موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 236 - العبادات معللة بمصالح الخلق - التوتر النفسي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1موضوعات علمية من الخطب
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات علمية من الخطب - الموضوع : 236 - العبادات معللة بمصالح الخلق - التوتر النفسي.


1993-04-16

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إليكم شرح مقولة الشافعي:

أيها الأخوة الأكارم, للإمام الشافعي قولٌ لطيف، يقول: العبادات معللةٌ بمصالح الخلق, أي أن العبادات، لو أُديت على النحو الذي أراده الله، لجعلت من المؤمن شخصيةً فذة، إليها تنجذب النفوس, بها تتعلَّق الأبصار، من نورها تهتدي القلوب, لو أُديت العبادات على النحو الذي أراده الله, لجعلت من المؤمن رجلاً نيِّر الذهن والقلب معاً، حادَّ البصر والبصيرة، تتعانق فكرته وعاطفته، فلا تدري أيهما أسبق صدق أدبه أم حسن معرفته, ولا تدري أيهما أروع خصوبة نفسه أم فطانة عقله؟.
أيها الأخوة الأكارم, لو أُدِيَت العبادات على النحو الذي أراده الله عزَّ وجل، لجعلت من المؤمن شخصيةً فذةً كما قلت، لجعلت المؤمن ذا أفق واسع، ومحاكمةٍ سليمة, ولجعلته منغمساً في سعادةٍ، لا تقوى متع الأرض الحسية أن تصرفه عنها، ولجعلته ذا أخلاقٍ أصيلة، لا تستطيع سبائك الذهب اللامعة، ولا الضغوط المانعة أن تقوِّضها.
أيها الأخوة الأكارم, المؤمن الحق كالجبل رسوخاً، كالصخر صلابةً، كالشمس ضياءً, كالبركان تدفُّقاً، كالبحر عمقاً، كالسماء صفاءً، كالربيع نضارةً، كالماء عُذوبةً, كالعذراء حياءً، كالطفل وداعةً.

إليكم الأمراض التي يتعرض إليها الإنسان حينما يخالف مبادئ فطرته ومنهج ربه:

 

يا أيها الأخوة الأكارم, أما إذا حاد الإنســان عن مبادئ فطرته، ولم يعبد الله عزَّ وجل، وخرق حدود إنسـانيته بالإثم والعدوان، اختل توازنه الداخلي، وأحس بكآبةٍ مدمرة لصحته النفسية, وهذا ما يسميه علماء النفس أو أطباء النفس: التوتُّر النفسي الذي هو سببٌ رئيسٌ لكثيرٍ من الأمراض, هذه حقيقةٍ خطيرة وصل إليها الطب النفسي، وهي أن أكثر أسباب الأمراض تكمن في التوترات النفسية، وفي الكسل العضلي.
فيا أيها الأخوة, من الأمراض التي تصيب العضوية، والتي أسبابها نفسية، تسرُّع ضربات القلب، اضطراب نظم القلب، تضيُّق الشرايين، ارتفاع ضغط الدم ذي المنشأ العصبي, تقرُّحات الجهاز الهضمي، أمراض الحساسية، أمراض الأعصاب والشلل العضوي ذي المنشأ النفسي.

أثر التوبة والعمل الصالح على صحة الإنسان:

 

أيها الأخوة, حينما يصطلح الإنسان مع الله، فيتوب من ذنوبه، ويستقيم على أمر ربه، ويعمل الصالحات تقرباً إليه، يشعر بأنه أُزيح عن صدره كابوسٌ ضاغط، كأنه جبلٌ جاثم، وأن ظلماتٍ بعضها فوق بعض، قد تبددت من أمامه، يشعر المؤمن مشاعر من السعادة لا توصف.
يشعر أن مشاعر الكآبة والضيق، قد اختفت إلى غير رجعة, وعندئذٍ يشعر أن في قلبه من الطمأنينة والسعادة، ما لو وزِّعت على أهل بلدٍ، لأسعدتهم جميعاً, وعندها تتأثر العضوية بهذه الصحة النفسية تأثراً إيجابياً، فتزول أكثر الأمراض العضوية ذي المنشأ النفسي.
أيها الأخوة الأكارم, التوبة والعمل الصالح أساس الصحة النفسية، إذا أردت نفساً صحيحةً متألقةً، عالية المعنويات، متفائلةً، فعليك بالصلح مع الله, فإذا اصطلحت معه صَلُحت حياتك كلها، لهذا ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((اسْتَقِيمُوا, وَلَنْ تُحْصُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ, وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلا مُؤْمِنٌ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

لقد وضح الإمام المناوي في شرحه لهذا الحديث، أنه إذا استقمتم فلن تحصوا الخيرات التي تجنوها من استقامتكم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018