صور من حياة التابعين - الندوة : 07 - التابعي عطاء بن أبي رباح . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 07 - التابعي عطاء بن أبي رباح .


1999-12-25

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
فضيلة الشيخ

 عندما نتحدث عن التابعين الكرام الذين ملؤوا الدنيا عدلا و سمعة طيبة و أخلاقا رائعة، و كانوا بحق قدوة، اليوم بين أيدينا اسم جليل هو عطاء بن أبي رباح، تابعي جليل نبدأ بالحديث عنه.
 يقول أحدهم: ما رأيت أحدا يريد العلم لوجه الله عز وجل غير هؤلاء الثلاثة ؛ منهم عطاء، هانحن أولاء في العشر الأخير من شهر ذي الحجة سنة سبع و تسعين للهجرة، وهذا البت العتيق يموج بالوافدين إلى الله من كل فج عميق، مشاة و ركبانا ن شيوخا و شبانا، رجالا و نساء، فيهم الأسود و الأبيض، و العربي و العجمي، و السيد و المسود، لقد قدموا جميعا على ملك الناس، مخبتين ملبِّين راجين مؤمِّلين، وهذا سليمان بن عبد الملك خليفة المسلمين، و أعظم ملوك الأرض يطوف بالبيت العتيق حاسر الرأس حافي القدمين، ليس عليه إلا إزار و رداء، شانه في ذلك كشان بقية رعاياه من إخوته في الله، و كان من خلفه ولداه، وهما غلامان كطلعة البدر بهاء و رواءً، وكأكمام الورد نضارة و طيبا، وما أن انتهى من طوافه حتى مال على رجل من خاصته و قال: أين صاحبكم ؟ فقال: إنه هناك قائم يصلي، و أشار إلى الناحية الغربية من المسجد الحرام، فاتجه الخليفة ومن وراءه إلى حيث أشير إليه، و همَّ رجال الحاشية بأن يتبعوا الخليفة ليفسحوا له الطريق، و يدفعوا عنه أذى الزحام، فثناهم عن ذلك و قال: هذا مقام يستوي فيه الملوكُ و السوقة، و لا يفضل فيه أحد عن أحد إلا بالقبول و التقوى، رب أشعث أغبر قادم إلى الله عز وجل فتقبله بما لم يتقبل من الملوك " ثم مضى نحو الرجل فوجده ما يزال داخلا في صلاته غارقا في ركوعه و سجوده، و الناس جلوس وراءه و عن يمينه وعن شماله، فجلس حيث انتهى به المجلس، وأجلس معه ولديه، و طفق الفتيان القرشيان يأملان ذلك الرجل الذي قصده أمير المؤمنين، و جلس مع عامة الناس ينتظر فراغه من صلاته، فإذا هو شيخ حبشي، أسود البشرة مفلفل الشعر، افطس الأنف، إذا جلس بدا و كأنه غراب أسود، و لما انتهى الرجل من صلاته مال بشقه على الجهة التي كان فيها الخليفة فحياه سليمان بن عبد الملك، فرد التحية بمثلها، و هنا أقبل عليه الخليفة و جعل يسأله عن مناسك الحج منسكا منسكا، وهو يفيض بالإجابة عن كل مسألة، و يفصِّل القول فيها تفصيلا لا يدع سبيلا لمستزيد، و يسند كل قول يقوله إلى النبي صلى الله عليه و سلم، و لما انتهى الخليفة من مساءلته جزراه خيرا و قال لولديه: قوما فقاما، ومضى الثلاثة نحو المسعى، و فيما هو في طريقهم إلى السعي بين الصفا و المروة سمع الفتيان المنادون ينادون: يا معشر المسلمين لا يفتي الناسَ في هذا المقام إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يوجد فعبد الله بن أبي نجيح، فالتفت أحد الغلامين إلى أبيه و قال: كيف يأمر عامل أمير المؤمنين الناس بأن لا يستفتوا أحدا غير عطاء بن أبي رباح و صاحبه، ثم جئنا نحن نستفتي هذا الرجل الذي لم يأبه بالخليفة، ولم يوفِّه حقه من التعظيم، فقال سليمان لولده: هذا الذي رأيته يا بني و رأيت ذلنا بين يديه هو عطاء بن أبي رباح، صاحب الفتيا في المسجد الحرام، ووارث عبد الله بن عباس في هذا المنصب الكبير، ثم أردف يقول: يا بني تعلموا العلم فبالعلم يشرف الوضيع، ينبه الخامل، و يعلو الأرقاءُ على مراتب الملوك.
لم يكن سليمان بن عبد الملك مبالغا فيما قاله لابنه في شأن العلم، فقد كان عطاء بن أبي رباح في صغره عبدا مملوكا لامرأة من أهل مكة، غير أن لله جل جلاله و عز نوالُه أكرم الغلام الحبشي بأن وضع قدميه منذ نعومة أظفاره في طريق العلم، فقسم وقته أقساما ثلاثة، قسم جعله لسيدته يخدمها فيه أحسن ما تكون الخدمة، و يؤدي لها حقوقها عليه أكمل ما تؤدى الحقوق، و قسم جعله لربه يفرغ فيه لعبادته، أصفى ما تكون العبادة و أخلصها لله عز وجل، و قسم جعله لطلب العلم، حيث أقبل على من بقي حيا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطفق ينهل من مناهلهم الثرة الصافية، فأخذ عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن عبد الله عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير غيرهم رضوان الله تعالى عليهم حتى امتلأ صدره علما و فقها و رواية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم.
 و لما رأت السيدة المكية أن غلامها قد باع نفسه لله، ووقف حياته على طلب العلم تخلَّت عن حقها فيه، وأعتقت رقبته تقربا لله عز وجل، لعل الله ينفع به الإسلام و المسلمين، ومنذ ذلك اليوم اتخذ عطاء بن أبي رباح البيت الحرام مقاما له، فجعله داره التي يأوي إليها، و مدرسته التي يتعلم فيها، و مصلاه الذي يتقرب فيه إلى الله بالتقوى و الطاعة، حتى قال المؤرِّخون: كان المسجد فراش عطاء بن أبي رباح نحوا من عشرين عاما.
وقد بلغ التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح منزلة في العلم فاتق كل تقدير، و سما إلى مرتبة لم ينلها إلا نفر قليل من معاصريه، فقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه أمَّ مكة معتمرا، فأقبل الناس عليه يسألونه و يستفتونه، فقال: إني لأعجب لكم يا أهل مكة أتجمعون لي المسائل لتسألوني عنها و فيكم عطاء بن أبي رباح " و قد وصل عطاء بن أبي رباح إلى ما وصل إليه من درجة في العلم و الدين بخصلتين اثنتين ؛ أولهما أنه أحكم سلطانه على نفسه، فلم يدع لها سبيلا لترتع فيما لا ينفع، و ثانيتهما أنه أحكم سلطانه على وقته فلم يهدره في فضول الكلام و العلم.
حدَّث محمد بن سوقة جماعة من زواره قال

(( ألا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني ؟ قالوا: بلى، قال: نصحني عطاء بن أبي رباح ذات يوم فقال: يا ابن أخي إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام، فقلت: وما فضول الكلام عندهم ؟ قال: كانوا يعدُّون كل كلام فضول ما عدا كتاب الله عز وجل أن يُقرأ و يُفهم، و حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يُروى و يُدرك، أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو علما يُتقرب به إلى الله تعالى، أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لابد لك منها، ثم حدَّق في وجهه و قال: أتنكرون ))

﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11)﴾

[سورة الانفطار]

 و أن مع كل منكم ملكين،: يمين و عن شمال،

 

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾

 

[سورة ق]

 ثم قال: أما يستحي أحدنا لو نُشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه و لا من أمر دنياه " و لقد نفع الله عز وجل بعلم عطاء بن أبي رباح طوائف كثيرة من الناس.
هل لنا سماحة الشيخ محمد راتب النابلسي أن نضيف شيئا جديدا عن هذا التابعي الجليل عطاء بن أبي رباح ؟
 من ذلك ما حدَّث به عثمان بن عطاء الخراساني قال: انطلقت مع أبي أريد هشام بن عبد الملك، فلما غدوا قريبا من دمشق إذا نحن بشيخ على حمار أسود عليه قميص صفيق، وجبة بالية، و قلنسوة لاصقة برأسه، وركاباه من خشب، فضحكت منه و قلت لأبي: من هذا ؟ قال: اسكت هذا سيد فقهاء الحجاز، فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته فاعتنقا و تساءلا ثم عادا فركبا و انطلقا حتى وقفا على باب قصر هشام بن عبد الملك، فلما استقر بهما الجلوس حتى أُذن لهما، فلما خرج أبي قلت له: حدِّثني بما كان منكما فقال: لما علم هشام أن عطاء بن أبي رباح بالباب بادر فأذن له، و والله ما دخلت إلا بسببه، فلما رآه هشام قال: مرحبا مرحبا، ها هنا ها هنا، وما زال يقول له: ها هنا ها هنا حتى أجلسه معه على سريره، و مسَّ بركبته ركبته، و كان في المجلس أشراف الناس، و كانوا يتحدثون فسكتوا، ثم أقبل عليه هشام فقال: ما حاجتك يا أبا محمد ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين أهل الله وجيران رسوله، تقسِّم عليهم أرزاقهم و أُعطياتهم، فقال: نعم، يا غلام اكتب لأهل مكة و المدينة بعطاياهم و أرزاقهم لسنة - شيء جميل - ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ فقال: نعم، يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز و أهل نجد اصل العرب و قادة الإسلام ترد فيهم فضول صدقاتهم، فقال: نعم، يا غلام اكتب بأن تُرد فيهم فضول صدقاتهم، هل من حلاجة غي ذلك يا أبا محمد ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور يقفون في وجوه عدوكم و يقتلون من رام المسلمين بشر تجري عليهم أرزاقا تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا ضاعت الثغور، فقال: نعم، يا غلام اكتب بحمل أرزاقهم إليهم، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين أهل ذمتكم لا يُكلفون ما لا يطيقون، فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم، فقال: يا غلام اكتب لأهل الذمة بألا يُكلفوا ما لا يطيقون، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد ؟ قال: نعم، اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين.
 ونحن فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، نمسأل الله عز وجل التوفيق و الإخلاص، أهلا بكم و مرحبا، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، و خطيب جامع الشيخ عبد الغني النابلسي في مدينة دمشق والمدرس الديني في مساجد دمشق، نشكركم فضيلة الشيخ، إلى اللقاء إن شاء الله، و السلام عليكم ورحمة الله تعالى و بركاته.
شكرا الأستاذ جمال،

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018