الفقه الحضاري - الندوة : 25 - الصلاة 2 الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 25 - الصلاة 2 الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .


2003-09-04

المذيع:

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحييكم عبر القناة الفضائية السورية من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، الأستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق، وأستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً ومرحباً بكم.
 تحدثتم في حلقة سابقة عن الصلاة إنما من خلال حديث قدسي، وضحتم فيه بعض الأمور التي تتصل بعبودية الإنسان وهو يقف بين يدي ربه يؤدي الصلاة، وكان في ذلك الحديث القدسي أشياء كثيرة توضح كيفية صلاة المصلي الخاشع المتعبد الذي يبتعد عن الجهالة، وبينتم أن الجهالة هي العنوان الكامل لكل شيء سيئ، حيث ينقلب هذا الإنسان المصلي إلى الخير والسعادة، وإلى كل ما فيه مصلحته في الدين والدنيا والآخرة، ويكون مقرباً من الله تعالى، والله تعالى يحببه بعباده، ويحبب عباده به، ونتحدث معكم اليوم عن الصلاة أيضاً، متابعة للموضوع السابق، إنما من خلال ما ورد في الصلاة من حيث إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، حيث ورد ذلك في القرآن الكريم:

 

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

 

(سورة العنكبوت)

نتابع معكم.

الأستاذ:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
 أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً، الإنسان ينضبط بإحدى طريقتين، إما أن ينضبط بوازع داخلي، أو برادع خارجي، الأنظمة الوضعية بأكملها لا تستطيع أن تضبط الإنسان إلا من الخارج، ولا تستطيع أن تسيطر عليه وهو وحده أو في، خلوته لأن المراقبة مستحيلة.
في بلد غربي بعيد جداً انقطعت الكهرباء عن منطقة كثيفة السكان، ارتكبت في هذه الليلة مئتا ألف سرقة، حجم هذه السرقة ثلاث مليارات ‍دولار !
أما سيدنا عمر فقد التقى براعٍ، وقال له: بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: واللهِ إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟
أنا أقول أستاذ عدنان: إن هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين، أنت حينما تقول: أين الله ؟ ويكون الوازع داخلياً تحل معظم المشكلات والمصائب، ولذلك حينما نجد في دولة متقدمة جداً من أجل ضبط السرعة تضع مراكز ضبط سرعة السيارات، واضع هذا القانون ذكي جداً،  والمواطن أذكى منه، اخترع جهازاً في السيارة يكشف له هذه المراقبة، فقبل عدة كيلو مترات يخفض السرعة للسرعة المطلوبة، فينجو من العقاب، الآن الطرف الآخر في صدد اختراع جهاز يكشف واضع الجهاز في السيارة، ذلك لأن واضع القانون ذكي، والمواطن أذكى، وذاك طريق مسدود، أما إذا كان المشرع هو خالق الإنسان عندئذ لا يستطيع أن يحيد شعرة عن منهج الله عز وجل.

المذيع:

 هذا الكلام ذكرني بقول الشاعر النابغة عندما قال يخاطب من يستطيع أن يصل إليه:
فكأنك الليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتهى عنك واسع
 فالليل عندما يأتي الإنسان إنما يأتيه من يمينه وشماله، وأمامه وخلفه، وفوقه وتحته، لا بد من أن يأتي الليل، هذا إن كان السان، فكيف إ كان رب الأرض جميعاً خالق الأكوان ؟

 

الأستاذ:

 مرة وزير تربية يقول: كل ما نملك من سلطة على مدرس أن نجعله يدخل الصف الساعة الثامنة، وهو في الصف متروك لضميره، وخوفه من الله، النقطة الدقيقة جداً في الصلاة أنها تهيئ للإنسان وازعا دقيقا جداً، الدليل قول الله عز وجل:

 

 

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

والله، أنا أقسم بالله إن حياة الناس لا تستقيم إلا بالوازع الداخلي، أما الرادع الخارجي فيحتال عليه، قد يؤدى أداء شكليًّا، ولا يدخل بواطن الإنسان، آلاف الطرق سالكة مع الرادع الخارجي، هذا يبدو مع حياة الناس جميعاً، لكن ومع الله عز وجل يراقبه.
 أوضح مثل: في أيام الصيف الحارة، وكان فيه رمضان، يدخل الإنسان إلى بيته، والحمام، والصنبور ماء بارد، لا يستطيع أن يضع نقطة ماء في فمه هذا هو الوازع الداخلي ! لو أن الصيام ألزمنا الناس فيه بقانون كم إنسان يصوم حقيقة ؟ لا أحد، لذلك الوازع الداخلي شيء مهم جداً في الدين.
 نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه، هذا مستوى راقي جداً.

 

 

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

 

المذيع:

 هنا أيضاً أريد أن أتوقف في ناحية هامة من خلال أبعادها في المجتمع، وفي السلوك السليم، وعدم إسراف الأموال، كيفما كان، عندما يكون الوازع داخليًّا أنضبط دون أن تكون هناك سلطة خارجية موظفة لضبطي، بمعنى آخر أوفر على الدولة أساليب المراقبة، إذ إن المراقبة من داخلي، من ناحية ثانية ألتزم بها على حين المراقبة الخارجية، قد يفلت منها الإنسان في كثير من الأحيان، المراقبة الداخلية تكون من منطلق إيماني، وفيها متابعة، المراقبة الخارجية تكون عن ظهر قلب عندما يلتزمها الإنسان، وقد تعطي تأففاً، إنما المراقبة الداخلية هي انسجام لتصرفات الإنسان مع فكره وعقيدته، وكلها في سبيل الله، ومن هنا يحدث الرضا النفسي الداخلي الذي لا يجده من جعل الرقابة عليه ملتزماً بها خارجياً.

 

الأستاذ:

 أستاذ عدنان، حدثني طبيب أن هناك مرضًا متعلقًا بالكبد، التهاب الكبد الوبائي، وهذا مرض مميت قطعاً، وله دور حضانة طويل، فيكفي أن عاملا في مطعم دخل الحمام، ولم يغسل يديه جيداً، يمكن أن يصيب هذا العامل ثلاثمئة إنسان تناول الطعام في هذا المطعم، من الذي يضمن لي أن هذا العامل يخاف الها، ويغسل يديه جيداً قبل أن يعد الطعام ؟ إن لم يكن هناك خوف من الله يحول بين الإنسان، وبين أن يؤذي خلق الله، فالصلاة لا تستقيم، الصلاة الحقيقية التي أرادها الله تحقق الوازع الداخلي، بينما الأنظمة الوضعية تحقق الرادع الخارجي، ولا مانع أن يجتمعا ويتكاملا، لكن الأصل أن الإنسان يخاف الله.
 والله سمعت عن إنسان وجد في مركبته مبلغ فلكي بالملايين ولا زال يبحث عن صاحبه حتى قدمه إليه، ما السبب ؟ الوازع الداخلي، أما الرادع الخارجي ليس مسؤولاً، ولا يضبط أحياناً.
لكن في تتمة الآية شيء رائع جداً:

 

 

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

قال بعض العلماء: ذكر الله أكبر ما في الأرض.
 وقال بعضهم: ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، أنت إن صليت أديت العبادة، لكن الله إذا ذكرك منحك الحكمة.

 

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

 

(سورة البقرة)

 أنت بالحكمة تحسن كسب المال وإنفاقه، بالحكمة تكسب الأصدقاء وبغير الحكمة تجعل أصدقاءك أعداء، أنت بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة العاشرة، وبغير الحكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى:

 

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

 

 

 أي شيء أكبر من أن يؤتيك الله الحكمة ؟ وأنت في الصلاة تضع الشيء في مكانه، تتكلم الكلمة المناسبة، مع الشخص المناسب، في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، هذه الحكمة، وهي ضالة المؤمن، وأنا أرى أنها لا تؤتى إلا للمؤمن، والدليل:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)﴾

(سورة محمد)

 وقد يكون إنسان في غاية الذكاء، وغاية العقل، ومع ذلك يرتكب حماقة ما بعدها حماقة، لأنه مقطوع عن الله عز وجل، أما إذا اتصل بالله آتاه الله الحكمة، هذا من ذكر الله للإنسان ويأتيه الأمن، وما من نعمة على وجه الأرض تفوق هذا الأمن.
الأمن ليس ألاّ يحدث شيء مزعج، ألا تتوقع شيئاً، فرق كبير بين ألا يقع الشيء وبين ألا تتوقعه.

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

 

(سورة الأنعام)

 والله الذي لا إله إلا هو يتمتع المؤمن في أمن لو وزع على أهل بلد لكفاهم، هذا من ذكر الله لك في الصلاة، والله عز وجل إذا ذكرك يمنحك السعادة،

(( أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلاَلُ ))

[أبو داود، أحمد]

 أنت حينما تتصلُ تتصل بالمطلق، بمن يملك الجمال المطلق، الحكمة، والقدرة، والرحمة، المطلقة، والغنى المطلق، فمن ذكر الله لك في الصلاة أنه يمنحك السعادة الحقيقية، وهذا مشمول بقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلاَلُ ))

، أما إذا كان لسان الحال: أرحنا منها، فهناك خلل.
 فضلاً عن ذلك الله سبحانه وتعالى يمنح السكينة، ما هي السكينة ؟ هذه السكينة وجدها أهل الكهف في الكهف، ووجدها سيدنا إبراهيم في النار، ووجدها النبي  في الغار، ووجدها يونس عليه السلام في بطن الحوت، السكينة تسعد بها، ولو فقدت كل شيء، وبغير السكينة تشقى، ولو ملكت كل شيء.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125)﴾

(سورة طه)

 أي كنت أعمى في الدنيا

 

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾

 

(سورة الحج)

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾

(سورة طه)

 أي ذكر الله لك شيء لا يكاد يصدق.

 

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

(سورة العنكبوت)

 من ذكر الله لك أنه يوفقك.

 

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

(سورة هود)

 هذه آية جامعة مانعة، لا يحقَّق شيء على وجه الأرض إلا بتوفيق الله، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، فأنت إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ إذاً من ذكر الله لك في الصلاة أنه يوفقك.
من ذكر الله في الصلاة أنه يحفظك.

 

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)﴾

 

(سورة يوسف)

 كان عليه الصلاة والسلام إذا سافر له دعاء رائع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ كَبَّرَ، ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ:

((  سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ... ))

(صحيح مسلم)

 أية جهة في الكون يمكن أن تكون معك في السفر، ومع أهلك في الحضر ؟

 

المذيع:

 هنا دكتور أريد أن يكون توضيح ذلك من خلال الواقع الذي يعيشه الإنسان، أنا إن قلت دعاء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم سافرت، وكان في عقيدتي وفي يقيني أن الله تعالى قد وكّل بحفظ أهلي وبيتي، كان الفرق كبيرًا بين هذا، وبين من يردد هذا الكلام بلسانه، ولا يعيه قلبه وعقله، ولا يندرج في خواطره ووجدانه، هذا الفارق بين النوعين، هذا الحاجز الكبير الذي يقف بين هذين النوعين، كيف نستطيع أن نخترقه لنصل إلى الحقيقة والكمال ؟ لا أن تكون أقوالنا مجرد تمتمات على اللسان.

 

 

الأستاذ:

 الحقيقة آية كريمة تجيب عن هذا السؤال اللطيف:

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

(سورة البقرة)

 أي إذا دعاني مخلصاً، الإنسان قد يدعو الله على شكل تقليدي، أي ألِف الدعاء فيدعو، لكن ليس موقناً بالإجابة، ليس متوجهاً إلى الله بكلّيته.

 

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

 

 قال:

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 يجب أن يطيعوني، وقبل أن يطيعوني أن يؤمنوا بي، أي تؤمن، وتطيع، وتخلص، فيستجيب الله لك، لكن رحمة الله اقتضت أن الله يستجيب للمضطر إذا دعاه، ولو لم تتوافر فيه شروط الدعاء، لا بأهليته، بل برحمة الله عز وجل:

 

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾

 

(سورة النمل)

 من حكمة الله عز وجل أنه يستجيب للمظلوم، ولو لم يكن أهلاً للإجابة، لا بأهليته، ولكن بعدل الله عز وجل، لكن:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

 

 أكثر من عشر آيات:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾

(سورة البقرة )

 عن المحيض:

 

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾

 

(سورة البقرة)

 عشر آيات أو أكثر، إلا في آية واحدة ليس فيها قل:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

 ليس هناك وسيط بين الداعي وبين الله عز وجل، إذاً أنت حينما تصلي، وتذكر الله في الصلاة، وقد قال الله عز وجل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

(سورة طه)

 ويوجد معنى تكلمت به قبل قليل:

 

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

(سورة العنكبوت)

أي أكبر ما في السماء.
 لكن المعنى الثاني: أن الله إذا ذكرك أعطاك نوراً في قلبك، كان به الحق حقاً، والباطل باطلاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

(سورة الحديد)

 هذا النور، ما من عمل سيئ إلا وراءه رؤية خاطئة، رؤية قبل العمل، ما من عمل يقع به الإنسان على وجه الأرض من دون استثناء إلا وراءه رؤية، قد تكون صحيحة، وقد تكون خاطئة، لذلك يوم القيامة:

 

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾

 

(سورة ق)

 أستاذ عدنان، الإنسان مخير خيار قبول أو رفض مع مليون قضية، قد يرفض هذه التجارة، يرفض هذه الوظيفة، يرفض الزواج من هذه الفتاة، إلا أنه مع الإيمان خياره خيار وقت فقط، الدليل أن أكثر كفار الأرض فرعون الذي قال:

 

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

 

(سورة النازعات)

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

(سورة القصص)

 حينما أدركه الغرق قال:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

 

(سورة القصص)

 معنى ذلك أن كل البشر عند الاحتضار يعرفون الحقائق التي جاء بها الأنبياء، فخيارهم مع الإيمان والدين خيار وقت، إذاً:

 

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

 

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

أول شيء أن الصلاة تنير قلب الإنسان، أي قلما يرتكب مصلٍ حماقة، قلما يرتكب عملاً يدمره، إنه يهتدي بنور الله عز وجل.
 أستاذ عدنان، بشكل مبسط جداً، أنت تقود مركبتك في الليل، والإضاءة قوية جداً، فالحجر تبتعد عنه، والحفر تبتعد عنها، وأنت على الطريق، النور القوي ضمان لسلامتك، والصلاة نور كما قال عليه الصلاة والسلام، والصلاة طهور، فالحقد، الكراهية، الاحتيال، المخادعة، الكبر، الغطرسة، التجبر، الاستعلاء، هذه كلها أمراض النفس، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا ))

(صحيح البخاري )

 فالصلاة طهور، والصلاة نور، والصلاة حبور، الصلاة عبارة عن اتصال العبد بالله عز وجل، فالعبد ضعيف والله قوي، فتستمد قوتك من الصلاة، تستمد حكمتك من الصلاة، تستمد رحمتك من الصلاة، لا يمكن أن تجد قلب مصلٍ قاسياً، مستحيل، لما اتصل بالرحيم أصبح رحيماً، الله عز وجل يقول:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

 أي بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد لِنْتَ لهم،

 

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 

(سورة آل عمران )

 كأن الله يقول: كمعادلة، اتصال رحمة، لين التفاف، أو انقطاع قسوة، غلظة انقباض، بالضبط.

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

 الناس أحياناً لا يرون العطاء إلا مادياً، فلان معه مال، وفلان معه بيت، أحياناً الله عز وجل يمنح السعادة، يمنح السكينة، يمنح الأمن، يمنح الرضا، المؤمن راضٍ عن الله عز وجل، يمنحه الحفظ، يمنحه التوفيق، يمنحه النصر، يمنحه التأييد، هذه كلها من ذكر الله للإنسان.

 

 

المذيع:

 طيب دكتور، نحن نشهد في كثير من المجتمعات من يصلون، ومن يقومون أحياناً في الصف الأول، ومن يكونون أسرع الناس إلى المساجد حضوراً، وآخرهم خروجاً من المسجد، مع هذا قد نجد في بعضهم خلاف ما ورد، من حيث إن شعورهم يكون مرتبطاً بالله تعالى، وينعكس ذلك على أعمالهم، إخلاصاً وحكمة، ومعاملة مع الآخرين، ترى كيف نرمم، وهذا له اتصال بما سبق من سؤال، كيف نرمم هذه الناحية ؟

 

 

الأستاذ:

 أجيب بما أجاب به النبي عليه الصلاة والسلام: النبي الكريم سأل أصحابه مرة من المفلس ؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

(صحيح مسلم)

 إذاً هذه الصلاة إذا أديت أداءً شكلياً، ولم تسبقها استقامة، ولم ينعقد اتصال بالله في خلالها، سقط الوجوب !! ولكن لم يحدث المطلوب، أنت قد تدعى إلى طعام نفيس، ولكن لا تأكل شيئاً، لكنك لبّيت الدعوة، ووضع في أسماء الحاضرين، لكنك لم تأكل شيئاً، هذه مشكلة.
عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

(سنن ابن ماجة)

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا، بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ... ))

(مسند الإمام أحمد)

 قضية خطيرة جداً، الصلاة عبارة عن قطف ثمار الاستقامة، فالإنسان ما لم يستقم لا يقطف من ثمار صلاته شيئاً، لذلك أنت ترى المسلمين في شتى بقاع الأرض، يصلون، ولا يصدقون أحياناً، ولا يتقنون أعمالهم، ولا ينصحون، ولا يرحمون، ولا ينصفون، صلاتهم ذهبت أدراج الرياح.
شيء آخر، الصلاة فيها علم، الدليل حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

 

(سورة النساء )

 هذه الآية منسوخة طبعاً، لكن فيها ملمح لطيف، فالذي يصلي، ولا يعلم ماذا قال فكأنه لم يصلِّ، معنى ذلك: ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها.
فأنت حينما تقول:

 

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾

 أي أننا نحن نعبدك، ونستعين على هذه العبادة بك، ثم تقول:

 

 

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

 من هم المغضوب عليهم ؟ الذين عرفوا وانحرفوا، ومن هم الضالين ؟ الذي انحرفوا، ولم يعرفوا، عرفوا وانحرفوا، ما عرفوا وانحرفوا، فأنت حينما تقرأ الآيات الآن، ماذا تقول:

 

 

﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

 

(سورة الإسراء )

 ألم تقل لي يا عبدي أن أهديك الصراط المستقيم ؟ افعل كذا، أنت حينما تقرأ الفاتحة بتمعن ، وتدبر، وكأنك تعيش معانيها:

 

﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾

 تأتي الآية:

 

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾

 

(سورة الزمر)

 تدعوك إلى التوبة، الآن تركع فالركوع خضوع لله عز وجل، تركع نعبده، تسجد استعانة بالله، معنى الركوع أنك خاضع لأمر الله، معنى السجود أنك تستمد العون من الله، فأنت حينما تحمد الله، وتوحده، وتثني عليه، وتسأله الهداية والتوفيق، ويأتيك الجواب في الآية التي، فتقرأها، ثم تركع وتسجد، هذه صلاة لها معنى، خرجت منها بشيء، لذلك:

 

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

إذاً ينبغي أن نعلم ما نقول.

 

 

المذيع:

 من ناحية ثانية دكتور، إذا جرب العبد المصلي أن يتقدم خطوة واحدة باتجاه هذه المعاني التي ذكرتموها ليفهم معنى الصلاة، فإنه سيجد من رحمة الله ما تكون قربة له من ربه أكثر وأكثر، فإذا ما أحس بهذا القرب يحدث له مزيد من القرب، إن تابع هذا الطريق.

 

 

الأستاذ:

 قال تعالى:

 

 

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾

 

(سورة العلق)

 لذلك يقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي ؟ إن أخرجوني فإخراجي سياحة، إن حبسوني فحبسي خلوة، إن قتلوني فقتلي شهادة، بستاني في صدري.

 

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾

 

 

 لذلك قال هذا العالم: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب.

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

(سورة محمد )

 أي ذاقوا طعمها في الدنيا.

 

المذيع:

 في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت من الأسبوع القادم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018