الخطبة : 1121 - الحكمة من الصيام ، التقوى - السكينة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1121 - الحكمة من الصيام ، التقوى - السكينة.


2009-08-21

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

عبادة الله الحقة والخالصة تقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة :

     أيها الأخوة الكرام، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق ".
     والله عز وجل يقول:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾

( سورة البقرة)

               هذه علة الصيام أو حكمة الصيام على اختلاف في الأقوال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ما التقوى ؟
     وردت التقوى في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثمئة آية.
     أيها الأخوة، الإنسان في حياته الدنيا معرض لكثير من المخاطر، الدنيا خضرة نضرة سمها في دسمها، فيها منزلقات ومتاهات، مالها يغري، ويردي، ويشقي، نساؤها حبائل الشيطان، الأهل والولد مشغلة مجبنة مبخلة، الشهوات فيها مستعرة بأبهى حللها، الفتن فيها يقظى في أجمل أثوابها، السؤل:

﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

               كيف يتقي الإنسان الضياع في تلك المتاهات والضلالات ؟ كيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه الفتن المهلكات ؟ كيف يتقي الإنسان خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟ كيف يتقي الإنسان حمئة المزاحمة في جمع الدراهم والثروات ؟ أسئلة كثيرة الإجابة عنها، حينما يبني الإنسان تصوراته عن الكون، والحياة، والإنسان وفق البيان الإلهي، وحينما ينطلق الإنسان في حركته اليومية وفق التشريع الإلهي، يكون قد أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، والصيام من أجل التقوى.
     أما إذا ضلّ عقله، وساء عمله، فقد أسس بنيانه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، لذلك عبادة الله الحقة والخالصة تقي الإنسان شقاء الدنيا وعذاب الآخرة، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾

( سورة البقرة)

     تتقون هذه الأخطار، هذه المنزلقات، هذه المعاصي، هذه الآثام، تتقون العدوان على بعضكم بعضاً، تتقون أن تأخذوا مالاً ليس لكم، تتقون أن تعتدوا على أعراض المسلمين، من أجل ألا تقع في معصية أراد الله أن نصوم.

 

الله عز وجل فرض الصيام على الإنسان من أجل التقوى :

     أيها الأخوة، هل غير الله واجب الوجود، الذات الكاملة، الحي القيوم، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الأول والآخر، الظاهر والباطن، من بيده ملكوت السماوات والأرض، من إليه يرجع الأمر كله، من هو مالك الملك إيجاداً، وتصرفاً، ومصيراً، هل غير الله يُتقى سخطه ويرجى رضوانه ؟ هل غير الله تتقى ناره وترجى جنته ؟ إن الله فرض علينا الصيام من أجل التقوى:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾

( سورة البقرة)

     الآية الكريمة:

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) ﴾

( سورة النحل )

     أتتقون إنساناً قوياً تنبطحون أمامه، تنفذون تعليماته بحذافيرها، خوفاً منه ولا تتقون الله عز وجل ؟!

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) ﴾

( سورة النحل )

     هل من جهة في الكون يمكن أن تتقيها وتنسى الله عز وجل ؟

 

الله تعالى أهل التقوى و أهل المغفرة لأنه ذات كاملة كمالاً مطلقاً :

   أيها الأخوة الكرام، لكننا لا نتقي الله لأننا في قبضته، أو لأن أمرنا كله راجع إليه فحسب، بل لأنه ذو الجلال والإكرام، ذو الطول والإنعام، رحمن رحيم، منعم كريم، إنه قال عن نفسه:

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾

( سورة المدثر)

     لا لأننا في قبضته فحسب بل لأنه ذات كاملة كمالاً مطلقاً:

 

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ(56)﴾

( سورة المدثر)

     هو أهل أن تفني شبابك من أجله، هو أهل أن تعيش لرضوانه.

 

معرفة الله من خلال آياته الكونية و التكوينية و القرآنية ضرورية من أجل أن تتقيه :

     أيها الأخوة الكرام، الإنسان لن يتقي سخط جهة، ولن يسعى لمرضاتها، إلا إذا أيقن بوجودها، وأيقن بما يناله منها من مغنم كبير إذا هو أطاعها، وما يصيبه منها من خسارة فادحة إذا هو عصاها، لذلك قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(57) ﴾

( سورة المائدة )

     آمن بالله الإيمان الذي أراده الله، آمن بالله الإيمان التحقيقي، آمن بالله الإيمان التوثيقي من أجل أن تتقيه.
     أيها الأخوة الكرام، إن لهذا الكون خالقاً عظيماً، ورباً رحيماً، ومسيراً حكيماً، هو أهل أن تطيعه، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ(6) ﴾

( سورة يونس )

     من أجل أن تتقي الله ينبغي أن تعرفه من خلال آياته الكونية، ومن خلال آياته التكوينية:

 

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

     ومن خلال آياته القرآنية:

 

﴿ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(28)﴾

( سورة الزمر)

الله عز وجل يُعلم الإنسان من خلال العقل والفطرة والحوادث والقرآن والسنة ودعوة الدعاة :

     أيها الأخوة الكرام، إن تعجب فاعجب من هؤلاء الذين لا يتقون بل إذا قلت لأحدهم اتق الله أخذته العزة بالإثم، لمَ لا يتقي الله ربه ؟ لمَ لا يتقي أن يعصيه ؟ لمَ لا يهتدي بهديه في أعماله كلها وأقواله كلها وأحواله كلها ؟ مع أن الله يعلم الإنسان من خلال العقل الذي أودعه فيه، ومن خلال الفطرة التي فطر عليها، ومن خلال الكتاب الذي أنزله على رسوله، ومن خلال السنة التي بينت كتابه، ومن خلال الحوادث التي تؤكد حكمته وعدالته، ومن خلال دعوة الدعاة وإلهام الملائكة، لمَ لا يتقي الإنسان ربه ؟ مع أن الله يعلمه، قال تعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (282) ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 )

     بالعقل، وبالفطرة، وبالحوادث، وبالقرآن، وبالسنة، وبدعوة الدعاة:

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 )

الوسائل الفعالة التي تسرع في خطا الإنسان إلى تقوى الله :

1 ـ القول السديد:

     أيها الأخوة الكرام، من الوسائل الفعالة التي تسرع في خطا الإنسان إلى تقوى الله ؛ القول السديد:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) ﴾

(سورة الأحزاب)

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

     ومعاصي اللسان لا تعد ولا تحصى:

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[ رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

2 ـ أن تكون البيئة التي حولك مؤمنة:

     شيء آخر من الوسائل الفعالة للوصول إلى التقوى ونحن في رمضان، و رمضان من أجل التقوى، أن تكون البيئة التي حولك مؤمنة:

(( لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

[ وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي سعيد ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

( سورة التوبة )

3 ـ أن تبتغي إلى الله الوسيلة:

     من الوسائل الفعالة التي توصلك إلى التقوى ونحن في رمضان، ورمضان من أجل التقوى، أن تبتغي إلى الله الوسيلة، والوسيلة تعلم العلم على أيدي علماء مخلصين، ومن الوسيلة العمل الصالح الخالص لوجهه الكريم، ومن الوسيلة العبادات الدؤوبة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (35) ﴾

( سورة المائدة)

طريق التقوى محفوف بالمكاره و ليس مفروشاً بالرياحين :

     أيها الأخوة، طريق التقوى ليس مفروشاً بالرياحين، بل هو طريق محفوف بالمكاره، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ (90) ﴾

( سورة يوسف)

     ينبغي أن تصبر عن المعاصي، ينبغي أن تصبر على الطاعات، ينبغي أن تصبر على قضاء الله وقدره:

﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) ﴾

( سورة يوسف)

     والتقوى لا تقبل أن تعطيها بعضك، بعض اهتمامك، بعض وقتك، لا بد من أن تبذل من أجلها الغالي والرخيص والنفس والنفيس لذلك قال تعالى:

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (16) ﴾

( سورة التغابن)

     ابذلوا كل الوسع من أجل التقوى.

 

من سلك طريق التقوى يكرمه الله عز وجل بأن :

1 ـ يكفر عنه كل سيئاته السابقة:

     أيها الأخوة، من عظيم إكرام الله أنك إذا سلكت طريق التقوى فإن الله يكفر عنك كل السيئات السابقة، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا(5) ﴾

( سورة الطلاق)

2 ـ يجعل له من أمره يسرا:

     ومن عظيم إكرام الله عز وجل أن الإنسان حينما يخطو الخطوة الأولى في طريق التقوى يجعل الله له من أمره يسرا، تنحل العقد، تفرج الكروب، يصبح الحزن سهلاً، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا(4)﴾

( سورة الطلاق )

     يتيسر زواجه، وعمله، ودخله، وتربية أولاده.

3 ـ يجعل له مخرجاً من كل ضيق:

     ومن عظيم إكرام الله عز وجل أن التقوى جعلها الله مخرجاً من كل ضيق:

 

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

( سورة الطلاق )

نزلت فلما استحكمت حلقاتها      فرجت و كان يظن أنها لا تفرج
* * *

وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً آية تفتح بها المسالك و تذلل بها العقبات :

     هذه الآية:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

( سورة الطلاق )

     تكتب عنها مجلدات، حينما تضيق الأمور، وتستحكم الحلقات، وتسد المنافذ، وتنتصب العقبات، ويقنط الإنسان، تأتي التقوى، يتسع بها الضيق، تحل بها العقد، تفتح بها المسالك، تذلل بها العقبات، فمن يتق الله عند نزول المصيبة فيوحد الله، ويصبر لحكمه، ويرضى بقضائه، ويثبت على مبدأه واستقامته، يجعل الله له مخرجاً منها، ويبدل ضيقه فرجاً، وخوفه أمناً، وعسره يسرا.
     ومن يتق الله فلا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله، يجعل الله له مخرجاً من الضياع، والحيرة، والضلال، وخيبة الأمل، ومن يتق الله فيبرأ ممن حوله من الأقوياء، يجعل الله له مخرجاً من ظلمهم، ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها، ولا يتعداها، يجعل الله له مخرجاً من الحرام إلى الحلال، ومن الضيق إلى السعة، ومن النار إلى الجنة.
     ومن يتق الله في كسب رزقه فيتحرى الحلال الذي يرضي الله، يجعل الله له مخرجاً من تقتير الرزق بالكفاية، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه.
     و من يتق الله في اتباع السنة يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع، ونتائج ابتداعهم، و من يتق الله في اختيار زوجته، و في التعامل معها، يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي، من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، ومن شقائه بشقائهم، ومن يتق الله في اختيار عمله وحسن أدائه يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه.

 

مستويات التقوى :

     أيها الأخوة الكرام، وللتقوى مستويات، لذلك قال تعالى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (102) ﴾

( سورة آل عمران )

     حق التقوى: أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تذكره فلا تنساه.

 

من أبرز حكم الصيام :

1 ـ يقذف الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً:

     أيها الأخوة الكرام، لعل من أبرز حكم الصيام أنك إذا صمت كما أراد الله، وأقبلت عليه في رمضان، يقذف الله في قلبك نوراً، ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

2 ـ يؤتك رحمة في الدنيا و رحمة في الآخرة:

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية: 28 )

تقوى الله توصلك إلى محبته :

     أيها الأخوة الكرام، ألا يتمنى أحدنا أن يكون أكرم الناس ؟ إذاً فليتقِ الله:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 13 )

     ألا يتمنى أحدنا أن يحبه الله خالق السماوات والأرض ؟ إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق إذاً فاتقِ الله:

 

﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)﴾

( سورة آل عمران)

     يحبك الله إذا اتقيت، ألا يتمنى أحدنا أن يكون الله رب العالمين ذو الجلال والإكرام وليه يدافع عنه ؟ يخرجه من الظلمات إلى النور ؟ لذلك قال تعالى:

 

﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ(19) ﴾

( سورة الجاثية)

     ألا يتمنى أحدنا أن يكون الله معه ؟

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ(128) ﴾

( سورة النحل الآية: 128 )

     وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

 

الفلاح في الدنيا و الآخرة يكون بتقوى الله تعالى و اتباع أوامره :

     أيها الأخوة الكرام، الفلاح كل الفلاح، النجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والرشاد كل الرشاد، والتفوق كل التفوق، والغنى كل الغنى، والتوفيق كل التوفيق، والسعادة كل السعادة في تقوى الله عز وجل:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) ﴾

(سورة آل عمران )

     الفلاح غير النجاح، النجاح في الدنيا لكن الفلاح في الدنيا والآخرة معاً:

 

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) ﴾

(سورة آل عمران )

     إذا شعر الإنسان أنه مغمور بفضل الله، وتاقت نفسه إلى شكره، نظر حواليه وتساءل كيف أشكر الله ؟

 

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) ﴾

( سورة آل عمران )

     إذا اتقيت الله فأنت شاكر له.

 

التقوى أن تتقي الكفر بالإيمان والشرك بالتوحيد :

     أيها الأخوة، التقوى أن تتقي الكفر بالإيمان، والشرك بالتوحيد، والرياء بالإخلاص، والكذب بالصدق، والغش بالنصيحة، والمعصية بالطاعة، والابتداع بالاتباع، والشبهة بالورع، والدنيا بالزهد، والغفلة بالذكر، والشيطان بالعداوة.

تزود من التقوى فإنـك لا تــدري      إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من فتى أمسى و أصبح ضاحـكاً      وقد نُسجت أكفانه وهو لا يدري
و كم من صغارٍ يُرتجى طول عمرهم      وقد أُدخلت أجسادهم ظلمة القبـر
وكم من عروس زيَّنوها لزوجهــا      و قد قبضت أرواحُهم ليلة القـدر
***

     وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، اختار عالماً جليلاً قال له كن معي فإذا رأيتني ضللت الطريق فخذ بمجامع ثيابي، وهزني هزاً عنيفاً، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنك ستموت..
     أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وصحبه أجمعين.

من ثمار الصيام اليانعة السكينة التي تتنزل على قلب الصائم :

     أيها الأخوة، في الخطبة الأولى أكدت لكم أن العبادات معللة بمصالح الخلق، وأن الصيام بنص الآية الكريمة التي هي أصل في هذه الفريضة:

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾

( سورة البقرة)

     لكن حينما تؤدى هذه العبادة ـ الصيام ـ كما أراد الله لا كما ألفنا أن نؤديها، شهر عبادة لا شهر اجتماعي، حينما تؤدى كما أراد الله نقطف ثمارها اليانعة التي قطفها أصحاب رسول الله، من هذه الثمار اليانعة السكينة التي تتنزل على قلب الصائم، هذه السكينة تجعل المسلم وهو في الناس رجلاً أي بطلاً، وهو بين الرجال تجعله بطلاً، وهو مع الأبطال مثلاً، شخصية المؤمن الفذة بجانبها العلمي، وجانبها الأخلاقي، وجانبها الجمالي، إحدى دلائل إعجاز القرآن الكريم.

 

سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة :

     ماذا يفعل هذا القرآن الكريم ؟ يجعل من المؤمن شخصية فذة، شجاع، كريم، معطاء، جريء، ذلك لأن المؤمن استجاب لنداء فطرته، واهتدى إلى سرّ وجوده، وغاية وجوده، فتوضحت لديه الغاية والطريق، وعاش في معية الله، وفي معية رسله وأنبيائه، ومعية المتقين، ونجا من عذاب الحيرة والشك، إنّ السكينة التي هي ثمرة من ثمار الصيام، إن السكينة وردت في القرآن الكريم في آيات كثيرة لعل من أبرزها قولُه تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ (4)﴾

( سورة الفتح)

     فلا سعادة بلا سكينة، ولا سكينة بلا إيمان، سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة، والسلامة والسعادة مطلبان ثابتان في كل إنسان في أي زمان ومكان، لأن الله عز وجل يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، والقوة، للكثيرين من خَلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، السكينة هي السمة الأولى للمؤمن، هذه السكينة تزدهر بغير عون من المال، بل بغير مدد من الصحة، يسعد بها الإنسان، ولو فَقَدَ كلَّ شيء، ويشقى بفقدها، ولو ملَك كل شيء، هذه السكينة ليست مِلْك أحد، فيمسكها أو يرسلها، ولكنها في متناول كل واحد من البشر إذا هو دفع ثمنها.

 

للسكينة مصدر واحد هو الإيمان بالله و اليوم الآخر :

     إن للسكينة مصدراً واحداً لا ثاني له هو الإيمان بالله، الذي يحمل على طاعته، والإيمان باليوم الآخر الذي يمنعك أن تؤذي مخلوقاً، هذا الإيمان العميق، الذي لا يكدره شك، ولا يفسده نفاق، ثم العمل بمقتضى هذا الإيمان، لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً، وضيقاً، واضطراباً، وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان، وبرد اليقين.
     إن هذه السكينة نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض ليثبتوا إذا اضطرب الناس، ليرضوا إذا سخط الناس، ليوقنوا إذا شكّ الناس، ليصبروا إذا جزع الناس، ليحلُموا إذا طاش الناس، هذه السكينة نور من الله وروح منه، يسكن إليها الخائف، يطمئن عندها القلِق، ويتسلى بها الحزين، يستروح بها المتعب، يقوى بها الضعيف، يهتدي به الحيران، هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده، وفي رمضان، منها تهب عليهم نسماتها، وتشرق عليهم أنوارها، ويفوح شذاها وعطرها، ليذيقهم الله جزاء ما قدموا من خير، ويريهم نموذجاً لما ينتظرهم من نعيم مقيم.
     في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، يقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي ؟

السكينة هي الأمن و الأمان و الروح و الريحان و هي متاحة لكل إنسان :

     أيها الأخوة الكرام، السكينة هي الأمن، والإيمان، و الروح، والريحان، إنها جنة القرب، إنها جنة السكينة، إنها جنة رمضان:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) ﴾

( سورة محمد).

     أي في الدنيا.
     أيها الأخوة الكرام، ما مِن نعمة تُحجب معها السكينة إلا وتنقلب بذاتها إلى نقمة، النعمة بلا سكينة نقمة، وما من محنة تحفها السكينة إلا وتكون هي بذاتها نعمة، المحنة مع السكينة نعمة، والنعمة من دون سكينة نقمة، ينام الإنسان على الشوك مع السكينة، فإذا هو مهاد وثير، وينام على الحرير، وقد أمسكت عنه السكينة، فإذا هو شوك القتاد، يعالج المرء أعسر الأمور ومعه السكينة فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور، وقد تخلت عنه السكينة ، فإذا هي مشقَّة وعسر، ويخوض المخاوف والأخطار ومعه السكينة، فإذا هي أمنٌ وسلام، ويعبر المناهج والسبل، وقد أمسكت عنه السكينة، فإذا هي مهلكةٌ وبوار، هذه السكينة لا تعز على طالب كائناً من كان، في أي زمان ومكان، وهي متاحة لكل إنسان، وفي أي حال ومآل، وجدها إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام في النار:

 

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )

     وجدها يوسفُ عليه الصلاة والسلام في الجُبِّ، وجدها يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت، وجدها موسى عليه الصلاة والسلام في اليم، وجدها أصحاب الكهف في الكهف، حينما افتقدوها في الدور والقصور، وجدها نبينا عليه الصلاة والسلام وصاحبه في الغار:

(( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

[البخاري عن أنس بن مالك ]

     والأعداء يتعقبونه ليقتلوه، ويجدها المؤمن الصادق حينما يصوم رمضان كما أراد الله من الصيام وقد أوى إلى ربه، يائساً ممن سواه، قاصداً بابه وحده، من دون كل الأبواب.

 

أية نعمة مع السكينة لها معنى و أية نعمة من دون سكينة لها معنى آخر :

     يبسط الله الرزق مع السكينة، فإذا هو متاع طيبٌ، ورخاء وفير، وإذا هو رغد في الدنيا، وزادٌ إلى الآخرة، ويمسك السكينة مع الرزق، فإذا هو مثار قلق وخوف، إذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان، ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط واستهتار، هذا الرزق، يمنح الله الذرية مع السكينة، فإذا هي زينة الحياة الدنيا، ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة، بالخلف الصالح، ويمسك السكينة مع الذرية فإذا الذرية بلاءٌ، ونكدٌ، وعنتٌ، وشقاءٌ، وسهرٌ بالليل، وتعب بالنهار.
     الصحة ؛ يهب الله الصحة والعافية مع السكينة، فإذا هي نعمة وحياة طيبة، ويمسك السكينة، فإذا الصحة والعافية بلاءٌ يسلطه الله على الصحيح المعافى، فينفق الصحة والعافية في معصية الله، وفيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويزخر السوء إلى يوم الحساب.
     ويمسك السكينة فإذا الجاه والقوة مصدرا قلق فوتهما، ومصدرا طغيان وبغيٍ، ومصدرا حقدٍ وكراهية، لا يقر لصاحبها قرار، ويدخر بها للآخرة، رصيداً ضخماً إلى النار.
     أية نعمة مع السكينة لها معنى، أية نعمة من دون سكينة لها معنى آخر، أيها الأخوة الكرام، أول أسباب السكينة لدى المؤمن أنه هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها هي فطرة متسقة، ومنسجمة، ومتجاوبة، مع نواميس الوجود الكبير كله، ومع منهج خالقه العظيم، فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام، لا في حرب وخصام، ومع من حوله في شفافية ومشاركة، لا في وحشة وعداوة، ذلك لأن في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله شعث التفرق، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه، وفي القلب نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره، ونهيه، وقضائه، وقدره، والصبر على كل ذلك إلى يوم لقائه، وفي القلب فاقة لا تسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له.
     أيها الأخوة الكرام، هذا ما ينبغي أن يكون عليه مجتمع المؤمنين الصادقين من سعادة، ووئام، وحب، وسلام، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون وهم على مشارف ثاني أكبر عبادة في الإسلام.
     أيها الأخوة الكرام، لعل الله عز وجل يرزقنا صياماً مقبولاً، وسعادة في الدنيا والآخرة.

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018