الخطبة : 0008 - العمل الصالح . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0008 - العمل الصالح .


1974-09-27

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

أمثلة قرآنية :

أيها الإخوة ؛ في القرآن الكريم قصص بليغةٌ ومواعظ مؤثرةٌ منها قصة أصحاب الجنة التي ورد ذكرها في سورة " القلم " حيث قال الله تعالى :

 

﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴾

[ سورة القلم الآيات : 10-21 ]

أي ليقطفن ثمارها ولا يتركون منها شيئاً للفقراء ..

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

[ سورة القلم الآيات : 19-20]

ذكر الله تعالى القصص في القرآن لتكون عظةً لنا وعبرة
أي طاف عليها بلاء فذهب بكل ثمرها ..

﴿ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾

أي يتحدث بعضهم إلى بعض سراً ..

﴿ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴾

[سورة القلم الآيات : 24-25]

أي انطلقوا في الغداة سحراً ليتمكنوا من تنفيذ مأربهم ، وهو حرمان الفقير من حقه .

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾

[سورة القلم الآيات : 26-27]

أي شكوا في أن تكون هذه البساتين وقد أصابه البلاء بساتينهم .

﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة القلم الآيات : 27 -33 ]

أيها الإخوة الكرام ؛ ذكرت هذه القصة في القرآن صورة لتكون عظة لنا وعبرة ، ولكن مثلها يتكرر في حياتنا كل مرة ، لتكون تأكيداً لحقائق القرآن ، وتثبيتاً لوقائعه وتطميناً لقلوب المؤمنين ، تحذيراً للعتاة العاصيين ، وموعظة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

الحث على الإنفاق :

أيها الإخوة الكرام ؛ ماذا فعل أصحاب هذه البساتين حتى أتلف الله لهم ثمارها وحرمهم من خيراتها لقد أرادوا أن يحرموا المسكين من حقه ، الذي ذكر في صريح القرآن حيث قال تعالى :

﴿ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة المعارج الآيات : 24-25 ]

ووجدوا أن إعطاء المسكين حقه ينقص غلالهم ، ولو أنهم عرفوا ربهم وعرفوا إكرامه ، لو أنهم عرفوا ربهم وسبحوه ، لطهُرت نفوسهم من الشح والبخل ، ولكنهم لم يصحُوا من غفلتهم إلا بعد أن حلَّ البلاء بهم وأصبحت بساتينهم خاوية على عروشها ، ولا يظلم ربك أحداً .
صاحب المال أمينٌ عليه وليس مالكاً له، وعليه أن يعطي كل ذي حقٍ حقه
أيها الإخوة الكرام ؛ إن صاحب المال أمين عليه وليس مالكاً له ، وعليه أن يعطي كل ذي حق حقه أما نصيب الفقراء والمساكين ، في يد صاحب المال عليه يد الأمانة ، ومن أبلغ الخيانة أكل الأمانة .
فليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت .
يا أخي المؤمن ؛ إذا أردت لتجارتك أن تروج وبصنعتك أن تزدهر ، ولدخلك أن يزداد ولمالك أن يبارك الله لك فيه فأعط حق السائل والمحروم ، إنه حق لهم وليس منةً وفضلاً منك ، فقد جاء في صريح القرآن قوله تعالى :

﴿ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

[ سورة المعارج ]

واعلم أنه ما نقص مال من صدقة ، وقد جاء في الحديث القدسي :
أبو هريرة رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال 'قال الله عز وجل :

(( يا ابن آدم ، أنفقْ أُنفِقْ عليك ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ]

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال عليه الصلاة والسلام لبلال رضي الله عنه :

(( أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))

[ رواه البزار والطبراني ]

الصدقة والإنفاق من العمل الصالح :

أيها الإخوة ؛ إذا أقر الإنسان بوجود الله ووجدانيته ، وإذا آمن بملائكته ، وكتبه ورسله فما زاد عن أنه أهتدى إلى الحقيقة ، التي لا ريب فيها , وإذا ترك الإنسان المنكر واجتنب المعاصي ، وزهد في الدنيا فما زاد عن أنه تعجل الراحة لقلبه ، والسلامة في حياته .
ولكن السمو النفسي والرقي الأخلاقي والتقلب في رحمة الله والتنعم في قربه والفوز بمودته ، لا يكون كل ذلك إلا بالعمل الصالح لا يكون كل ذلك إلا بالإنفاق الخالص ، قال تع

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

وقال أيضاً :

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[ سورة فاطر الآية : 10 ]

أيها الإخوة الكرام ؛ استمعوا إلى قوله تعالى :

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية :177 ]

الإيمان في القرآن لا ينفصل عن العمل الصالح أبداً
أرأيتم , أيها الإخوة ؛ كيف أن الإيمان في القرآن لا ينفصل عن العمل الصالح أبداً ، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والعبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة ، تغدو جوفاء خرقاء إن لم تسبقها استقامة ويخالطها عمل صالح ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( والله لترك دانق من حرام خير من ثمانين ألف حجة بعد حجة الإسلام ))

والدانق سُدس الدرهم
وقال أيضاً :

(( لأن أعين أخي المؤمنون على حاجته أحبُّ إليَّ من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام ))

وقال تعالى :

 

﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 158 ]

ولكن العمل الصالح والإنفاق والصدقة لا يُقبل كل ذلك إلا إذا كان خالصاً لله عز وجل ، منزهاً عن كل غرض ، نقياً من كل شائبة .
فيا أخي المؤمن ؛ راقب نفسك وأجب عن هذا السؤال :
هل تحب أن تنفق علانية ليتحدث الناس عن إحسانك وفضلك أم تحب أن تنفق سراً لتكون مخلصاً لربك طالباً رضاه وقربه ؟ ..
قال تعالى متحدثاً عن إخلاص عباده المؤمنين :

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان الآية : 9]

وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا معاذ :

(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))

فرب درهم سبق ألف درهم ، درهم أنفق في إخلاص سبق ألف درهم أنفق في رياء .
ولكن إذا أنفقت علانية من أجل تشجيع الناس على عمل الخير فلا تقلل هذه العلانية بهذه النية من قيمة عملك بل تزيدها ، ولكن لا تجوز العلانية إذا أدت إلى جرح مشاعر المتصَدَق عليه .
الإنفاق في السر أفضل، وأن ينفق المؤمن مما يحب
ثم اعلم يا أخي أنك لن تنال البر حتى تنفق مما تحب ، وقد اعتاد بعض الناس أن يسارعوا إلى إنفاق ما يكرهونه من طعام وشراب وملبس وحاجات ، هذا الإنفاق مما تكره لا يقرب العبد إلى ربه ، ولا يفتح له أبواب رحمته ، قال تعالى :

 

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 92 ]

وقال أيضاً :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 267 ]

وكثير من الناس يلقي بما له جزافاً لمن يستحق ولمن لا يستحق ، وهو يظن أنه يعمل صالحاً ويتقرب إلى الله .
أيها الأخ الكريم ؛ ليس لك أجر في صدقتك وفطرتك إلا إذا اجتهدت كي تعطيها للمستحق حقاً فإذا اجتهدت وأصبت فلك أجران ، وإذا اجتهدت وأخطأت فلك أجر واحد وإذا لم تجتهد في البحث عن المستحق فليس لك أجر أصبت أم لم تصب ، لأن في هذا العمل حرمان لمن يستحق ، ومنح لمن لا يستحق واعلم أن ذوي القربى من المستحقين أولى من الأباعد منهم ، و الأقربون أولى بالمعروف .
وعليك أن تعطي مالك للمؤمن قبل غيره لأنه سيقوى به على طاعة الله ، أما غير المؤمن فربما قوي به على معصية الله .
وإذا اضطررت إلى التصدق على غير المؤمن فلتكن صدقتك عيناً لا مالاً ، فبهذا تضمن تحقق هدفك من الصدقة .
ومن الناس ولا سيما بعض التجار مَن إذا أُلزموا كارهين على دفع بعض المال لجهة أو لأخرى ، ومن إذا غبنوا في بيع أو شراء أو دين عدَّ ذلك من حساب الزكاة ، وهذا لا يجوز في الشرع الحنيف ، لأن النية وهي أساس العمل الصالح فقدت حينما أكره على الدفع ، والاستحقاق لم يتوافر حينما غبن ، وقد قال الله تعالى :

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 60]

ومن علائم المستحقين للصدقة أن الجاهل بحالهم يحسبهم أغنياء من التعفف ، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا .
وهناك أناس يبخلون في حياتهم ولا يتصدقون ، حتى إذا أشرفوا على الموت بادروا إلى الصدقة وبالغوا في السخاء .. وقد سئل عليه الصلاة والسلام ، أي الصدقة أعظم قال :

((أن تتصدق وأنت صحيح شحيح ، تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ))

وقال أيضاً :
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال :

(( لان يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق بمائة درهم عند موته ))

[ أخرجه أبو داود ]

ويا أخي ؛ إذا بلغت مستوىً من البذل والعطاء فحافظ عليه ، لأن وجهة النفس إلى ربها تبقى ما بقي هذا البذل والعطاء ، فهو كالغذاء الروحي لها .
عن عائشة رضي الله عنها قالت قال عليه الصلاة والسلام :

(( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد ]

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ
واعلم يا أخي المؤمن ؛ أن الإنفاق والبذل يجب أن يكون في الفقر والغنى والعسر واليسر ، والصحة والمرض ، والقوة والعجز ، ومع ذلك فقد يصح الإنفاق والتصدق أحياناً من أجل حاجة تروم قضاءها ، أو من أجل بلاء تريد أن يصرفه الله عنك ، أو من أجل مرض ترجوا أن يشفيك الله منه ، أو من أجل ضيق في الرزق تأمل له التوسعة :

(( فمن أراد أن تستجاب دعوته ، وأن تكشف كربته ، فليفرج عن مُعسر ))

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال :

(( بادِرُوا بالصدقة ، فإنَ البلاء لا يتخطَّاها ))

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( وداووا مرضاكم بالصدقة ))

[ رواه الطبراني في الأوسط ]

طبعاً بالإضافة إلى المعالجة الطبية .
عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[رواه الطبراني في الأوسط ]

وهناك من الأعمال ما يتتابع أجره ، حتى بعد الموت ، ومن أبرز هذه الأعمال الصدقة الجارية ، عن أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو عمل ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ))

[ صحيح عند ابن خزيمة ]

الإنفاق لا يقتصر على المال فحسب، ولكن هناك إنفاق العلم والجاه والوقت
يا أخوة الإيمان ؛ لا يقولن أحدكم لا أجد ما أنفق ، فالإنفاق ليس مقصوراً على المال فإن رُزقت مالاً ، فانفق منه ، فإنه ما نقص مال من صدقة ، وإن رُزقت علماً فانفق منه ، فالعلم يزكو ( أي يزيد ) على الإنفاق ، وإن رُزقت جاهاً أو سلطاناً فأنفق منه ، وأعن الضعيف على بلوغ حقه ، ويزيدك الله بهذا قوة إلى قوتك ، ولا تحقرن من المعروف شيئاً فتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ، وإرشادك الرجل في أرض الضلال هو لك صدقة ، وإذا لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم .
وأفضل الصدقة جهد المقل .
عن أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( سبق درهم مائة ألف قالوا يا رسول الله كيف يسبق درهم مائة ألف قال رجل له درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به وآخر له مال كثير فأخذ من عرضها مائة ألف- فتصدق بها ))

[ أخرجه ابن حبان]

أيها الإخوة ؛ إن الصدقة لتقع في يد الله قبل يد الفقير ، ورد في الحديث القدسي :
عن أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول يومَ القيامة : يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني ، قال : يارب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ؟ يا ابنَ آدمَ ، اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني ، قال : يا رب ، كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال : أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ ، أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي ))

[ أخرجه مسلم ]

وقد جاء في حديث قدسي آخر :

(( أحب ثلاثاً ، وحبي لثلاث أشد ؛ أحب الطائعين ، وحبي للشاب الطائع أشد ، وأحب الكرماء ، وحبي للفقير الكريم أشد ، وأحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد .. وأبغض ثلاثاً ، وبغضي لثلاث اشد ؛ أبغض العصاة ، وبغضي للشيخ العاصي أشد ، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ، وأبغض المتكبرين ، وبغضي للفقير المتكبر أشد ))

وأما الزكاة وصدقة الفطر ، فسأرجي الحديث عنها إلى الجمعة القادمة .

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 46 ]

أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018