الفقه الحضاري - الندوة : 27 - التغيير - لا يغير الله حتى يغير الناس ما بأنفسهم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 27 - التغيير - لا يغير الله حتى يغير الناس ما بأنفسهم .


2003-09-18

المذيع:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وأستاذ الإعجاز العلمي في أصول الدين والشريعة، أهلاً وسهلاً بكم.
في الحلقة الماضية تحدثتم عن أشياء هامة فيما يتصل بموضوع الآية القرآنية الكريمة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

(سورة الرعد)

 وبينتم أن التغيير يمكن أن يكون على طرق متعددة، وأن الدنيا إذا ما دعا إليها الإنسان فإن الله تعالى يعطي الدنيا لمن يحب، ومن لا يحب، وإنما يعطي الآخرة والجنة لمن يحب، والنار لمن لا يحب، من خلال عمل الإنسان، وبينتم موضوع الدعاء الذي يجب أن يقترن بما ييسر، فلا يمكن أن أقول في موضوع الجَمل الأجرب: أنا أدعو الله دون وضع القطران معه، فلا بد من إتيان الأسباب، وبعد هذا إن قصر بالمرء شيء من عمله فإنه يلتجئ إلى الله، ويدعوه، والله تعالى ينقذه، وكثيرة هي أحداث التاريخ والشواهد على ذلك، هذا بينتموه فيما سبق في لقاء سابق، ونتابع الموضوع معكم لنتبين مزيداً من الأمور التي تتصل بموضوع أقرّ، وانتهى الأمر به، وكان القصد أن الله تعالى عندما يحدث التغيير في قوم يكونون قد أحدثوا التغيير في أنفسهم، وهذه قاعدة مستمرة أرادها الله تعالى، وهي باقية ما دامت السماوات والأرض، نتابع معكم.

 

الأستاذ:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 بارك الله بكم، وجزاكم الله خيراً، أستاذ عدنان، نتابع هذا الموضوع الحيوي، العبد الفقير اختصاصي في الدين، لو اطلعت على تخطيط قلب، لا أرى إلا خطوطًا متعرجة منكسرة، أنا في قراءة هذا التخطيط أمّيٌّ، وقد يكون الإنسان يحمل أعلى شهادة في علوم الأرض وهو في الدين أمّيٌّ، هذا تمهيد لفكرة دقيقة.
 عند العلماء مقولة: هناك علم ينبغي أن يعلم بالضرورة، مهندس، طبيب، فيزيائي، اختصاص طب نووي، فيزياء، كيمياء عضوية... مهما كان الاختصاص نادرًا وخطيرًا ومهمًّا، قد يكون هذا الإنسان الذي حصل أعلى درجة من العلم المادي أمّيًّا في الدين، لذلك هناك علم يجب أن يعلم بالضرورة.
 أضرب لك مثلاً بمظليّ، هذا المظلي حينما يهبط من الطائرة قد يجهل شكل المظلة، أدائري هو، أم بيضوي، أم مستطيل، أم مربع ؟ وقد يجهل نوع القماش، من خيوط صناعية، أو طبيعية، وقد يجهل لون المظلة، بيضاء، أو سوداء، وقد يجهل عدد حبالها، وقد يجهل الخيوط التي صنعت منها الحبال، وألوانها، ولكن معلومة واحدة في المظلة إذا جهلها نزل ميتاً، هي طريقة فتحها ! طريقة فتحها علم ينبغي أن يعلم بالضرورة، أمتلك مركبة، قد أجهل المادة التي صنع منها المكبح، وطريقة صناعة الحديد، وهذا الشكل الإنسيابي، لكنني حينما أجهل كيف أحركها، وأوقفها، وأصونها أكون قد دمرت نفسي.
 فلسنا مكلَّفين أن نقرأ كل شيء، ولا نفهم كل شيء، ولكن هناك علم ينبغي أن يعلم بالضرورة، لذلك طلب العلم فريضة على كل مسلم، يوجد نوع من العلم الديني فرض على كل مسلم، كبيرًا كان أو صغيرًا، يحمل أعلى اختصاص، أو اختصاصًا من بلاد بعيدة، متفوقًا، الأول على القطر... هناك علم في الدين يجب أن يعلم بالضرورة.

 

 

المذيع:

 والعلم الآخر ؟

 

 

الأستاذ:

 لا بد منه لصلاح الدنيا ! ولكن أقصد أن هناك علماً بالله، وعلماً بخلق الله، وعلماً بأمر الله، العلم بخلق الله اختصاص جامعات الأرض، وهو ضروري لصلاح الدنيا، الفيزياء، الكيمياء، الرياضيات، والطب، والهندسة، والفلك، التاريخ... هذه علوم الدنيا ضرورية لصلاحها، أما العلم بأمر الله ضروري لسلامة الإنسان وسعادته.
 قد أكون أحمل أعلى اختصاص، لكنني شقي في الدنيا، أما حينما أتعرف إلى العلم بأمر الله أضمن سلامتي، وسعادتي، لأن الإنسان آلة بالغة التعقيد، والتعقيد تعقيد إعجاز، لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فحينما أكون حريصاً على سلامة هذه الآلة، وعلى مردودها الجيد أتبع تعليمات الصانع دون أن أشعر، حينما تشتري آلة غالية الثمن، عظيمة النفع، معقدة التركيب، من حرصك على سلامتها، وحسن أدائها لا تستخدمها قبل أن تترجم تعليمات الصانع، فأقول: تعليمات الصانع هي التعليمات الوحيدة التي ينبغي أن تتبع، هذه مقدمة.
 أيّ إنسان مهما كانت ثقافته وموقعه في الدنيا، وتفوقه هو بحاجة لعلم يضمن له سلامته وسعادته، هذا العلم بأمر الله.
أما العلم بالله فهو الأصل، لأنك إن عرفت الله عرفت كل شيء !
 ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإذا فتك فاتك كل شيء، وأقول: يا رب، ماذا وجد من فقدك، وماذا فقد من وجدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك ؟
القرآن الكريم يضرب أمثلة رائعة: سيدنا موسى كان وراءه فرعون، وما أدراك ما فرعون، بقدرته، وجبروته، وطغيانه، وقوته المادية، هو وراء شرذمة من أتباع هذا النبي الكريم:

 

 

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾

 

(سورة الشعراء)

 لمْ يقل: لا ! وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك ؟ نحن كونا مسلمين في أمسّ الحاجة لمثل هذه المعاني ! سيدنا يونس وجد نفسه في ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل:

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

 

(سورة الأنبياء)

 انتهت القصة، جاء التعليق الذي هو قانوناً:

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 فالإنسان حينما يتعرف لله فقد وصل إلى كل شيء، مستحيل وألف مستحيل أن تخطب وده، ويتخلى عنك، سبحانك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، مستحيل أن تطيعه، وتخسر، وتعصيه وتربح، أن تؤذي خلقه وتسلم، مستحيل أن تنصح خلقه إلا، وتسعد، يوجد بديهيات في الدين.
لو أن الإنسان الذي درس، وتعلم، له جانب من ثقافته، ثقافة إيمانية، وإسلامية، ثقافة دينية، عرف من هو.
الله عز وجل ماذا عنده لو أطعته ؟ ماذا ينتظرك لو عصيته ؟ ما حقيقة الدنيا ؟ هل هي كل شيء ؟ لا !! هي مرحلة قليلة جداً.
 واحد بالأرض، وأصفار إلى الشمس، كل ميليمتر صفر، ما هذا الرقم ؟ فما بالك في مئة وستة وخمسين مليون كيلومتر، هذا الرقم إذا وضع صورة، وكان مخرجه اللانهاية قيمته صفر، فالدنيا عند الله صفر، الآخرة هي الحياة الحقيقية.
سميت حياة دنيا يعني أن هناك حياة عليا، فنحن خلقنا لحياة عليا.
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

(سنن الترمذي)

 هذه الدنيا ممر، وليست مقرًّا، أريد من هذه المقدمة أن هناك علماً ينبغي أن يعلم بالضرورة، طلب العلم فريضة على كل مسلم، وتنفس الهواء فريضة، لو لم أتنفس لمتُّ، تناول الطعام، الفرائض هي الأشياء التي تتوقف عليها سلامتك وسعادتك.
تجد إنسانًا درس، وأتقن عمله، لكن في أمور الدين جاهل، ويقع في أخطاء فاحشة ومدمرة.
الإنسان فطر على حب وجوده، وعلى حب سلامة، وكمال واستمرار وجوده، من أين يأتي الشقاء ؟ من الجهل، فالجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع عدوه أن يفعله به، فالجاهل عدو نفسه.
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
فهذه حقيقة أولى، أن هناك علماً يجب أن يعلم بالضرورة، كيف أن معرفة فتح المظلة ضروري للمظلي، وإلا يقع ميتاً، وقد يجهل أشياء كثيرة.
 فينبغي أن نصطفي، عندي امتحان تخرج، ومادة أساسية، ويبنى على نجاحي في هذا الامتحان تعييني في منصب رفيع، ويبنى على تعييني زواجي، وعلى زواجي إنجاب الأولاد، والسعادة الدنيوية، وعندي مكتبة بأربعة جدران، حتى السقف، كلها كتب، ينبغي أن أقرأ الكتاب المقرر، أما أن أقرأ قصة، والامتحان على الأبواب فهذا نوع من تضييع الوقت، فأجد أن الإنسان مبعثر، يلهو بأي شيء، ويستأنس بأي شيء من دون هدف.

 

المذيع:

 تحديد الهدف، وتحديد الطريق لهذا الهدف يجب أن يكون في ذهن الإنسان، وقد خطط له، وجمع إمكاناته لتكون ممهدة له للوصول لغايته.

 

 

الأستاذ:

 زارني أخ درس في أميركا، له دكتوراه في التسويق، أقسم لي بالله أن آية في القرآن الكريم هي محور اختصاصه:

 

 

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾

 

(سورة الملك)

 وتوضيح هذه الحقيقة: لو فرضنا طالبًا ذهب إلى فرنسا ليدرس الدكتوراه، إذا كان هدفه واضحًا جداً، هدفه الواضح يحدد له مليون جزئية متعلقة بهدفه، يستأجر بيتًا قريبًا من الجامعة لتوفير الوقت، ويصاحب طالبًا يتقن اللغة التي يتعلمها يستعين به على تعلم اللغة الشفهية، الآن يختار مجلة متعلقة باختصاصه، وطعامًا خفيفًا يعينه على الدراسة، ويشتري منبِّهًا، وينظم وقته، ويختار وسيلة نقل مريحة، وحينما كان هدفه واضحًا يختار ملايين الجزئيات التي تخدم الهدف، وإذا كان الهدف غير واضح يتبعثر، ويتشتت.
 لذلك نجد الإنسان أحيانا لا هدف له، لماذا أنت في الدنيا ؟ يقول: ( ندفش )، بالتعبير العامي، هذا كلام مضحك، أين هدفك ؟ الإنسان يسمو بالهدف، الحياة من دون قيم ومبادئ لا تعاش، الإنسان عنده حاجة عليا، طلب الحقيقة، وحاجات سفلى، هو والحيوان سواء، أما نوعيتها فراقية، له بيته فخم، الحيوان له بيت يأوي إليه، فالإنسان من دون حاجة عليا لطلب الحقيقة، هذا إنسان تافه، لا يرقى إلى مستوى البشر .
لذلك الإنسان عندما يستجيب للحالات السفلى من طعام وشراب يبتعد عن إنسانيته التي هي أهداف نبيلة يسعى لتحقيقها.
 يوجد نقطة دقيقة جداً: لو أن أهداف الإنسان مادية محضة، ما الذي يحصل ؟ ما دامت هذه الأهداف بعيدة عنه فهو يسعد بتصورها، متى تبدأ أزمته ؟ حينما يحققها، فيشعر بفراغ الحياة، لذلك تجد الأغنياء والأقوياء عندهم حالة ملَلٍ، أكل كل أنواع الطعام التي يحبها، سكن في بيت فخم، وركب سيارة فارهة، شعر أنه تافه، لا هدف له في الحياة !
يأتي إنسان فقير، لا يملك واحدًا بالألف مما عند هذا الغني، لكن تجده يحمل رسالة وهو سعيد.
 موضوع السعادة وجدها النبي الكريم  في غار ثور، وإبراهيم في النار، ويونس في بطن الحوت، وأصحاب الكهف في الكهف، هذه السكينة التي يسعد بها الإنسان، ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقرها، ولو فقد كل شيء.

 

المذيع:

 ما بال كثير من الناس إذا اجتهدوا، وفعلاً اجتهدوا في أمر مادي دنيوي سعوا إليه سعي من ضربتم مثلاً له، أنه يريد أن يجلس في بلد أجنبي، فاستأجر بيتاً قريباً من الجامعة، ورافق صديقاً يتقن اللغة، وما إلى ذلك، ما بال كثير من الناس إن اجتهدوا إنما يجتهدون في مثل هذه المواطن، ألا يجتهدون فيما طلب الله تعالى منهم في أمور كمال الدنيا، والسعي إلى تمام الآخرة ؟
 أضرب لك بعض الأمثلة السريعة دكتور: من سوريا، الإمام النووي، لم يبلغ إلا العقد الرابع من عمره، توفي بعد ذلك، آثاره ما تزال ينجذب إليها كثير من كبار العلماء، وهي مستمرة، وقويمة، وفي غاية الإتقان، ما بالنا لا نتبع هذا إذا جاء الإنسان إلى نفسه، وقال: إنني في هذه الدنيا مخلوق، ويجب أن أؤدي رسالة طلب مني أن أؤديها، هل انظر في ميدان ما يتصل بالدنيا، وما يتصل بالآخرة، وما يتصل بهما معاً ؟

 

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 

(سورة القصص)

 عندما يدرك الإنسان هذا الأمر هل تراه يتركه الله تعالى في مهمه الحياة يضيع فيها ؟

 

الأستاذ:

 الله رب العالمين يربّيه ! هناك آية دقيقة، قال تعالى:

 

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

 

(سورة النساء)

 وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

(( يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

(صحيح مسلم)

 من باب الطرافة، لو أنّ كل واحد طلب أغلى بيت، وأجمل مصيف، وأغلى سيارة، قال :

(( مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

 تشبيه رائع، إذا سافرت إلى طرطوس، واغمس إصبعك في البحر، واسحبه، وانظر بمَ رجع من ماء البحر ؟!

(( مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

 أستاذ عدنان، أقول كلمة: المسلمون في محنة، كما بدأت الدرس السابق، لكن حينما أفهم ما حولي من مصائب وشدائد، ومحن فهماً إيجابياً تكون الكرة في ملعبي، كيف ؟! هذه الشدائد فيها دقائق تغطيها، قال:

 

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

(سورة القصص)

 معنى ذلك أن الله عز وجل له رسل من بني البشر، ورسالات هي كتبه السماوية، وله رسائل يرسلها لأهل الأرض، هي أفعاله، يجب أن نفهم أن هذه المحن رسالة من الله من أجل أن نغير، ذلك لأن الشر المطلق لا وجود له في الكون، ويتناقض مع وجود الله، يوجد شر نسبي، بالنسبة إلينا هو شر، أما بالنسبة لمستقبلنا فهو خير مطلق، لذلك هناك مقولة دقيقة جداً: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، أي إن هذا الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً يوم القيامة، ولكان نقصاً في حكمة الله ! لكن عقلنا قاصر عن إدراك إيجابيات ما وقع.
الحقيقة توحدنا، والحق أصبح واضحًا، كان فيما مضى أبيض وأسود، ولون رمادي بينهما، الآن يوجد أبيض وأسود حق، وباطل، وليّ، إباحي، مؤمن، غير مؤمن، مستقيم، منحرف، أمين، خائن، الأمور أخذتْ وضعًا حدّيًّا الآن، هذه أكبر انتصار.
 قبل خمسين عامًا كان هناك كتل، وقيم، ومبادئ كثيرة في الأرض، لو أنك بحثت عن أقوى هذه الكتل والمبادئ تجد مبادئ الشرق والغرب والإسلام، الشرق تداعى من الداخل، وانتهى الأمر، بقي الغرب والإسلام، الغرب خطف أطفال العالم، كان قدوة كل إنسان، مجتمع قوي جداً، وغني، وطرح شعارات رائعة، الحرية، والديموقراطية، وحقوق الإنسان، والرفق بالحيوان، حق المرأة، التقاضي، تكافؤ الفرص، العلمانية بالمفهوم عندهم احترام جميع الأديان.
 عقب الحادي عشر من أيلول سقط الغرب كقيمة بقي قوة، هذا أكبر إنجاز للإسلام، لم يبق في ساحة القيم والمبادئ إلا قيم الإسلام ومبادئُه، لذلك العالم الأمريكي الذي هداه الله للإسلام، وزار بريطانية، والتقى الجالية الإسلامية قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب لاتساع الهوة بينهما في المدى المنظور، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لأن في الإسلام خلاص العالم، ولكن بشرط أن يحسن المسلمون فهم دينهم، وتطبيقه، وعرضه، معنا أقوى منهج، منهج خالق السماوات والأرض، ومنهج مقطوع بصحته.
فإن أردنا أن يغير الله ما بنا ينبغي أن نعود إلى هذا المنهج القويم، لا أن نختلف على تفاصيله، نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا.
في هذه المرحلة نحن في أمسّ الحاجة للتعاون، والتضامن، والتكاتف، ونتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أو يحاور بعضنا بعضاً.
حوار هادئ، الاختلاف بيني وبينك ينبغي ألاّ يفسد المودة بيننا، نحن بحاجة لهذه المعاني الإنسانية الأخلاقية، وبحاجة ماسّة لمنهج إلهي.
 الحقيقة أنّ الحضارة الغربية اعتنت بجسم الإنسان عناية تفوق حد الخيال، الهاتف الخلوي فرضاً، الأقمار الصناعية، نقل الأخبار عن القارات، يوجد إنجاز مذهل، لكن هذا الإنجاز لم يوظف في الحق، وضمن شعور الحق، لذلك يوجد فساد عام، فنحن بحاجة حينما نرى أن الطرف الآخر يريد إفقارنا، نريد أن نكسب المال الحلال، ونستخرج ثرواتنا، ونوظف أبناءنا، ونطور أعمالنا، ونكون أقوياء، حتى نقف في وجه عدونا.
 لما وجدنا من الغرب تناقضاً مريحاً بين ما يطرحه من قيم وبين ما يخالفه، الآن فيما أعتقد قبل خمسين عاما قلة قليلة جداً من كبار المثقفين يعلمون حقيقة الغرب، لكن الآن أطفالنا في الابتدائي يعلمون حقيقة الغرب، إنسان يقتل ثمانين إنسانا، امرأة، وطفلا بقصف عشوائي، بأسلحة فتاكة، إنسان مدني، آمن لا علاقة له لا بالعير ولا بالنفير، ويقول: جئت من أجل حريتكم !!!

 

المذيع:

 دكتور، هناك ناحية هامة، إذا أراد الإنسان أن يتزوج، يفكر في موضوع البيت وأثاثه، وما يحتاجه تفكيراً دقيقاً، وقد يكتب ذلك على الورق، ليهيئ، ويحذف ما لا حاجة له، كثير كثيرٌ من الناس يقولون: ندفش، لكن يجب أن يفكر الإنسان في حياته أنه مطلوب منه شيء هام، وما وجد في هذه الدنيا إلا مستخلفاً في الأرض، وهذا الاستخلاف يقتضي منه أن يفكر في كل شيء، إذا فكر الإنسان يجب أن أكون أنا على الدين القويم، وأن أفعل كذا، وموضوع تربية الأولاد، والكسب الحلال، والكلمة الحق، وألا أخون غيري، ولا أخون الله ورسوله، وأن أتعلم أن أوازن بين كفتي الروح والمادة، وتتكامل في حياتي ما يتصل في الحياة الدنيا، وما يتصل بالحياة الآخرة، والله لن تمضي فترة طويلة في حياة مجتمع هكذا يكون أفراده إلا ويتقدمون، ويحققون شيئاً من المطلوب في حياتهم، أما إذا قلنا: ندفش كما استعمل التعبير العامي فيكون قد حق علينا قول الله تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

وهذا القول مستمر، إن أحسنا فإحساننا لنفسنا، وإن أسأنا فإساءتنا لأنفسنا، وإن طلبنا العلم فنتيجته خير لنا، وإن تقاعسنا وجهلنا فجهلنا مطبق علينا.
 كما تفضلتم في كل حياة الإنسان أمور تستدعيه لأن يطور نفسه، ويعمل، ويفكر، وما هذه ببعيدة عما كان عليه آباؤنا، ونحن الذين نفتخر بهؤلاء الآباء، ونفتخر بأنفسنا لنكون ونحن على سلامة النسب عقيدة وفكراً، كما كنا على سلامة النسب زمناً ونسباً.

 

 

الأستاذ:

 أريد أن أضيف شيئاً، هناك آية أخرى تتكامل مع الأخرى:

 

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

(سورة الأنفال)

 بشكل دقيق، يا عبدي، أنت مرتاح، لا تغيِّر لا أغيِّر، مزعوج، يوجد قضية تقلقك كثيراً، غيِّر لنغيِّر، هذا ملخص الملخص، إذا كنت في محنة فغيِّر حتى أغيِّر، وإذا كنت في راحة لا تغيِّر حتى لا أغيِّر.

 

المذيع:

 نرجو الله تعالى أن يكون تغييرنا للأفضل مما يرضى عنه الله تعالى ورسوله، في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة و أصول الدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.ر

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018