صور من حياة التابعين - الندوة : 03 - التابعي عروة بن الزبير . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 03 - التابعي عروة بن الزبير .


1999-12-15

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الأستاذ جمال، بالقرب من الركن اليماني جلس أربعة فتيان صفاح الوجوه كرام الأحساب، معطري الأردان، كأنهم بعض حمامات المسجد، وطاعة أثواب، وألفة قلوب، هم عبد الله بن الزبير، وأخوه مصعب بن الزبير، و أخوهما عروة بن الزبير، و عبد الملك بن مروان، ودار الحديث رهوا بين الفتية الأبرار، ثم ما لبث أن قال قائل منهم: ليتمنى كلٌّ منا على الله ما يحب، فاطلقت أخيلتهم تحلق في عالم الغيب الرحب، ومضت أحلامهم تطوف في رياض الأماني الخضر، ثم قال عبد لله بن الزبير: أمنيتي أن أملك الحجاز، و أن أنال الخلافة، و قال أخوه مصعب: أمنيتي أنا أن أملك العراقين، فلا ينازعني فيها منازع، و قال عبد الملك بن مروان: إذا كنتما تقنعان بذلك فأن لا أقنع إلا بأن أملك الأرض كلها، و أن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان، و سكت عروة بن الزبير - دقِّق هنا - فلم يقل شيئا ـ فالتفتوا إليه و قالوا: و أنت ماذا تتمنى يا عروة ؟ فقال: بارك الله لكم فيما تمنيتم من أمر دنياكم، أما أنا فأتمنى أن أكون عالما عاملا يأخذ الناس عني كتاب ربهم، و سنة نبيهم و أحكام دينهم، و أن أفوز في الآخرة برضى الله و أحظى بجنته، ثم دارت الأيام دورتها فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايع له بالخلافة عقب موت يزيد بن معاوية، فيحمك الحجاز و مصر و اليمن و خراسان والعراق، ثم يُقتل عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنى فيه ما تمنى، و إذا بمصعب بن الزبير يتولى إمرة العراق من قِبل أخيه عبد الله، و يُقتل هو الآخر دون ولابته، وإذا بعبد الملك بن مروان تؤول إليه الخلافة بعد موت أبيه، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مقتل عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب ثم يغدو أعظم ملوك الدنيا في زمنه، فماذا كام من أمر عروة بن الزبير.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾

[سورة الإسراء]

 وُلد عروة بن الزبير لسنة واحدة بقيت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه، في بيت من أعز بيوت المسلمين شأنا و أرفعها مقاما،أفابوه هو الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه و سلم، و أول من سلأَّ سيفا في الإسلام و أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمه هي أسماء بني أبي بكر، الملقبة بذات النطاقين، و جده لأمه هو أبو بكر الصديق خليفة رسول الله و صاحبه في الغار، و جدته لأبيه هي صفية بن عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، و خالته هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد نزل إلى قبرها حين دُفنت بنفسه، و سوى عليه لحدها بيده، أفتظن أن بعد هذا الحسب حسبا، وأن فوق هذا الشرف شرفا، غير شرف الإيمان و عزة الإسلام.
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي، هناك أمنية كان يتمناها عروةُ بن الزبير كنت بدأت حديثك عنها، حبَّذا أن نتابع الشيء الجليل و الرائع عن هذه الأمنية الطيبة.
 و لكي يحقق عروة أمنيته التي تمناها على الله عند الكعبة المعظمة أكب على طلب، العلاقة بين صدق التمني هو العمل و السعي، أكب على طلب العلم و انقطع له، و اغتنم البقية الباقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فطفق يؤمُّ بيوتهم و يصلي خلفهم، و يتتبع مجالسهم حتى روى عن علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت، و أُبي و أبي أيوب الأنصاري و أسامة بن زيد، و سعيد بن زيد و أبي هريرة و عبد الله بن عباس و النعمان بن بشير، و أخذ كثيرا عن خالته عائشة أم المؤمنين حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة، الذين يفزع إليهم المسلمون في دينهم، و يستعين بهم الولاةُ الصالحون على ما استرعاهم الله جل و عز من أمر العباد و البلاد، ومن ذلك أن عمر بن عبد العزيز حين قدم المدينة واليا عليها من قِبل اوليد بن عبد الملك، جاءه الناس فسلموا عليه، فلما صلى الظهر دعا عشرة فقهاء المدينة و على رأسهم عروة بن الزبير، فلما صاروا عنده رحَّب بهم و أكرم مجالسهم، ثم حمد الله جل و عز وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني دعوتكم لأمر تُأجرون عليه و تكونون لي فيه أعوانا على الحق، فأنا لا أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدا يتعدى على أحد أو بلغكم عن عامل لي مظلمة فأسألكم بالله أن تبلِّغوني ذلك.
أستاذ جمال مرة كلَّف أحد كبار العلماء سيدنا عمر بن عبد العزيز قال له

(( كن معي دائما وانظر فيما أفعل، فإن رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي، و هزَّني هزا شديدا و قل لي: اتق الله يا عمر فإنك ستموت ))

 فدعا له عروة بن الزبير بالخير و رجا له من الله السداد و الرشاد، و قد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل، فقد كان صواما في الهواجر قواما في العتمات، رطب اللسان بذكر الله تعالى، و كان إلى ذلك خدينا لكتاب الله عزوجل عاكفا على تلاوته، فكان يقرأ ربع القرآن كل نهار نظرا في المصحف، ثم يقول به الليل تلاوة على ظهر قلب، و لقد كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفسه، و قرى عينه، و جنته على الأرض، فيحسنها كل الإحسان، ويتقن شعائرها أتم الإتقان، و يطيلها غاية الطول، رُوي عنه أنه رأى رجلا يصلي صلاة خفيفة فلما فرغ من صلاته دعا إليه و قال له: يا ابن أخي ألا كانت لك عند ربك جل وعز حاجة ؟ والله إني لأسأل الله تبارك و تعالى في صلاتي كل شيء حتى الملح، و قد كان عروة بن الزبير رضوان الله عليه سخي اليد سمحا جوادا، ومما أُثر عن جوده أنه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة، عذب المياه، ظليل الأشجار، باسق النخيل، و كان يصون بستانه طوال العام بحماية أشجاره من أذى الماشية و عبث الصبية ، حتى إذا آن أوانُ الرطب و أينعت ثمارُه و طابت و اشتهتها النفوس، كسر حائط بستانه في أكثر من جهة ليجيز للناس دخوله، فكانوا يلمون به ذاهبين آيبين، و يأكلون من ثمره ما لذَّ لهم من الأكل، و يحملون منه ما طاب لهم الحمل، و كان كلما دخل بستانه هذا ردَّد قوله تعالى:

 

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

[سورة الكهف]

 و في ذات سنة من خلافة الوليد بن عبد الملك شاء الله جل و عز أن يمتحن عروة بن الزبير امتحانا لا يثبت له إلا ذوو الأفئدة التي عمرها الإيمان و غمرها اليقين، ذلك أن ابن عروة دخل على اصطبل الوليد ليتفرج على جياده الصافنات، فلمحته دابة لمحة قاضية أودت بحياته، و لم يزل الأب المفزوع ينفض التراب من قبر ولده حتى أصابت إحدى قدميه الآكلة، فتورمت ساقه، وجعل الورم يشتد و يشتد بسرعة مذهلة، فاستدى الخليفة لضيفه الأطباء من كل جهة، و حضهم على معالجته بأية وسيلة، لكن الأطباء أجمعوا على أنه لا مندوحة من بطر ساقه، قبل أن يسري الورمُ إلى جسده كله، و يكون سببا في القضاء عليه، فلم يجد بدا للإذعان لذلك، و لما حضر الجراحُ لبتر الساق و أحضر معه مضابعه لشقف اللحم و مناشره لنشر العظم، قال الطبيب لعروة: أرى أن نسقيك جرعة من مسكر لكي لا تشعر بالآلام المبرحة، فقال: هيهات لا أستعين بحرام علما أرجو منه العافية، فقال له: إذًا نسقيك المخدِّر، فقال: لا أحب أن أُسلب عضوا من أعضائي دون أن أشعر بألمه، لأحتسب ذلك عند الله، و لما همَّ الجراح بقطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال، فقال: ما هؤلاء ؟ فقيل له: لقد جيء بهم ليمسكوك، فربما اشتد عليك الألم فجذبت قدمك جذبة أضرت بك، قال: ردوهم، لا حاجة لي بهم، و إني لأرجو أن أكفيكم ذلك بالذكر و التسبيح، ثم أقبل عليه الطبيب فقطع اللهم بالمنطاق و لما بلغ العظم وضع عليه المنشار و طفق ينشره به، و عروة يقول: لا إله إلا الله، الله أكبر، وما فتئء الجراح ينشر و عروة يهلِّل و يكبر، حتى بُترت الساق بترا، ثم أغلي الزيت في مغارف الحديد وغُمست به ساق عروة لإيقاف تدفُّق الدماء و حسم الجراح، فأغمي عليه إغماءة طويلة حالت دونه و دون أن يقرأ حصته من كتاب الله الكريم، و كانت المرة الوحيدة التي فاته فيها ذلك الخير منذ صدر شبابه، فانشق على الوليد بن عبد الملك ما نزل بضيفه الكبير، فقد احتسب ابنه و فقد ساقه في أيام معدودات، فجعل يحتال لتعزيته و تصبيره على ما أصابه، و لما حُمل عروة بن الزبير إلى المدينة و أُدخل على أهله بادرهم قائلا: لا يهولنكم ما ترون، فلقد وهبني الله عزوجل أربعة من البنين، ثم أخذ منهم واحدا و أبقى لي ثلاثة، فله الحمد، و أعطاني أربعة من الأطراف ثم أخذ منها واحدا وأبقى لي ثلاثة، فله الحمد، وايم الله لئن أخذ الله مني قليلا لقد أبقى لي كثيرا، و لئن ابتلاني مرة فلطالما عافاني مرات، و لما عرف أهلُ المدينة بمصيب إمامهم و عالمهم عروة بن الزبير تسايروا على بيته ليواسوه و يعزُّوه، فكان من أحسن ما عُزي به كلمة قالها إبراهيم بن محمد قال له:

 

﴿أبشر يا أبا عبد الله فقد سبقك عضو من أعضائك وولد من أولادك إلى الجنة))

 في الواقع رضي الله عن هذا التابعي الجليل عروة بن الزبير، و أهلا ومرحبا بفضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و المدرس الديني في مساجد دمشق، وخطيب جامع النابلسي بدمشق، فضيلة الشيخ أهلا بكم و مرحبا، والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته. شكرا الأستاذ جمال.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018