صور من حياة التابعين - الندوة : 19 - التابعي رفيع بن مهران - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 19 - التابعي رفيع بن مهران


2000-12-09

أيها الإخوة و الأخوات السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ندعوكم لمتابعة حلقة جديدة و متجددة من صور من حياة الصحابة و التابعين، كنا يوم أمس قد تحدثنا مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي عن سيدنا رفيع بن مهران التابعي الجليل و اليوم نكمل الحديث.
فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
كان حديثاً شيقاً حول هذا التابعي الجليل سيدنا رفيع بن مهران و كانت صور مشرقة من أعماله الصالحة و سجاياه، كيف نتابع اليوم و من أين نبدأ ؟
 الحقيقة أستاذ جمال أن الإنسان قد يكون عالماً و قد يكون موجهاً، فالعلم يتجه إلى العقل و التوجيه يتجه إلى القلب، و الإنسان عقل و قلب و كلاهما يجب أن يكون مستهدفاً في الدعوة إلى الله، فالقرآن الكريم خاطب العقول و خاطب القلوب في آيات كثيرة، بل في بعض الآيات خاطب القلب و العقل معاً، و لك تنجح الدعوة إلى الله إلا إذا خاطبت جوانب الإنسان كله فقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)﴾

[ سورة الانفطار: الآية 6]

 إنه يخاطب القلب.

 

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾

 

[ سورة الانفطار: الآية 7]

إنه يخاطب العقل.
 و الإنسان كل لا يتجزأ فهذا التابعي الجليل فضلاً عن أنه كان عالماً من كبار العلماء بالقرآن الكريم كان مرشداً و موجهاً، فكان يغذي عقول طلابه بالمعرفة النافعة، و يغذي قلوبهم بالموعظة الحسنة، و يجمع بين الأمرين في كثير من الأحيان، من ذلك قوله لهم:
" إن الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه، و مصداق ذلك قول الله عز وجل

﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾

[ سورة التغابن: الآية 11]

 و أنه من توكل على الله كفاه، و مصداق ذلك قوله تبارك و تعالى:

 

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 3]

 و أن من أقرضه جازاه و مصداق ذلك قول الله عز وجل:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 245]

 العبرة أن العلم يصل إلى العقل فيقنع لكن الموعظة تصل إلى القلب فيأخذ موقفاً و الإنسان يحتاج إلى قناعة و إلى حركة، فالحركة أساسها القلب و القناعة أساسها العلم، و هل الإنسان إلا عقل يدرك و قلب يحب؟ و أن من أقرضه جازاه و مصداق ذلك قوله عز من قائل:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 245]

 و أنه من دعاه أجابه و مصداق ذلك قوله علت كلمته:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 186]

فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي فعلاً كلام فيه حكم هو مشتق من كلام الله عز وجل وأحاديث النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام هذا التابعي الجليل سيدنا رفيع بن مهران يعني له كلام جميل ليتك تتابع بشيء من المزيد عما كان يقوله هذا التابعي الجليل.
 كان يقول هذا التابعي الجليل لتلاميذه: اعملوا بالطاعة وأقبلوا على المطيعين بطاعتهم واجتنبوا المعصية وعادوا العصاة بمعصيتهم وهذا يذكرنا بما يسمى بالإسلام بالولاء والبراء، ينبغي أن توالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء وأن تتبرأ من المنحرفين ولو كانوا أقوياء وأغنياء والذي يؤكد إيمانك هو ولاءك وبراءك ثم يقول:
كلوا أمر العصاة إلى الله فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم أنتم لستم قضاةً عليهم ولكنكم دعاة إلى الله.
 كلوا أمر العصاة إلى الله فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر له وإذا سمعتم الرجل يرفع من شأن نفسه فيقول إنني أحب في الله وأكره في الله وأفضل كذا مرضاةً لله وأعرض عن كذا خوفاً من الله فلا تعتدوا به، لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول:

﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة النجم: الآية 32]

وهؤلاء الذين يزكون أنفسهم قرعهم الله عز وجل.
هناك فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي هناك صفحات مضيئة في جهاد سيدنا رفيع بن مهران حبذا أن نطلع الإخوة المستمعين حول هذا الجانب.
 نحن ألفنا أن يكون العالم عالماً فقط وألفنا أن يكون المقاتل مقاتلاً لكن في عصور ازدهار الإسلام كان العالم مجاهداً وكان المجاهد عالماً لأن النبي عليه الصلاة والسلام ربى أصحابه فكانوا رهباناً في الليل فرساناً في النهار وأن الحق يحتاج إلى القوة.
عند الغربيين القوي هو على حق، القوة تصنع الحق فقط، لكنه في ضوء وحي الله عز وجل الحق ما جاء به الوحي ولكنه يحتاج إلى قوة، فالقوة لا تصنع الحق لكن الحق يصنع القوة والقوة من دون حكمة تدمر صاحبها لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة: الآية 269]

 هذا التابعي الجليل فضلاً على أنه كان من كبار علماء القرآن وكان أيضاً من كبار الواعظين والمرشدين كان أيضاً مجاهداً يخوض المعارك يخوضها بقوة وحزم وشجاعة فوق حد التصور. إذاً كان هذا التابعي الجليل مجاهداً فكان يقضي قدراً من وقته في ميادين الجهاد مع المجاهدين أو مرابطاً على الثغور ثغور الأعداء مع المرابطين ولقد آثر أن يشرق في جهاده وأن يغرب فحارب الروم في بلاد الشام كما حارب الفرس في بلاد ما وراء النهر، وكان أول من رفع الأذان في تلك الديار وقد بقي أبو العالية طوال حياته أسوان *أسفاً لأنه لم يحظَ بلقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا طبعاً من شدة حبه للنبي الأعظم عليه الصلاة والسلام.
 وكتعليق على هذا نحن إذا ألغينا الحب من الإسلام ألغينا الطاقة المحركة، إذا ألغينا الحب غدا الإسلام ثقافة ليس غير، فكان الحب شيئاً أساسياً في الإسلام، فكان يحاول أن يعبر عن هذا بالتقرب من كرام الصحابة الذين توثق صلتهم بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يؤثرهم ويحبهم وكانوا يؤثرونه ويفضلونه. ومن آيات ذلك أن أنساً خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه أهدى له تفاحةً كانت في يده فأخذها منه وجعل يقبلها ويقول تفاحة مستها يد مست يد رسول الله، تفاحة مستها يد حظيت بمس يد رسول الله. ومن ذلك أيضاً أنه دخل ذات مرة على عبد الله بن عباس وكان يومئذ يتولى ولاية البصرى من قبل علي بن أبي طالب فرحب به عبد الله بن عباس أجمل الترحيب ورفعه على سريره وأجلسه على يمينه وكان في المجلس طائفة من سادة قريش فتغامزوا به وتهامسوا بينهم وقال بعضهم لبعض: أرأيتم كيف رفع ابن عباس هذا العبد على سريره. وقد أدرك ابن عباس ما يتغامزون به فالتفت إليهم وقال: إن العلم يزيد الشريف شرفاً ويرفع قدر أهله بين الناس ويجلس المماليك على الأسرة.
العلم وأهميته في كل زمان ومكان.
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. طالب العلم يؤثر آخرته على دنياه فيربحهما معاً والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً. بل إن أزمة أهل النار أزمة علم فقط:

 

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

[ سورة الملك: الآية 10]

 وطلب العلم تلبية لحاجة في الإنسان عليا، الإنسان لا يؤكد إنسانيته إلا إذا طلب العلم لذلك كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً إنها تعني مرتبةً أخلاقية لأن المؤمن تحكمه مجموعة من القيم الإيمان قيد الفتك ولا يفتك المؤمن والمؤمن تعني مرتبةً علمية لأنه عرف الحقيقة العظمى في الكون وانسجم معها وهذا هو العقل وما كل ذكي بعاقل قد نتفوق في اختصاصاتنا وقد نأخذ أعلى الشهادات أو إذا ما عرفنا سر وجودنا وغاية وجودنا ومن خلقنا ومن أين وإلى أين ولماذا فنحن لسنا عقلاء وقد مر النبي عليه الصلاة والسلام بأصحابه فرأوا مجنوناً فسألهم سؤال العارف من هذا ؟ قالوا: هذا مجنون، قال: لا هذا مبتلى المجنون من عصى الله. ما كل ذكي بعاقل لكن كل عاقل هو حتماً ذكي.
نتابع إذاً الحديث عن سيدنا رفيع بن مهران التابعي الجليل.
 لقد بلغ من تقى أبو العالية وترقبه لليوم الآخر واستعداده للقاء ربه أنه أعد لنفسه كفناً وأنه كان يلبس هذا الكفن كل شهر مرةً ثم يرده إلى مكانه ولقد أوصى سبع عشرة مرة وهو صحيح سليم وكان يحدد لكل وصية أجلاً فإذا جاء أجلها نظر فيها فإما أن يعدلها وإما أن يبدلها وإما أن يمضيها وفي شهر شوال سنة ثلاث وتسعين للهجرة مضى أبو العالية إلى لقاء ربه طاهراً نقي النفس واثقاً برحمة ربه متشوقاً إلى لقاء نبيه صلى الله عليه وسلم.
عليه الصلاة وأفضل التسليم، ورضي الله عن التابعي الجليل سيدنا رفيع بن مهران وأهلاً ومرحباً بسماحة الدكتور محمد راتب النابلسي خطيب جامع عبد الغني النابلسي بدمشق والمدرس في جامعة دمشق.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018