صور من حياة التابعين - الندوة : 15 - التابعي صلة بن أشيم العدوي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 15 - التابعي صلة بن أشيم العدوي .


2000-12-05

أيها الإخوة و الأخوات:
 السلام عليكم و رحمة الله و بركاته نحييكم أطيب تحية مع بداية هذه الحلقة الجديدة من صور من حياة التابعين، يسعدنا أن نستضيف فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و المدرس الديني في مساجد دمشق، و خطيب جامع العارف بالله الشيخ عبد الغني النابلسي بدمشق، فضيلة الشيخ السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
فضيلة الشيخ

الشخصية التي بين أيدينا الآن تابعي جليل اسمه صلة بن أشيم العدوي بداية كيف نتحدث عن هذه الشخصية الإسلامية ؟
 هذا التابعي الجليل كان عابداً من عباد الليل، و فارساً من فرسان النهار، فكان إذا نشر الظلام أستاره على الكون قام فأسبغ الوضوء ثم صف في محرابه و دخل في صلاته و هام وجداً بربه، فيشرق في نفسه سناً إلهي ينير لبصيرته أرجاء الكون، و كان إلى ذلك مولعاً بقرآن الفجر، فإذا أقبل الهزيع الأخير من الليل انحنى بصلبه على أجزاء القرآن، و انطلق يرتل آيات الله البينات بصوت ندي و جرس شجي، فتارة يجد للقرآن حلاوة تأخذ بمجامع قلوبه، و تستأثر بمكامن نفسه من خشية الله، و أخرى يستشعر للقرآن خشعة تصدع فؤاده، و لم يكن صلة بن أشيم يفتر عن عبادته هذه قط، لا فرق في ذلك بين حله و ترحاله، و شغله و فراغه، حكى جعفر بن زيد قال: خرجنا مع جيش من جيوش المسلمين في غزاة إلى مدينة كابل ـ هي الآن عاصمة أفغانستان ـ رجاء أن يفتحها الله لنا، و كان في الجيش صلة بن أشيم، فلما أرخى الليل سدوله و نحن في بعض الطريق حط الجند رحالهم و أصابوا شيئاً من الطعام و أدوا العشاء الأخيرة ثم مضوا في مسيرتهم يلتمسون عندها حبة من الراحة فرأيت صلة بن أشيم يمضي إلى رحله كما مضى، و يسلم جنبه إلى الرقاد كما فعل، فقلت في نفسي: أين الذي يروونه من صلاة الرجل و عبادته و يشيعون من قيامه حتى تتورم قدماه ؟ و الله لأرمقنه الليلة حتى أرى ما يكون منه فما إن غرق الجند في نومهم حتى رأيته يستيقظ من رقدته، و ينحاز عن العسكر مستتراً بالعتمة و يدخل في غابة لفاء، باسقة الأشجار، وحشية الأعشاب، كأنها لم تطأها قدمان منذ دهر طويل، فمضيت في إثره فلما بلغ منها مكاناً قصياً التمس القبلة و اتجه إليها و كبر للصلاة و استغرق فيها، فنظرت إليه من بعد فرأيته مشرق الوجه، ساكن الأعضاء، هادئ النفس، كأنما يجد في الوحشة أنساً، و في البعد قرباً، و في الظلمة ضياء منيراً، و فيما هو كذلك ـ هنا المفاجأة ـ طلع علينا سبع من الجانب الشرقي للغابة فما إن أثبته أي تأكدت منه حتى انخلعت فؤادي هلعاً منه، فعلوت شجرة باسقة لواذاً من شره فمازال السبع يدنو من صلة بن أشيم و هو غارق في صلاته حتى أصبح على قيد خطوات منه، فوالله ما التفت إليه و لا حفل به فلما سجد قلت: الآن يفترسه، فلما نهض من سجوده و جلس وقف السبع بإيذائه كأنه يتأمله فلما سلم نظر إلى السبع في سكون و حرك شفتيه بكلام لم أسمعه فإذا بالسبع ينصرف عنه في هدوء، و يعود من حيث جاء، و لما انبلج الفجر نهض فأدى المكتوبة ثم طفق يحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع مثلها قط، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، و هل يجترئ عبد خاطئ مثلي أن يسألك الجنة، انظر إلى هذا الأدب، و طلب الجنة من دون عمل ذنب من الذنوب و مازال يكررها حتى بكى و أبكاني ثم رجع إلى الجيش دون أن يفطن له أحد و بدا لعيون القوم كأنه بات على الحشايا، و عدت أنا في إثره و بي من سهر الليل و فتور الجسم و خوف السبع ما الله به عليم.
 فعلاً فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي صلة بن أشيم العدوي نتحدث عن عبارته التي فيها القرب من الله سبحانه و تعالى، حبذا أن نستزيد في هذه الشخصية الفذة ؟
 و لقد كان صلة بن أشيم إلى هذا كله لا يدع سانحة من سوانح الموعظة و التذكير إلا اغتنمها، و كان أسلوبه في ذلك يدعو إلى الله عز وجل بالحكمة و الموعظة الحسنة، و ما من داعية مخلص إلا و يُلهم الحكمة في دعوته فيستميل النفوس النافرة و يستلين القلوب القاسية، من ذلك أنه كان يخرج إلى البرية في ظاهر البصرة للخلوة و التعبد، فكانت تمر به طائفة من الشباب أرخت للصبا عنانه فتلهو و تلعب و تسرح و تمرح فكان يحييهم بأنس، و يخاطبهم في رفق، و يقول لهم: ما تقولون في قوم أزمعوا سفراً لأمر عظيم غير أنهم كانوا في النهار يحيدون عن الطريق ليلهو و يلعبوا و في الليل يبيتون ليستريحوا ؟ فمتى ترونهم ينجزون رحلتهم و يبلغون غايتهم ؟ و دأب على قول ذلك المرة تلو المرة فلقيهم ذات مرة و قال لهم مقالته تلك فنهض شاب منهم و قال إن و الله ما يعني بذلك أحداً غيرنا فنحن بالنهار نلهو و بالليل ننام، ثم انحاز الشاب عن رفاقه و اتبع صلة بن أشيم من ذلك اليوم، و مازال في صحبته حتى أتاه اليقين، من ذلك أنه كان يمضي ذات نهار في ثلة من أصحابه إلى غاية لهم فمر بهم شاب رائع الشباب، ريان الشباب، قد أطال إزاره حتى جعل يجره على الأرض جر خيلاء، فهم أصحابه بالشاب و أرادوا أن يأخذوه بألسنتهم و أيديهم أخذاً شديداً، فقال لهم صلة: دعوني أكفكم أمره، ثم أقبل على الشاب و قال في رفق الأب الشفيق و نظرة الصديق الحميم: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة فتوقف الفتى و قال: و ما هي يا عم ؟ قال: أن ترفع إزارك فإن ذلك اتقى لربك، و أنقى لثوبك و أدنى لسنة نبيك، فقال الفتى في خجل: نعم و نعمة عين يا عم، ثم بادر و رفع إزاره، فقال صلة لأصحابه: إن هذا أمثل مما أردتم، من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.
و هذه هي الحكمة هي فعل ما ينبغي على الشكل الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي و لو أنكم ضاربتموه و شاتمتموه لضاربكم و شاتمكم، و أبقى إزاره مجدلاً يمسح به الأرض، و لقد جاءه مرة فتى من فتيان البصرة فقال: علمني يا أبا الصهباء مما علمك الله ؟ فهش له صلة و بش و قال: لقد أذكرتني يا ابن أخي ماضياً لا أنساه، حيث كنت إذا ذاك شاباً مثلك فأتيت من بقي من أصحاب رسول الله و قلت لهم: علموني مما علمكم الله ؟ فقالوا لي: اجعل القرآن عصمة نفسك، و ربيع قلبك، و انتصح له، و انصح المسلمين به، و أكثر من دعاء الله عز وجل ما استطعت، فقال له الفتى: أدع لي جزيت خيراً، فقال: رغبك الله تعالى فيما يبقى، و زهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي تسكن إليه النفوس، و يعول عليه في الدين.
أخ جمال:

 لقد كان لصلة بن أشيم ابنة عم تدعى معادة العدوية، و كانت هي الأخرى تابعية مثله، حيث لقيت أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها و أخذت عنها، ثم لقيها الحسن البصري نضر الله روحه و سمع منها و كانت تقية نقية عابدة زاهدة، و كان من عادتها إذا أقبل عليها الليل أن تقول: قد تكون هذه آخر ليلة لي فلا تنامي حتى تصبحي، و إذا أقبل عليها النهار أن تقول: قد يكون هذا آخر يوم لي فلا يطمئن لها جنب حتى تمسي، و كانت تلبس رقيق الثياب في فصل الشتاء حتى يمنعها البرد من الركون إلى النوم و الانقطاع عن العبادة، و كانت تحيي الليلة صلاة و دعاء، فإذا غلبها النعاس قامت فجالت في الدار و هي تقول: أمامك يا نفس نوم طويل، غداً تطول رقدتك في القبر، إما على حسرة و إما على سرور، فاختاري يا معادة لنفسك اليوم ما تحبين أن تكوني عليه غداً.
 و لم يكن صلة بن أشيم صاحب هذا اللقاء على الرغم من شدة عبادته و فرط زهادته ليرغب عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، خطب ابنة عمه معادة لنفسه، فلما كان يوم إهدائها إليه، قام ابن أخ له بشأنه فمضى به إلى الحمام ثم أدخله عليها في بيت مطيب، فلما سارا معاً قام يصلي الركعتين المسنونتين، فقامت تصلي بصلاته و تقتضي به، ثم اجتذبهما سحر الصلاة فمضيا يصليان معاً حتى برق الفجر، فلما كانت الغداة جاءه ابن اخيه و قال: يا عم لقد أهديت إليك ابنة عمك فقمت تصلي الليل كله و تركتها ؟ فقال: يا ابن أخي إنك أدخلتني أمس بيتاً أسكنتني به النار، ثم أدخلتني آخر أسكنتني به الجنة فمازلت أنا و إياها نصليان حتى انفجر الفجر، و لم يكن صلة بن أشيم أواهاً، أواباً، عابداً، زاهداً فحسب، و إنما كان إلى ذلك فارساً مجاهداً.
 شيء جميل و رائع عن هذا التابعي الجليل صلة بن أشيم العدوي، نشكركم فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه الإيضاحات فعلاً التي أسهمت إسهاماً مبيناً وواضحاً في إغناء هذه الشخصية الفذة التي أدخلت شيئاً جديداً في تاريخنا الإسلامي الحنيف، نشكركم فضيلة الشيخ

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018