صور من حياة التابعين - الندوة : 01 - التابعي شريح القاضي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠06برنامج صور من حياة التابعين - إذاعة دمشق
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صور من حياة التابعين - الندوة : 01 - التابعي شريح القاضي .


1999-12-11

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الأستاذ جمال

؛ التابعي الجليل القاضي شريح هو محور هذا اللقاء الطيب إن شاء الله.
 لم يكن شريح بن الحارث لما ولَّاه عمر القضاء رجلا مجهول المقام في المجتمع المدني، أو امرأ مغمور المنزلة بين أهل العلم وأصحاب الرأي، من جِلة أصحاب رسول الله وكبار التابعين، فقد كان أصحاب الفضل و السابقة يقدِّرون لشريح فطنته الحادة وذكاءه الفذ، وخلقه الرفيع، وطول تجربته في الحياة و عمقها، فهو رجل يمني الموطن كندي العشيرة، قضى شطرا غير يسير من حياته في الجاهلية، فلما أشرقت الجزيرة العربية بنور الهداية، ونفذت أشعة الإسلام إلى أرض اليمن كان شريح من أوائل المؤمنين بالله ورسوله، المستجيبين لدعوة الهدى والحق، وكان عارفوا فضله ومقدِّروا شمائله و مزاياه يأسون عليه أشد الأسى، و يتمنون أن لا يتيح له أن يفد على المدينة مبكِّرا، ليلقى رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يلحق بالرفيق الأعلى، و لينهل من موارده الصافية المصفاة مباشرة لا بالوساطة، و لكي يحظى بشرف الصحبة بعد أن حظي بنعمة الإيمان، و بذلك يجمع الخير من أطرافه، و لكن ما قدَّره الله كان، و لم يكن الفاروقُ رضوان الله عليه متعجِّلا حينما عهِد إليه بمنصب من مناصب القضاء الكبرى، على الرغم من أن سماء الإسلام كانت يومئذ ما تزال تتألَّق بالنجوم الزهر من صحابة رسول الله صلى اللله عليه و سلم، فقد أثبتت الأيام صدق فراسة عمر و صواب تدبيره، إذًا ظل شريحٌ يقضي بين المسلمين نحوا من ستين عاما متتابعة من غير انقطاع، و قد تعاقب على إقراره في منصبه كلٌّ من عمر و عثمان و عي و معاوية رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كما أقرَّه على ذلك من جاء بعد معاوية من خلفاء بني أمية حتى طلب الرجلُ إعفاءه من منصبه إبَّان ولاية الحجَّاج، و كان قد بلغ السابعة بعد المائة من حياته المديدة الرشيدة الحافلة بالمفاخر و المآثر.
فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي

 لقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف شريح، و طبعا كلها مآثر خالدة يشهد لها القاصي و الداني، وامتلأت بطون الكتب بطرائف هذا الرجل الفذ، و بأخباره أيضا، وأقواله و أفعاله، حبذا أن نزوِّد الأخ المستمع بشيء عن هذا الموضوع.
هذا سيكون إن شاء الله، ولكن سأبدأ الحديث عن هذا القاضي الفذ بقصة من زواجه رضي الله عنه و أرضاه.
 قال القاضي فضيل لزميله شريح: كيف حالك يا شريح ؟ قال: و اللهِ منذ عشرين عاما لم أجد ما يعكِّر صفائي، قال: و كيف ذلك يا شريح ؟ قال: خطبت امرأة من أسرة صالحة، فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحا و كمالا، فصليت ركعتين شكرا لله على نعمة الزوجة الصالحة، و لما سلَّمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي، و تسلم بسلامي و تشكر شكري، فلما خلا البيتُ من الأهل والأحباب دنوت منها و قالت لي: على رسلك يا أبا أمية، فقامت وخطبت، وقالت: يا أبا أمية إنني امرأة غريبة، لا أعرف ما تحب و ما تكره، فقل لي ما تحبه حتى آتيه، وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية: لقد كان لك من نساء قومك من هي كفؤ لك، وكان لي من رجال قومي من هو كفؤ لي، ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فاتق الله فيَّ، و امتثل قوله تعالى:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾

[سورة البقرة]

 ثم قعدت، فقال شريح: فألجأتني إلى أن أخطب، وقفت و قلت: أما بعد فقد قلت كلاما إن تصدقي فيه و تثبتي عليه يكن لكِ ذخرا و أجرا، و إن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا و كذا، وأكره كذا و كذا، وما وجدتِ من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها، الأستاذ جمال، النبي عليه الصلاة و السلام كان يقول: إنني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي من زوجها، ولا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه " قال شريح: وما وجدت من حسنة فانشريها، وما وجدت من سيئة فاستريها، والنبي عليه الصلاة و السلام وصف المرأة الصالحة بأنها ستِّيرة، لا تفضح زوجها، فقال: وما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها، فقالت: طيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال: نزورهم غِبًّا مع انقطاع بين الحين والحين لئلا يملونا، وفي الحديث الشريف: زر غبا تزدد حبا " قالت: فما من الجيران تحب أن تسمح لهن من دخول بيتك، من تكره ؟ قال: بنو فلان قفوم صالحون، وبنو فلان قوم غير ذلك، يقول شريح: ومضى عام عدت فه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا، رحَّبت بها أجمل ترحيب، و كانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، قالت لي: يا أبا أمية - أم زوجته - كيف وجدت زوجتك ؟ قلت: واللهِ هي خير زوجة، قالت: يا أبا أمية أما أوتي الرجالُ شرًّا من المرأة المدللة فوق الحدود، فأدِّب ما شئت أن تؤدب، وهذِّب ما شئت أن تهذِّب، ثم التفتت إلى ابنتها تأمرؤها بحسن السمع و الطاعة، و مضى علي عشرون عاما لم أجد ما يعكِّر صفائي إلا ليلة واحدة كنت فيها أنا الظالم.
 هذه قصة زواجه، و قد طلبت مني في بداية اللقاء أن أتحدَّث عن بعد مواقفه العادلة - و طبعا هذه القصة طيبة نستفيد منها و نتعلو، فضيلة الشيخ محمد راتب النابلسي

 

- إن شاء الله.
 سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه افتقد درعا له كانت أثيرة عنده غالية عليه، ثم ما لبث أن وجده في يد رجل من أهل الذمة، يبيعها في سوق الكوفة، فلما رآها عرفها و قال: هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا، وفي مكان كذا، فقال الذمي: بل هي درعي في يدي يا أمر المؤمنين، فقال علي: إنما هي درعي، لم أبعها من أحد و لم أهبها لأحد حتى تصير إليك، فقال الذمي: بيني و بينك قاضي المسلمين، قال عليٌّ: أنصفت فهلم إليه، ثم إنهما ذهبا إلى شريح القاضي، فلما صارا عنده في مجلس القضاء قال شريح لعلي رضي الله عنه: ما تقول يا أمير المؤمنين ؟ فقال: لقد وجدت درعي هذه مع هذا الرجل، و قد سقطت مني في ليلة كذا و في مكان كذا، وهي لم تصل إليه لا ببيع ولا بهبة، فقال شريح للذمي:وما تقول أنت أيها الرجل ؟ فقال: الدرع درعي وهي في يدي، و لا أتهم أمير المؤمنين بالكذب، فالتفت شريح إلى عليٍّ و قال: لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقول يا أمير المؤمنين، وأن الدرع درعك، و لكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما تادَّعيت، مولاي قنبر، وولدي الحسن يشهدان لي، فقال شريح: و لكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين، قال علي: يا سبحان الله، رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ))

[رواه الترمذي]

 فقال شريح: بلى يا أمير المؤمنين، غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده، عند ذلك التفت علي إلى الذمي و قال: خذها فليس عندي شاهد غيرهما، فقال الذمي: و لكني أشهد أن الدرع لك يا أمير المؤمنين، ثم أردف قائلا: يا الله، أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه، وقاضيه يقضي لي عليه، أشهد أن هذا الدين الذي يأمر بهذا الحق دينٌ الحق - فعلا سماحة الشيخ هذه مأثرة طيبة لشريح القاضي، و أيضا موقف طيب و نبيل من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ورضي الله عنه، نتابع الحديث مع التابعي الصالح الفاضل القاضي شريح.
أستاذ جمال،

 

و ما لبث هذا الذمي أن شهد أنه لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله، ودخل في الإسلام.
 ومن روائع شريح أيضا، أن ابنه قال له يوما: يا أبت إن بيني و بين قوم خصومة فانظر فيها ن فإن كان الحق لي قاضيتهم، و إن كان لهم صالحتهم، ثم قصَّ عليه قصته، فقال له: انطلق فقاضِهم، ومضى إلى خصومه و دعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له، و لما مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع شريح و ابنه إلى البيت قال الولد لأبيه: فضحتني يا أبت، والله لو لم أستشرك من قبل لما لُمتك، فقال شريح: يا بني، و اللهِ لأنت أحب إليَّ من ملء الأرض من أمثالهم، ولكن الله عز وجل أعز عليَّ منك، فقد ورد في الأثر: أن عدل ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاما " - رضي الله تعالى عن القاضي شريح، التابعي الجليل وأهلا و مرحبا بسماحة الشيخ محمد راتب النابلسي، الأستاذ المحاضر في كلية التربية في جامعة دمشق، و خطيب جامع عبد الغني النابلسي بدمشق، أيضا المدرس الديني في مساجد دمشق، نشكركم فضيلة الشيخ، و إلى اللقاء في الحلقة القادمة، و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته. شكرا الأستاذ جمال، و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018