صور من حياة التابعين - الندوة : 02 - التابعي أبو حنيفة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 02 - التابعي أبو حنيفة .


1999-12-13

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى قال عنه بعضهم: كل الفقهاء عالة على أبي حنيفة " فكان سيد الفقهاء، كان حسن الوجه، وسيم الطلعة، عذب المنطق، حلو الحديث، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير الذي تنبوعنه العيون، وهو إلى ذلك لبَّاس أنيق الثياب، بهيُّ الطلعة، كثي التعطر، إذا طلع على الناس عرفوه من طيبه قبل أن يروه، ذلكم هو النعمام بن الثابت بن المرزبان، المكنى بأبي حنيفة، أول من فتَّق أكمام الفقه و استخرج أروع ما فيها من طيوب.
 أدرك أبو حنيفة طرفا من آخر عصر بني أمية، و آخر من أول عصر بني العباس، و عاش في زمن أغدق فيه الخلفاء و الولاة على أصحاب المواهب إغداقا حتى صار رزقهم يأتيهم رغدا من كل مكان، وهم لا يشعرون، بيد أن بني حنيفة أكرم علمه ونفسه عن ذلك، و حزم أمره على أن يأكل من كسب يمينه، و أن تكون يده هي العليا دائما، دعاه المنصور ذات مرة إلى زيارته، فلما صار عنده بالغ في إعظامه و إكرامه و الترحيب به، و أدنى مجلسه منه، و جعل يسائله عن كثير من شؤون الدين والدنيا، فلما أراد الانصراف دفع إليه بكيس فيه ثلاثون ألف درهم، على ما كان معروفا من إمساك المنصور، فقال له أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين إني غريب في بغداد، و ليس لهذا المال موضع عندي، و إني لأخشى عليه، فاحفظه لي في بيت المال عندك، حتى إذا احتجته طلبته منك، فأجابه المنصورُ إلى رغبته، غير أن الحياة لم تطل حينئذ بأبي حنيفة، فلما وافه الأجل وُجدت في بيته ودائع للناس تزيد عن أضعاف هذا المبلغ، فلما سمع المنصور بذلك قال: يرحم الله أبا حنيفة، فقد خدعنا، أبى أن يأخذ منا شيئا.
تروي كتب التاريخ أنه قال له المنصور مرة: يا أبا حنيفة لو تغشَّيتنا، فقال أبو حنيفة: و لِم أتغشاكم ؟ ما معنى أتغشاكم، لو زرتنا، لو تغشيتنا يا أبا حنيفة ؟ قال: و لم أتغشاكم و ليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء ؟ إنك إن قرَّبتني فتنتني، و إن ابعدتني أزريتني "
 لقد كان أبو حنيفة يوقن أنه ما أكل امرؤٌ لقمة أزكى ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده، لذلك نجده يخصِّص شطرا من وقته للتجارة، فقد جعل يتَّجر بالخز و أثوابه، الخز القماش، و كانت تجارته ذاهبة آيبة بين مدن العراق، و كان له متجر معروف يقصده الناس، فيجدون فيه الصدق في المعاملة، و الأمانة في الأخذ و العطاء، و لا ريب في أنهم كانوا يجدون فيه الذوق الرفيع أيضا، و لقد كانت تجارته تدرُّ عليه خيرا وفيرا، وتحبوه من فضل الله مالا كثيرا، فكان يأخذ المال من حِلِّه و يضعه في محله، فلقد عُرف عنه أنه كلما حال عليه الحول أحصى أرباحه من كل تجارته و ستبقى منها ما يكفيه لنفقته، ثم يشتري بالباقي حوائج القراء و المحدثين والفقهاء وطلاب العلم وأقواته وكسوتهم، ويخصص لكل منهم مبلغا من النقد العين و يدفع ذلك كله إليهم و يقول: هذه أرباح بضائعكم أجراها الله لكم على يدي، و اللهِ ما أعطيتكم من مالي شيئا، و إنما هو فضل لله علي فيكم، فما في رزق الله حول لأحد غير الله.
 و لقد شرَّقت أخبار جود أبي حنيفة و سماحته و غرَّبت، و بخاصة مع جلسائه و أصحابه، من ذلك أن أحد جلسائه جاءه إلى متجره يوما و قال له: إني بحاجة إلى ثوب خز يا أبا حنيفة، فقال له أبو حنيفة، ما لونه ؟ فقال: كذا و كذا، فقال: اصبر حتى يقع لي فآخذه لك، فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب، فمر به صاحبه فقال له أبو حنيفة: قد وقعت لي حاجتك، و فأخرج إليه الثوب و أعجبه وقال: كم أدفع لغلامك ثمنه، قال: درهما، فقال الرجل في استغراب: درهما واحدا ‍! فقال أبو حنيفة: نعم، فقال له الرجل: ما كنت أظنك تهزأ بي يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هزات بك، و إنما اشتريت هذا الثوب و آخر معه بعشرين دينارا ذهبا و درهم من الفضة، و قد بعت أحد الثوبين بعشرين دينارا ذهبا، و بقي علي بدرهم واحد، وما كنت لأربح على جليسي، و جاءته امرأة عجوز تطلب ثوب خز، فأخرح لها الثوب المطلوب، و قال له: إنني امرأة عجوز و لا علم لي بالأثمان، وإنها الأمانة، فبعني الثوب بما قان عليك و أضف إليه قليلا من الربح، فإني ضعيفة، فقال لها: إني اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة، ثم إن يبع أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فخذيه بها، ولا أريد منك ربحا.
 وقد رأى ذات يوم ثيابا رثة على أحد من جلسائه، فلما انصرف الناس و لم يبق في المجلس إلا هو والرجل قال له: ارفع هذا المصلى وخذ ما تحته، فرفع الرجل المصلى فإذا تحته ألف درهم، فقال له أبو حنيفة: خذها و أصلح بها من شأنك، فقال الرجل: إني موسر، و قد أنعم الله علي، و لا حاجة لي بها، فقا له أبو حنيفة: إذا كان الله قد أنعم عليك فاين آثار نعمته، أما بلغك أن النبي صلى الله عليه و سلم يقول

(( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ ))

[رواه الترمذي]

فينبغي عليك أن تصلح من شأنك حتى لا تُغمَّ صديقك.
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي أيضا بلغ من جود أبي حنيفة يعني الأمثلة الرائعة و المتعدِّدة، حبذا أن نتتزيد عن شخصية أبي حنيفة النعمان.
 أستاذ جمال ؛ لقد بلغ من جود أبي حنيفة و بره بالناس أنه كان إذا أنفق على عياله نفقة تصدَّق بمثلها على غيرهم من المحتاجين، وإذا اكتسى ثوبا جديدا كسى المساكين بقدر ثمنه، و كا إذا وُضع الطعام بين يديه غرف منه ضعف ما يأكله عادة ودفع به إلى الفقراء، و مما يُروى عنه أه قطع عهدا على نفسه ألا يحلف بالله في أثناء كلامه إلا تصدق بدرهم فضة، ثم تدرَّج في الأمر فجعل على نفسه عهدا إن حلف بالله ليتصدقن بدينار ذهبا، إن حلف صادقا، فكان إذا حلف صادقا تصدَّق بدينار، لأن الله عز وجل يقول

﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

[سورة المائدة]

وهذا فضيلة الشيخ تعليم للجميع أن نكون صادقين، وأن نكون دائما معطائين، ومقدِّمين للفقراء و المساكين.
 لقد كان حفص بن عبد الرحمن شريكا لأبي حنيفة في بعض تجارته، فكان أبو حنيفة يجهِّز له أمتعة الخز و يبعث بها معه إلى بعض مدن العراق، فجهَّز له ذات مرة متعا كثيرا، وأعلمه أن في الثوب كذا و كذا عيوبا، و قال له: إذا هممت ببيعه فبيِّن للمشتري ما فيها من عيب، فباع حفص المتاع كله و نسي أن يعلم المشتري بما في الأثواب المعينة من عيوب، و لقد أجهد نفسه في تذكر الرجال الذين باعهم الثياب المعيبة فلم يفلح، فلما علِم أبو حنيفة بالأمر، و لم يتمكن من معرفة الذين وقع عليهم الغبن لم يستقر قراره، ولم تطب نفسه حتى تصدفق بأثمان المتاع كلها.
لقد كان أبو حنيفة فوق ذلك كله طيب المعاشرة، حلو المؤانسة، يسعد به جليسُه، و لا يشقى به من غاب عنه، و لو كان عدوًّا له، حدَّث أحد أصحابه فقال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، فإني ما سمعته يذكر عدوًّا له بسوء قط، فقال له سفيان: إن أبا حنيفة أعقل من أن يسلِّط على حسناته ما يذهب بها "
 و كان أبو حنيفة كيِّسا في اقتناص ود الناس، حريصا على استدامة صداقتهم، ما معنى ذلك فضيلة الشيخ ؟ يعني مولعا، و لقد عُرف عنه أنه ربما مر به الرجل من الناس فقعد في مجلسه من غير قصد و لا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كانت به فاقة وصله، و إن كان به مرض عاده، و إن كانت له حاجة قضاها، حتى يجره إلى مواصلته جرا.
 ولقد كان أبو حنيفة قبل ذلك كله و فوق ذلك كله صوام نهار، و قوام ليل خدينا للقرآن، متغفرا بالأسحار، وكان من أسباب توغله في العبادة و اندفاعه فيها أنه أقبل ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون: إن هذا الرجل الذي ترونه لا ينام الليل، فما إن لامست كلماتُهم هذه مسمعه حتى قال: إني عند الناس على ما خلاف أنا عليه عند الله، واللهِ لا يتحدث الناسُ عني منذ الساعة بما لا أفعل، وصار يقوم الليل، و لن أتوسَّد فراشا بعد اليوم في ليل حتى ألقى الله.
 فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي الأستاذ المحاضر بكلية التربية بجامعة دمشق، و المدرس الديني في مساجد دمشق أيضا، و خطيب جامع النابلسي بدمشق، فضيلة الشيخ بالخير طابت أوقاتكم، أهلا و سهلا و مرحبا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018