الخطبة : 1119 - الاستقامة6 ، استقامة العبادات 2 - بالاستقامة نقطف ثمار الدين - عضلات الوجه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1119 - الاستقامة6 ، استقامة العبادات 2 - بالاستقامة نقطف ثمار الدين - عضلات الوجه.


2009-08-07

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الإنسان ما لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً :

أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سلسلة من الخطب تتمحور حول الاستقامة، انطلاقاً من أن الإنسان ما لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً، إن لم يستقم، فالدين ثقافة، والدين تراث، والدين عادات وتقاليد، أما إذا استقام فالدين منهج، كل الثمار اليانعة، كل الوعود الربانية الساطعة، حينما تستقيم على أمر الله تصل إليها.
الإنسان ما لم يستقم على أمر الله لن يقطف من ثمار الدين شيئاً
فلذلك توفيراً للوقت والجهد، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا ﴾

( سورة فصلت الآية: 20 )

غطي المستقبل:

﴿ وَلَا تَحْزَنُوا (30)﴾

( سورة فصلت الآية: 20 )

غطي الماضي:

﴿ وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (31) ﴾

( سورة فصلت )

إذا كان الله وليك من يستطيع أن ينال منك ؟

﴿ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32) ﴾

( سورة فصلت )

القرآن الكريم فيه كليات الدين أما التفاصيل فقد بينها النبي عليه الصلاة والسلام :

أيها الأخوة الكرام، مما يدعونا إلى أن نستقيم ما ورد في هذا النص:
المؤمن الحق يوجه طاقاته إلى جهة واحدة هي الله

(( بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[ مسلم عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ]

الإسلام دين التوحيد، دين أن تؤمن أنه لا رافع ولا خافض، ولا معز ولا مذل، ولا معطي ولا مانع، إلا الله، إن آمنت هذا الإيمان وجهت كل طاقاتك إلى جهة واحدة إنها الله.

(( أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

جاء ليبين، جاء ليفصل، القرآن الكريم فيه كليات الدين، أما التفاصيل فقد بينها النبي عليه الصلاة والسلام:

(( وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

النبي الكريم رسول التبليغ و رسول القدوة :

المهمة الثانية للنبي أنه كان قدوة لنا، بلّغ الناس بلسانه، وبلغهم بسلوكه، فما من شيء أمرنا به إلا وكان سباقاً إلى تطبيقه، وما من شيء نهانا عنه إلا وكان أول من تركه، فهو رسول التبليغ، ورسول القدوة، الآيتان:

علينا أن نقتدي بالنبي بكل أفعالنا

 

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (7) ﴾

 

( سورة الحشر )

أي شيء بلغكم عنه ينبغي أن تأخذوه:

﴿ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾

( سورة الحشر )

هذه مهمة التبليغ، أما مهمة الأسوة:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (21) ﴾

( سورة الأحزاب)

أن تقلده في بيته، في علاقاته بزوجاته، في علاقته بأولاد وبناته، في علاقته بجيرانه، في علاقته بإخوانه، في علاقته بأصحابه، في علاقته مع الطرف الآخر، هو مبلغ وقدوة، وهذا معنى:

(( وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ))

أية عبادة شعائرية أو سلوكية من أجل الاتصال بالله عز وجل :

الدين كله من أجل أن تتصل بالله، فالصلاة من أجل الصلة، والصيام من أجل الصلة، والحج من أجل الصلة، وأية عبادة شعائرية أو سلوكية من أجل أن تتصل بالله:

(( وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ))

الدين كله من أجل أن تتصل بالله
لابدّ من عمل ثمين تحبه، لابدّ من أن تنفق مما تحب كي ترقى عند الله:

 

(( وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ ))

هذا هو الإسلام، والإسلام انصياع وخضوع لهذا المنهج، خضوع مادي أي جوارحك تنصاع لهذا المنهج:

 

 

(( قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ))

أي إيمان ؟ الإيمان أذلي يحملك على طاعة الله، فإن لم يحملك على طاعة الله لك أن تسميه إيماناً إبليسياً، إبليس آمن قال:

 

 

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

 

( سورة ص الآية: 82 )

﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

( سورة الأعراف )

آمن به خالقاً، ورباً، وعزيزاً، وآمن باليوم الآخر، لكنه ما طبق شيئاً مما أمر الله به، إذاً هذا إيمان إبليسي.

 

الإيمان الذي أراده الله عز وجل هو الإيمان الذي يحملك على طاعته و الانصياع لأوامره :

إذاً: الإيمان الذي أراده الله عز وجل هو الإيمان الذي يحملك على طاعته،

(( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ))

أنه ما من قول إلا ويسجل عليك، ما من فعل إلا و يسجل عليك، ما من حركة إلا و تسجل عليك، حتى إذا سكت وينبغي أن تقول تحاسب على ذلك، حتى إذا قلت وينبغي أن تسكت تحاسب على ذلك.

(( أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ))

المناهج التفصيلية.

(( وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))

يوم الجزاء.

(( وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ ))


الإيمان الذي أراده الله عز وجل هو الإيمان الذي يحملك على طاعته
هذا الحديث من أصول الأحاديث، الإسلام خضوع، الإيمان اتصال، الإحسان أعلى درجة في سلم الإيمان:

 

(( قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ))

متى تستقيم على أمر الله ؟ ما علاقة هذا النص بموضوع الخطبة ؟ تستقيم على أمر الله حينما تعلم أن الله يراك، وأفضل إيمان أن تؤمن بأن الله يراك،

 

(( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ ؟ قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ؟ قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا.))

أم صالحة، مؤمنة، مستقيمة، عفيفة، طاهرة، تأتي بفتاة تدرس ترى أمها متخلفة، نرى أمها بعيدة عن جو العصر، ترى أمها متقوقعة بالدين، حينما تتهم ابنة أمها بالتخلف هذه من علامة قيام الساعة:

(( أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ))

مئة وستة وثمانون طابقاً أعلى بناء في العالم:

(( ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ ))

[ مسلم عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ]

من جاهد نفسه في طاعة الله و التقرب إليه وصل إلى أعلى درجات الاستقامة :

أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن ترى أن الله يراك، فإن رأيت أن الله يراك تجهد أن تطيعه، وتجهد أن تتقرب إليه، عندئذ تصل إلى فحوى الاستقامة، الله عز وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾

( سورة العنكبوت)

الجهاد الأول على الإطلاق جهاد النفس والهوى
أنت حينما تجاهد نفسك وهواك اعلم يا أخي علم اليقين أن الجهاد الأول على الإطلاق جهاد النفس والهوى، بعض الصحابة قال: رجعنا من الجهاد الأصغر ـ من الجهاد القتالي ـ إلى الجهاد الأكبر ـ جهاد النفس والهوى ـ، جهاد النفس والهوى كالتعليم الأساسي، لا يُقبل تعليم فوقه إلا به، فالمهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة.
أيها الأخوة الكرام،

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا ﴾

جهاد النفس والهوى، ثم الجهاد الدعوي:

﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

( سورة الفرقان )

ثم الجهاد البنائي:

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

ثم الجهاد القتالي.

 

من ارتقى إيمانه ازدادت استقامته :

أحد سبل الاستقامة أن تشعر أن الله يراك
أيها الأخوة الكرام، يقول سيدنا أنس رضي الله عنه:

(( إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنْ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ ))

[ مسلم عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

كلما ارتقى إيمانك ازدادت استقامتك، قال أحد العلماء: " ومن علامات المراقبة إيثار ما آثر الله، وتعظيم ما عظّم الله، وتصغير ما صغّر الله عز وجل ".
هذا هو الفرق بين جيل الصحابة وتابعيهم وبين من أتى بعدهم من أجيال، الصحابة الكرام عبدوا الله بإخلاصهم، ومراقبتهم لأنفسهم، قبل أن تتحرك جوارحهم بالعبادة، فلذلك أن تراقب الله، أن تشعر أن الله يراك، أحد سبل الاستقامة.

 

المحافظة على الصلاة التي تنهى عن الفحشاء و المنكر :

شيء آخر: المحافظة على الصلاة التي هي عماد الدين، والتي من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، إنها غرة الطاعات، إنها معراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، إنها طهور، مستحيل وألف وألف مستحيل أن يحقد المصلي، أن يحتال المصلي، أن يكذب المصلي، أن يقسو المصلي، أن يظلم المصلي، إن الصلاة تنهى من الداخل ـ بالوازع الداخلي ـ عن الفحشاء والمنكر، ولذلك الله أكبر.
الصلاة هي عماد الدين
أيها الأخوة الكرام، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا، وَخُشُوعَهَا، وَرُكُوعَهَا، إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ))

[ مسلم عن إِسْحَقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ]

أية صلاة تكفر ما قبلها من الصغائر، أية صلاة حينما يدخل وقت الصلاة يحسن المسلم الوضوء، والخشوع، والركوع، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103) ﴾

( سورة النساء)

تؤدى خمس مرات في اليوم، ومرة في الأسبوع ؛ صلاة الجمعة، ومرتين في العام ؛ صلاتا عيد الفطر وعيد الأضحى، ومرات في كل طارئ ؛ كصلاة الجنازة والكسوف والاستسقاء.

 

الخشوع في الصلاة من فرائضها و ليس من فضائلها :

أيها الأخوة الكرام، أما الخشوع في الصلاة فالخشوع ليس من فضائلها بل من فرائضها، وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45) ﴾

( سورة البقرة)

الخشوع في الصلاة من فرائضها و ليس من فضائلها
أي عمل تعمله لنفسك حظ منه، فأنت مستمتع، إلا أن الصلاة إن لم يكن فيها الخشوع والاتصال بالله، إن لم تكن مستقيماً قبلها، إن لم تكن منضبطاً قبلها، هي عبء ثقيل وثقيل، أربع ركعات كأنها جبال، أما إذا كنت مستقيماً أرحنا بها، إن كان هناك خلل أرحنا منها، هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( أرحنا بها يا بلال ))

 

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

هذا مقياس لي ولكم، هل تقوم إلى الصلاة وأنت مرتاح ؟ هل إذا وقفت بين يدي الله عز وجل تشعر أنه يحبك ؟ وأنك مستقيم على أمره ؟ وأنك تبتغي رضاه ؟
أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ(45) ﴾

( سورة البقرة)

(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن تركها فقد هدم الدين ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

أول ما يسأل المرء يوم القيامة عن صلاته.

 

المحافظة على الطهارة التي هي عبادة بذاتها و المبالغة فيها أمر مستحب :

أيها الأخوة، و المحافظة على الطهارة ؛ نتوهم نحن أن الطهارة فقط من شروط الصلاة، عند العلماء هي عبادة بذاتها لقول النبي عليه الصلاة والسلام: الطهارة عبادة بذاتها

(( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ]

قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ(108) ﴾

( سورة التوبة)

يحبهم، النظافة عبادة، نظافة الثوب عبادة، نظافة المكان عبادة، نظافة القلب عبادة، نظافة السريرة عبادة، النظافة بالمعنى الواسع، لها معان متعددة، أدناها نظافة البدن والثياب والمكان، وأعمقها نظافة القلب، لا يوجد حقد، لا يوجد احتيال، لا يوجد مخادعة، لا يوجد تمثيل، لا يوجد تآمر، المؤمن كالطفل الكبير، المؤمن طفل ببراءته، بصفائه، بذاتيته، لكنه كبير، هذا المؤمن.
أيها الأخوة الكرام، المبالغة في النظافة أمر مستحب، لكن هذه المبالغة قد تبلغ حداً يدخل في الوساوس المتسلطة، الإهمال فيه عذاب، النبي عليه الصلاة والسلام مرّ على قبرين ذكر أن أحدهما يعذب في قبره لأنه كان لا يتنزه من بوله.
إهمال النظافة معصية والمبالغة بها وسوسة، مرض، الاعتدال هو الحق، بين الإهمال وبين الوسوسة.

 

الابتعاد عن الإسراف في الماء و الكهرباء :

أيها الأخوة الكرام، الإسراف في إنفاق الماء، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ﴾

( سورة الإسراء الآية: 27 )

لو أن كل بيت لم يشعل إلا المصباح الذي يحتاجه لكفتنا الكهرباء
والله الذي لا إله إلا هو لو كان هناك اعتدال في إنفاق الماء لما احتجنا إلى آبار، استهلاك دمشق من الماء سبعمئة ألف متر مكعب في اليوم، الوارد أربعمئة ألف، لو كان هناك اقتصاد في استهلاك الماء لكفانا هذا النبع ـ نبع الفيجة ـ لكن هناك هدراً فالصنابير مفتوحة دائماً، وهناك استخدام للماء بشكل عشوائي، لو رشد الناس استهلاك الماء لما احتجنا إلى آبار، ولو رشد الناس استهلاك الكهرباء لما انقطعت الكهرباء.
معي دراسة دقيقة مبنية على عدد من اشتركوا في ساعات الكهرباء، لو أن المواطن أطفأ مصباحاً واحداً مئة شمعة لاستغنينا عن محطة مولدة ثمنها خمسمئة مليون، ومصروفها في العام خمسمئة مليار دولار، لو أن كل بيت أطفأ مصباحاً واحداً، لو أن كل بيت لم يشعل إلا المصباح الذي يحتاجه لكفتنا الكهرباء، ولكن هناك إنفاقاً عشوائياً، لا يوجد إيمان، النبي عليه الصلاة والسلام توضأ من قعب، فبقي فضلة قال: ردوها في النهر ينفع الله بها قوماً آخرين.
أكثر البيوت مع الأسف حتى يأتيه الماء البارد يفتح الصنبور قريب من دقيقتين، من أجل كأس ماء بارد، هذا الذي فتحته اجعله في وعاء واستخدمه، فالماء ثمين جداً، والمعركة القادمة معركة مياه.

 

الزكاة تطهر الغني من الشح والفقير من الحقد و تنمي المال :

أيها الأخوة الكرام، أداء الزكاة، قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية: 103 )

الزكاة تطهر الغني من الشح والفقير من الحقد
الزكاة تطهر المؤمن الغني من مرض خطير كالورم الخبيث للجسم ؛ إنه الشح:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، تطهر المال من تعلق حق الغير به:

﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

الزكاة تنمي المال، بقانون اقتصادي، أنت حينما تعطي الفقراء من مالك جعلت في أيديهم قوة شرائية، اشتروا من عندك ثانيةً، ينمو مالك بدفع الزكاة، وينمو مالك بما يسميه العلماء بالعناية الإلهية الذي يدفع زكاة ماله يحفظ الله له ماله:

(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

أيها الأخوة الكرام، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان.

 

من عرف الله و عرف منهجه كان صيامه صحيحاً :

أيها الأخوة، بقي صوم رمضان ؛ قال تعالى: من عرف الله و عرف منهجه كان صيامه صحيحاً

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة)

لعلكم تبلغون درجة التقوى، التقوى أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً، اعتماداً على أنك مفطور على حبّ ذاتك، وعلى حبّ وجودك، وعلى حبّ سلامة وجودك، وعلى حبّ كمال وجودك، وعلى حبّ استمرار وجودك، يكفي أن تعرف الله، وأن تعرف منهجه، عندئذ يكون الصيام صحيحاً، قال الله عز وجل:

(( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

من معاني الاستقامة أن تؤدي العبادات الشعائرية وفق ما أراد الله عز وجل :

أيها الأخوة الكرام، هذه بنود الاستقامة وبقي الحج:

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ متفق عليه أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
الموضوع اليوم عن الاستقامة في العبادات الشعائرية، الاستقامة من معانيها أن تؤدي العبادات الشعائرية من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وفق ما أراد الله عز وجل، عندئذ تكون ضمن المستقيمين الذين ينتظرون وعود الله الكريمة.
أيها الأخوة الكرام:

 

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

 

[ متفق عليه أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

(( تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ))

[أحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله]

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين.

الغضب و الابتسامة :

أيها الأخوة، في وجه الإنسان ثمانون عضلة، وعندما يغضب ترتسم علامات الانفعال من خلال كل العضلات إذا غضب، فإن معظم هذه العضلات تشارك في حالة الغضب، ولكن الذي يلفت النظر أن الإنسان إذا ابتسم عضلات قليلة جداً تصنع هذه الابتسامة، فالمبتسم عضلات وجهه مرتاحة، الابتسامة عضلات قليلة جداً تصنع الابتسامة بينما الغضب ثمانون عضلة تشترك في إحداث مظاهر الغضب، هذه أول حقيقة.
الابتسامة تقلل من حالات الاكتئاب وتعطي راحة نفسية
استنبط علماء النفس أن المبتسم مرتاح نفسياً وهو أكثر استقراراً، بل إن الابتسامة تقلل من حالات الاكتئاب، وأحد أساليب النجاح الأقل كلفة أن تبتسم.
إنك حينما تبتسم لإنسان تمنحه شعوراً بالأمن، تزيل الحواجز بينك وبينه، تكرار الابتسامة يكسب الآخرين الثقة بك، الاطمئنان لك، هذا أقوال علماء النفس.
الوجه المبتسم أي إنسان التقى به يحمل عنه أطيب انطباع، هناك شيء اسمه الانطباع الأول، تلتقي بإنسان مرة واحدة فإذا كان مبتسماً حملت عنه انطباعاً رائعاً، هذا قد يسهم في علاقة مثمرة معه، وكل إنسان عنده تغيير كيميائي معقد جداً، هذا التغيير يكون على أثر الخوف، أو الحزن، أو الكآبة، أو القلق.
إذا غضب الإنسان، أو حقد، أو خاف، تتبدل كيمياء دمه، هذه المواد الضارة التي تفرزها الانفعالات الغاضبة هذه تكون في أدنى مستوى عندما يُبتسم في وجهك فترتاح، أنت مدير عام وعندك مستخدم ابتسم له، ماذا تكلفك الابتسامة ؟ مودة.

تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة :

أيها الأخوة الكرام، هذا في البرمجة العصبية اللغوية، هذا في علم النفس، فماذا في البرمجة النبوية ؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة ))

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة
اختلف الوضع، الابتسامة في البرمجة العصبية اللغوية من أجل مصالحك، من أجل أرباحك، من أجل نجاح تجارتك، من أجل مكانتك، من أجل سيطرتك، أما هنا الابتسامة في وجه أخيك، والله سمعت عن كتب عديدة أُلفت عن الابتسامة، أهم شيء بالابتسامة أن تبتسم وأنت تحدق في وجه أخيك، تنظر إليه مبتسماً، علوم وكتب كتبت عن الابتسامة، طريق النجاح، طريق محبة الآخرين، طريق منح الأمن لمن حولك، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

تبتسم وأنت تنظر إلى وجهه كي تمنحه الطمأنينة لا من أجل أموالك، لا من أجل مصالحك، لا من أجل تجارتك، من أجل إرضاء ربك:

(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة ))

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 

الابتسامة والسلام شعار المؤمنين إرضاء للواحد الديان :

أيها الأخوة الكرام، الطريقة المثلى أن تنظر إلى أخيك مبتسماً، أيها الأخوة الكرام، سماها النبي صدقة من دون مال، كلام النبي ليس كلاماً بلا تدقيق، صدقة، إنسان يدفع مئة ألف صدقة، الابتسامة صدقة من دون دفع، لا تكلفك شيئاً، فإذا عمّ بين المؤمنين الابتسامة والسلام، أن تسلم على من تعرف وعلى من لا تعرف.
الابتسامة والسلام شعار المؤمنين
حدثني أخ في الأسبوع الماضي، قال: أسكن في بناء، وأنا متجه إلى صلاة الجمعة، التقيت بجار لي يرتدي ثوباً أبيض معطراً وأولاده معه متجهون إلى صلاة الجمعة، قال لي : والله لم يسلموا عليّ، النبي عليه الصلاة والسلام قال: "على من تعرف وعلى من لا تعرف ".
فالابتسامة والسلام شعار المؤمنين، حينما تبتسم في وجه موظف عندك تمنحه الراحة النفسية، تمنحه الأمن، يشعر أن الحاجز بينك وبينه قد زال، هناك نتائج لنجاح الأعمال بالابتسامة، أما المؤمن يبتسم إرضاءً للواحد الديان.
أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تصلح العلاقة فيما بينك وبين الله عن طريق الانصياع لأمر النبي عليه الصلاة والسلام:

(( تَبَسُّمُكَ في وجه أخيك صدقة ))

[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري ].

إذا أصلحت العلاقة مع الله أصلح الله علاقتك مع الناس.

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018