الفقه الحضاري - الندوة : 29 - حقوق المرأة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 29 - حقوق المرأة .


2004-10-13

المذيع:

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وتابعيه.
 أيها الإخوة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين، أهلاً ومرحباً بكم.

الأستاذ:

 أهلاً بكم أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً.

 

المذيع:

 من جملة ما يمكن من خلال العنوان، وتدريسكم للإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات أصول الدين والشريعة يمكن أن نطلع على أشياء هامة للمرأة، من حيث الوقفة التي أوقفها الإسلام إياها، فإنه من خلال العلم أيضاً نرى أشياء جديدة تشير إلى أن مستوى المرأة يمكن أن يكون في كذا وكذا، لا نحلق بالأمر أكثر من الواقع، ولا ننزل بالأمر أكثر من الحقيقة، وكذا بالنسبة للرجل، لا نجعله كل شيء، ولا ننخفض به إلى أسفل سافلين.
 إن الموازنة عندما تكون سليمة ما بين الرجل والمرأة تأتي النتائج سليمة أيضاً، وإذا حاولنا أن نقول من خلال الموازنة التي تطرح فيها موضوعات المرأة هذه الأيام: إنها مظلومة، ويجب أن نعطيها حقها من خلال الإصلاح والتغيير، ما هذا في حقيقة الأمر إلا إضاعة للمرأة وللرجل، لا على أننا لا نريد الإصلاح، بل على أننا نريد الإصلاح، ولكن في مكانه، الجائع لا نعطيه ماءً فيشبع، ولكن نعطيه طعاماً فيشبع، والعطشان لا نعطيه الطعام فيرتوي، ولكن نعطيه الماء فيرتوي، وحبذا لو يجتمع الطعام مع الشراب ليكون الإنسان قد أخذ حاجته من الطعام والشراب، زيادة على الماء، الذي منه خلق كل شيء حي.
 إذا أردنا أن نأخذ بمثل منحى ما يقول، ويدعو إليه دول الاستكبار العالمي من خلال الإصلاح، وللمرأة خاصة، الماء إذا ألقينا فيه إنساناً لا يسبح، ولم ننقذه يموت غرقاً، مع أن الماء خلق منه كل شيء حي، إذاً الموازنة السليمة تعطي النتائج السليمة، والإسلام أعطى المرأة حقوقها كاملة غير منقوصة، ولا نستطيع أن نقول لإنسان فيه نجاح: إنك غير ناجح، ولا العكس سليم أيضاً، العلم الصحيح هو ما طابق الواقع، وهو ما كان من خلال الواقع، عند ذاك يكون العلم السليم الصحيح، ومن هذا المنطلق نقول: الإسلام من خالق الأكوان، أعطى المرأة دورها السليم الصحيح، وليس أن نعطي كما ضربت مثالا بالماء في الغرق، أن نعطي المرأة على غير ما هي عليه، أن يكون هذا من حقوقها، نتابع.

 

 

الأستاذ

 بارك الله بكم، أستاذ عدنان، الحقيقة الأولى، لابد من تمهيد، هذا التمهيد يقتضي أن الإسلام العظيم، له ينابيع صافية، وقد جاء هذه الينابيعَ روافدُ أساءت له كثيراً، فإذا أردنا أن نعرف حقيقة الإسلام ينبغي أن نعود إلى ينابيعه الأصيلة، خطأ كبير أن تفهم الدين من المتدينين فقط، خطأ كبير أن تفهم الإسلام من ممارسات المسلمين الخاطئة، الحقيقة أن المتعمقين في الفكر لا يفهمون الدين من ممارسات المسلمين، بل يفهمون الدين من أصوله الصافية، إذاً لو ذهبنا إلى نبع بردى لرأينا ماءً صافياً، عذباً زلالاً، أما إذا ذهبنا إلى مصبه لرأينا ماءً آسناًً، فنحن حينما نرى ممارسات خاطئة من قِبَل المسلمين تنمّ عن جهلهم، أو عن انحراف سلوكهم هذا لا يقتضي أن نفهم الدين من خلالهم، ينبغي أن نفهم الدين من أصوله، وهذا هو الإنصاف.
 الحقيقة أنه كثر الحديث الآن عن المرأة، وعن تميز المرأة، وقد عُقِدت مؤتمرات للسكان في القاهرة، وفي بكين، وفي أمريكا، والآن هناك توجيهات معينة من أجل أن تكون المرأة مساوية للرجل تماماً، والحقيقة الصارخة أن المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، إنها مكلفة بأركان الإيمان كما هو مكلف، ومكلفة بأركان الإسلام كما هو مكلف، ومشرفة عند الله، وعند الخلق كما هو مشرف.
 كنت أقول: قلامة ظفر امرأة صالحة مؤمنة طاهرة عفيفة وفية مخلصة تعدل مليون رجل متفلت، والقرآن الكريم بحسب اللغة العربية التي نزل بها بلسان عربي مبين حينما يخاطب المؤمنين يخاطب حكماً المؤمنات، نحن في اللغة عندنا ما يسمى التغليب، فلو دخل عشرون طالباً، وطالبة، نقول: دخل الطلاب، فأية آية موجهة إلى الذين آمنوا هي موجهة حكماً إلى اللواتي آمنّ بالله عز وجل.

 

 

المذيع:

هذا ليس غريباً أصلاً في اللغة العربية، نقول: القمران.

 

 

الأستاذ

 ولكن القرآن في آيات كثيرة أراد أن يؤكد المساواة التامة بالتشريف، فقال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾

 

[ سورة الأحزاب: 35]

 في آية أخرى:

 

﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾

 

[ سورة آل عمران: 195]

أصل الدين هذا الكتاب، وتلك السنة.
 عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ))

[مالك في الموطأ]

المذيع:

 دكتور، هنا أريد أن أتوقف قليلاً لأطرح ما كنت سمعته من إحداهن على شاشة فضائية من هذه الفضائيات، طرحت موضوع الذكورة والأنوثة، فبينت أن القرآن الكريم توجه التوجه الإيجابي نحو الذكورة، والغرب نفسه بكل بلدانه أيضاً يتوجه نحو الذكورة إيجاباً، ويهمل جانب الأنثى، ففي القرآن الكريم قدّم في لفظه المؤمنين على المؤمنات، الذاكرين على الذاكرات، وما إلى ذلك، وفي دول الغرب نفسها أشارت إلى أن معظم من يستلم مقاليد الحكم من الذكور، وليس من الإناث، على الرغم من وجود بعض الإناث، وركزت، وعمقت كثيراً في هذا الإطار مطالبة بمساواة أكثر، لم تفرق بين القرآن الكريم والغرب، ولا أي بلد من بلدان العالم، هذه الناحية حبذا أيضاً لو تطرقتم إليها.

 

الأستاذ:

 بارك الله بك، هذه الناحية جزء أساسي من هذا اللقاء الطيب، لكن مكانها بعد قليل، إذاً المرأة مساوية للرجل في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، مسؤولة كما هو مسؤول، هذا واضح في الأحاديث.
مثلاً:

 

(( أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم ))

[ورد في الأثر]

 وفي زيادة لهذا الحديث:

(( وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

 خاطب المرأة فقال:

(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[ورد في الأثر]

 والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام، والإسلام كرم المرأة، وفي سيرة النبي عليه الصلاة والسلام لقطات رائعة جداً عن تكريم المرأة.
حينما فتح مكة ركز رواء النصر عند قبر السيدة الخديجة، لماذا؟ ليعلم العالم كله أن هذا الفتح المبين كانت زوجته شريكة له في هذا الفتح.
 استشار السيدة أم سلمة، فأشارت عليه في عمرة القضاء، وفعل ما أشارت عليه، وحلت المشكلة مع أصحاب رسول الله، والقرآن يقول:

﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾

[ سورة الطلاق: 6]

 لو قرأت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لوجدت أن المرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، ولها عند الله مكانة لا يعلمها إلا الله.
هناك تعليق لطيف، أن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

[ سورة الشورى: 29]

 وكلمة السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، فمن آياته الدالة على عظمته خلق السماوات والأرض، ومن آياته الليل والنهار، ومن آياته الشمس والقمر، الآن ندقق، قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾

 

[ سورة الروم: 21]

 هذه المرأة التي معك في البيت هي إنسان، تشعر بما تشعر، تحب ما تحب، تكره كما تكره، تؤمن كما تؤمن، تقصر كما تقصر، تتفوق كما تتفوق، لها عواطف لها أحاسيس، لها فكر، لها عقل، لها جسم، لها متطلبات، لها كرامة، لها مشاعر، لها ميول، كالرجل تماماً، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((... إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))

[الترمذي، أبو داود، أحمد]

 لازلنا في المساواة في التكليف، وفي التشريف، وفي المسؤولية، ولكن الحقيقة الصارخة أيضاً، قال تعالى:

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 

[ سورة آل عمران: 36]

 الآن جاءت الإجابة عن سؤالكم، جزاكم الله خيراً،

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 الآن بمنطق العلم لا بمنطق الشهوة، بمنطق الشهوة يجب أن تكون في كل مكان، وأن تظهر كل مفاتنها للناس، وأن يستمتع بها كسلعة، هذا منطق الشهوة، أما منطق العلم،

 

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 بدليل أننا درسنا في الجامعة مادة علم نفس الطفولة، والكتاب الذي ترجم لنا كتاب يعد أول كتاب في علم النفس في العالم، مؤلفه دكتور فرنسي، اسمه بياجيه، الكتاب يقع في ثمانمئة صفحة، هذا الكتاب يتحدث عن الفروق بين الذكور والإناث، فروق في القدرات، والطاقات، وأصول التفكير، والله لو أردت أن تضع له عنواناً ما وجدت عنوانًا أصدق على هذا الكتاب من قوله تعالى:

 

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 

المذيع:

 دكتور، هنا بعضهم يقول في تفسير:

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 هذا في موضوع القيام بأعباء المسؤولية، التي يكون بها الذكر الرجل في توليه مقام بيت الله أيام المسيح عندما سيكون، والأنثى لن تستطيع أن تقوم على هذا المكان كما يستطيع.

 

 

الأستاذ:

 للإجابة عن هذا التساؤل، من عظمة هذا الكتاب أن الآية القرآنية إذا نزعت من سياقها تدل على حقيقة خالدة، وإذا وضعت في سياقها لها معنى آخر، يؤكَّد هذا بهذا المثل قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)﴾

 

[ سورة الطلاق: 2]

 هذه الآية جاءت في سياق صورة الطلاق، أي من يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجا في إرجاعها إليه، لأنه طلقها طلاقاً سنياً، فكان طريق الرجوع سهلاً جداً، أما لو نزعنا هذه الآية من سياقها، وأشارت إلى حقيقة مذهلة في التوحيد، من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من إتلاف المال، من يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي، من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، من يتق الله في توحيده يجعل الله له مخرجاً من الشرك الخفي، هذه الآية يمكن لو نزعت من سياقها أن نكتب عنها مجلدات، هذه عظمة القرآن الكريم.
الحقيقة أن المرأة في بنيتها الفكرية وخصائصها الجسمية، ونفسيتها، وخصائصها الاجتماعية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها، وخصائص الرجل الفكرية والجسمية والاجتماعية، والنفسية كمال مطلق للمهمة التي أناطه الشرع بها.
 نضرب مثلاً، أنا معي خمسون راكباً، أريد أن أنقلهم إلى حلب، أستخدم الحافلة، خصائص هذه السيارة أنها أوسع مساحة فيها للركاب، وأقل مساحة للحاجات في أسفل المقاعد، لو أردت أن أنقل خمسة أطنان من الخشب إلى حلب، آتي بشاحنة خصائص هذه الشاحنة أن أكبر مساحة فيها للبضاعة، وأقل مساحة للسائق ومعاونه، هل يمكن أن أوازن بين السيارة السياحية الكبيرة وبين الشاحنة ؟ الموازنة في أصلها غلط، لأن كل مركبة خصائصها كاملة للمهمة التي أنيطت بها، أنا أريد أن أنقل بضاعة إذاً أريد أكبر مساحة للبضاعة، وأحتاج غرفة للسائق ومعاونه فقط، أريد أن أنقل خمسين راكباً، أكبر مساحة للركاب، ولهم حاجات توضع في الأسفل.
 المرأة بخصائصها الفكرية والجسمية، والاجتماعية والنفسية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها، وخصائص الرجل الفكرية والاجتماعية والنفسية كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به، لذلك المرأة تتكامل مع الرجل، ولا تشبهه، الموضوعية هي أعلى قيمة علمية أخلاقية، أنت حينما تكون موضوعياً فأنت عالم، وأنت حينما تكون موضوعياً فأنت أخلاقي، وأنا حين أدغدغ عواطف المرأة، وأتملق لها، وأقول لها: كوني في أي مكان، وأبرزي مفاتنك أمام كل إنسان، جعلناها سلعة رخيصة، جعلناها متعة ساقطة، أما حينما نعرف دورها الحقيقي في المجتمع، ونعرف دورها الخطير، هي أم، وأقدس كلمة في الوجود هي كلمة أم، هي أخت، هي زوجة، هي بنت، هي عمة، هي خالة، لكن ما من امرأة في النظام الإلهي عشيقة، وما من امرأة بالمنهج الإلهي لها علاقة آثمة مع رجل، هذا شيء خلاف المنهج الإلهي، نحن نكرمها.
بالمناسبة حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾

 

[ سورة الروم: 21]

 أستاذ عدنان، دقق في هذه الكلمة:

 

﴿ لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾

 

[ سورة الروم: 21]

 ما علة السكنى ؟ أنا متى أسكن إلى شيء ؟ حينما أكمل به نقصي، الرجل عنده تفوق قيادي، لكن عنده نقص عاطفي، فإذا جلس إلى امرأته يسكن إليها، لأنه يكمل نقصه العاطفي بزوجته، والمرأة تسكن إلى زوجها، لأنها تكمل نقصها القيادي بزوجها، هي مصممة أن يكون لها زوج تطيعه، لكن الجهلة، والذين ضاق أفقهم كثيراً يظنون أن بين الرجل والمرأة مسافة كبيرة، والله عز وجل قال:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾

[ سورة البقرة: 228]

 درجة واحدة، هي درجة القيادة، مركبة لها ربان واحد ومعاون، طائرة لها قائد واحد، وله معاون، سفينة، مؤسسة، مستشفى، جامعة، معمل، دائرة، سكنة، لا تصح الحياة إلا بقائد، والقائد قد يستعين، قد يشاور، قد يستشير، قد يأتي بمعلومات، قال تعالى:

 

﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾

 

[ سورة الطلاق: 6]

 لكن في الأزمات لا بد من قرار بيد واحد من أجل سلامة المركبة، لذلك لما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

 

[ سورة الروم: 21]

 السكنى علتها أن كل طرف يكمل نقصه بالطرف الآخر، إذاً الزوجان متكاملان، كنت أقول دائماً في عقود القران: واجعل كلاًّ منهما قرة عين للآخر، فالزوج يسكن إلى زوجته، والزوجة تسكن إلى زوجها، وفي المنهج الإلهي الحب يجب أن يكون بين الزوجين، ومن أقوال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر]

 لأن من سعادة المرء أن يحب زوجته، لكن الأعمال الفنية التي خرجت عن منهج الله عز وجل توحي بعكس ذلك، الزوجة مملة، لا يملأ دفء الإنسان العاطفي إلا امرأة خارج نطاق الزوجية، هذا خطأ كبير، هذا إذا طرحناه على الناس نكون قد أسأنا إساءة بالغة إلى الخلية الأولى في المجتمع، إذاً السكنى علتها أن كل طرف يكمل نقصه بالطرف الآخر، هذه المؤسسة الإسلامية التي هي الخلية الأولى في المجتمع، عشّ الزوجية، هذا العشّ وجد ليبقى، لكن كيف يبقى ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

 

[ سورة الروم: 21]

 لماذا مودة ورحمة ؟ المودة هي سلوك يعبر به عن الحب، حينما تكون الزوجة ملء عين زوجها، وضمن طموحه يسعد بها، يسرّ إذا رآها، وتحفظه إذا غاب عنها، وتطيعه إذا أمرها، إذاً هي ضمن طموحه، هي ملء سمعه وبصره، إذاً هو يحبها، إذاً يودّها بكلمة طيبة، بهدية، بلمسة حانية هكذا، وحينما يكون الزوج ملء سمع زوجته وبصره، قويًّا كريمًا، شجاعًا، قائدًا حازمًا، يحبها، يرحمها، يعطيها من ذاته كل شيء، هو ضمن طموحها، وهو ملء سمعها وبصرها، هذا معنى المودة، حينما يكون كل طرف ملء عين الطرف الآخر، حينما يكون كل طرف قرة عين للطرف الآخر تكون المودة بينهما، لكن لا سمح الله ولا قدر لو أن الزوج افتقر فجأة فَقَدَ دخله كله قد تعمل المرأة، فتطعمه، وقد يصيبها مرض عضال لا تصلح زوجة يرعاها، ويعتني بها، ويتمنى الله أن يشفيها له، هذه هي الرحمة، فهذه المؤسسة وجدت لتبقى، فإما أن تبقى بالمودة أو بالرحمة، أو بكليهما.

 

المذيع:

 حتى إ بعضهم قال: عندما يتقدم السن بالزوجين تتبدل، أو لا ؟ أقول: تتبدل، إنما تأتي الرحمة أيضاً رديفاً للمودة، ويتكاملان معاً.

 

 

الأستاذ:

 في بعض دروسي في جامع النابلسي كان يحضر قاض شرعي، بقي يقضي بين الناس في الأمور الشرعية ثلاثين عاماً، سألته: كم نسب الطلاق في أمريكا ؟ قال لي: 67%، يعني سبعا وستين حالة زواج تنتهي وتفشل، وفي أوربا 36%، قلت له: في سوريا ؟ قال لي: خمسة عشر بالألف، يعني 1.5% سابقاً، الآن 15% بسبب هذه الفضائيات، فصار هناك مشكلة، وموضوع الطلاق موضوع استثنائي، هو صمام أمان، لكن الأصل هو بقاء الزوجية، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

 

[ سورة الروم: 21]

الأستاذ:

 دكتور، أرى أن أتوقف هنا قليلاً لأعرض السؤال التالي، وأنا أحاول دائماً أن أعرض ما يمكن أن يكون في أذهان بعض الإخوة المشاهدين، لا سيما في مجال النقد والاعتراض، أنا لا أحمل هذه الفكرة، لكن أحاول أن أعرضها حتى تتوضح الفكرة، حتى بالنسبة للمعارضين، موضوع:  خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكم ، يعني الزوجة، هناك أيضاً من قال: مِن ذات الإنسان، من نفس الإنسان، ذلك أن مادة الإنسان تختلف عن كونه إنساناً، لا أقول مادة من حيث الشيء المادي، إنما الإنسان شيء فرضاً، والدواب شيء آخر، الأشجار شيء، والنباتات الصغيرة شيء آخر، وكل من الأشجار يمكن من خلال نوعها أن تتكامل مسيرة الإنجاب، بالنسبة للإنسان الذرية، وبالنسبة للأشجار متابعة كون مسيرة الغابات، وما إلى ذلك، إنما هذه المسيرة وصفت بأنها من ضلع أعوج، بالنسبة للإنسان، ولكن قيل: إن هذا الضلع الأعوج إذا قومناه انكسر، وتمامه في اعوجاجه، والاعوجاج ليس عيباً في النظر السليم، لأن الحاجة أن يكون أعوجَ حتى يمتلك صدر الإنسان، وما فيه من قلب ورئتين، وما إلى ذلك، وهنا نعود إلى ما ذكرته من تشبيه، أننا لا نستعمل في نقل البضاعة سيارة النقل الجماعي للناس، ولا نستعمل هذا مكان هذا، ولا ذاك مكان هذا، أيضاً حبذا لو وضحتم.

 

الأستاذ:

 هذا الضلع الذي في القفص الصدري كماله في اعوجاجه، ولو كان مستقيماً لآلمنا جداً، كماله في اعوجاجه، وأنت إذا جئت إلى البيت ليس هنا طبخ تأكله، والبيت غير منظف، والأولاد في فوضى كبيرة جداً، الصحون غير نظيفة، لكن زوجتك تستوعب القضايا السياسية بشكل مذهل، وتستطيع أن تحلل كل تصريح لهؤلاء المسؤولين، هل ترضى عنها بهذه العقلية المتفتحة سياسياً، والبيت لا يحتمل ؟ فأنت حينما ترى امرأة تهتم بك، وتهتم بأولادها، وتهتم بلمسات جمالية في البيت، وترعى زوجها وأولادها، وتعطف عليهم، ولا تنام الليل من أجلهم، لولا أن الله سبحانه وتعالى غلب فيها العنصر العاطفي الوجداني على العنصر القيادي الفكري لما عاشت امرأة مع زوجها، هي كمالها في عاطفتها، كمالها باهتمامها، بمظهرها، كمالها في اهتمامها بزوجها، كمالها باهتمامها بأولادها، كمالها في عوجها، فإذا ذهبتَ تقيمه كسرته، وكسره طلاقها، فاستمتعوا بهنّ على عِوجٍ، يجب أن نعتقد أن هذا العوج كمال في خلقها، كمال في شخصيتها، كمال في بنيتها، كمال في عاطفتها، كمال في غيرتها، أنت حينما ترى أن الزوجة تغار عليك، هذا دليل أنها أنثى، لو أنها لا تغار ليست أنثى، والحقيقة أننا عندنا شيء اسمه امرأة، وأنثى، من علامات آخر الزمان أن النخوة تنزع من رؤوس الرجال، وأن الحياء يذهب من وجوه النساء، وأن الرحمة تنزع من قلوب الأمراء، فالمرأة جمالها في حيائها، عبروا عنه بالأنوثة، حياؤها، وخجلها، وأدبها، وطاعتها لزوجها هذا أجمل ما في المرأة، المرأة المسترجلة ليست مقبولة، ننتقل إلى موضوع دقيق.

 

 

المذيع:

 لم يبق معنا إلا دقيقة ونصف فقط، نتابع الموضوع في حلقة قادمة، لكن أود أن أضع عنواناً لموضوع يمكن أن يطرح في الحلقات القادمة، إذا قلنا: هذا الكلام الذي تفضلتم به صحيح وسليم، ويقبل به كل إنسان، لكن لماذا خلق الله عز وجل الأنثى من الضلع الأعوج، وفي عوجه كماله، واستواءه، ولم يخلق الرجل بهذا المقام، إعطاء مقام هذا إلى مقام ذاك، وذاك لهذا، لماذا جعل في صفات الرجل القيادة والرجولة، وما إلى ذلك، وهي متكاملة، ومن الطرف الآخر تكامل، لكنه وللرجال درجة، لماذا كان هذا الشيء ؟

 

 

الأستاذ:

 الذي يتولى كسب الرزق، وإدارة دفة هذه الأسرة ورعايتها، وسوقها إلى مصاف الكمال هو الرجل، والتي تتولى تربية الأولاد، ورعاية الزوج، وتوفير الجو العاطفي للجميع في البيت هي الأنثى، هذه أدوار.
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:

 

(( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي، ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ:  قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ  ))

[ابن ماجه]

 إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضمّتهم إليها جاعوا، هناك أدوار، فالذي يقود هذه السفينة، ويأتي بالرزق، ويناضل، ويجاهد، ويتحمل متاعب الحياة، وهناك عقبات، وهناك ضغوط، وهناك أزمات، هو الرجل، والتي تهيئ لهذا الزوج البطل جواً مريحاً، وجواً انفعالياً لطيفاً، وعاطفةً جياشة، وبيتاً فيه لمسات جمالية، وطعامًا طيبًا، وأولادًا ربتهم تربيةً عالية، هي الأنثى، بالضبط أسرة الأب في العمل، والأم تطبخ، والبنت تمسح البيت، والابن ذهب لإحضار الأغراض، يجلسون ظهراً على مائدة، كرامتهم واحدة، محبتهم واحدة، لكن كل طرف له دور.

 

المذيع:

 في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات أصول الدين وكليات الشريعة، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018