الخطبة : 0349 - تفسير سورة الليل ( قانون التيسير والتعسير) - لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0349 - تفسير سورة الليل ( قانون التيسير والتعسير) - لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه.


1991-06-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

موجبات التكليف :

1 ـ تسخير الكون للإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقاً من أن كلام الله عزَّ وجل لا يعلو عليه كلام ، وأن فهمه ، وتدبُّره ، والعمل به هو الفلاح ، والنجاح ، والفوز ، والتفوُّق . في هذه الخطبة يا أيها الأخوة الأكارم آياتٌ وردت في سورة الليل ، أردت أن تكون موضوع الخطبة ، لأن كل إنسانٍ -أقول كُلَّ - كل إنسان على وجه الأرض ، منذ آدم عليه السلام وحتى نهاية الدوران ، يسعى إلى سعادته ، يتمنى سلامته ، يتمنى أن يسعد ، وكأن في هذه الآيات قانوناً يُبَيِّن فيه ربُّنا سبحانه وتعالى سعادة الإنسان ، يقول الله عزَّ وجل :

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 1-4]

 الإنسان مخيِّر من دون جميع المخلوقات ، الإنسان مكلَّف من دون جميع المخلوقات ، الإنسان أيها الأخوة إما أن يكون فوق الملائكة ، وإما أن يهبط إلى ما دون الحيوان.
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الكون كله مسخرٌ له لأنه اختار ، لأنه قَبِل التكليف ، والتكليف كما تعرفون أن يأتي الإنسان إلى الدنيا ، وأن يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل ، وأن يعمل الصَّالحات من أجله ، وأن يزكي نفسه حتى يستطيع أن يكون أهلاً لدخول الجنة ، التي هي الغاية الكبرى من خلق الإنسان ، كل البَشَر خُلقوا للجنة ، البشر جميعاً مدعوون إلى ما يُسعدهم في دنياهم وأخراهم . .

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 4]

 انظر إلى الناس ؛ كل واحدٍ يسعى في اتجاه ، هذا يبحث عن لذةٍ يقتنصها ، هذا يبحث عن عملٍ صالحٍ يؤدّيه ، هذا يبحث عن معرفةٍ يستفيد منها ، هذا يبحث عن شهوةٍ منحرفةٍ ينغمس فيها ، هذا يبدو عمله صالحاً ، هذا يبدو عمله مُؤْذياً ، هذا يبني مجده على أنقاض الناس ، هذا يسعى لخدمة الناس . .

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 4]

 البشر كلٌ منهم في اتجاه ، ولكنَّ اختيار البشر يا أيها الأخوة سوف تكون له نتائج خطيرة ، نتائج خطيرة في الدنيا والآخرة ، هذا ما يتبيَّن من علاقة الآية بما بعدها .

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل : 4]

 أنتم مخيرون ؛ افعلوا ما شئتم ، مكلَّفون ، الله سبحانه وتعالى حينما كلَّفنا حَمْلَ الأمانة ، وحينما قَبِلْنا حمل الأمانة ، استنباطاً من قوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 حينما عُرِضَت على الإنسان الأمانة ، وحملها ، أعطاه الله موجباتها ، مِن أولى موجباتها أن الكون كله مسخرٌ لهذا الإنسان الأول ، لهذا الإنسان المُكرَّم ، بدليل قوله تعالى :

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾

[ سورة الجاثية : 13 ]

2 ـ العقل :

 موجبٌ آخر من موجبات التكليف ؛ هذا العقل الذي أودعه الله في الإنسان ، ميزانٌ دقيق ، أداةٌ فعَّالة تنقلك من المَحْسوس إلى اللامحسوس ، من المادّي إلى المُجَرَّد ، من المقدمة إلى النتيجـة ، هذا العقل مناط التكليف كما قال علماء الأصول : مناط التكليف .

3 ـ الفطرة :

 الكون يدلّ على الله ، وإذا استخدمت العقل من خلال الكون وصلت إلى الله ، أودع فينا العقل لنعرفه ، ورتَّبنا على فطرةٍ معيَّنة كي نكشف خطأنا . .

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[ سورة الشمس : 8]

 الإنسان إذا انحرف يشعر من دون معلِّم ، استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفْتَوك .

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾

[ سورة عبس : 11]

 هذه آيات الفطرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

[ سورة الروم : 30 ]

﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾

[ سورة الرعد : 36 ]

 أصحاب النبي ، معنى ذلك أن هذه النفس بفطرتها تتوافق مع الشرع بأدقِّ تفصيلاته.

 

4 ـ حرية الاختيار :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ موجبٌ رابع ؛ أعطاك الكون ، وأعطاك العقل ، وأعطاك الفطرة السليمة ، ومنحك حرية الاختيار ليكون عملك ثميناً ، ما قيمة العمل إذا كنت مجبراً عليه؟ ما قيمة العمل الصالح إذا أُجبرت عليه ؟ وما فداحة المَعصية إذا أُجبرت عليها ؟ لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ، ولو أن الله أجبر عباده على المعصية لبطل العِقاب، ولو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة . أعطاك الكون ، والعقل ، والفطرة ، وحرية الاختيار ، أنت الآن بحاجة إلى قوةٍ مُحَرِّكة ، أودع فيك الشهوات ؛ لترقى بها صابراً ، أو شاكراً إلى رب الأرض والسموات .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه مكوّنات الاختيار . .

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾

الإنسان في الدنيا من أجل مهمةٍ واحدة هي أن يُعطي :

 لكن دققوا ، إن هذا الاختيار ، إن هذه الحرية في الكَسْب ، التي مُنِحَ الإنسان إيّاها يترتَّب عليها نتائج خطيرةٌ جداً . .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

[ سورة الليل : 5-10]

 هذه آية الخطبة . .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

 أنت في الدنيا من أجل مهمةٍ واحدة هي أن تُعطي ، وفي القرآن إعجاز ، وإعجازه في إيجازه ، والإيجاز في الإطلاق ، أعطى ، أعطى ماذا ؟ أعطى كل شيء ؛ أعطى من وقته، أعطى من عضلاته ، أعطى من خِبرته ، أعطى من ماله ، أعطى ، أغفلنا المَفْعول به فأطلقنا الفِعْل ، أعطى مَنْ ؟ المُعطى مغفل أيضاً ، أعطى كل مخلوق ، أعطى النبات حقّه ، أعطى الحيوان الذي يرعاه حقه ، أعطى الإنسان حقوقه ، أعطى أولاده حقَّهم ، أعطى أهله حقَّهم ، أعطى جيرانه حقَّهم ، أعطى زبائنه حقَّهم . فيها معنيان : الأول : أعطى ما عليه من حقوق. والمعنى الثاني : أعطى تقرُّباً إلى الله ، الأولى أداء الحقوق ، والثانية التقرُّب إلى رب الأرض والسموات .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

 ولكن جاء الترتيب هنا معكوساً ، الإنسان متى يعطي ؟

﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

 اتقى أن يعصي الله ، درءُ المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع ، لابدَّ من أن تتقي الله أولاً حتى يَصِحّ العطاء ، قد يكون العطاء بدافعٍ آخر غير دافع العبادة . .

﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف: 110]

 الأعمال الصالحة أيها الأخوة إنْ لم تبنَ على استقامة هناك شكٌ في الإخلاص فيها ، الأعمال الصالحة إن لم تُبنَ على أرضيةٍ من طاعة الله عزَّ وجل فهناك زَيْغٌ فيها ، الأعمال الصالحة إن لم تكنْ مقترنة بطاعة الله التامَّة ففي النوايا ما يُشكُّ فيها .

 

من آمن بالله و استقام على أمره ليس أمامه إلا التكريم و التشريف :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ العمل الصالح لا يصحُّ إلا بُنْيَةٍ سليمة . .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾

 الإنسان لا يعطي ، ولا يتقي إلا إذا صدَّق بالحُسنى ، هذا الدين هو الذي يسعدك إلى الأبد ، صدَّق بالقرآن ، صدَّق بالجَنَّة ، صدَّق بالهدف الكبير الذي خُلِقَ له ، صدَّق بهذا الدين ، صدَّق بالعقيدة الصحيحة ، صدَّق بوجود الخالق ، صدَّق بأسمائه الحسنى ، صدَّق بصفاته الفضلى ، صَّدق بأحقية هذا الكتاب ، صدَّق بأنه كتابٌ كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 5- 6]

 أيْ أنه آمن ، واستقام ، وعمل عملاً صالحاً . النتائج :

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

 يُسرى في حياته الدنيا ، يُسرى في عمله ، يُسرى في زواجه ، يُسرى في أهله ، فإذا انقلب إلى الله عزَّ وجل فأمامه اليُسرى الكبرى ، إنها الجنة ، أيْ أنَّ هذا الذي عرف الله ، واستقام على أمره ، وعمل الصالحات تقرُّباً له ليس أمامه إلا الخير ، ليس أمامه إلا ما يسعده ، ليس أمامه إلا ما يرضيه ، ليس أمامه إلا ما يرفعه ، ليس أمامه إلا التكريم ، ليس أمامه إلا التشريف ، من خيرٍ إلى خير ، ومن مَنْزِلَةٍ إلى منزلة ، ومن حالٍ إلى حال ، وإلى أبد الآبدين ، الثمن أن تؤمن بالله ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تعمل الصالحات تقرُّباً له .

 

من عرف الله و استقام على أمره دخل في حفظ الله و تأييده :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يمكن أن نسمي هذه الآية ( قانون التيسير) ، إذا كان للتيسير في الحياة الدنيا قانوناً ، فيمكن أن تكون هذه الآية قانوناً للتيسير ، هم في مساجدهم والله في حوائجهم ، و قد قال ابن عباس : " أبى الله إلا أن يجعل رزق عبده المؤمن من حيث لا يحتسب " .

 

كن عن همومك معرضـــا  وكل الأمور إلى القضــا
و أبشر بخيرٍ عاجــــــــــــلٍ  تنس به مـا قد مـضـــــى
فلربَّ أمرٍ مســـخـــــــــــــــــطِ  لـــــــك في عواقبـه رضـى
و لربَّما ضاق المضيــــــق  و لربَّما اتسـع الفضــــــــــا
الله يفعـــــــــــل ما يشـــــــــــاء  فلا تكـــــــــــــــنْ معـتــرضــــا
اللـه عــــــــــوَّدك الـجـميــــــــل  فقـس على مـا قد مضى
* * *

 إذا عرفت الله ، واستقمـت على أمره ، وعملت الصالحات دخلت في ذمة الله ، دخلت في حفظ الله ، دخلت في تأييده ، دخلت في سعادةٍ لا تنقضي . .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل : 5- 7]

 لا يكفي أن تكون ذكياً ، لا يمنعك ذكاؤك من معالجة الله عزَّ وجل ، لا يكفي أن تأخذ بالأسباب ، وتنسى ربَّ الأرباب ، لا يكفي أن تأخذ لكل أمرٍ عُدَّةً ، لا يكفي أن تأمن كل شيء باتخاذ الأسباب لكل شيء ، هذا لا يكفي ، لا ينفعك إلا أن يكون الله معك ، لأن الله عزَّ وجل يقول :

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 194]

 وهذه المعيَّة الخاصة ؛ معية الحفظ ، والتوفيق ، والتأييد ، والنصر . .
 مرة ثالثة ، ورابعة ، وخامسة ، الإنسان مفطورٌ على حبّ وجوده ، وعلى سلامة وجوده ، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده ، وكل هذه المُسَلَّمات لا تتحقق إلا إذا سار الإنسان على منهج ربه .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ قبل أن نتحرك في الدنيا ، قبل أن نأخذ مالاً ، قبل أن نُعطي مالاً ، قبل أن نصل ، قبل أن نَقْطَع ، قبل أن نجلس مع هؤلاء ، وقبل أن نتفاعل مع الحياة ، ليكن أحدكم وقَّافاً عند كتاب الله ، ليكن أحدكم وقَّافاً عند سُنة رسول الله . عالمٌ جليل يقول : " العمل لا يُقبل إلا بشرطين ؛ إلا إذا كان خالصاً وكان صواباً " خالصاً أي ابتغي به وجه الله عزَّ وجل ، وصواباً أي كان وَفْق السنة ، أو وفق المنهج التفصيلي الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام .

 

العوامل التي تحدِّد سلوك الإنسان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا عرفت القانون أمكنك أن تتنبَّأ بالنتيجة ، ومن فوائد القانون القدرة على التنبّؤ ، أيْ أنك إذا رأيت إنساناً مستقيماً ، مُقْبلاً ، منيباً ، طائعاً ، مخلصاً تنبَّأ له بالفَوْز ، وليس هذا من علم الغيب ، ولكن تطبيق هذه الآية يحمِلك على ذلك ، تنبّأ له بالتوفيق ، تنبّأ له بالتفوّق ، تنبأ له بالحِفظ ، تنبأ له بالتأييد ، تنبأ له بكل خير . .

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل : 5-7]

 الإنسان أيها الأخوة يتحرَّك ، وحتى الآن العوامل الدقيقة التي تحدِّد تحرُّكه لازال فيها خلافٌ بين العلماء ، يا ترى أَيُحَرِّك الإنسان قناعاته أم رغباته أم نزواته ؟ أيحرّك الإنسان عقله أم قلبه ؟ الإنسان كائن من أرقى الكائنات ، ومن لوازم أنه من أرقى الكائنات معقَّد تعقيد دِقَّة لا تعقيد عَجْز ، فهناك عوامل كثيرة تدخل في تحريك الإنسان ، من أبرز هذه العوامل قناعاته ، فإذا أردت أن تحمل إنساناً على طاعة الله عزَّ وجل بيِّن له ، وضِّح له طريق الخير ، وضِّح له طريق الشر ، وضِّح له نتائج الأول ، وضِّح له نتائج الثاني .

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

[ سورة الإنسان : 3]

 عاملٌ آخر حرِّك قلبه ، لأن القلب دافعٌ كبيرٌ جداً للأعمال ، وهناك دوافع أخرى منها إلهام الملائكة ، ومنها وساوس الشياطين ، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً ، إذا كان هذا العبد مُطَبِّقاً لقانون التيسير ؛ مِن إيمانٍ بالله ، واستقامةٍ على أمره ، وعملٍ للصالحات ، يأتي المَلَكُ فيُلْهِم العبد أن يفعل كذا وكذا ، وكل هذا الإلهامات لصالحه .
 أما إذا أنكر الإنسان الحُسنى ، وبخل بما عنده ، واستغنى عن طاعة الله عزَّ وجل تأتي الشياطين فتوسْوِس له ، وتوقعه في شر أعماله ، فيصبح تدمير الإنسان في تدبيره .
 العقـل عاملٌ أساسيّ ، والقلب عاملٌ آخر ، وإلهامات الملائكة ، ووساوس الشياطين كلُّها عوامل تتضافر ، وتحدِّد سلوك الإنسان ، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً جعل له واعظاً من قلبه ، وألهمه رُشْدَهُ، ويسَّر له حياته الدنيا ، وانقلب في الآخرة إلى جنة عرضها السموات والأرض .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في ضَوْء هذه الآية إذا تجاوزنا وسمَّيْنَاها (قانون التيسير) ، بإمكانكم أن تتنبَّؤوا للمستقيم بالفوز ، للطائع بالحفظ ، للمحسن بالتوفيق .

 

من آثر الدنيا على الآخرة خسرهما معاً :

 الشطر الثاني . .

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

  بَخِلْ ، آثر الدنيا على الآخرة ، ما أعطى شيئاً إلا بثمنٍ باهظ ، ما أعطى خبرته إلى بأغلى ثمن ، ما أعطى نصيحته إلا بأفدح ثمن ، ما فعل خيراً أبداً ، كل ما فعله أنه جلب المال لنفسه ، هذا بُخل ، ليس عنده عملٌ لوجه الله ، ليس عنده عملٌ يحتسب به وجه الله عزَّ وجل ، ليس عنده نصيحةٌ تقدَّم مجَّاناً ، فإذا راجعه مرةً ثانية لابدَّ من أجرةٍ تامة ، إذا سأله على الهاتف لا يُجيبه ، بَخل بعلمه ، بَخل بخبرته ، بخل بماله ، بخل بوقته ، ليس عندي وقت ، كلام رب العالمين إعجازه في إيجازه ، وإيجازه في إطلاقه ، أغفل الله عزَّ وجل بخل بماذا ؟ أطلقها ، بَخِلَ بماء وجهه ، أنا لا أتصل بفلان ، لا أبذل ماء وجهي من أجل فلان ، بخل بمكانته أن ينصر بها الضعيف ، بخل بسُمعته أن يعين بها أخاه المؤمن ، بخل بماله أن ينقذ بائساً . .
 في علم النفس هناك صفات للإنسان ، وهناك سِمات ، الصفات مجموعة كبيرة جداً من النماذج في التصرُّفات ، أما السمات فكل عددٍ كبير من الصفات تعود إلى سمةٍ واحدة، فالبخل سمةٌ ، وليست صفة ، أيْ سمة ؛ يبخل بوقته ، يبخل بماله ، يبخل بعلمه ، يبخل بخبرته، يبخل بماء وجهه ، يبخل بوجاهته ، يبخل بمكانته ، يبخل بكل شيء ، يسرّه أن يأخذ لا أن يعطي ، يسره أن يقبض ، لا أن يدفع ، يسرّه أن يرتاح ، لا أن يجهد ، يسره أن يتلقى خدمات الآخرين ، لا أن يخدم الآخرين ، يسره أن يعيش على أنقاض الناس ، يسره أن يعيش ويموت الناس ، أن يسعد ويشقى الناس ، نموذج أساسه الإعراض عن الله عزَّ وجل ، وشيءٌ دقيقٌ جداً هو أن كل الصفات الخَسيسة ، والدنيئة ، والقذرة ليست صفات ، وإنما هي أعراضٌ لمرضٍ واحد ، ألا وهو الإعراض ، أعراض الإعراض عن الله . القريب من الله رحيم ، كريم ، لطيف ، سَخِيّ ، معطاء ، متواضع ، والبعيد عن الله لئيم . ألم يقل الإمام عليٌّ رضي الله عنه : " والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين ، ونقل بحْرَين زاخرين إلى أرض صعيد بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ، أهون عليَّ مِن طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين " .
 سُئل : ما الذل ؟ قال : أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم لا يؤذن له ، أعراض الإعراض ؛ البخل سِمَة ، يبخل أن يُريك ما عنده حتى لا تقتبس منه ، فالبخل أنواعٌ منوَّعة ، قد يكون أتفهها بخل المال . .

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

  بماذا بخل ؟ . .

﴿وَاسْتَغْنَى﴾

 عن طاعة الله ، استغنى عن منهجه ، استغنى عن أمره ونهيه ، استغنى عن توجيهه ، استغنى عن كتابه ، استغنى عن قوانينه . .

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

  ولماذا بخل واستغنى ؟ لأنه كذب بالحسنى ، كذب بالجنة ، آمن بالدنيا ، آمن بها وكفى ، الدنيا هي كل شيء ، الجنة هي الغنى وجهنّم هي الفقر ، وقيمتك بقيمة رصيدك في المَصرف ، هذا كلام الناس ، وهذه العُملات الأجنبية التي يعبدها الناس من دون الله في العالم كله هي إله البشر ، يرتفع - كما قال بعضهم - السكر في دم تُجار السكر مع انخفاض أسعاره ، كل حياته مالٌ ، وأسعارٌ ، وارتفاعٌ ، وانخفاضٌ ، وقلقٌ ، وخوفٌ . .

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

  استغنى عن الجنة ، قال : الدنيا هي كل شيء ، السعيد فيها من كان غنياً ، أو من كان قوياً ، لأن القوة تجلب المال ، كن غنياً أو قوياً . تعامل مع الناس بقوانين الأرض لا بقوانين السماء ، تعامل مع الناس بمصالحه لا بمبادئه ، تعامل مع الناس بلؤمٍ وخِسَّة ، لا بكرمٍ وعفَّة . .

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

  الجواب من الله في الدنيا . .

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

  يأتي الشيطان فيوسوس له عملاً ينتهي فيه ، ينتهي فيه ، يفلس فيه ، يدمَّر فيه ، لابدَّ من التَعْسير ، التيسير للمؤمن والتعسير لغير المؤمن . .

 

كل ما في الدنيا للدنيا :

﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

  هنا المشكلة ، روح الميّت ترفرف فوق النعش تقول : " يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحَرُم ، فأنفقته في حِلِّه وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة عليّ ".

﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

  إذا وُضِعَ الإنسان في قبره ، وقال الله له : يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ الكلام في القبر ليس باللسان بل بلسان الحال ، يقول : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، يقول الله عزَّ وجل : ألم تعلم بأني أنا الرزَّاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، أي قد جعلتهم فقراء .
 في أول ليلةٍ يوضع فيها الميت في قبره يقول الله عزَّ وجل :" عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ لك إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت " . هذه المشكلة ، مشكلة . .

﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾

 حينما يأتي مَلَكُ الموت ، حينما يحسُّ الإنسان بدنوِّ أجله ، حينما يرى أن الدنيا ولَّت ، وأن الآخرة أقبلت ، وأن العُمْلَةَ التي يمكن أن تنفعه في الآخرة لا يملِك منها شيئاً ، كل ما في الدنيا تركه في الدنيا . .

 

الله عز وجل أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً :

﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾

  أنت مخيَّر ، يقول الإمام عليُّ كرم الله وجهه حينما سأله سائل : " أكان مسيرنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر ؟ قال : ويحك لو كان قضاءً لازماً ، وقدراً حاتماً إذاً لبطل الوعد والوعيد ، ولانتفى الثواب والعقاب ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلَّف يسيراً ، ولم يكلِّف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً " إذاً :

﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾

[ سورة النحل : 9 ]

 الله عزَّ وجل بيَّن ، أرسل الرُسُل ، أنزل الكُتُب ، سخَّر الدعاة ، القرآن يسَّره للذكر ، لك أن تتعظ بالكون ، يدل على الله ، ولك أن تتعظ بالحوادث ، تدل على الله ، ولك أن تتعظ بالفطرة ، تدلك على الله ، ولك أن تتعظ بكل شيء . .

 

الموت انتقالٌ من دار التكليف إلى دار التشريف :

﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾

[ سورة الليل : 14-21]

 هذه ولسوف يرضى رائعة جداً ، سوف للاستقبال ، أنت الآن في مدرسة ، الآن في دار تكليف ، الآن في دار ابتلاء ، الآن دار عمل ، أما متى ترضى ؟ إذا دخلت الجنة ، وانتهى التكليف ، وانتهى العمل ، وانتهى الشقاء ، وانتهى القَلَق ، وانتهى الخَوْف ، ترضى متى؟ إذا رأيت مقامك في الجنة ، ترضى متى ؟ إذا رأيت الفوز ما أعظمه ، ترضى إذا رأيت أنك في الدنيا قد نجحت ، لذلك شعور المؤمن حينما يلقى ربه شعورٌ لا يوصف . واكربتاه يا أبت . قال : " لا كرب على أبيكِ بعد اليوم ، غداً نلقى الأحبَّة محمداً وصحبه" . الموت تحفة المؤمن، الموت انتقالٌ من دار التكليف إلى دار التشريف ، ينتقل الإنسان من الدنيا إلى الآخرة كما ينتقل الجنين من ضيق الرَحِم إلى سَعَةِ الدنيا ، الدنيا ضيّقة كالرحم على الجنين ، والآخرة فسيحة .

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾

[ سورة المدثر : 38]

 أما نفس المؤمن فطَليقة .

 

من معاني اليسرى :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يعنيني من هذه السورة هذه الآيات :

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

[ سورة الليل : 5-10]

 " اليُسرى " من معانيها الجنة ، من معانيها سعادة الدنيا والآخرة ، من معانيها التوفيق في الزواج ، من معانيها التوفيق في العمل ، من معانيها التوفيق في الصِحَّة ، من معانيها التوفيق في الأولاد ، من معانيها طول العمر وعِظَمُ الأجر ، حُسنى ، شيءٌ يحسن في نظرك ، شيءٌ ترتاح له ، شيءٌ تصبو إليه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

لا يخافن العبد إلا ذنبه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من الأحاديث الشريفة الجامعة المانعة الموجزة قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه ، ولا يرجونَّ إلا ربه ))

[ شعب الإيمان عن عكرمة ]

 خطرٌ واحد لا ثاني له ، أن تُخْطِئ ، أن تُذْنِب ، أن تعصي ، أن تنحرف ، خطأٌ واحد يمكن أن يُقلقك ، شيءٌ واحد يمكن أن يجر لك المتاعب ،

(( . . . لا يخافنَّ العبد ))

  الناس كلُّهم بيد الله ، لا تخف من عدوك ، عدوك بيد الله ، لا تخف من أنواء الدنيا ، إنها بيد الله ، لا تخف من الصواعق فهي بيد الله عزَّ وجل ، ما من ظاهرةٍ ، وما من مخلوقٍ . .

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 62]

 أنت لا تخف ، لا تخف من أفعى ، لا تخف من شيء ، خف من أن تذنب ، فإذا أذنبت بدأت المتاعب . كما قال عليه الصلاة والسلام :

((الذنب شؤمٌ على غير صاحبه - أيْ صديق المذنب يأتيه من شؤم ذنبه- إن تكلم به فقد اغتابه ، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم ، وإن عيَّره ابتلي به))

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

 هذا غير المذنب ، هذا المستقيم ، المستقيم إذا أذنب صديقه ، ورضي بهذا الذنب ، قال : والله دبَّر حاله فقد شاركه في الإثم ، وإذا قال : أنا لا أفعل هذا ، عيره ، ابتلي به ، وإذا ذكره ، اغتابه ، فكيف بالمذنب ؟ ثلاثة أخطار تواجه صديق المذنب فكيف بالمذنب ؟ . .

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه . . .))

  إذا كان في الحياة خوف فَخَفْ من أن تأكل حقاً ، خف من أن تتجاوز حداً ، خف من أن تعصي ربك ، خف من أن تنتهك حرمةً ، خف من أن تستطيل على إنسان ، خف من أن تُعْجَبَ بنفسك . .

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه . . .))

  لا تخف من أيِّ مخلوقٍ مخيف ، إنه بيد الله . .

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود : 55-56]

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 62]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر﴾

[ سورة الأعراف : 54 ]

 قد تُباع طائرةٌ من مَعملها إلى بلدٍ آخر ، صُنِعَت في هذا المعمل وأمرها إلى جهةٍ أخرى ، أما ربنا عزَّ وجل- ولله المثل الأعلى- :

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 62]

 شيء يطمئن ، لا تقل : هذه الجهة الفلانية تُخَطِّط ، تَمْكُر ، تَفْعَل ، ليس إلا الله ، يسبني ابن آدم ، كما ورد في الحديث القدسي :

((يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر ، وأنا الدهر ، بيدي الأمر ، أقلب الليل والنهار))

[ من الدر المنثور عن أبي هريرة ]

((لا يخافن العبد إلا ذنبه . . .))

 وإذا وقع في مشكلة ؛ لا صحته ، ولا ذكاؤه ، ولا ماله ، ولا مكانته ، ولا أصحابه ، ولا معارفه ، ولا زَيْد ، ولا عُبيد ، ولا فلان ، ولا علاَّن ينجّونه ، إلا أن يأذن الله ، فإذا وقع في مشكلة ،

(( . . . ولا يرجونَّ إلا ربه ))

  حديثٌ جامعٌ مانعٌ موجزٌ بليغ . .

((لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ))

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت ، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت ، نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ أعنا على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللّسان ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنّا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضَ عنَّا ، أصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ، ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام ، وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى ، إنَّك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018