الدرس : سورة العصر - شرح السورة كاملة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : سورة العصر - شرح السورة كاملة .


1985-06-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الإخوة الأكارم، سورة اليوم هي سورة العصر ؛ نقرأ سورة العصر في الصلاة، سورة قصيرة تمرُّ على الألسنة يكثر ذكرها و تكثر قراءتها وسماعها ؛ وما تنطوي هذه السورة من الخطورة من المعاني بحيث لو عقلناها وفهمناها و عرفنا أبعادها لانقلبت حياتُنا رأسًا على عقبٍ.
 يقول الله سبحانه وتعالى: والعصر؛ يقسم بالعصر ؛ وما العصرُ ؟ قال بعض العلماء: هو عصر النبي عليه الصلاة والسلام ؛ بل قال بعضهم: إنه عصر النبي بمعنى عمره، هذا العمر الثمين ؛ ثلاث وستون عاماً كان من نتائجها أنها قلبت وجه البشرية ؛ نقلت البشرية من الشَّقاء إلى السعادة و من الضَّلال إلى الهدى و من الرذائل إلى الفضائل، من الظُّلمات إلى النور، من الحضيض إلى الدرجات العُلى، عمُرٌ ثمين، فإذا قاس الإنسانُ عمرَه بعمر النبي، ماذا فعل ؟ اشترى بيتًا، واستلم محلاًّ تجاريًّا، ثم توظف، ولكن لو قِستَ إنجازاتك التي فعلتَها أو حقَّقتها بما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في هذا العمر الثمين لاحتقر كلٌّ منا عملَه، فالبشرية جمعاء هدايتها في صحيفة النبي عليه الصلاة والسلام، أرسله للناس كافَّة لا يكُنْ الإنسان خمولاً بل يجب أن يكون طموحاً، لا يكن قنوعًا في الدنيا بدخلٍ يسير وبيت واسع و زوجة تَرُوقُ له، سيدنا عمر رضي الله عنه أدخل شاعراً السجنَ لأنه هجا رجلاً وقال له:

دع المكارمَ لا ترحل لبُغيَتها  واقعُدْ فإنك أنت الطعم الكاسي

 دخل صاحب هذا البيت السجنَ لأنه أهجى بيتٍ قالتهُ العربُ فأما الآن فيُعَدُّ شعار كلِّ إنسان، إذا حقَّق الإنسان دخلاً يسيراً و بيتاً مُريحاً و مركباً وطيئاً و محلاًّ تجاريًّا رائجاً فعلى الدنيا السَّلام، فإذا جاء ملَكُ الموت يُقال له: ماذا فعلتَ في الدنيا ؟ ماذا فعلتَ من أجلي ؟ هل واليتَ فيَّ وليًّا ؟ وهل عاديتَ فيَّ عدوًّا ؟ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عرف كيف يستغلُّ العصر، كيف يستغلُّ حياته و كل وقت من أوقاته وكل ساعة من ساعاته، كل دقيقة من دقائقه، لذلك العمر الثمين أثمر هدًى وصلاحًا للبشرية جمعاء، المعنى الآخر من معاني العصر، يعني لو دقَّقتَ في هذه الحياة لوجدتَ أن أثمن شيء هو الزمن، لو قلنا أن إنساناً ما، أو زيدًا من الناس سيعيش أربعاً وسبعين عاماً، اضرِبْ هذه الأعوام في الأيام واضربها بالساعات واضربها بالدقائق يصبح معك رقمٌ كبير، هذا هو عمر الإنسان ؛ لو يعلم الإنسانُ أنَّ كل دقيقة من حياته إذا ذكر الله فيها ارتقى عند الله في جنة عرضها السموات و الأرض وإلى أبد الآبدين، لذلك فإن أشدَّ أنواع الحسرات يوم القيامة ساعةٌ مضت هدرًا لا جدوى منها، فانظر إلى حياتنا كيف نقضيها سهرةٌ إلى الساعة الواحدة في كلام فارغ، لا أمرٌ بمعروف ولا نهيٌ عن منكر و لا تذكير بالله ولا فهم لكتاب الله ولا فهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث فارغ لا طعم له ولا جدوى منه و لا فائدة منه هذه الساعات الخمس كيف أمْضَيْتها ؟ وهذا الشهر كيف أمْضَيْتَهُ ؟ هذا اليوم كيف أمْضَيْتَهُ ؟ وهذا العمر كيف أمْضَيْتَهُ ؟ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ))

[ رواه الترمذي ]

 بعضهم قال: ما مضى فات والمُؤَمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها ماذا تَمْلِكُ أنت ؟ لا تمْلِكُ إلا شيئاً واحِداً، هذه الساعة التي أنت فيها، الذي مضى مضى ؛ إنْ خيراً فَخَيْر، وإنْ شراًّ فَشَرًّا، ضَيَّعْتَ الوقت أمْ لم تُضَيِّعْهُ ؛ الحديث عن الماضي تضْييعٌ للوَقْت ولا جَدْوى منه ؛ يا لَيْتني كنت مؤمناً ‍! مضى، ويا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحياتي ! مضى، يا لَيْتَني عَرَفْتُ الله باكِراً ! مضى، يا لَيْتَني أنْفَقْتُ من مالي ! ما مضى فات، والمُؤَمَّلُ غيب سأفْعَلُ كذا، من يدْري أَتَصِلُ لِهذا اليوم أو لا تصِل ؟ في أوَّل الصَّيْف سأَقْرأُ القرآن، حينما أنْتَهي من الفَحْص سأَحْضُرُ مجالِسَ العِلْم ؛ هذا كلامٌ فارغ، أنت لا تمْلكُ أنْ تصل لِهذا اليوم، ولا يمْلِكُ هذا اليوم أن يصِلَ إليك لا تمْلِكُ ماذا يُفْعَلُ بك ولا بي، ولك الساعة التي أنت فيها لا تمْلِكُ إلا هذه الساعة، فإذا قُلْتُ لكم إنَّ أثمَنَ ما في الحياة الوقْتُ! لا أُبالِغ الإنسانُ بِضْعَةُ أيامٍ كلما انْقضى يومٌ انْقَضى جزْءٌ منه جَلَسْتَ لِتَقْرَأ قِصَّة ما فائِدَتُها ؟ القِصَصُ كلها موْضوعٌ واحد ؛ وصْفٌ للعلاقات البشَرِيَّة، قد يكون هذا الوصْفُ مُبْتَذَلاً فَهِيَ القِصَصُ الرخيصة وقد يكون أدَبِيًّا ولكنَّ الفِكْرة لا تزيدُ عن علاقَةٍ تَمَّتْ بين شَخْصَيْن وانْتَهَتْ بِالوِفاق أو الفِراق، ولكن لو قرأتَ آيَةً قُرْآنِيَّة ورأيْتَ ما فيها من سعادَةٍ وصِحَّة لِمَن طَبَّقَها، ثمَّ طبَّقْتها سَعِدْتَ بها، لو وَعَظْتَ إنْساناً بآيَةٍ فأَخَذَتْ منه مَأخَذاً بليغاً وانْطَلَقَ في تطْبيقِها لَسَعِدْتَ وأسْعَدْتَ، لذلك ربنا عز وجل أقْسَمَ بالزَّمَن لأنَّ أخطر شيءٍ في حياتك هو الزمن، فالله عز وجل خلقنا لِسَعادَةٍ أَبَدِيَّة، هذه السعادة التي تبْدأ من يوم القِيامة وليس لها نِهاية فيها فُرْصَة أُعْطيتَها في الدنيا مجْموعة دقائِق وساعات وأيامٍ وأشْهُرٍ وسنواتٍ إذا عَرَفْتَ كيف تعرف الله فيها وكيف تسْتَقيمُ على أمْرِهِ وكيف تتقَرَّبُ منه كانت تلك الأيام والساعات والشهور زاداً لك إلى الأبد، لذلك قبل أنْ تسْتَهْلِك الوقت اسْتِهْلاكاً رخيصاً، قبل أنْ تسْتَهْلِكَ الساعات، وقبل أنْ تقول سأَذْهَبُ معكم إلى هذه النُّزْهة هؤلاء من ؟ هل يُرْضيهِم الحديث عن الله عز وجل ؟ اِذْهَبْ معهم إذاً، لا يُرْضيهم ذلك دَعْهُمْ ولا شأنَ لك بهم، قبل أنْ تقول سآتي لأسْهر معكم هل هم من الذين يُحِبُّون الله ورسوله، وهل يُرْضيهِم الحديث عن الله ؟ لا إذاً لا شأنَ لك بِهِم، هذه الساعة ثمينة تَعَلَّم فيها آية، اُدْعوا إلى الله، كُنْ آمِراً بالمعْروف ناهِياً عن المنْكر قال تعالى:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ العصر: الآية 1-3 ]

 يُقْسِمُ الله تعالى بِمُطْلق الزمن، لأنَّه أثْمَنُ ما تمْلِكُه ما مضى فات والمُؤَمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، أو يُقْسِمُ الله سبحانه وتعالى بِعُمُر النبي الثمين الذي ما ضَيَّعَ منه ثانِيَة، في بعض الإحْصاءات أنَّ كُتُبَ الحديث تَضُمُّ ما يزيد عن مئة ألف حديث، ما نطقَ كلِمَةً إلا حقاًّ، ما من إشارة ولا عبارة، ولا إقْرار، ولا مُلاحظة حتى مُزاحهُ صلى الله عليه وسلَّم كان لا يمْزَحُ إلا حقاًّ، كانَ يُوَجِّه ولم يسكت عن باطل، ولم يدَع فُرْصَةً إلا أمر بالمعْروف ونهى عن المنكر، نحن كلامنا إذا تَكَلَّمْتَ طوال النهار فما هو الكلام الذي تسْتَفيد منه ؟ وما هو الكلام الذي يُمْكِنُ أنْ يُذاع ؟ كُلُّهُ كلامٌ فارغ، النبي صلى الله عليه وسلَّم كُلُّ كَلِمَةٍ قالها في حياته الخاصَّة وفي حياته مع أصْحابه هي قانون، مبْدَأٌ ثابِت وقاعِدَة أساسِيَّة في الحياة اسْتَغَلَّ عُمُرَهُ الثمين واسْتَغَلَّ الليل، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8)﴾

 

[ المزمِّل: الآية 1-8 ]

 واسْتَغَلَّ النهار، وآيات الكون قال هِلال خير ورشد، ذَكَّرنا أنَّ هذا الهِلال له وظيفتان وظيفةٌ مادِيَّة يُضيءُ لنا بالليل، ووظيفةٌ إرْشادِيَّة يُعَرِّفُنا بِرَبِّنا سبحانه وتعالى، فإذا قِسْنا أعْمارنا بِعُمُر هذا النبي الكريم نَجِدُها تافهة ورخيصة ولا قيمة لها، لذلك نُمْضيها كيفما اتَّفَق، والله الذي لا إله إلا هو لو عَرَفْنا يوْمَ القِيامة، وهذا نعْرِفُهُ ؛ لو عَرَفْنا قبل فوات الأوان قيمة الزَّمَن -بِشَكْلٍ مُطْلق - لما هَدَرْنا منه ثانِيَة، ولما ضَيَّعْنا منه دقيقة، ولما غَفَلْنا عن الله عز وجل، أحْياناً يغْفل الإنسان عن ربِّه عز وجل ؛ أُسْبوع أُسْبوعين وهو غافل ؛ أكل وشُرْب ونوم ومزاح وسهَرات، من يضْمنُ لي أنَّني أعيش إلى الشهْر القادِم ؟ من عَدَّ غداً من أجَلِهِ فقد أساءَ صُحْبَةَ الموت كلام الله وكلامُ ربِّ العالمين، وكلام رافِعِ السماوات بِغَيْر عمَدٍ، كلام الخالق، يقول سبحانه وتعالى:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ العصر: الآية 1-3 ]

 يقول لك: يا أخي هذا معه مئة مليون ! هذا خَسْران ؛ وبَيْتُهُ من أفْخم البيوت و أولاده كثر كُلُّهُم أطِباء ومُهَنْدسون وله... هكذا قال ربنا عن الإنسان الضال والعاصي والجاهل والذي ما عرف الله وما عرف الهدف من خلقه خاسِرٌ ورَبِّ الكعْبة، فإما أنْ نُصَدِّق أو لا نُصَدِّق، لكن إنْ لم نُصَدِّق فَسَوْفَ نُصَدِّق، هذا امْتِحانٌ لنا، هل لك رؤْيا مُطابقة لِهذه الرؤيا؟ هل ترى إنساناً مُتَفَوِّقاً في هذه الحياة دخْلُهُ كبير ويشْغل منصباً رفيعاً ويده طولى في الحياة ؛ هل تراهُ خاسِراً ؟ هل تراهُ خاسِراً خسارَةً كُبْرى لأنه ما عرف الله ؟ هل عندك تصوُّر بإنسانٍ نال أعلى الشهادات و نال أعلى مكانة اجتماعية ثمَّ رأيتَه لا يُصلي هل تعُدُّه خاسراً ؟ واللهِ لقد قابلتُ إنساناً يحمل شهادتي دكتوراه ؛ دكتوراه في العلوم و دكتوراه في الآداب و يحتلُّ منصباً علميًّا رفيعاً جدًّا، وفي نظري كبير فقال لي: أنا لا أُصلِّي ولكن أمِّي وبنتها تصَلِّيان، واللهِ الذي لا إله إلاَّ هو بهذه الكلمة هبط من نظري إلى الحضيض، لا تُصلي ! ماذا درستَ إذاً ؟ هذا الذي درستَه آيات باهرات، لذلك الله تعالى قال:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ العصر: الآية 1-3 ]

 الغِنى ينتهي بالموت، و المكانة الرفيعة تنتهي بالموت، بالقبر ذهبوا وتركوه وفي التراب دفنوه، ولو بقوا معه ما نفعوه، فلو رافقته عشرون مركبة محملة بالزهور لما أفادته، هذا شيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخر، والعصر إنَّ الإنسان لفي خسر، فالإنسان بين عَشِيَّةٍ وضُحاها يصير خبراً، يكون إنساناً ملءَ السمع والبصر ؛ له أعداء، له أصدقاء وهناك من يخافه، وهناك من يرْجوه، وهناك من يطمع بِماله، فإذا جاءه الموت صار أثراً بعد عين، كان السيِّد فلان فأصبح المرحوم فلان، و لم يأخذ معه إلا أعماله ؛ فالإنسان لما يتغافل عن ساعة اللِّقاء؛ يجْهَلُها أوْ يتجاهلها فسوف يُحِسُّ بِمَدى خسارته، وغَبْنِهِ ضيَّعَ شيئاً كثيراً، هذه السورة يقرؤها الناس ولو فَقِهوا معْناها لانْقَلَبَتْ حياتهم، ولَغَيَّروا خَطَّهُم في الحياة، ولَتابوا وأصْلحوا وتَصَدَّقوا، ولاسْتقاموا، وصَلُّوا، ولَصاموا، وفعلوا الخير، والعصْر كلام ربِّ العالمين يُقْسِمُ لكم إنَّ الإنسان الكافر إنسانٌ خاسِرٌ، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾

 

[ الزمر: الآية 15 ]

 وقال تعالى:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

 

[ الزمر: الآية 53-56 ]

 لما الإنسان تأتيه ساعة اللِّقاء ويُحِسُّ أنَّه صفر اليدين، ليس له عمل صالح وعليه سيِّئات ومعاصٍ، ساعتئذٍ يواجه الحضرة الإلهية ؛ يواجه أسئلته لماذا فعلتَ كذا ؟ لماذا عصيتَني ؟ لماذا ظلمتَ فلاناً وبغيتَ على حقَه ؟ قال تعالى: والعصر إن الإنسان لفي خسر خاسرٌ، خاسر خسارة بيِّنة واضحةً صارخةً، إن رأيتَ أهل الدنيا خاسرين فأنتَ مؤمن، وإن رأيتهم أذكياء قد ملكوا الدنيا بأطرافها و عرفوا كيف يعيشون و عرفوا كيف يكسبون المال و كيف ينفقون وكيف يتنزَّهون و كيف يسكنون فأنت خاسر، إنهم يُحقِّقون أرباحاً كثيرة وينفقون على أهليهم نفقات كبيرة ويأكلون ما لذَّ و طاب ويسكنون في البيوت الفاخرة ؛ إن رأيتهم كذلك فلا تصدِّق هذا الكلام، قد تقول: صدق الله العظيم ؛ ويقولها الناس جميعاً ولكن و اللهِ الذي لا إله إلاَّ هو إن لم تكن لك رُؤيةٌ تطابق هذا الكلام فأنت من الخاسرين فلو قلتَ في نهاية القراءة: صدق الله العظيم، و تصوُّراتِك تُكَذِّبُ هذا الكلام فأنت لا شيء قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾

 

[ القصص: الآية 76 ]

 هؤلاء الذين يفرحون بالدنيا لا يُحبُّهم الله سبحانه وتعالى، لماذا لايحبُّهم؟ لأنهم سُخفاء، لأنهم ضيِّقوا الأُفق، فإذا كنتَ أبًا ولك ولدٌ ذكيٌّ نجيبٌ ووضعْتَه في غُرفةٍ راقية و رأيتَه يفرح بلعبه ويُهمل دروسَه وكتبَه وامتحاناتِه تستصغرُه وتحتقرُه، أهذا الذي يفرحك، إن رأيتَه يبكي لشيء سخيف فقده ويضحك لشيء أسخفَ منه مَلَكَه و لا يأبَهُ للدراسة و للعلم فإنك تحتقره، لذلك قال تعالى: لا تفرح إن الله لا يحبُّ الفرحين وقال تعالى:

 

﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) ﴾

 

[ القصص: الآية 77 ]

 القصة معروفة ؛ قال تعالى

 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾

 

[ القصص: الآية 79 ]

 يكثر حديث الناس عن الأغنياء، أتعرف كم سعر بيت فلان ؟ كذا مليون ؛ تعرف كم مساحته ؟ كذا متر، ما هذا الكلام ؟ أليس لكم حديث آخر ؟ هل تعرف كم كلَّفتْهُ هذه الرحلة إلى اُوروبا ؟ كذا ألف ليرة، هذا حديث اليوم، عن البيوت و السيارات و الولائم و الأعراس والفنادق، قال تعالى:

 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾

 

[ القصص: الآية 79-81 ]

 والعصر إن الإنسان لفي خسر، اُنظُرْ إلى التاريخ ؛ أين فرعون ؟ قال تعالى في حقِّه:

 

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

 

[ يونس: الآية 90 ]

 أين نمرود ؟ أين هؤلاء الطُّغاة ؟ أين هؤلاء الكفَّرة الملحدون الذين أنكروا وجود الله عز وجل و سعَوْا في الأرض فساداً، أين هم ؟ هم رهائن أعمالهم، لذلك يقول الله عز وجل: والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أربع صفات إذا توافرت في حياتك فأنت من الرابحين و لستَ من الخاسرين، معرفةٌ وعملٌ و دعوةٌ وصبرٌ، إلا الذين آمنوا فحضور مجلس عام ليس تضييعاً للوقت ولكنه استثمارٌ له، و لما يحضر الإنسان مجلس علم فهو تحت بند إلا الذين آمنوا، أو حضر خطبةً فهو تحت بند إلا الذين آمنوا، أو قرأ كتاب الله فهو تحت بند الذين آمنوا، إذا فكَّر في آيات الله و في الشَّمس و في القمر في أذنه، في المولود الصغير من خلقه و من كوَّنه و من صوَّره؟ كيف كان نطفة ثم علقة فمُضغةً فإنساناً سويًّا، إذا فكَّر في كأسٍ ماء، في الحليب، في البيضة، في البحار، في الجبال، فهو تحت بند الذين آمنوا، صراحة يجبُّ أن تكون حياتكُم مُقنَّنةً فوق هذه البنود، عندك أربعة بنود، بند الذين آمنوا، كل أنواع المعارف الدينية من فقه إلى حديث إلى قرآن إلى معرفة بالله إلى قراءة موضوع علمي استعظمتَ الله من خلاله إلى دعوة إلى الله إلى إقناع الناس و تذكيرهم بآيات الله، فكل نشاط علمي فكري معرفي استدلالي، تأمُّل، تفكُّر، فأنتَ تحت بند الذين آمنوا، وعملوا الصالحات ؛ فإذا أدَّيتَ حقَّكَ كزوج فتحْتَ بند الذين آمنوا وعملوا الصالحات كسبتَ قوتَ يومك من طريق مشروع، أحضرتَ لأهلك طعامهم و أمَّنْتَ لهم كِساءهم، أخذتَ مريضهم إلى الطَّبيب و أمَّنْتَ له الدَّواء، هذا عملٌ صالح و لو كان لأُسرتك، أطعمتَ فقيراً، أو أعنتَ ضالاًّ، أو علَّمتَ جاهلاً،أو شفعتَ لمؤمن عند إنسان تعرفه فحُلَّتْ مشكلتُه، أمَطتَ الأذى عن الطريق، وقفتَ لامرأة عاجزة بسيارتك، أنت تحت بند "عملوا الصالحات " فباب العمل الصالح واسعٌ جدًّا، إنكم لن تسَعُوا الناس بأموالكم فسعُوهم بأخلاقكم، فإذا أمطتَ الأذى عن الطريق كُتبت لك صدقة وإذا أرشدتَ ضالاًّ كُتبت لك صدقة، فأبواب اللأعمال الصالحة مفتوحة أعلاها الدعوة إلى الله، و هي صنعة الأنبياء، و لكنك لن تنال أعلاها إلاَّ إذا فعلتَ أدناها، يجبُ أن تخدم الناس في كل حاجاتهم، لن تنال أعلى الأعمال إلاَّ إذا قبلتَ أن تفعل أدناها، يجب أن تقف للعاجز وتقدِّم كل ما تملك للناس من إمكانيات و خبرة و معرفة و معلومات، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات البند الثاني، وتواصوا بالحق، فيجب أن ينطق هذا اللسان بالحق و يدعوَ إلى الحق وأن لا يُحابي أحداً ولا ينافق ولا يداهن و لا يتملَّق، وأن لا يقول شيئًا لستَ قانعًا به ويجب أن لا يسكتَ على باطل، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق، يجب أن تكون صادقاً جريئاً؛ هذا اللسان لا تأخذُه في الله لومةُ لائمٍ، كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقرِّب أجلاً، و تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، لو كان في النفس خللٌ واحتاجت إلى المُعالجة فيجب أن تصبر وتدعُوَ غيرك أن يصبر، يجب أن تصبر على معالجة الله عز وجل، انظُر إلى الإنسان الراشد إذا ذهب إلى طبيب الأسنان و بدأ الطبيب بحفر سِنِّه و يبدو أن المُخدِّر لا يناسبه , عنده مرض السكر ؛ و بدأ بحفر سنِّه و عندما وصلت الآلة إلى العصب و شعر بآلام لا تُحتملُ تراه لا يتحمَّل و يمسك الكرسيَ بشدَّةٍ بالغة حتَّى يتحمَّل الألم، هو قنوع أن هذا الألم لمصلحته وأن الطيبب يعمل بخبرة فائقة و أن هذا لابد منه، و أن هذا الألم لن يدوم، هكذا حالة المؤمن مع الله عز وجل، إذا ابنلاه الله بالفقر أو الضيق أو فقد ابن، أو فقد شيء ثمين أو ضيَّقَ عليه أحد الناس، لا يرى الناس، ولكن يرى ربَّ الناس ويرى أن الله سبحانه وتعالى يعالجه، لذلك فهو يصبر على معالجة الله له و يدعو غيره كي يصبر، هذا معنى، و المعنى الآخر؛ و تواصوا بالصبر ؛ الصبرعن المعصية و الصبر على الطاعة، هذا صبر، قد تصبر على الاستيقاظ باكراً و على كظم الغيظ.
 هذه السورة كمعنى فهو سهل و هي من السور التي لا تحتاج إلى تفسير ولكن البطولة أن تملكَ رُؤيةً تنطبِقُ على هذه الرُؤيةِ فالله يقول: إن الإنسان لفي خسر، أنت ماذا ترى ؟ إذا كنتَ مع صديق على مقعد واحد في الدِّراسة و شاءت المقادير بهذا الصديق أن يصبح من كبار الأغنياء و أن تكون أنت مُوظَّفًا ذا دخلٍ محدودٍ لا يكفيك دخلُك نصفَ الشَّهر ؛ وفي ضائقة شديدة و كنتَ مُطيعاً لله عز وجل و هذا الصديق عاصٍ لله، يعني إذا خطر ببالك أن هذا الصديق مُرتاح في حياته، يُعطيه الله، فهذه السورة لستَ في مُستواها و لو عرفتَ معناها، البطولة لا أن تعرف معنى السورة، بل أن تكون في مستواها، أن تُحِسَّ بغِنَى الإيمان، بكى سيدنا عمر قال له: يا عمر لماذا تبكي ؟ قال: كسرى مَلِكُ الفرس ينام على الحرير و أنت رسول الله تنام على الحصير ! قال: يا عمر أَمَا ترضى أن تكون لهم الدنيا و لنا الآخرة، يا عمر إنما هي نُبُوَّةٌ وليست مُلكاً " هل أنت قانعٌ بما أعطاك الله ؟! قانعٌ بصحَّتك، بدخلك، بزوجتك بأولادك، قانعٌ ببيتك، هل ترى أن الدنيا مُؤَقَّتةٌ، لا تحتاج إلى كل هذا الإعداد، سنةٌ ونصف بعد ما اشتغل في بيتين كسَّر كل متاعه وبناءه، هدَّم جهدَ العمال، غيَّر الترتيبات كلها و جاء بالإضاءة المخفية والتدفئة المركزيَّة و جاء بترتيب الغرف على النظام الأمريكي و جاء بالمناظر الطبيعية، حينما انتهى البيت و بقيَ دَرَجُ البناء جاءه مَلَكُ الموت، سبحان الله لم يرتَحْ بعدُ، حان الأجل ؛ قال تعالى:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ العصر: الآية 1-3 ]

 منذ أسابيع عِدَّة كنتُ في سهرة و كان معنا أخٌ كريم، اليوم بُلِّغْتُ نبأَ وفاته رحمة الله عليه، قبل أيَّام كان من أهل الدنيا و الآن من أهل الآخرة، قبل أيام كان يأكل ويشرب مثلَنا والآن ليس له إلاَّ زادٌ واحدٌ وهو العمل الصالح، دُعيتُ إلى تشييع جنازة أخ من الذين آتاهم الله الدنيا ؛ فالرجل كان صالِحاً ؛ يُصلي ويصوم ويحْضر الدروس، وأحد أهل العِلْم في جنازته قال: كان أخوكم مُؤَذِّن، أنا قلتُ: لا يُذْكر من عمل العبد إلا ما كان للآخرة، فلا يذكر كيف كان بَيْتُه، ولا أثاث بيْتِه، ولا كيف كان عمله، فلما تكون أعمال الإنسان طَيِّبَة فهذا هو الذكِيّ، وهذا هو الغنِيّ الغِنى والفقر بعض العرْض على الله، دائِماً اسْأل نفْسَكَ هذا السؤال: ماذا فعلتُ من أجل الله، قال عليه الصلاة والسلام: هل عَرَفْتَ الربّ ؟ قال: نعم، فقال: ماذا صَنَعْتَ في حَقِّهِ ؟ والله سؤالٌ يَقصمُ الظهْر، سلْ نفْسَكَ هذا السؤال: هل تعْرِفين الله ؟ تقول لك: نعم إنَّهُ خالق الكون، ماذا فَعَلْتِ من أجْله ؟! في بيتك مخالفات و تقصير و معاص، الزوْجة تفعل ما تشاء و لا رادع، والبنت تائهة، والدَّخْل فيه شُبهة، ما هذه المَعْرِفَة ؟ قال: هل عَرَفْتَ الربّ: قال نعم، قال: فماذا فَعَلْتِ من أجْله ؟! هذا هو السؤال المطْروح، هل وَلَيْتَ منه وَلِياًّ ؟ لا، هل عادَيْتَ فيه عَدُوًّا ؟ لا، إذاً أنت لا تعْرِفُهُ، سيِّدُنا عمر قال له: هل سافَرْتَ معه فقال: لا، فقال له: هل جاوَرْتَهُ ؟ فقال: لا، فقال له: هل حاكَكْتَهُ بالدِّرهَمِ والدِّينار ؟ فقال: لا، قال عمر: فأنت لا تعْرِفُهُ، أقول لكم قِياساً على هذا الحديث ؛ إنْ كان لك معْصِيَة ولا تدْري عِظَمَها فأنت لا تخافه ولا ترْجوه، هناك عذابٌ في الدنيا يشيب له الوِلْدان، رجُلٌ ملءُ السمع والبصر يبْكي كالأطْفال، وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبكى، يُسَلِّطُ عليه امْرأة لا ترْحَمُهُ فَيَعْجَز، تقْسو عليه في الكلام والمُعاملة ؛ يبْكي، وتتَخَلى عنه ابنته، ويغيب عنه ابنه، أقرب الناس إليه يتَهَرَّبون منه، يجْعلونه يبْكي، فإذا كُنْتَ لا ترْجو رحمته، ولا تخافُ عذابه فأنت لا تعْرِفُهُ، لا تخافُ النار فأنت لا تعْرِفُه، ألا تخْشى في الدنيا من مَرَضٍ عُضال ‍‍! بادِروا بالأعْمال الصالحة فماذا ينْتَظِرُ أحدكم من الدنيا؟ ها هي أمامكم وأخبار من فيها عندكم، لي قريبٌ أخْبروني أنَّهُ أُصيب بِالفالِج ؛ ذَهَبْتُ إليه رأيْتُهُ يبْكي بُكاءً مُرًّا، بادِروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟ هل تنْتظرون إلا فقْراً مُنْسِياً، أحْياناً الفقْر الشديد يُنْسي الإنسان ربَّهُ و آخِرَته، أو غِنىً مُطْغِياً أو مرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُفَنِّداً، أو موْتاً مُجْهِزاً، أو الدجال فَشَرُّ غائِبٍ يُنْتَظر، أو الساعة والساعة أدْهى وأمَرّ، لو قضى الإنسان حياته في طاعة الله، والعمل الصالح ؛ مرْحَباً بالموت حبيبٌ جاء على شَوْقٍ، واكَرْبَتاهُ يا أبتي فقال: لا كَرْبَ على أبيك بعد اليوم، غداً نلْقى الأحِبَّة مُحَمَّداً وصَحْبَه.
والله ساعَةُ اللِّقاء للمؤمن هي عُرْسٌ، فإذا الإنسان عمِلَ جاهِداً حتى اشْترى غُرْفَة للنوم، ثمَّ خطب، ثمَّ تزوَّجَ فهل في يومِ عُرْسِه ينْزَعِج ؟!! يقول لك: تعبتُ هذه السنين من أجل هذه الساعة، وحال المؤمن كُلُّهُ تعبٌ، والدنيا تعَبٌ ؛ دَعْوَةٌ إلى الله يخاف أنْ يزيغَ قلبه، وأن يكون في عَمَلِهِ تقْصير، وفي بيْتِهِ خللٌ، أو أنْ يصاب الشِّرك، أو اضْطِرابٍ بالإخْلاص، أو أنْ يكون من المُقصِّرين مع أوْلاده ومع زوْجَتِه أو إخْوانه، أو أن يكون عِلْمُهُ أكثر من عمَلِه، حياته كُلُّها قَلَقٌ فجاء الموت، وكُشِفَ له مقامه عند الله عز وجل وكان الله راضِياً عنه، حينها يسْعَدُ سعادَةً ما بعْدَها سعادة، الشيءُ الذي يُضْحك أنَّ أهله يبْكون وهو يضْحك، قال تعالى:

 

﴿ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)﴾

 

[ يس: الآية 26 ]

 المُلَقِّنُ يُلَقِّنُ كلاماً للمَيِّتِ هو في الحقيقة لنا: اللهم أبْدِلْهُ أهْلاً خيراً من أهْله وبيْتاً خيراً من بيْته، فهذا حال المؤمن إذا كان مؤمناً يُبْدِلُهُ الله كلّ شيءٍ خيراً، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)﴾

 

[ النحل: الآية 32 ]

 وقال تعالى:

 

﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

 

[ الحاقة: الآية 2 ]

 قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16)﴾

 

[ الذاريات: الآية 15-16 ]

 وقال تعالى

 

﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)﴾

 

[ الطور: الآية 28 ]

 ساعات اللِّقاء هي ساعات الفَوْز بالجنَّة، و البعد من عذاب جَهَنَّم، قال تعالى:

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

 

[ آل عمران: الآية 185 ]

 وقال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾

 

[ التوبة: الآية 38 ]

 قال تعالى:

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾

 

[ النساء: الآية 77 ]

 والله حقائق صارِخَة إذا فَكَّر الإنسان فيها وجعلها نُصْبَ عَيْنَيْه سَعِدَ في الدنيا والآخرة، فهذه سورة قصيرة:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ العصر: الآية 1-3 ]

 دائِماً راقِبِ الزمن ؛ من أمْضى عُمُرَهُ بالنوم أتى يوْمَ القِيامة مُفْلِساً، فَقُمَ نحْوَنا في الليل لا تخْشى وحْشَةً ؛ سِرْ إلى بيوت الله واسْتَيْقِظ ؛ دَعِ الفِراش الوثير قال تعالى:

 

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

 

[ السجدة: الآية 16 ]

 المؤمن لا يأمن من النوم خوفاً من ضياع صلاة الصبح وإذا كان نامَ مساءً للعاشِرَة فإنَّهُ يخاف أن يفوته وقت المغْرب دائِماً خائِف على الصلاة، وهذه هي حال المؤمن قال تعالى:

 

﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾

 

[ السجدة: الآية 16 ]

 هذه السورة:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

[ العصر: الآية 1-3 ]

 غَنِيّ و قوِيّ و تحْتلّ منصباً رفيعاً أو شهاداتك عُليا، و مكانتك رفيعة في المجتمع فأنت في خُسْر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " لذلك عندك في ذِْهنك أربعة بُنود ؛ هذا العمل تحت أي بند ؟ تحت إيمان أو كفر، كُلُّ عملٍ تقومُ به ؛ تحت أيِّ بُنْدٍ يأتي، إذا كان ينْضَوي تحت أحد هذه البنود ؛ اِفْعَلْهُ، أما إذا كان لا ينْضَوي تحت أحد هذه البنود فلا تفْعَلْهُ، وقْتُك أثمن منه، بِعالَمِ التِّجارة ؛ يقول لك: هذه الصَّفْقَة رابحة إذا كانت ستعطي ربحاً كبيراً تسارع إليها و تدعها إذا كان الربح ضئيلاً، لماذا لا تكون الإنسانُ في أعمالك للآخرة كدقتك في تجارتك !

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ العصر: الآية 1-3 ]

 هذه السورة يجب أنْ نعْقِلَها، دائِماً ضَعْها في ذِهْنِك، وكُلُّ عَمَلٍ صَنِّفْهُ تحت أيِّ بُنْد ؟ إذا لم يكن له مكان في البنود السابقة فَدَعْهُ ؛ جلوسك مع زَوْجَتِك عملٌ صالح، وجلَسْتَ مع أوْلادك ؛ هذا عملٌ صالح، دَعَوْتَهُم إلى الله، وآنَسْتَهُم ؛ هذا كُلُّهُ عملٌ صالح، كسِبْتَ رزقاً ؛ هذا عملٌ صالح نَصَحْتَ في عملِك، هذا عملٌ صالح، ودَعَوْتَ إلى الله، وأمَرْتَ بالمعْروف، ونَهَيْتَ عن المنكر، وصَلْتَ رحِمك ؛ كُلُّ هذه الأعمال طَيِّبَة تَعَلُّمٌ، ودَعْوَةٌ إلى الله، وصَبْرٌ على الطاعة، وعن المعْصِيَة، وعلى المعالَجَة إنْ كنت كذلك فأنت رابِحٌ، وإن كنت غير ذلك فأنت خاسِرٌ ولا يعْرِفُ ما نقول إلا من اقْتفى أثر الرسول، ولا تعْرِفُ هذه الحقيقة إلا عند ساعة اللِّقاء، عندها تعْرِفُ ما إذا كنت خاسِراً أم رابِحاً.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018