اللقاء الثاني مع الشعراوي - فقرات الكتيب : 04 - ماذا عن المذاهب الفقهية - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

اللقاء الثاني مع الشعراوي - فقرات الكتيب : 04 - ماذا عن المذاهب الفقهية


2000-01-04

الاختيار :

الأستاذ راتب :
 هل هناك من دليل على أن المذاهب الفقهيَّة أربعة حصراً ، لن نقبل اجتهاداً خامساً ؟
الشيخ الشعراوي :
 انظر .. الحقُّ سبحانه وتعالى حين خلق الإنسان مختاراً في أن يؤمن به أو لا يؤمن لم يقيِّده في كلِّ تصرُّفاته بعبوديَّةٍ ثابتة ، يجب أن يبقي له أيضاً الاختيار .. عدم الاختيار في شيء والاختيار شيء ، لكيلا يأخذ منه كل شيء ، فعدم الاختيار في أمرٍ صريحٍ من الله يكون قد أدَّى العبوديَّة وأدَّى الإيمان وبعد ذلك فيما تبقّى يترك له الاختيار .. اختيار في أي شيء ؟ في الأمر الذي لم يرد فيه نص صريح ومحتمل فيه الاجتهاد .. ومثال ذلك : الرسول حينما خرج من غزوة الأحزاب ، الله لا يريد أن تنتهي الغزوة بدون أن يؤدِّب اليهود الذين أحضروا المشركين لعند النبي أليس كذلك ؟
 فالنبيّ جمع الناس بعدما راحوا وفهموا أن الحرب قد انتهت قال : " من كان يؤمن بالله فلا يصلِّينّ العصر إلا في بني قُرَيظة " .. وجِد نَص ، فلمّا جاؤوا ليذهبوا إلى بني قُرَيظة الشمس أوشكت أن تغيب ، فماذا قال بعضهم ؟ قالوا : الشمس ستغيب فيجب أن نصلِّي .. والبعض الآخر من الصحابة قالوا : لا .. النبيَّ قال : الصلاة ببني قُرَيظة ، الله!! أحدهم أخذ الشمس وأحدهم أخذ قول الرسول ، فاختلفوا ... فأناس صلّوا وأناس لم يصلّوا ، فلمّا ذهبوا إلى رسول الله أقرَّ هذا وأقرَّ هذا ، لماذا ؟
 الملاحظ أن كلَّ حدث يحتاج إلى زمانٍ ومكانٍ ، كل حدث .. فالذي نظر إلى الشمس نظر إلى عنصر الزمان ، والذي نظر إلى الجهة الثانية - مكان بني قريظة - نظر إلى عنصر المكان ، والنبيّ أقرَّ هذا وأقرَّ هذا مادام الدليل يحتمل .

الإجماع :

 نأخذ آية الوضوء ، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة المائدة: 6]

 فاغسلوا وجوهكم لم يحدد الله تعالى ، لأنَّ الوجه لا خلاف في تحديده فهو : من المنبت إلى الذقن ، لكن عندما جاء لليدين قال تعالى : إلى المرافق فحدّدها ولم يتركها دون تحديد ، لأن هذه يطلق عليها يد ، وهذه يطلق عليها يد ، وهو سبحانه يريدها على شكل حاسم الاشتراك ، فَحَسَم الاشتراك وقال تعالى : إلى المرافق ، وعندما جاء وقال تعالى : وامسحوا برؤوسكم لم يقل : امسحوا برؤوسكم مثل اغسلوا وجوهكم ، ولا امسحوا بعض رؤوسكم .. لا قال هذه ولا هذه وجاء بالباء .. فالباء هذه كيف تستعمل في اللُّغة ؟ مرة للاستعانة ، ومرة للإلصاق ، ومرة للتبعيض ، فمن أخذ هذه أخذها ، والذي أخذ هذه أخذها ، ومن أخذ هذه أخذها ، وهذا هو الاجتهاد ، فقد سأل سيِّدنا علي سؤالاً أشمل من هذا قال : يا رسول الله ترد علينا أمور لا نجد فيها نصاً من كتابٍ ولا نصاً من سنةٍ ... ؟ فقال له الرسول : اجمعوا لها العباد واجعلوها شورى ولا يقضى فيها برأيٍ واحد.
الأستاذ راتب :
 الإجماع .
الشيخ الشعراوي :
 ولذلك أنا في هذا الوقت أقول : إنَّ الأشياء التي فيها خلاف كالميراث والرضاع والطلاق بالثلاث لا يجب أن يفتي فيها شخص واحد ، بل لا بدَّ من لجنة تتناقش فيما بينها ، فما انتهت إليه يقضوه ، ولذلك يبقى باب الاجتهاد ، يبقى أنا لا أحجره .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018