صور من حياة التابعين - الندوة : 26 - التابعي عبد الرحمن الغافقي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 26 - التابعي عبد الرحمن الغافقي


2000-12-16

 أيها الإخوة و الأخوات السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، أهلاً بكم و مرحباً مع بداية هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة الصحابة و التابعين، يسعدنا أن نستضيف سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق و خطيب جامع النابلسي في دمشق، فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
فضيلة الشيخ دائماً تقدمون لنا أحاديث شيقة و شخصيات إسلامية متميزة، من هي الشخصية التي بين أيدينا اليوم و سنلقي الضوء على جنابها ؟ تفضل دكتور.
 هو عبد الرحمن الغافقي أمير الأندلس، فما كاد أمير المؤمنين و خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب سلفه سليمان بن عبد الملك حتى بادر يعيد النظر في أمراء الأمصار، أي الولاة و في التعبير المعاصر المحافظين، و يعزل و يولي، و كان في طليعة من استعمله السمح بن مالك الخولاني، فلقد أسند إليه ولاية الأندلس و ما جاورها من الدول المفتوحة من بلاد فرنسا، ألقى الأمير الجديد رحاله في بلاد الأندلس و انطلق يفتش عن أعوان الصدق و الخير فقال لمن حوله، أبقي في هذه الديار أحد من التابعين ؟ فقالوا: نعم أيها الأمير إنه ما يزال فينا التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله و فهمه لحديث رسول الله و بلائه في ميادين الجهاد و تشوقه إلى الاستشهاد و زهده بعرض الدنيا الشيء الكثير، ثم قالوا له: إنه لقي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه و عن أبيه، و أنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ، و تأسى به أعظم التأسي، أي اقتدى به، دعا السمح بن مالك الخولاني عبد الرحمن الغافقي إلى لقاءه فلما جاءه رحب به أكرم الترحيب، و أدنى مجلسه منه، ثم قعد ساعة من نهار يسأله عن كل ما عنّ له، فإذا هو فوق ما أخبر عنه، و أعظم مما ذكر له، فعرض عليه أن يوليه عملاً من كبير أعماله في الأندلس فقال له: أيها الأمير إنما أنا رجل من عامة الناس و لقد وفد إلى هذه الديار لأقف على ثغر من ثغور المسلمين، و نذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل، و حملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض، و ستجدني إن شاء الله تعالى ألزم لك من ظلك ما لزمت الحق، دقق في هذا الشرط لأن سيدنا الصديق قال: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، و القاعدة الثابتة أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، و أطوع لك من بنانك ما أطعت الله و رسوله، من غير ولاية و لا إمارة، و القاعدة أن طالب الولاية لا يولى، لأنه يريدها لمكاسبها المادية أما إذا عزف عنها الإنسان إذاً هي تبحث عنه، لم يمض غير قليل من الوقت حتى عزم السمح بن مالك الخولاني على غزو فرنسا كلها و ضمها إلى عقد دولة الإسلام العظمى، و أن يتخذ من ديارها الرحبة طريقاً إلى دخول البلقان، و أن يفضي من دول البلقان إلى القسطنطينية تحقيقاً لبشارة النبي عليه الصلاة و السلام و كانت الخطوة الأولى لتحقيق هذا الهدف الكبير إنما يتوقف على احتلال مدينة أربونة، ذلك أن أربونة كانت من أكبر المدن الفرنسية التي تجاور بلاد الأندلس و كان المسلمون كلما انحدروا من جبال البيرنيه وجدوها تنتصب أمامهم كما ينتصب المارد الجبار، و هي فوق ذلك مفتاح فرنسا الكبرى و مطمح الطامحين، و قد حاصر السمح بن مالك الخولاني مدينة أربونة ثم عرض على أهلها الإسلام أو الجزية فعزّ عليهم ذلك و أبوه، فهب يهاجمهم الهجمة تلو الأخرى، و يقذفهم بالمنجنيقات حتى سقطت المدينة العريقة الحصينة في أيدي المسلمين بعد أربعة أسابيع من الجهاد البطولي الذي لم تشهد أوروبا نظيراً له من قبل ثم بادر القائد المظفر المنتصر فتوجه بجيشه الجبار إلى مدينة تولوز عاصمة مقاطعة أو كتانيا فنصب حولها المنجنيقات من كل جهة و قذفها بآلات الحرب التي لم تعرف لها أوربا نظيراً من قبل حتى أوشكت المدينة المنيعة الحصينة أن تخر بين يديه، عند ذلك وقع ما لم يكن في حسبان أحد فلنترك الحديث للمستشرق الفرنسي رينو ليسوق لنا خبر تلك المعركة قال: لما أصبح النصر قاب قوسين من المسلمين أو أدنى هبّ دوق أو كتانيا يستنفر لحربهم البلاد و العباد و أرسل رسله فطافوا أوربا من أقصاها إلى أقصاها، و أنذروا ملوكها و أمراءها باحتلال ديارهم و سبي نسائهم و بلدانهم فلم يبق شعب في أوربا إلا أسهم معه بأشد مقاتليه بأساً و أكثرهم عدداً، و قد بلغ من وفرة الجيش و عنف حركته و ثقل وطأته ما لم تعرف له الدنيا نظيراً من قبل حتى إن الغبار المتطاير تحت أقدامه قد حجب عن منطقة الرون عين الشمس، و لما تدانى الجمعان خيل للناس أن الجبال تلاقي الجبال ثم دارت بين الفريقين رحى معركة ضروس لم يعرف التاريخ لها مثيلاً من قبل.
 و كان السمح يظهر أمام جنودنا في كل مكان و يتواثب أمام عسكره في كل اتجاه و فيما هو كذلك أصابته رمية من سهم فخر صريعاً عن جواده، فلما رآه المسلمون مجندلاً فوق الثرى فتَّ الموقف في عضدهم و بدأت صفوفهم تتداعى و أصبح في وسع جيشنا الجرار أن يبيدهم عن بكرة أبيهم، لولا أن تداركتهم العناية الربانية بقائد عبقري عرفته أوربا فيما بعد هو عبد الرحمن الغافقي ـ الكلام للمستشرق ـ.
 إذاً هنا سماحة الشيخ محمد راتب النابلسي تتجلى عظمة هذه الشخصية العظيمة عبد الرحمن الغافقي الذي شهد له القاسي و الداني و هنا بدأت أيضاً معالم جديدة. الآن بدأت تظهر شخصيتنا فتولى أمر انسحابهم بأقل قدر من الخسائر و الانسحاب أحياناً نوع من النصر، سيدنا خالد حينما حقن دماء الصحابة و انسحب سريعاً تهمه بعض أهل المدينة بأنه فرّار، فقال عليه الصلاة و السلام: بل كرّار.
 تولى عبد الرحمن الغافقي أمر انسحابهم بأقل قدر من الخسائر لكنه عقد العزم على أن يعيد الكرة علينا من جديد ـ الكلام لهذا المستشرق ـ و بعد فهل رأيت الغيوم كيف تنقشع عن البدر في الليلة الظلماء فيستضيء بنوره التائهون و يهتدي بسناه الحيارى ؟ هكذا انقشعت معركة تولوز عن بطل الإسلام عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، و هل أبصرت العطاش الموفين على الهلاك في جوف الصحراء كيف يلوح لهم الماء فيمدون أيديهم إليه ليغترفوا منه غرفة ترد إليهم الحياة ؟ هكذا مدّ جند المسلمين أيديهم إلى القائد العظيم ينشدون عنده النجاة و يبايعونه على السمع و الطاعة، و لاغرو فقد كانت معركة تولوز أول جرح غائر أصيب به المسلمون منذ وطأت أقدامهم أوربا، و كان عبد الرحمن الغافقي بلسم هذا الجرح و اليد الحانية التي أحاطته بالعناية و الرعاية و القلب الكبير الذي أفاض عليه الحنان.
 أرمضت أنباء النكسة الكبرى التي مني بها المسلمون في فرنسا فؤاد الخلافة في دمشق، و أجج مصرع البطل الكمي السمح بن مالك الخولاني في صدرها نار الحمية للأخذ بالثأر، فأصدرت القيادة في دمشق إقرارها بإقرار الجند على مبايعتهم لعبد الرحمن الغافقي و عهدت إليه بإمارة الأندلس من أقصاها إلى أقصاها، هذا الدعم من العاصمة جاء، و ضمت إليه ما جاورها من الأراضي الفرنسية المفتوحة و أطلقت يده في العمل كيفما يشاء، و لا غرو فقد كان الغافقي حازماً صارماً تقياً نقياً حكيماً مقداماً، بادر عندئذ عبد الرحمن الغافقي منذ أسندت إليه إمارة الأندلس يعمل على استعادة ثقة الجند بأنفسهم و استرداد شعورهم بالعزة و القوة و الغلبة، و تحقيق الهدف الكبير الذي طمح إليه قادة المسلمين في الأندلس ابتداء من موسى بن نصير و انتهاء بالسمح بن مالك الخولاني، فلقد انعقدت همم هؤلاء الأبطال على الانطلاق من فرنسا إلى إيطاليا و ألمانيا و الإفضاء منهما إلى القسطنطينية و جعل البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية و تسميته ببحر الشام بدلاً من بحر الروم، لكن عبد الرحمن الغافقي كان يوقن بأن الإعداد للمعارك الكبرى كان يبدأ بإصلاح النفوس و تزكيتها، و يعتقد أنه ما من أمة تستطيع أن تحقق غاياتها في النصر إذ كانت حصونها مصدعة مهددة من الداخل، لذلك هبّ يطوف بلاد الأندلس بلداً إثر بلد و يأمر المنادين أن ينادوا في الناس، من كانت له مطلبة عند والٍ من الولاة أو قاضٍ من القضاة أو أحدٍ من الناس فليرفعها إلى الأمير، هذا انطلاق صحيح، حتى نزول المطر يحتاج فضلاً عن الاستسقاء إلى رد المظالم، كذلك الانتصار في المعارك يحتاج فضلاً عن إعداد العدد إلى رد المظالم، و أنه لا فرق في ذلك بين المسلمين و غيرهم من المعاهدين، لأن النبي عليه الصلاة و السلام يقول:

((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، أحمد، الدارمي ]

و لو كان كافراً، ثم طفق ينظر في المظالم مظلمة مظلمة، فيقتص للضعيف من القوي و يأخذ للمظلوم من الظالم، الحقيقة هذا القائد العظيم يعرف قوانين الله عز وجل.
 في الحقيقة لا يسعنا أيها الإخوة إلا أن نشكر سماحة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق و خطيب جامع الشيخ العارف بالله عبد الغني النابلسي، نشكركم فضيلة الشيخ إلى اللقاء و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018