صور من حياة التابعين - الندوة : 04 - التابعي النجاشي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 04 - التابعي النجاشي .


1999-12-18

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأستاذ جمال

 إنه النجاشي، كان ملك الحبشة، لكن علماء المسلمين عدوه من التابعين، فقد تُوج على مملكة الحبشة، و بويع بالملك، وو دعي بالنجاشي، فساس البلاد بالحنكة و الحكمة، و أراح العباد من الضطراب و الفوضى، و ملأ الحبشة عدلا و خيرا، بعد أن امتلأت ظلما و شرا، و لكن لم يكد النجاشي يستقر على كرسي ملكه حتى بعث الله نبيه محمد صلوات الله عليه بدين الهدى و الحق، و أخذ المهديون السابقون إلى الإسلام يستجيبون واحدا إثر آخر، فهبَّت قريش تلحق بهم الأذى، و تنزل بهم الضر، فلما ضاقت عليهم مكةُ بما رحبت، و أنزل بهم المشركون من الأذى ما يزلزل اللشم الصلاب، قال لهم النبي عليه الصلاة و السلام: إن في أرض الحبشة ملكا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده، ولوذوا بحماه، حتى يجعل الله لكم فرجا، و يهيئ لكم من ضيقكم مخرجا ن فمضى ركب المهاجرين الأولين إلى أرض الحبشة و كانوا ثمانين بين رجال و نساء، فتذوقوا لأول مرة طعم الأمن و الاستقرار، الأستاذ جمال نعمة الأمن ما بعدها نعمة، قال تعالى:

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾

[سورة قريش]
 و تمتع هؤلاء الصحب الكرام بحلاوة التقى و العبادة من دون أن يعكِّر صفو عبادتهم معكِّر، و دون أن يكدر حلاوة إيمانهم مكدر، لكن قريشا ما كادت تعلم برحيل هذا النفر الثمانين من المسلمين إلى أرض الحبشة واستقرارهم فيها حتى هبَّت تأتمر بهم لتقضي عليهم، أو تستردهم إلى مكة، فأرسل قريش إلى النجاشي رجلين من أعهزاز رجالها ذكاء و حنكة، هما عمرو بن العاص و عبد الله بن أبي ربيعة، و بعثت معهما بهدايا وفيرة للنجاشي و بطارقته، مما كانو يستطرفونه من أرض الحجاز، فلما قدما الحبشة بادرا إلى لقاء البطارقة قبل أن يلقوا النجاشي، و دفعا إلى كل بطريق هديته و قال له: إنه قد حل بأرضكم غلمان من سفهائنا صبؤوا عن دين آبائهم و أجدادهم، و مزقوا كلمة قومهم، فإذا كلَّمنا الملك فأشيروا عليه-مقابل هذه الهدايا - بأن يسلمهم إلينا دون أن يسألهم عن دينهم، فإنا أشراف قومهم أبصرُ بهم، و أعلم بما يدينون، دخل عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على النجاشي و سجدا له، كما يسجد له قومُه، فرحَّب بهم النجاشي أجما ترحيب لما كان بينه و بين عمرو بن العاص من وُدٍّ سابق، ثم قدما له الهدايا مشفوعة بالتحيات من كبار رجال مكة، وعلى رأسهم أبو سفيان، زعيم قريش، فاستطرف هداياهم و أُعجب بها، ثم كلماه فقالا: أيها الملك إنه قد أوى إلى مملكتك نفر من أشرار غلماننا، قد فارقوا ديننا، و لم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين لا نعرفه نحن، و لا تعرفه أنت، و قد بعثنا أشرافُ قومنا يسألونك أن تردَّهم إليهم، فهم أعلم بما ابتدعوه من دين و ما أحدثوه من فتنة، فنظر النجاشي إلى بطارقته فقالوا: صدقا أيها الملك فإننا لم نقف عى دينهم الذي استحدثوه، و إن قومهم أدرى بهم منا، و أعلم بما ابتدعوه، فقال النجاشي: والله لا أسلِّمهم لأحد حتى أسمع كلامهم أرأيت إلى الإنصاف - هذا يا فضيلة الشيخ هذا هو الفعل النبيل الذي قام به النجاشي،و يبدو لي من خلال هذا الموقف الرجولة، استطاع النجتاشي أن يكتب اسمه بين المؤمنين، و أن يكون تابعيا صالحا - فقال: لا والله لا أسلمهم لأحد حتى أسمع كلامهم، وأقف على عقيدتهم، فإن كانوا على شر أسلمتهم لقومهم، وإن كانوا على خير حميتهم وأحسنت جوارهم ما داموا في بلادي، ثم أردف يقول: إني والله لا أنسى فضل الله علي، فلقد ردَّني إلى أرضي و حماني من كيد الكائدين لي، و صانني من بغي الباغين عليَّ، فدعا النجاشي الصحابة إلى لقاء بني قومهم عنده، فأوجسوا خيسفة من ذلك، وقال بعضهم لبعض: ما تقولون له إذا سألكم عن دينكم ؟ فقال: مقدموهم: نقول: ما قال الله عزوجل في كتابه، و نعلن ما جاءنا به النبي عليه الصلاة و السلام عن ربه، ثم مضوا إليه، فوجدوا عنده عمرو بن العاص، وعبد الله بن ربيعة، وألفوا بطارقته جالسين عن يمينه و عن شماله، وقد اعتمروا قلانسهم، و نشروا كتبهم بين أيديهم، فحيوه بتحية الإسلام، وجلسوا حيث انتهى بهم المجلس، فالتفت إليهم عمرو بن العاص و قال: مالكم لا تسجدون للملك ؟ أراد أن يحرجهم، فقالوا: إننا لا نسجد إلا لله، فهز النجاشي رأسه إعجابا لما قالوه، و نظر إليهم في رفق و قال: ما هذا الذي استحدثتموه فيكم من دين، و فارقتم بسببه دين قومكم، و لم تدخلوا في ديني ؟ فاستأذنه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان رئيس القوم، و قال: أيها الملك إننا لم نستحدث لأنفسنا دينا وإنما جاءنا محمد بن عبد الله من عند ربه بدين الهدى والحق، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، فلقد كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونقطع الأرحام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش و نسيء الجوار، و يبطش القوي منا بالضعيف، وقد بقينا على حالنا تلك حتى بعث الله إلينا رجلا نعرف نسبه، ونثق بصدقه و أمانته، وعفته، فدعانا إلى الله و أمرنا أن نعبده و أن نوحِّده، و حثنا على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة و صوم رمضان، وأن نخلع ما نعبده من الحجارة و الأوثان، كما أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن الجوار، و الكف عن المحارم، و صون الدماء، ونهانا عن إتيان الفواحش وقول الزور و أكل مال اليتيم، فصدقناه و آمنا برسالته، واتبعنا ما جاء به، وجعلنا نعبد الله وحده لا شريك له، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فما كان من قومنا إلا أن عدوا علينا وأنزلوا بنا أشد العذاب، ليفتنونا عن ديننا و يردونا إلى عبادة الأوثان، بعد أن عبدنا الواحد الديان، فلما قهرونا وظلمونا و ضيَّقوا علينا، و حالوا بيننا و بن ديننا رغبنا في اللجوء إلى جوارك والإقامة في ديارك، واخترناك على سواك ورجونا أن لا نُظلم عندك، فقال له النجاشي: هل معك شيء مما جاء به نبيكم عن ربه ؟ قال: نعم قال: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من سورة مريم، و كان مما قرأه قول الله عزوجل:

 

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً (24)﴾

[سورة مريم]
 فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيتُه، وبكى أساقفته حتى بلَّلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلي عليهم، وهنا التفت النجاشي إلى عمرو بن العاص و صاحبه و قال: إن هذا الذي تلي علينا فلذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم قال لهم: والله لا اسلمهم إليكما أبدا، ولا أُحمل على ذلك ما حييت، ثم نهض قائما ونهض من كان معه، وانفض المجلس.
 خرج عمرو بن العاص وهو يتميز من الغيظ، ثم قال لصاحبه:والله لألقين النجاشي غدا و لأحدِّثنه عنهم حديثا يجتث شجرتهم، و يقضي عليهم فقال له صغاحبه و كان أرقَّ منه قلبا: لا تفعل يا عمرو، فإن لهم فينا أرحاما، فقال: والله لأخبرنه أنهم قالوا في عيسى بن مريم شيئا و كتموا شيئا، و أنهم ينالون منه، و يقولون إنه عبد، فلما كان الغد دخل عمرو على النجاشي فقال: أيها الملك، لقد أسمعوك بالأمس و أخفوا عنك شيئا آخر فهم يقولون في عيسى بن مريم أنه عبد، فدعاهم النجاشي وقال: ما تقولون في عيسى بن مريم، فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه ما جاءنا به النبي عليه الصلاة و السلام، فقال: ما الذي جاءكم به ؟ فقال جعفر: إنه عبد الله و روسوله و كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فقال النجاشي: والله ما حرج عيسى عما قلت قيد أنملة، فتناخر البطارقة من حوله مستنكرين قوله، فنظر إليهم شزرا وقال: وإن تناخرتم، ثم قال لجعفر ومن معه: اذهبوا أنتم آمنين في أرضي، من مال منكم غرم، ومن من مال منكم غرم، من نال منكم غرم، من مال منكم غرم، أعادها تأكيدا، هذا هو النجاشي، و ما أطاع الناس في أمري حتى أطيعهم في أمرهم، هذا هو النجاشي الذي عدَّهم بعض المسلمين تابعيا جليلا.
 لاحظ فضيلة الشيخ، استطاع النجاشي أن يعلمنا من خلال أعماله وأقواله كيف أن الإسلام يجب عندما تأتيه مظلمة، أو يأتيه شاك عليه أن يسمع الطرفين ليتأكَّد، وهناك دليل من القرآن الكريم، ونستشف فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي من النجاشي التابعي الجليل كيف أن موضوع الطرح الذي طرحه الصحابة أمام النجاشي، الأسلوب، طريقة الكلام، طريقة الإيضاح و التعليم - هو أنه يقول عليه الصلاة و السلام يقول: إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا أحدكم، وهذا مبدأ عام في الوجود، يجب أن ننتقي من الوفد أفصحهم، وأعلمهم و أحكمهم و أكملهم، وأشدهم ورعا، ليكون رئيسا لهذا الوفد، و ليتكلم، فالإنسان يستمع إلى كلام منطقي واقعي، مدلَّل بالأدلة والشواهد المعتدلة الحكيمة، هذا الذي فعله جعفر.
 في الواقع لا يسعنا أيها الأعزاء، أيها الإخوة الكرام، إلا أن نقول: رحم الله النجاشي التابعي الجليل، أهلا ومرحبا بسماحة الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، و خطيب جامع النابلسي في دمشق ن أيضا المدرس الديني في مساجد دمشق، نشكركم فضيلة الشيخ، والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته، إلى الملتقى إن شاء الله، شكرا الأستاذ جمال، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018