، بقبيلتك، حينما تعتد بمالك، حينما تقول: الدراهم مراهم تحل بها كل المشكلات، حينما تعتد بما سوى الله وقعت في الشرك، ولا بد من التأديب، والله أعرف أخاً أظنه صالحاً ـ ولا أزكي على الله أحدا ـ بجلسة، مؤمن صائم مصلّ لكن توهم أن المال تحل به أية مشكلة، قالها جهاراً نهاراً فإذا به يمكث في المنفردة أربعة و ستين يوماً، وفي كل يوم تأتيه مئات الخواطر، الدراهم مراهم ؟ هل تحل هذه المشكلة بالدراهم ؟ العبرة من هذا الدرس، من الإسراء والمعراج أن الله أعطى لكل شيء سبباً، أنت إذا توهمت أن هذا السبب يخلق النتيجة وقعت في الشرك، أراك الله عز وجل كيف أن هذه الأسباب من خلق الله عز وجل قد يفعلها وقد لا يفعلها.

 

الدروس المستفادة من الإسراء و المعراج :

1 ـ الإيمان بالله و الأخذ بالأسباب و التوكل على رب الأرباب:

     لذلك:

(( إنَّ لكلِّ دَاء دَوَاءً، فإذا أُصِيبَ دواءُ الدَّاءِ، بَرَأ بإذن الله ))

[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]

     لا يكفي أن تأخذ الدواء لابدّ من أن يسمح الله للدواء أن يفعل فعله، فأنت مع المرض بحاجة إلى أن تأخذ بالأسباب، وأن تدعو الله أن يشفيك، وأنت في الحقيقة مع أي شيء، تسافر تراجع مركبتك، بعد أن تراجعها مراجعة دقيقة جداً تقول: يا رب أنت الحافظ، أنت المسلم، احفظني، هذه بطولة دائماً أخذ الطرف سهل، أما أن تجمع بين الطرفين تحتاج إلى إيمان كبير، الإنسان إذا أخذ بالأسباب بدقة بالغة يعتمد عليها، وينسى خالق الأسباب، وإن لم يأخذ بها وقع في المعصية، وكأن العالم الإسلامي اليوم لم يأخذ بالأسباب، مؤمن لكن لم يعد لأعدائه العدة، أعدوا لنا ولم نعد لهم، أعدوا لنا من مئتي عام، الآن تحكموا بمصائر البشر، فرضوا علينا إباحيتهم عبر الصحون، فرضوا علينا ثقافتهم، فرضوا علينا عاداتهم وتقاليدهم، لأننا لم نعد لهم، لأننا لم نأخذ بالأسباب، لا يمكن أن تنال من الله شيئاً إلا إذا آمنت به أولاً، وأخذت بالأسباب ثم توكلت على رب الأرباب، هذا هو الدرس الأول من الإسراء والمعراج.

2 ـ الإسراء و المعراج مسح لجراح الماضي:

     شيء آخر: الإسراء والمعراج مسح لجراح الماضي، اعتقد يقيناً أنك إذا كنت مستقيماً أن بعد كل محنة منحة، وبعد كل شِدة شَدة، أية محنة تصيب المؤمن بعدها منحة من الله، وأية شدة تحيط بالمؤمن بعدها شدة إلى الله، ما المحنة التي سبقت الإسراء والمعراج ؟ الطائف، مشى على قدميه ثمانين كيلو متراً في جبال وعرة ليصل إليهم، وليدعوهم إلى الله عز وجل، فكذبوه، وسخروا منه، وأغروا صبيانه أن ينالوا منه، ونالوا منه، وسال الدم من قدمه الشريف، فقال:

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]

     والمسلمون اليوم يشكون ضعف قوتهم، وقلة حيلتهم، وهوانهم على العالم كله:

(( يا رب المستضعفين، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر، وفي سنده ضعف ]

     والله ما من دعاء أبلغ في هذه المحنة من هذا الدعاء، ويحتاجه المسلمون اليوم، إلا أن الله عز وجل أراد أن يعرف الخلائق من هو هذا الإنسان، مكنه أن ينتقم، جاءه ملك الجبال، و قال له: يا محمد

(( إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ـ الجبلين دمار كامل، إنهاء لوجودهم، من هو محمد صلى الله عليه وسلم ؟ ـ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ))

[ متفق عليه عن عائشة]

     اعتذر عن قومه، ودعا لهم، وانتمى إليهم، هذا مقام النبوية، أحياناً المصائب ترقى بك إلى أعلى عليين، هناك مصائب تأتيك بسبب إيمانك، بسبب استقامتك، بسبب ورعك، بسبب ولائك لله عز وجل تقول: لا بملء فمك، يسوق لك بعض الشدائد ليكون لهذا القرار البطولي ثمناً تزهو به يوم القيامة، أوضح مثل مطعم يبيع خمراً، تاب إلى الله توبة نصوحة، الغلة هبطت إلى العشر، دفع ثمن هذا القرار البطولي، هذا القرار البطولي يحتاج إلى ثمن، فإن كان ليس له ثمن لا قيمة له، الإنسان إذا دعا إلى الله هناك من يعارضه، هناك من يفتري عليه، هناك من يشوه سمعته، هناك من يوقع بينه وبين الآخرين:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ (31) ﴾

( سورة الفرقان )

3 ـ الإسراء و المعراج منحة بعد محنة وشدة بعد شدة:

     أيها الأخوة، الإسراء والمعراج منحة بعد محنة، وشدة بعد شدة، وهذا ينطبق على كل مؤمن، إذا كنت مستقيماً، ولأنك مستقيم، ولأنك ورع، ولأن ولاءك لله، رفضت شيئاً مغرياً، فعوقبت على رفضك، هذه ليست مصيبة عقاب لا أبداً هذه مصيبة امتحان، هذه مصيبة ترفع شأنك عند الله، ترفع قدرك، هذا الذي حكم عليه بالإعدام من أربعين عاماً، عالم كبير جاؤوا له بشيخ ليلقننه الشهادة لئلا يموت كافراً، لقنه الشهادة، فقال له: أنا أموت من أجل لا إله إلا الله أما أنت فترتزق بها.
     الإنسان أحياناً يدفع ثمن استقامته حياته، أصحاب الأخدود لأنهم رفضوا أن يقولوا هذا الملك إله:

﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) ﴾

( سورة البروج )

     أحياناً ذنبك الوحيد أنك مؤمن، ذنبك الوحيد أنك مستقيم فقط، هذا أكبر ذنب في مجتمع الكفر، فيا أيها الأخوة، درس الإسراء والمعراج نحن في أمس الحاجة إليه.

 

الإسراء والمعراج تكريم عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم بعد امتحان صعب جداً :

     إذاً كان الإسراء و المعراج مسحاً لجراح الماضي، وتثبيتاً لقلب هذا النبي الكريم، و تطميناً له على مستقبل الدعوة، وتعويضاً له عن جفوة الأرض بحفاوة السماء، وعن قسوة الناس بتكريم الملأ الأعلى، لقد كان الإسراء والمعراج تكريماً فريداً من نوعه، لقد عرف الله نبيه بعد محنة الطائف أنه سيد ولد آدم، وأنه سيد الأنبياء والمرسلين، وأن الله أقسم بعمره الثمين، فقال:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72) ﴾

( سورة الحجر )

     لقد أراه ملكوت الأرض والسماوات، وما تؤول إليه الخلائق بعد الممات، لقد كان الإسراء والمعراج عقب عام الحزن، ففي هذا العام توفيت السيدة خديجة صدّيقة النساء التي حنت عليه ساعة العسرة، وواسته في أيام الشدة بنفسها ومالها، في هذا العام أيضاً توفي عمه أبو طالب الذي أظهر من النبل في كفالته، ومن البطولة في الدفاع عنه الشيء الكثير، وقد نالت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم تنل منه في أي وقت مضى، وفي هذا العام بالذات خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ـ محنة وراء محنة ـ يلتمس هداية أهلها، إذا كان الإسراء والمعراج تكريماً عظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم بعد امتحان صعب جداً، فما هذا الامتحان الصعب الذي اجتازه النبي، هذا درس لنا أيها الأخوة، حينما تأتي مصيبة بسبب استقامتك، بسبب دينك، بسبب إيمانك، هذه المصيبة وسام شرف لك، هذه المصيبة ترفعك إلى أعلى عليين، ولك بسيد المرسلين القدوة والأسوة.

 

الصبر أحد خصائص المؤمن :

     إن ما لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم من مختلف ألوان المحنة، ولاسيما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف، إنما كان من جملة أعماله التبليغية، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يبلغنا العقيدة الصحيحة عن الكون، وخالقه، وحقيقته، وعن الحياة، وعن الإنسان، ورسالته، وعن أحكام العبادات والمعاملات، وعن مكارم الأخلاق، كذلك جاء ليبلّغ المسلمين، هناك تبليغ شفهي وهناك تبليغ عملي، كذلك جاء ليبلّغ المسلمين عن طريق السلوك العملي، أن ما كلفهم الله به من واجب الصبر والمصابرة يجب أن يكونوا في مستواه، فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) ﴾

( سورة آل عمران )

     الصبر أحد خصائص المؤمن:

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

     كأن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ بسلوكه قيمة الصبر، الطائف، موت خديجة، موت عمه، الآن جاءت المكافأة بعد حين، دائماً وأبداً تتأخر المكافآت ليظهر صدق الصادق، وليظهر كذب الكاذب، وطن نفسك قد تكون في أعلى درجات الاستقامة والأمور ليست كما تتمنى، إنك في امتحان صعب، كلما علا قدرك عند الله كان الامتحان أصعب:

(( أشد الناس بلاء الأنبياء، وأنا أشدهم بلاء، ثم العلماء ثم الأمثل فالأمثل ))

[أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]

     يبتلى المرء على قدر إيمانه.

 

انعدام التناقض بين الألم الذي ينتاب الإنسان من بعض الشدائد وبين الصبر :

     أيها الأخوة الكرام ماذا قال في الطائف ؟ " اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون " هذا مقام النبوة، عندك إمكان إذا شخص تطاول عليك لأنه جاهل أن تدعو له ؟ هو قدوة لك ـ أن تدعو له وقد تطاول عليك ـ هذا مقام النبوة.
     أيها الأخوة، ليس بين الألم الذي ينتاب الإنسان من بعض الشدائد وبين الصبر أي تناقض أبداً، طبيعة الإنسان تحب الرخاء، تحب السلامة، تحب الراحة، تحب الغنى، تحب التيسير، فإذا جاءت الأمور على غير ما تريد فقل: الحمد لله على كل حال.
     " عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان ذلك له خير، وإن أصابته ضراء صبر فكان ذلك له خير " وليس ذلك لغير المؤمن ".
     أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الله تعالى لن يتخلى عن المسلمين لكن يؤدبهم ليدفعهم إلى بابه :

     أيها الأخوة، أتمنى أن تقرأ السيرة قراءة استنباطية، أن تسقط أحداث السيرة على واقعنا، لن ننتفع بالسيرة إذا قرأناها بعيدة عن واقعنا، لن ننتفع بالسيرة إذا اكتفينا أن نعظم النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي أن نعظمه، وأن نتبعه، ينبغي أن نعظمه، وأن نقتدي به، ينبغي أن نعظمه، وأن نأخذ من الدروس التي علمنا إياها، فلابدّ من أن تقرأ السيرة في ضوء الواقع المعاصر، حرب عالمية ثالثة معلنة على المسلمين في شتى أرجاء الأرض، هناك من يقول انتهينا، هناك من ييأس، هناك من يدخل في الإحباط، في الطريق المسدود، لكن المؤمن لا ييأس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما عاد من الطائف قال له سيدنا زيد: يا رسول الله أتعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ كان الجواب كلمة والله لا أنساها حتى الموت، قال: " إن الله ناصر نبيه ".
     الله لن يتخلى عن المسلمين لكن يؤدبهم، واقع المسلمين كإنسان معه التهاب معدة حاد، وآخر معه ورم خبيث منتشر، الثاني يقول الطبيب له: كُلْ ما تشاء، ميؤوس من شفائك، أما الأول فيخضعه الطبيب لحمية شديدة جداً، وإن شاء الله نحن في العناية المشددة، نعاني ما نعاني هذه المعاناة هي دفع إلى باب الله، هذه المعاناة من أجل أن نتقرب إلى الله:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018