صور من حياة التابعين - الندوة : 06 - التابعي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 06 - التابعي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق .


1999-12-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
فضيلة الشيخ

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته بداية، وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته، الأستاذ جمال .
الأستاذ راتب

  سيدنا عمر بن عبد العزيز له كلام جميل: لو كان لي من الأمر شيء لولَّيت القاسم بن محمد الخلافة " القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، هذا التابعي الفاضل هو محور حديثنا إن شاء الله .
الأستاذ جمال

 ولد القاسم بن محمد في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، لكن الطفل الصغير ما كاد يدرج في عشه حتى قصفت بديار المسلمين ريح الفتنة الهوجاء، فاستشهد الخليفة العبَّاد الزهَّاد ذو النورين، وهو منحني بصلبه على أجزاء القرآن، و نشب الخلاف الكبير بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان أمير بلاد الشام، وفي سلسلة مفزعة مذهلة من الأحداث المتلاحقة وجد الطفل الصغير نفسه يُحمل مع أخته من المدينة إلى مصر، فقد كان عليهما أن يلحقا بابيهما بعد أن غدا واليا عليها، من قِبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم رأى أظافر الفتنة الحمر تمتد إلى أبيه فتقتله شر قتلة، ثم ألفى نفسه يُنقل مرة أخرى من مصر إلى المدينة بعد أن استولى عليها أنصار معاوية، و قد أصبح يتيما لطيما .
 حدَّث القاسمُ نفسُه عن رحلة العذاب هذه و ما تلاها فقال: لما قُتل أبي بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا و أختي الصغيرة ومضى بنا إلى المدينة، فما أن بلغناها حتى بعثت إلينا عمتي عائشة رضي الله عنها فحملتنا من منزل عمي إلى بيتها، و ربَّتنا في حجرها، فما رأيت والدة قط و لا والدا أكثر منها بِرا ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمنا بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته، و كانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم، فتغسل أجسادنا و تمشِّط شعورنا و تلبسنا الأبيض الناصع من الثياب، و كانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير و تمرسنا بفعله، و تنهانا عن الشر و تحملنا على تركه، و قد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله عزوجل، و تروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله عليه أتم الصلاة و السلام، و كانت تزيدنا برا و إتحافا في العيدين، فإذا كانت عشية عرفة حلقت لي شعري و غسَّلتني أنا و أختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد و بعثت بنا إلى المسجد لنؤدي صلاة العيد، فإذا عدنا منه جمعتني أنا و أختي و ضحَّت بين أيدينا .
الأستاذ جمال

  الطفل الصغير حينما يلقى رعاية كافية، و حنوا كبيرا و رحمة واسعة يكون بطلا عظيما، و أخطر سن يمر به الإنسان هو سن الطفولة، فإذا لقي أما رؤوما و أبا شفيقا و تربية عالية و تتبعا دقيقا صار بطلا، و في ذات يوم ألبستنا ثيابا بيضا ثم أجلستني على إحدى ركبتيها، و اجلست أختي على ركبتها الأخرى، و كانت قد دعت عمي عبد الرحمن فلما دخل علينا حيَّته ثم تكلمت فحمدت الله عزوجل و أثنت عليه بما هو أهله، فما رأيت متكلما قط من رجل أو امرأة قبلها و لا بعدها أفصح منها لسانا، و لا أعذب منها بيانا، ثم قالت: أي أخي إني لم أزل أراك معرضا عني منذ أخذت هذين الصبيين منك و ضممتهما إلي، ووالله ما فعلت ذلك تطاولا عليك ولا سوء ظن بك، و لا اتهاما لك بالتقصير في حقهما، و لكنك رجل ذو نساء، لك زوجات، و هما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما، فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرنه فلا يطبن بهما نفسا، ووجدت أني أحق منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال، وهاهما الآن قد شبَّا و أصبحا قاديرن على القيام بأمر نفسيهما، فخذهما و ضمهما إليك، فأخذنا عمي عبد الرحمن و ضمَّنا إلى بيته، الطفل لا ينسى الرعاية و الاهتمام، و العطف الذي يشرب مع حليب أمه هذا العطف و الحنان يكون إنسانا خيرا في المستقبل، بيد أن الغلام البكري ظل معلق القلب ببيت عمته أم المؤمنين رضوان الله تعالى عليها، فعلى أرض بيتها المضمَّخة بطيوب النبوة درج، وفي أكناف صاحبته تربى و ترعرع، ومن حنانها المتدفق نهل و ارتوى، فصار يوزع وقته بين بيتها و بيت عمه، و قد ظلت ذكريات منزل عمته الشذية الندية رفافة تحيا في خاطره ما امتدت به الحياة، فاستمع عن بعض حديثه عن تلك الذكريات حيث يقول: قلت ذات يوم لعمتي عائشة رضي الله عنها: يا أمة اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه و سلم، و قبر صاحبيه فإني أريد أن أراهما، و كانت الثقبور الثلاثة ما زالت داخل بيتها، و قد طَّتهما بما يسترها عن العين، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا واطئة، بحسب السنة، قد مُهِّدت بصغار الحصى الحمر مما كان في باحة المسجد، فقلت: أين قبر رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ فأشارت بيدها و قالت: هذا، ثم تحدرت على خديها دمعتان كبيرتان فبادرت فمسحتهما حتى لا أراهما، و كان قبر النبي عليه الصلاة والسلام مقدَّما على قبر صاحبيه، فقلت: أين قبر جدي أبي بكر ؟ فقال: هو هذا و كان مدفونا عند رأس النبي عليه الصلاة و السلام، فقلت: وهذا قبر عمر ؟ قال: نعم، و كان رأس عمر رضوان الله عليه عند قبر جدي، قريبنا من رجل النبي عليه الصلاة و السلام .
 فلما شبَّ الفتى البكري كان قد حفظ كتاب الله عزوجل و أخذ عن عمته عائشة من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ما شاء الله له أن يأخذ، ثم أقبل على الحرم النبوي الشريف وانقطع إلى حلقات العلم التي كانت تنتشر في كل ركن من أركانه كما تنتشر النجومُ الزهر على صفحة السماء.
الأستاذ جمال ؛

 أنا في اعتقادي أن شهادات المرأة العلية أولادها، او الذين ربَّتهم، هذه أكبر شهادة لمرأة، حينما تدفع بعنصر راقي جدا للمجتمع هذا يحتاج إلى عناية، حتى غدا هذا الفتى البكري إماما مجتهدا، و أصبح من أعلم أهل زمانه بالسنة، و كان الرجل لا يُعد رجلا عندهم حتى يتقن السنة .
ولما اكتملت للشاب البكري أدوات المعرفة أقبل الناس عليه يلتمسون عنده العلم بشرف، و أقبل هو عليهم يبذله لهم بسخاء، فكان يأتي مسجد رسول الله صلوات الله عليه وسلام غداة كل يوم في موعد لا يخلفه فيصلي ركعتين يحي بهما المسجد ثم يأخذ مكانه أمام خوخة عمر في الروضة الغراء بين قبر النبي صلوات الله و سلامه عليه وبين منبره، فيجتمع عليه طلاب العلم في كل مكان،و ينهلون من موارده العذبة المصفاة ما يملأة النفوس العطشى ريا، و لم يمض طويل وقت حتى أصبح القاسم بن محمد و ابن خالته سالم بن عبد الله بن عمر إمامي المدينة الموثوقين، و لقد كان القاسم بن محمد أشد الناس تأسيا بجده الصديق رضوان الله عليه، حتى قال الناس: لم يلد أبو بكر ولدا أشبه به من هذا الفتى " فلقد أشبهه في كرم شمائله، ونبل خصاله، و صلابة إيمانه و شدة ورعه، و سماحة نفسه و سخاء يده، و قد أُثر عنه كثير من الأقوال و الأفعال تشهد له بهذا، من ذلك، أن أعرابيا جاءه إلى المسجد فقال: أيهم أعلم أنت أم سالم بن عبد الله ؟ فتشاغل عنه، فأعادها عليه، قال: سبحان، فأعادها مرة ثالثة، قال له: ذلك سالم يا ابن أخي يجلس هناك، فقال: من في المجلس لله أبوه، لقد كره أن يقول: أنا أعلم منه فيزكي نفسه، و كره أن يقول: هو أعلم مني فيكذب، و كان أعلم من سالم، لقد رُئي ذات مرة بمنى، وأهل الأمصار من حجاج بيت الله الحرام يطبقون عليه من كل جانب وهو يسألونه، فكان يجيبهم بما يعلم، و يقول لهم فيما لا يعلمه: لا أعلم، لا أدري، فأخذهم منه العجب، فقال لهم: والله ما نعلم كل ما تسالون عنه ، لو علمناه ما كتمناه، و لا يحل لنا أن نكتمه، و لأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم، وفي ذات مرة عُهد ليه بقسمة الصدقات بين مستحقيها، فاجتهد في ذلك ما وسعه الاجتهاد، و أعطى كل ذي حق حقه غير أن أحدهم لم يرض عن نصيبه الذي أُعطي له، فأتاه إلى المسجد وهو قائم يصلي، وجعل يتكلم في أمر الصدقة، واللهِ إنك تتكلم في رجل ما نال من صدقتكم درهما ولا دانقا، ولا أصاب منها تمرة واحدة .
 الدانق سدس الدرهم، فأوجز صلاته والتفت إلى ابنه و قال: يا بني لا تتكلم بعد اليوم فيما لا تعلم، فقال الناس: صدق ابنه، و لكنه أراد أن يربيه و أنم يحفظانه من التوسع في الكلام .
 لقد عُمِّ القاسم بن محمد حتى نيَّف عن الثانية و السبعين، لكنه كُف بصره وهو سيخ كبير، وغي آخر سنة من حياته قصد مكة يريد الحج، وفيما هو في بعض طريقه أتاه اليقينُ، أي الموت، فلما أحسَّ بالأجل التفت إلى ابنه و قال: إذا أنا مت فكفِّني بثيابي التي أصلي فيها، قميصي و إزاري و ردائي، فذلك كان كفن جدك أبي بكر، ثم سوِّ عهليَّ لحدي والحق بأهلك، وإياكم أن تقفوا على قبري و تقولوا: كان و كان، فما كنت شيئا "
أيها الأعزاء، باسمكم جميعا نشكر فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و خطيب جامع عبد الغني النابلسي بدمشق، و أيضا المدرس به في مساجد دمشق، فضيلة الشيخ نشكركم الشكر الجزيل، و

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018