صور من حياة التابعين - الندوة : 05 - التابعي عامر بن شرحبيل الشعبي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 05 - التابعي عامر بن شرحبيل الشعبي .


1999-12-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
فضيلة الشيخ الحسن البصري له كلام جميل في حق التابعي عامر بن شرحبيل الشعبي

(( كان الشعبي واسع العلم، عظيم الحلم، وإنه مع الإسلام بمكان ))

إذًا حديثنا في هذه الحلقة إن شاء الله حول هذا التابعي الجليل.
 ولد الشعبي في الكوفة، وفيها نشأ، لكن المدينة المنورة كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه، فكان يؤمها من حين لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ليأخذ عنهم كما كان الصحابة الكرام يؤمون الكوفة ليتخذوها منطلقا للجهاد في سبيل الله، أو دارا للإقامة، فأُتيح له أن يلقى نحوا من خمسمائة من الصحابة الكرام، وأن يؤوي عن عدد كبير من جِلتهم من أمثال علي بن أبي طالب و سعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت و عبادة بن الصامت، و أبي موسى الأشعري، و أبي سعيد الخدري و النعمان بن بشير، وعبد الله بن عمر و عبد لله بن عباس و عدي بن حاتم و أبي هريرة وعائشة أم المؤمنين و غيرهم، وقد كان الشعبي فتى متوقد الذكاء يقظ الفؤاد، مرهف الذهن، دقيق الفهم، آية في قوة الحافظة والذاكرة، قال علماء النفس: كل ذكي له ذاكرة قوية، وكل صاحب ذاكرة قوية على مستوى عال من الذكاء، و لكن الذكاء شيء و الذاكرة شيء آخر، فقد روي عنه أنه قال

(( ما كتبت سوداء في بيضاء قط " كان يحفظ مباشرة، لا يحتاج إلى أن يكتب،

(( ما كتبت سوداء في بيضاء قط، و لا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، و لا سمعت من امرئ كلاما فما أحببت أن يعيده علي ))

وهذا من علائم قوة ذاكرته.
 وقد كان الفتى مولعا بالعلم مشغوفا بالمعرفة، يبذل في سبيلها النفس و النفيس، ويستسهل من أجلهما المصاعب، إذ كان يقول : لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن وحفظ كلمة واحدة تنفعه فيما سنقبل من أموره لرأيت أن سفره لم يضع " وللإمام الشافعي كلمة رائعة يقول

(( من لم يُعهد منه سفر، لم يعهد منه علم ))

و قد بلغ من علمه أنه كان يقول : أقل شيء تعلمته الشعر، ولو شئت لأنشدتكم منه شهرا دون أن أعيد شيئا مما أنشدته، وكانت تُعقد له حلقة في جامع الكوفة، فيلتف الناس حوله زمرا زمرا، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياء يروحون ويغدون بين أظهر الناس.
أستاذ جمال يقول الله عز وجل :

﴿ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾

 

[سورة فاطر]

 الله جل جلاله يعطي بعض الأشخاص قوة حافظة عجيبة، يعطي بعض الأشخاص قوة محاكمة كبيرة، يعطي بعض الأشخاص طلاقة لسان رائعة، إنه عز وجل يصطفي من خلقه من يعطيهم حظا أكثر من غيرهم، هذا معنى قوله تعالى :

 

 

﴿ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾

 

[سورة فاطر]

 بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرة يقص على الناس أخبار المغازي بخفاياها و دقائقها، فأرهف إليه سمعه و قال: لقد شاهدت ما يقصه بعيني و سمعته بأذني، ومع ذلك فهو أروى له مني " هو الذي شاهده و سمعه أروى له مني، و شواهد سعة علم الشعبي و حضور ذهنه غزيرة وفيرة، من ذلك ما رواه عن نفسه قال : أتاني رجلان يتفاخران أحدهما من بني عامر و الآخر من بني أسد، و قد غلب العامري صاحبه وعلا عليه و أخذه من ثوبه و جعل يجره نحوه جرا، والأسدي مخذول أمامه يقول له : دعني دعني، وهو يقول له : والله لا أدعك حتى يحكم الشعبي لي عليك، فالتفت إلى العامري و قلت له : دع صاحبك حتى أحكم بينكما، ثم نظرت إلى الأسدي و قلت : ما لي أراك تتخاذل له، ولقد كانت لكم مفاخر ست لم تكن لأحد من العرب، أولها : أنه كانت منكم امرأة خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله، فزوجه الله إياها من فوق سبع سماوات، و كان السفير بينهما جبريل عليه السلام، إنها أم المؤمنين زينب، فكانت هذه المأثرة لقومك ولم تكن لأحد من العرب غيركم، و الثانية : أنه كان منكم رجل من أهل الجنة، يمشي على الأرض هو عكاشة بن محصن، و كانت هذه لكم يا بني أسد و لم تكن لسواكم منن الناس، و الثالثة : أن أول لواء عُقد في الإسلام كان لرجل منكم، هو عبد الله بن جحش، و الرابعة أن أول مغنم قُسم في الإسلام كان مغنمه، و الخامسة : أن أول بايع بيعة الرضوان كان منكم، فقد جاء صاحبكم أبو سنان بن وهب إلى النبي عليه الصلاة و السلام و قال : يا رسول الله ابسط يدك أبايعك، قال : على ماذا، قال : على ما نفسك، قال : وما في نفسي ؟ قال : فتح أو شهادة، قال : نعم، فبايعه فجعل الناسُ يبايعون على بيعة أبي سنان، و السادسة : أن قومك بني الأسد كانوا سُبع المهاجرين يوم بدر، فبُهت العامري و سكت، ولا ريب أن الشعبي أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب، و لو كان العامري هو المخذول لذكر له من مآثر قومه ما لم يحط به خبرا، و لما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج عامله على العراق أن ابعث إلي رجلا يصلح للدين و الدنيا، أتَّخذه سفيرا و جليسا، فبعث إليه بالشعبي، فجعله من خاصته، و أخذ يفزع إلى علمه في المعضلات، ويعول على رأيه في الملمات، و يبعثه سفيرا بينه و بين الملوك، أرسله مرة في مهمة إلى الجستنيان، ملك الروم، فلما وفد إليه و استمع إليه أُخذ بذكائه و دُهش من دهاءه، و أُعجب بسعة اطلاعه و قوة عارضته، فاستبقاه عنده أياما كثيرة على غير عادته مع السفراء، فلما ألح عليه بأن يأذن له بالعودة إلى دمشق سأله الملك الرومي : أمن أهل بيت الملك أنت ؟ فقال : لا، وإنما ـأنا رجل من جملة المسلمين، فلما أذن له بالرحيل قال له : إذا رجعت إلى صاحبك، يعني عبد الملك بن مروان، و أبلغته جميع ما يريد معرفته فادفع إليه هذه الرقعة، يعني الكتاب، فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك، وأفضى إليه بكل ما رآه و سمعه، و أجابه عن جميع ما سأله عنه، ولما نهض لينصرف قال : يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني لك هذه الرقعة، ودفعها إليه وانصرف، فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه : ردوه عليَّ، فردوه فقال له : أعلمت ما في هذه الرقعة ؟ قال : لا الله يا أمير المؤمنين، فقال عبد الملك : لقد كتب إلي ملك الروم يقول : عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها مكحول في الشام " لكن الشعبي كان لتواضعه يخجل إذا خلع عليه أحد لقب العالم، فقد خاطبه أحد قائلا : أجبني أيها الفقيه العالم، فقال : ويحك لا تطرونا بما ليس فينا، الفقيه من تورع عن محارم الله، و العالم من خشي الله، وأين نحن من هذا " ولقد سأله آخر عن مسألة فأجاب: قال فيها عمر بن الخطاب كذا، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا، فقال له السائل :وأنت ماذا تقول يا أبا عمر، فابتسم في استحياء و قال : و ما تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر و علي " و قد كان الشعبي يتحلى بكريم الشمائل و لين الخصام، من ذلك أنه كان يكره المراء، و يتساوم عن الخوض فيما لا يعنيه، فلقد كلَّمه أحد أصحابه ذات يوم فقال : يا أبا عمرو، فقال : لبَّيك، فقال : ما تقول فيما يتكلم فيه الناس في أمر هذين الرجلين، فقال : أي الرجلين تعني ؟ فقال : عثمان و علي، فقال : إني و الله لفي غنى أن أجيء يوم القيامة خصيما لعثمان بن عفان أو لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما
 لقد جمع الشعبي إلى العلم الحلم، فقد رُوي أن رجلا شتمه أقبح الشتم، و أسمعه أقذع الكلام فلم يزد على أن قال : إن كنت صادقا فيما ترميني به غفر الله لي، وإن كنت كاذبا غفر الله لك " و لم يكن الشعبي على جلالة قدره وجلالة فضله يأنف أن يأخذ المعرفة أو يتلقى الحكمة عن أهون الناس شأنا، فلقد دأب أعربي على حضور مجالسه، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائما، فقال له الشعبي : ألا تتكلم ؟ فقال : اسكت فأسلم، و اسمع فأعلم، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه، أما حظه من لسانه فيعود على غيره " فظل الشعبي يردِّد كلمة الأعرابي ما امتدت به الحياة.
أهلا و مرحبا بفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، أيها الإخوة الأعزاء باسمكم نشكر فضيلة الشيخ، أهلا بكم أستاذ راتب، وإن شاء الله لنا لقاء آخر، والسلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته، وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018