الخطبة : 0006 - أسرار الصيام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0006 - أسرار الصيام .


1974-09-13

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ الذي بنعته تتم الصالحات ، وبنور وجهه تشرق الظلمات ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أهل التقوى وأهل المغفرة ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اتقى الله فوقاه ، واعتصم به فكفاه ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعترته أجمعين .

الغاية الحقيقة من الصوم :

اسرار الصيام :
وبعد : فقد جاء شهر الصيام ، وكل منا متلهف إلى قدومه ، والحمد لله ، ولكن لا ينبغي للمؤمن أن يكون كالناقة التي عقلت لا تدري لم عقلت ، ولا تدري لم أطلقت ، لا يدري لم صام ولا يدري لم أفطر...
حقيقة الصيام
إن العبادات أيها الأخوة ومنها الصيام لها غايات كبرى وحكم عظمى فإن لم نبلغها فلا أقل من أن نعرفها حتى نسير نحوها وفي طريقها .
فإذا ما خلت العبادات من هذه الغايات ، انقلبت إلى طقوس ووثنيات ، وقد جاء الإسلام ليحرر الإنسان من الجمود و العبوديات .
فالله تعالى غني عن تجويعنا وتعذيبنا ، غني عن عبادة تبدأ بترك الطعام وتنتهي بتناوله .
إن ترك الطعام والشراب ليس بشيءٍ إذا ما قيس بما يتبعه من منهيات .
فلماذا فرض الله علينا الصيام ليس علينا فحسب - نحن المسلمين- بل على الذين من قبلنا كما جاء في القرآن الكريم ..؟
قالوا من أجل أن نحس بجوع الفقير ، وقالوا من أجل أن صحتنا ، وقالوا من أجل أن
اقتصادنا ، وقالوا من أجل أن عبوديتنا لله عز وجل ...
كل هذا صحيح ، ولكن الأصح من ذلك أن نرجع إلى كتاب الله فننظر في حكمة الصيام وغايته كما جاءت فيه و ها نحن أولاء نستمع إليه وهو يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الأية : 183 ]

إذا من أجل التقوى والتقوى ما هي ؟ أهي الطاعة كما يقول بعضهم ؟ لقد وردت آيات التقوى في القرآن الكريم أكثر من مائتين وخمسين مرة ...
فلم كل هذا التركيز عليها ؟...
التقوى هي الوقاية من مخاطر الحياة المتمثلة بالمغريات والشهوات
الحقيقة يا إخوتي أن التقوى لغةً من ( وقى ) والوقاية لا تكون إلا من الخطر والحياة محفوفة بالمخاطر , فهي خضرة نضرة سمها في دسمها فيها منزلقات ومتاهات ، نساؤها حبائل الشيطان ، ومالها يغري ويشقي ، والأهل والولد ركون واستغناء ، وشهواتها مستعرة في أبهى حللها ، وفتنها يقظة في أجمل أثوابها ، وزخارفها وزينتها في أوج اتقانه .
فكيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه المغريات ؟
وكيف ينجو من خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟
وكيف يترفع عن المزاحمة في جمع الثروات ؟
وكيف يصمد أمام إغراء النساء الفاسقات ؟
وكيف يرى كسبه حرام هو أم حلال ؟
وكيف يرى إنفاقه أفي طاعة الله أم في معصيته ؟
قد يقول أحدكم ليس ينجيا منها إذا إلا أن نأوي إلى صومعة في جبل شاهق فنتقي بها هذه المغريات والفتن .
ونقول له إن الإسلام دين متوازن لا يقر الانزواء عن الناس ولا التقوقع على الذات ولا الهروب في الملمات ، ولا يقر المواقف السلبية , ولا التواكل البغيض ، ولا العجز الكسول .
هذه المغريات والفتن لا تتقى بالهروب منها ، ولا بالقفز عليها ..!
هذه المغريات والفتن لا تتقى إلا بمواجهتها بنور ساطع كشاف يظهر حقيقتها ونتائجها لابد من نور ساطع كشاف يظهر حقيقة هذه المغريات ونتائج الانغماس في الشهوات ونهاية جمع المال والثروات ، وكيف تكون حياة من أغواه الشيطان بحبائله ، وكيف يكون الكسب الحلال ولإنفاق الصحيح ، وما جدوى المباغتة في الزخرفة والتزيين .
كما لابد للسمكة إذا أرادت النجاة من ترى الشص الكمين في الطعم اللذيذ .
هذا النور أيها الإخوة ؛ ليس كنور الشمس يكشف لك ظواهر الأشياء وصورها ولكنه نور رباني ينفذ إلى بواطنها فيكشف لك حقيقتها ونتائجها ومؤداها وخيرها من شرها وحقها من باطلها وصحيحها من زائفها .
تتفتح البصيرة بنور الله، فتقبل على الخير وتتقي الشر، وهذه هي حقيقة التقوى
فلو وضعت يدك وأنت مغمض العينين على شيء ناعم الملمس لين المجس إنسيابي الخطوط ثم فتحت عينيك فإذا هو حية رقطاء في نابها السم الناقع عندها تنتفض مذعوراً منها لقد ركنت إلى ملمسها الناعم و مجسها اللين حينما جهلتها ، وابتعدت عنها حينما رأيت سمها وكذلك الدنيا تغر وتضر وتمر كما قال عليه الصلاة والسلام .
فهناك البصر والبصيرة ، فبنور الشمس تبصر فترى ظواهر الأشياء وبنور الله تتفتح بصيرتك فترى حقائقها , ونتائجها فتقبل على الخير , وتتقي الوقوع في الشر ، وهذه هي حقيقة التقوى التي شرع الصيام من أجلها :

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[ سورة الحج الأية : 46 ]

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[ سورة طه الأية : 124-126 ]

أي كذلك كنت أعمى في الدنيا .
وقال الإمام الغزالي : التقوى نور يقذفه الله في القلب ...
أما الإمام فقد شكا إلى شيخه و كيع سوء حفظه فقال :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاص

ففي التقوى_ يا إخوتي _ نجاة من كل سوء وراحة من كل مجاهدة فالتقي لا يتجشم مشقة ولا عناءً في اجتناه المعاصي لأنه يرى حقيقتها ومؤداها كما أن من رأى الأفعى لا يحتاج إلى جهد في إقناع نفسه كي يبتعد عنها .
إن العقبة الكبرى أيها الأخوة هي هذه الرؤية فإن صحت عرف العبد الخير من الشر والحق من الباطل والنافع من الضار ولسنا بحاجة بعدها إلى أن نحمله على اتباع الحق والخير لأن الإنسان بدافع من فطرته وحبه لذاته يتمنى لنفسه كل خير ويكره لها كل سوء .
لذلك كان نبينا الكريم يدعوا فيقول :

(( اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ))

(( اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل ، أو أزل أو أزل ، أو أظلم أو أظلم ، أو أجهل أو يجهل علي ))

رمضان والطريق إلى مرضات الله :

والآن إلى القرآن الكريم لنر ما يؤيد هذه الحقائق أو لترو أن هذه الحقائق مستقاة من آياته البينات .
قال تعالى :

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور الآية : 35 ]

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 257 ]

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ﴾

[ سورة الرعد الآية : 16 ]

﴿ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾

[ سورة النور الآية : 40 ]

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 122 ]

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد الآية : 28 ]

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 183 ]

الصيام فرصة سنوية لإخراج الإنسان من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات
فالصيام في ضوء القرآن الكريم فرصة سنوية لإخراج الإنسان من الظُّلُمَات إلى النُّور من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات من ظلمات الشهوات إلى نور القربات من السير المضني وراء المال والثروات إلى نعيم التقلب في رحمة الأرض والسماوات ، من الأثرة إلى المؤاثرة ، من المصلحة إلى المبدأ ، من الشهوة إلى العقل ، من دنس المادة إلى طهر الروح ، من شقاء الحياة إلى نعيمها .
والصيام فرصة سنوية لإخراج المؤمن من مرتبة العباد الطائعين إلى مرتبة العلماء المستنيرين ، وشتان بين المرتبتين .
أيها الأخوة ؛ إنكم لن تبلغوا درجة التقوى و الإستنارة بنور الله إلا إذا اتصلتم به ، واستعذتم به واعتصمتم بحبله ، ولن يكون ذلك إلا بالاستقامة على أمره والعمل الصالح من أجله , ورمضان فرصة ذهبية لهذه الصلة .
لذلك
عن أبو هريرة قال عليه الصلاة والسلام :

(( من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه ))

[ صحيح عند ابن خزيمة ]

فمن أجل أن يكون صومكم طريقاً إلى التقوى يجب أن يكون صحيحاً و لا يصح بترك الطعام والشراب فحسب , لأن ترك الطعام والشراب فقط ليس بشيءً كما قال الرسول الأعظم صلوات الله عليه :

(( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع ، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر ))

الصيام الصحيح هو صيام الجوارح عن المعاصي والشبهات وتتبع العورات
فيا أيها الأخوة لا تجعلوا صيامكم جوعاً وعطشاً ، ولا تجعلوا قيامكم تعباً وسهراً ، لا تجعلوا صيامكم عادةً من عوائدكم تؤدونها كل عام وأنتم ساهون لاهون ، لا تجعلوا صيامكم بعيداً عن أقوالكم وأفعالكم ، لا تجعلوا صيامكم حسرةً في قلوبكم يوم جمعكم .
لتصم أفواهكم عن الطعام والشراب ، ولتصم سائر جوارحكم عن المعاصي والشبهات
صونوا أعينكم عن النظر إلى المحرمات وتتبع العورات .
صونوا ألسنتكم عن لغو الحديث , وعن الغيبة والنميمة والبهتان .
صونوا آذانكم عن الاستماع إلى الملهيات .
صونوا أيديكم عن البطش والأذى .
صونوا أرجلكم عن السير إلى بؤر الشيطان .
صونوا قلوبكم عن كل خاطر تستحيون من الجهر به .
إذا صمتم هكذا كانت الصلوات الخمس ولاسيما صلاة التراويح مائدة ربانية إليها تجلسون ومن شهدها وثمارها تأكلون ، عن أبو هريرة رضي الله عنه قال قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِني أبيتُ يُطعمني ربي ويَسقيني ))

[ صحيح عند ابن خزيمة ]

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 183 ]

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018