الفقه الحضاري - الندوة : 06 - الهجرة 2 الأخذ بالأسباب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠30برنامج الفقه الحضاري - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الفقه الحضاري - الندوة : 06 - الهجرة 2 الأخذ بالأسباب .


2003-04-03

الأستاذ عدنان:

 أيها الإخوة المشاهدون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحيّيكم عبر القناة الفضائية السورية في هذا اللقاء الجديد من برنامج الفقه الحضاري في الإسلام، ويسرنا أن نلتقي اليوم مع سماحة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي الأستاذ، المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق، وخطيب جامع الشيخ النابلسي المرحوم عبد الغني النابلسي، أهلاً ومرحبا بكم.

 

الأستاذ راتب:

أهلا بكم أستاذ عدنان، جزاكم الله خيراً.

 

 

الأستاذ عدنان:

 إن جملة ما تتحدثون عنه إن كان في حلقة سابقة أو فيما يحضر موضوع الهجرة، وقد يقول قائل ضت الهجرة إن كانت في أحداثها أو في ذكراها، لكن الإجابة عن مثل هذا التساؤل يكمن في أن الهجرة بمعانيها مستمرة في كل زمان ومكان، وكما تحدثتم في المرة الماضية: إنه إن كان الإنسان في داخله يضعف فلا يؤدي معاني الهجرة، أو فيما يحيط به يضعف من أسباب خارجية فلا يؤدي معاني عبوديته لله تعالى، فيمكنه أن يفعل كما يفعل من يريد أن يسافر ليحصل مثلاً على شهادة عليا، فلا يوفق فيها من خلال دراسته، أو من خلال مجال الدراسة المفتوح في بلد ما، فيحوِّل إلى بلد آخر، حيث يمكنه أن يحصل على مراده، وإذا كانت البشرية كلها، والإنسان اسم الجنس يعني مطلق الإنسان، ما وجد في هذا الكون إلا ليعبد الله تعالى، ليس عبادة صلاة من حيث هي قيام وقعود وركوع وسجود بعيداً عن المعاني التي هي صلة بالله تعالى وعبودية.
 ومن ناحية ثانية ليكون خليفة الله في الأرض يعمرها، ويسعد نفسه، ويسعد غيره، إذا كان هذا كله فيمكن أن نقول: إن لكل شيء سببا، ولا يمكن أن تكون هجرته عليه الصلاة والسلام دون أسباب، ولكنه عندما هاجر أيضاً في هجرته اتبع الأسباب، وكما أنه كان يعلم أنه وعد إحدى الحسنيين في المعارك، في بدر مثلاً، كان حريصاً على تأدية الأسباب والدعاء، وسماع أراء الآخرين، وما إلى ذلك، إذاً نحن في مرحلة أن نقول: إن على الإنسان الذي علم أنه عبد لله عليه أن يؤدي الأسباب كاملة، ويفتش عما يوصل إلى غايته، وبعد أن يؤديها بالكامل يقول: يا رب، أنا أديت ما علي كإنسان، ولكنني ضعيف، ملتجئ إليك يا الله.
إذاً الأسباب أساسية، ولا يمكن أن يحصل الإنسان على غايته من نجاح في فحص نهاية العام دون أن يدرس، الله يوفقه عندما يدرس، ويأتي بالأسباب كما ذكرتم أيضاً في الحلقة السابقة.
 نتابع إذاً مسيرة الأسباب، وكما يقول من يحاولون التنظير ـ كما نقول في هذه الأيام ـ: إن الإنسان الذي يتبع العلم والفكر السليم يحاول أن يناظر، ويقول: إن لكل شيء سببا، ويجب أن أدرس وأحصل، وأن أبعد التوكل، فهو تواكل، مثل هذه الكلمات الإسلام سابق لا إلى كلامها الأجوف، لكن إلى حقيقتها السامية، فهو يؤدي الأسباب، ويتوكل على الله.

 

 

الأستاذ راتب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 لابد من مقدمة علمية، هذا الكون في أصل تصميمه مصمم على أن لكل شيء سببا، هذه حقيقة أولى، وهذا العقل البشري مبرمج على أن لكل شيء سببا، لذلك العقل البشري لا يمكن أن يفهم شيئاً بلا سبب، ومصمم أيضاً على ألا يفهم شيئاً بلا غاية، ومصمم أيضاً على أن يرفض مبدأ عدم التناقض، مبادئ العقل الثلاثة، مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض، وأروع ما في الأمر أن مبادئ العقل متوافقة مع أصل تصميم الكون، وكأن الله أراد حينما صمم عقلاً ليفهم الأشياء بأسبابها أن نصل من خلال هذا المبدأ، ومن خلال أصل التصميم إلى المسبب الأول، وهو الله، لو أن أصل تصميم الشيء بلا سبب، وقد يقيس الإنسان أن هذا الكون بلا سبب، هذه حقيقة دقيقة جداً، لكن الأخذ بالأسباب واجب على كل مسلم، إلا أن المنزلق الخطير أن تأخذ بالأسباب، وأن تألّهها، وأن تعتمد عليها، وأن تنسى الله، فهذا منزلق خطير وقع فيه الغرب، وفي منزلق آخر، ألا تأخذ بالأسباب، وهذا منزلق أخطر وقع فيه الشرق، البطولة أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء، التطرف سهل، أما التوازن فصعب، ليس من السهل أن تأخذ بالأسباب، ثم تشعر بضعفك أمام الله ـ تقول: يا رب، أنا أخذت بالأسباب، واعتمدت عليك، كأن الإنسان يمشي في طريق عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، فإن أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألّهها، واستغنى بها عن الله وقع في وادي الشرك، وإن لم يأخذ بها وقع في وادي المعصية، الغرب أخذ بها وألّهها، والشرق لم يأخذ بها، والموقف الكامل خلاف هذين الموقفين.
 نعود إلى الهجرة: قاعدة دقيقة جداً في الهجرة، أن استحقاق النصر لا يعفي المسلم من الأخذ بالأسباب، فالنبي عليه الصلاة والسلام هاجر بطريقة، وسيدنا عمر هاجر بطريقة، سيدنا عمر هاجر متحديًّا المشركين، قال: " من أراد أن تثكله أمه فليتبعني لهذا الوادي "، سيدنا عمر لم يأخذ بالأسباب، لكنه مثّل نفسه، والنبي ﴾ أشجع من عمر، لكنه اختار طريقاً مساحلاً تضليلاً للمطاردين، واختار غار ثور تضليلاً لهم أيضاً، وبقي في غار ثور ثلاثة أيام إمعاناً بالتضليل، ثم هيأ من يأتيه بالأخبار، وهيأ من يمحو له الآثار لئلا يتعقبونه، وهيأ من يأتيه بالزاد واستأجر دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء، والمسلم أحياناً يحتاج إلى خبرة مستوردة، لا ينبغي أن يخلط بين الولاء والخبرة، واستأجر دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء، أخذ بكل الأسباب، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، أخذ بكل الأسباب، ثم توكل على الله، هذا درس بليغ يحتاجه المسلم، المسلمون يتواكلون، ويظنون أنهم أمة منصورة أصلاً وابتداء ونهاية، والواقع ليس كذلك، لأن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 ما من شيء يشغل بال المسلمين اليوم كالنصر، النصر له سببان:
الأول: أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، إبليس قال:

 

﴿ فَبِعِزَّتِكَ﴾

 

( سورة ص الآية: 82 )

 آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وقال خلقتني، وآمن بالبعث، وقال:

 

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

 

( سورة الأعراف )

لكن إيمان إبليس لم يحمله على الطاعة، إذاً لا جدوى منه، وكل إنسان لا يحمله إيمانه على طاعة الله لا جدوى منه، أكاد أقول: هناك دائرة كبيرة جداً، كل من اعتقد بأية طريقة أن لهذا الكون إلهاً هو الله فهو مؤمن ضمن هذه الدائرة.
 دائرة ثانية: كل من حمله إيمانه على أن يطيع الله فهو في الدائرة الثانية، في مركزها الأنبياء، وهم معصومون، ثم المؤمنون، ثم الذين آمنوا إيماناً لم يحملهم على طاعة الله، وأما الذي أنكر وجود الله فهو خارج هذه الدائرة الكبرى، إنسان كفر بوجود الله فهو خارج هذه الدائرة، وإنسان آمن بأن الله موجود، آمن به عزيزاً لكنه لم يطعه، لم يحمله إيمانه على الطاعة إذاً هذا الإيمان لم ينفعه، لذلك في بعض الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾

( سورة النساء الآية: 136 )

 يعني إيمانكم لا يكفي.

 

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾

 

( سورة يوسف )

 إذاً حينما نؤمن الإيمان الذي يحملنا على أن نحكِّم منهج الله في حياتنا، في بيوتنا، في أسرنا، في تربية أولادنا، في معاملة زوجاتنا في كسب أموالنا، في إنفاق أموالنا، في لهونا، في تمضية أوقات فراغنا، في مناسباتنا الحزينة، في مناسباتنا الطيبة، إن لم يحملنا إيماننا على تطبيق منهج الله في كل شؤون حياتنا فهذا الإيمان يمكن أن نسميه كما سماه بعضهم إيماناً إبليساً، لا يقدم ولا يؤخر.

 

الأستاذ عدنان:

 دكتور، هنا أيضاً كما ذكرت في البداية أن الكون كما أراده الله تعالى جعل له أسبابًا، وتحدثتم عن العقل كيف يقبل الأسباب والغاية، وهذه الأمور الثلاثة التي وضحتها، لكن رُبّ قائل يقول، ويوجد من يقول مثل هذا الكلام: أنا أتخذ الأسباب، وأسير، وأفكر تفكيراً سليماً، وأعمل عقلي إعمالاً كاملاً، وما الحياة الدنيا هذه التي نعيشها على الأرض إلا من خلال إعمال عقلٍ وعمل، لنصل إلى غاية ونتيجة، فقد حققنا الاثنتين اللتين تحدثت عنهما، الأسباب والغايات، إذاً فلماذا موضوع التوكل، ونجد من نجد في دول متقدمة علمياً من حققوا في مجتمع من خلال علومهم وتفكيرهم وعقولهم أشياء كثيرة في حياتهم المدنية، فكانوا فعلاً متقدمين فيها، وقد وصلوا إلى قوانين تشريعية أيضاً ضبطت كثيراً من أمور حياتهم ، أليس هذا يوصل الإنسان إلى السعادة في الدنيا من دون إيمان ؟ على حين أننا نجد من يدعون الإيمان، وشعاراتهم شعارات إيمان، ونجدهم في ميدان الأسباب لا يأخذون، وفي ميدان التعامل ينافقون، إلخ... حيث نستطيع أن نقول ما قلت في البداية: الغرب أخذ بالأسباب، وترك الإيمان، والشرق أخذ بشعارات الإيمان، وترك العمل به، وفي الحقيقة ضاع، ألا يوجد الآن من يقول: إن ما يصل الغرب إليه من خلال الأخذ بالأسباب هو الأفضل لنا أيضاً ؟

 

 

الأستاذ راتب:

 لابد من تنويه دقيق، هو أن منهج الله عز وجل منهج موضوعي، معنى كونه موضوعيًّا أنه لو أخذ به كافر لقطف ثماره في الدنيا، لو أخذ به كافر بالله كافر بوجوده لو أخذ بمنهج الله، وطبقه على حياته اليومية لقطف كل ثماره، لكن:

 

 

﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 102 )

 لأن الإنسان مخلوق لحياة أبدية، لأن الله سبحانه وتعالى أعد له جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا أخذ بالأسباب، ولم يكن مؤمناً نال ثمراتها في الدنيا كما في الغرب تماماً، لكن إذا أردت أن تفهم حقيقة وجودك الأبدي فلا بد من أن تؤمن، وتأخذ بالأسباب.
 اسمح لي بهذا المثل: لو أردتُ أن أضغط الدين كله بقانون فيزيائي للتقريب، المعادن تتمدد بالحرارة، لو أننا أشدنا بهذا القانون، ومدحنا هذا القانون، وألقينا الخطب حول هذا القانون، وأثنينا على هذا القانون، وافتخرنا بهذا القانون، ولم نأخذ به حينما أنشأنا بيوتنا، فتهدمت، وجاء أعداؤنا، هاجموا هذا القانون، ونددوا بهذا القانون، وعدوا هذا القانون رجعياً، وأخذوا به حينما بنوا بيوتهم، بقيت بيوتهم، وانهارت بيوتنا، والذي تجده بالغرب إيجابياً هو أخذ بمنهج الله لا عن عبادة، لكن عن ذكاء وعقل، فهذا المنهج أستاذ عدنان موضوعي، بمعنى أن كل من أخذ به قطف ثماره، فإن أخذ به تعبداً كسب الدنيا والآخرة، وإن أخذ به مصلحة فاز بالدنيا، فقد قال الله عز وجل:

 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

( سورة الروم الآية: 7 )

 أنا حينما أعطي الإنسان حقه، حينما أعده بحريته، حينما أفر له كرامته ينبغي أن ينطلق بالعمل، هذا مبدأ إسلامي، حتى إنني أقول دائماً: إن إيجابيات الغرب إسلامية من دون أن يشعروا، ومن دون أن يريدوا، فالإنسان حينما تحقق له حاجاته الأساسية، حينما تعطيه رغيف خبزه وكرامته، تحقق له حريته، هذا الأصل، يجب أن يعطي، وهذا مبدأ، وعظمة هذا الدين تعني أنه منهج موضوعي كل من أخذ به قطف ثماره، فإن أخذ به عن عقل وذكاء ليحقق مصالحه في الدنيا نال الدنيا.

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾

 

( سورة الإسراء )

 فلذلك:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 

( سورة الأنعام )

 الله عز وجل له طرائق رائعة جداً في هداية الخلق، في مراحل، أول مرحلة الهدى البياني، تستمع إلى خطبة، إلى درس، إلى شريط، تقرأ كتاباً، تستمع إلى إنسان ينصحك، هذه دعوة بيانية، وأنت سليم معافى، أكمل موقف فيها أن تستجيب لله.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 24 )

 فإن لم يستجب الإنسان أخضعه لمرحلة أخرى، التأديب التربوي.

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

( سورة السجدة )

 في التأديب التربوي ينبغي أن نتوب إلى الله، أكمل وضع في الدعوة البيانية الاستجابة إلى الله، أكمل وضع في التأديب التربوي أن نتوب إلى الله، فإن لم نتب جاء الإكرام الاستدراجي:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 44 )

 وأكمل موقف في الإكرام الاستدراجي أن نشكره، فإن لم يستجب في الدعوة البيانية، ولم نتب في التأديب التربوي، ولم نشكر في الإكرام الاستدراجي لا بد من القصم:

 

﴿ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 44 )

 فنحن حينما نأخذ منهج الله عن عقل وعن مصلحة نفوز بنتائجه في الدنيا، كما في الغرب، وحينما لا نأخذ به نخسر الدنيا والآخرة كما في الشرق، وحينما نأخذ به تعبداً لله عز وجل نكسب الدنيا والآخرة.

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 

( سورة النساء )

 نعود إلى موضوع الأخذ بالأسباب.

 

الأستاذ عدنان:

 أيضاً يحدث معنا كما كان في مؤلفات الجاحظ يستطرف، ثم يعود، ولكنها تبقى ضمن أشياء مطلوبة، ويمكن أن تناقش فعلاً، ذكرتم قبل قليل أن إيجابيات الغرب هي إسلامية، هذا يقودنا إلى التساؤل التالي: هذه الإيجابيات من اختراعات تفيد البشرية، من الضوء الذي ينير، من اكتشاف مثلاً موضوع الإضاءة، المذياع، التلفزيون، إلى آخر هذه الأمور جميعاً، وهي التي أفادت البشرية، وجعلتها تترقى في ميدان المدنية، ترى هؤلاء الذين انكبوا في مخابرهم ومكاتبهم إلى أن وصلوا ما وصلوا إليه هل أخذوا ثمرة ما قدموا في الدنيا، وانتهى كل شيء أم الإيجابيات التي ذكرتها أنها من الإسلام عندما كانت في الغرب توصلهم إلى رضا الله تعالى في الدار الآخرة ؟ هل من اكتشف مثلاً دافعة الماء عندما يضغط بالأجسام الملقاة فيه إلى الأعلى دافعة أرخميدس، من اكتشف كذا وكذا وكذا ؟ هل في هذه الغاية ما يقربه إلى الله تعالى، هل هذا يقوده لأن يكون قول الرسول e والتوجيه الإسلامي أحب الله أنفعهم لعياله، هل هذا يقوده فقط ليقال عنه: عالم، وقد قيل، ما وضع التشريع الإسلامي في نظرته إلى أمثال هؤلاء ؟

 

 

الأستاذ راتب:

أنا أعتقد أن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتواتر الجامع المانع حينما قال:

 

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ ))

[البخاري عن عمر]

 والله وحده، أقول: وحده مطّلع على نيات الإنسان، فمن آمن بالله أولاً، وأراد التخفيف عن البشرية ثانياً في شيء من المنجزات الحضارية فله أجره عند الله، من آمن بالله أولاً، ثم أراد بهذا العمل أن يخفف من متاعب البشر، إن في اختراع دواء في مرض مستعصٍ فهذا له أجر عند الله ثابت لا يضيع، لأنه ورد في الأثر أنه: " ما أحسن من عبد مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أو في الآخرة، كإنسان عمل عملاً صالحاً، هذا العمل لا يضيع عليه، إن أراد به الدنيا نال الدنيا، وإن أراد السمعة سمع الله به، إن أراد المكانة وضعه الله في مكانة علية، وإن أراد المال أعطاه الله مالاً غزيراً وفيراً، ماذا أراد ؟ أردت المال، فهذا المال، أردت المكانة هذه المكانة، أردت الشهرة هذه الشهرة، أردت أن يكون لك أثر كبير وذكر لك الذكر، أردت الله لك الله، أردت الآخرة لك الآخرة، ماذا تريد ؟

 

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)﴾

 

( سورة الإسراء )

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19)﴾

( سورة الإسراء )

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾

( سورة الإسراء الآية: 18 )

 أنا أعتقد أن أي طلب تطلبه بصدق لا بد من أن تناله، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة وإيمان، لكننا كبشر نتأدب مع الله، أنا أقول: أن تعرف نيات الإنسان، هذا من شأن الله وحده، هذا ما قاله سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

 

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

 

( سورة المائدة )

 فأنا لا أتدخل في علاقة البشر بربهم، تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، والنبي يقول:

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ ))

[البخاري عن عمر]

 فمن آمن بالله الإيمان الذي ينبغي، ثم تقرب إليه بخدمة البشر بالتخفيف من آلامهم عن طريق اختراع فله أجره عند الله، هذا هو الأصل، أما من أراد الشهرة فله الشهرة، من أراد المال فله المال، من أراد السمعة فله السمعة، من أراد العلو في الأرض فله العلو في الأرض،:

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ ))

[البخاري عن عمر]

 أستاذ عدنان، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه بطولة، من السهل جداً أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، إنسان راجع مركبته قبل السفر، كل شيء تمام، إن نسي الله قد تخذله، وقد تقطعه في الطريق، وإذا لم يراجع مركبته قبل السفر فهو مؤاخذ، لم يأخذ بالأسباب، البطولة أن تراجع مركبتك مراجعة تامة، ثم تقول: يا رب، احفظني، أنا ضعيف، فأن تفتقر إلى الله، وأنت قد أخذت بالأسباب هذا يحتاج إلى إيمان كبير، لأنك إذا أخذت بالأسباب تنزلق إلى أن تعتمد عليها.
سيدنا عمر رأى أناساً بالحج يتكففون الناس، قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون على الله، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله.
هناك ملمح لطيف جداً، النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا يصلي في وقت العمل في المسجد، سأله: من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
الذي يأخذ بالأسباب، ويكف نفسه عن السؤال، ويده عليا هذا أعبد من المتسكع الذي يعيش عالة على الناس.

 

الأستاذ عدنان:

لم يقل له: أفضل منك، ولا أحسن منك، أعبد منك، وهو يتعبد.

 

 

الأستاذ راتب:

سيدنا عمر رأى رجل ناقته جرباء، قال له: ماذا تفعل بهذا المرض ؟ قال: أدعو الله أن يشفيها، قال له: هل جعلت مع الدواء قطراناً ؟
 أنا أعتقد أن الدعاء من دون الأخذ بالأسباب استهزاء بالدعاء، إنسان وقفت مركبته، فخرج منها وقال: يا رب ليس لنا سواك، ارفع غطاء المحرك، ابحث عن العلة، هذا هو المنطق، فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ عَلَى العَجْزِ ))

[ أخرجه أبو داوود عن عوف بن مالك رضي الله عنه ]

 أن أستسلم لواقعي، أن أقول: انتهينا.

 

﴿ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 249 )

 هذا هو الاستخذاء والاستسلام والانهيار، وهذا ليس من صفات المؤمن،

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ عَلَى العَجْزِ ))

 يعني أستسلم لمصيري، أقول: هذا المصير، ماذا أفعل ؟ هذه صفة قبيحة بالإنسان،

(( إِنَّ اللَّهَ تَعالى يَلُومُ عَلَى العَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بالكَيْسِ ))

 يعني ابحث، اسأل، ادرس، تأمل، تتوسط، افعل شيئاً،

(( فإذَا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيل ))

متى أقول: حسبي الله، ونعم الوكيل إذا غلبني أمر.

الأستاذ عدنان:

 الحقيقة أن المتابعة في هذا الموضوع أمامنا أشياء كثيرة يمكن أن نتحدث عنها، إنما ضمن وقت البرنامج انتهى الوقت، لذلك أقول: شكراً لسماحة الشيخ الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ محاضر في كلية التربية جامعة دمشق، وخطيب جامع العلامة المرحوم عبد الغني النابلسي، وشكراً أيضاً للإخوة المشاهدين، وموعدنا معكم بإذن الله في مثل هذا الوقت في الأسبوع القادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018