الخطبة : 0350 - عيد الأضحى ( الوقوف بعرفة ) - الأضحيَة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0350 - عيد الأضحى ( الوقوف بعرفة ) - الأضحيَة.


1991-06-21

الخطبة الأولى :

الحمد لله ، ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ ، وسلّم ، وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحج عرفة

أيها الإخوة المؤمنون ؛ الحجاج في عرفات ، والحجّ كما قال عليه الصلاة والسلام عرفة ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ قَالَ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ نَاسٌ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْحَجِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ))

[أخرجه أبو داود والترمذي]

وعرفات يوم اللّقاء الأكبر ، لقاء العبد مع ربّه ، اتِّصال الأرض بالسماء يومُ الصّلح مع الله عز وجل ، يوم الإقبال عليه ، يوم العهْد على تنفيذ أمْره واجْتناب نهْيِهِ .

لماذا سمّاه الله بيتًا ؟

أيها الإخوة الأكارم ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وفي سورة البقرة ، وفي الآية الخامسة والعشرين بعد المئة :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾

[سورة البقرة الآية: 125]

إذْ يعني يا محمّد اُذْكُر الذي اتَّخذهُ الله بيتًا لنفسه ، اتَّخَذَ الله بيتًا وأمرنا أن نزورهُ فيه ، لماذا ؟ الله سبحانه وتعالى مُحيطٌ بكلّ مكان ، والمكان بعض خلقهِ ، لا يُسألُ عنه أين كان ؟ لأنّه خالق المكان ، ولا متى كان ، لأنّه خالق الزمان ، ولكن لماذا أضاف بيتًا في الأرض إلى ذاته ؟ وأمرنا أن نذهب إليه ، يقول الله عز وجل :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾

[سورة البقرة الآية: 125]

لماذا سمّاه الله بيتًا ؟ لماذا أنت أيّها الأخ الكريم لك بيت ؟ ماذا تفعل في البيت ؟ تأتي إلى البيت وقد تعِبْتَ من عمل النهار ، تعبْتَ تعَبًا نفْسِيًّا ، وتعِبْت تعبًا جسديًّا ، في البيت تستريح ، وفي البيت يُسرّى عنك ، في البيت تسكن ، سمَّاهُ الله تعالى سكنًا ، وسمَّى الزوجة سكنًا ، قال تعالى :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[ سورة الروم الآية:21]

في البيت تستريح ، وفي البيت يذهبُ عنك عناء النهار عناءٌ جزئي يذهب في بيتك في الأرض ، لكنّ عناء الحيـاة ، وثقل الهموم ، ولكنّ وحْشة البعد عن الله عز وجل ، لكنّ ضغْط المعيشة ، لكنّ ألمَ الشِّرْك ، وآلام الحياة الناتجة عن ضعف الإيمان ، الناتجة عن عدم الانضباط بِمَنهج الله عز وجل ، آلام الحياة الناتجة عن قلّة العلم ، عن التّبعْثُر ، عن الشّرْك ، عن الخروج عن منهج الله ، وحْشة الشّرْك ، وحْشة المعصِيَة ، هموم الدنيا إذا جعلها الله دواءً لهذا الإنسان ، أيُّ بيــتٍ نذهبُ إليه فنسْتريح؟ أيُّ بيتٍ نذهبُ إليه فيُسرَّ عنَّا ؟ أيُّ بيتٍ نذهبُ إليه فنُلقي عنّا همومًا كالجبال ؟ إنَّه بيت الله الحرام ، سمَّاه الله بيتًا ، لأنّ الإنسان يسكن فيه واسْأل الحاج الصادق ، واسأل من ذهب إلى بيت الله مخلصًا ، كيف أنَّه في بيت الله ، لا تبقى لديه مشكلة ، إمّا أنّ الله عز وجل ينزعها من نفسه انْتِزاعًا ، وإما أن يقْضِيَها له ، لذلك حينما أمرنا ربّنا سبحانه وتعالى أن نحجّ البيت ، أمرنا أن نذهب إليه ، لِنُلقي عنَّا أعباء الحياة ، لنلقي عنَّا هموم الشِّرْك ، لِنُلقي عنَّا وحْشة المعاصي والمخالفات ، هذا لِمَن يحتاجُ إلى توبة ، ولمن يحتاجُ إلى تجديد عهْدٍ مع الله عز وجل سمَّاه الله بيتًا لِنُلقي أعباء حياتنا فيه
أما المؤمن الذي عرف ربّه في بلده ، فإذا ذهبَ إلى هناك فلِيَرقى من حالٍ إلى حال ، ومن مقامٍ إلى مقام ، ومن منزلة إلى منزلة ، هذه المعاني مستفادةٌ من أنّ الله سبحانه وتعالى سمَّى الكعبة بيتًا حرامًا ، وسمَّاها بيتهُ ، أضافها إلى ذاته قال تعالى :

﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

[ سورة البقرة الآية:135]

إذًا الهموم الكبيـرة تُحلّ هناك ، الوحشَة الشديدة تُحلّ هناك ، يأتي مكانها الأُنْس ، يأتي مكان الهموم التوفيق والتيسير .
يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال تعالى :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾

[ سورة البقرة الآية:125]

يعني بِفِعْل الله عز وجل ، وبِخَلق الله عز وجل ، بِتَقدير الله عز وجل جعلَ هذا المكان بيتًا لكلّ حاجٍ أو معتمر يأوي إليه ، فيسْتريحُ من عناء الدنيا ، وهل من راحةٍ أعظمُ من أن تصطلح مع الله تعالى ؟ وهل من راحةٍ أعظم من أن تأوي إلى بيتك ؟ وهل من راحةٍ أعظم من أن تعاهدهُ على طاعته ؟ وعلى خدمة خلقِه ما حييت ؟
يا أيها الإخوة الأكارم ؛ هذا هو معنى البيت ، كالمعنى الدقيق للبيت الذي نسْكنهُ ، فيه حدّ أدنى من الراحة ، ومن الطمأنينة ، ومن السّكون ، ومن المُتعة ، أما قوله تعالى :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾

[ سورة البقرة الآية:125]

معنى مثابة ، هذه مصدر ميمي ، من ثاب ، ومعنى ثابَ أيْ رجَعَ ، رجَعَ إلى ماذا ؟ إما أنّك في هذا البيت ترجعُ إلى الله تائبًا ، وإما أنّك في هذا البيت ترجعُ إليه مقْبلاً ، وإما أنّك في هذا البيت ترجعُ إليه مستقيمًا معاهِدًا ، وإما أنّه من شدّة السعادة التي تنالها ، وأنت في هذا البيت تتمنَّى أن ترجع إليه ، تتمنى أن تعود إليه ، لذلك لسان حال الحاجّ يقول : يا ربّ ، لا تجعل هذا الحجّ أو تلك العمرة آخر عهدي بالبيت ، لماذا يقول الحاجّ هذا الكلام ؟ لأنَّه ذاق في البيت طعْم القُرْب ، ذاق في البيت طعْم الإقبال على الله تعالى ، ذاق في البيت طعْم السكينة التي يتجلّى الله بها على عباده المؤمنين ، ذاق في هذا البيت طعْم أن يلقى الله عز وجل وهو عنه راضٍ .
يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذًا مثابة من ثابَ مصدر ميمي ، إما من أنّه رجع إلى الله ، وإما من أنّه لِشِدَّة السعادة التي ينالها يتمنى أن يرجع إليه وفي الحديث القدسي :

(( إذا أصْححْتُ لعبدي جسمه ، ووسَّعْتُ عليه في المعيشة ، فمَضَتْ عليه خمسة أعوامٍ لم يثِبْ إليّ لمحروم ))

قال تعالى :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾

[ سورة البقرة الآية:125]

السلامة شيء والأمْنُ شيءٌ آخر:

ما معنى كلمة أمْن ؟ الحقيقة أنّ السلامة شيء ، والأمْنُ شيءٌ آخر ، ألاّ يقعَ مَكروه ، ألاّ يقعَ شيءٌ يسوؤُك ، ولكنّ الأمْن ألاّ تتوقَّع أن يقع شيءٌ يسوؤك ، وشتّان بين المعنيَيْن ؛ ألاّ يقعَ شيءٌ يسوؤُك ؛ سلامة ، أما أن لا تتوقَّع شيئًا يسوؤُك هذا أمْن ، لهذا قال الله عز وجل :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآيات:81-82]

لماذا يشعر الإنسان إذا كانت له صلةٌ وشيجة بِرَجلٍ قويّ في بلده ، لماذا يشعر بِبَعض الأمْن ؟ هذا شُعور كاذب ، وشعور مرضي ، وشُعور أساسه الشّرك ، ولكن هذه قواعد النّفس ، إذا شعرَت أنّ قويًّا يحبّها ، وأنّ قويًّا يرْعاها ، أنَّ قويًّا يدافعُ عنها تطمئنّ النّفس ، تشعرُ فضلاً عن شُعورها بالسلامة تشعرُ بالأمْن ، وهل من أمْنٍ أعْظمُ من أن تشعر أنّ خالق الكون راضٍ عنك ؟ وهل من أمْنٍ أعْظمُ من أن تشعر أنّ مَن بيَدِهِ كلّ شيء من أصغر شيء إلى أكبر شيء يرعاك ويحبّك ؟ وهل من شعور أعْظمُ من شعور الصحابة الكرام حينما قال الله في حقّهم :

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾

[ سورة الفتح الآية:19]

إذا شعرتَ أنَّ إنسانًا قويًّا يحبّك ، ويرعاك ، ويدافعُ عنك ، ولا يأْلُ جهدًا في إنقاذك من أيّة مشكلة ، إذا كان إنسانٌ يموت ، وهو ضعيف يهبُك بعض الأمْن المُزَيّف ، فكيف بَمْنٍ يمْنحهُ خالق السماوات والأرض ؟ كيف بأمْنٍ يمنحه من بيَدِه كلّ شيء ؟ الله خالق كلّ شيء ، وهو على كلّ شيء قدير .
قال تعالى :

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾

[ سورة فاطر الآية:2]

في قلب المؤمن الصادق المستقيم على أمر الله ؛ لأنّ الآية تقول :

﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآيات:81-82]

جاءَتْ كلمة ظُلْم نكرة ، يعني أيّ نوعٍ من أنواع الظّلم ، لو ظلمْت نمْلةً فقَدْت طعم الأمن، وكذا لو ظلمْتَ زوجةً ، لو ظلمتَ ابنًا ، لو ظلمْت موظَّفًا ، لو ظلمْت أيّ إنسانٍ يذهبُ عنك الشّعور بالأمْن ؛ لأنّ الله عز وجل يقول :

﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآيات:81-82]

فإذا أتَيْت البيت الحرام ، إذا ذهبْت إلى بيت الله الحرام تائبًا ، إذا ذهبت إلى بيت الله منيبًا، إذا ذهبت إلى بيت الله راجعًا إليه ، معاهِدًا على طاعته ، فهل من شعور أعظمُ من أن تشعر ، وأنت في بيته بالأمْن ؟ بل إنّ هذا الشّعور يمتدّ معك إلى بلدك مادُمْت محافظًا على العهد الذي عاهدْت الله به ، حينما قبَّلْت الحجر الأسْوَدَ ، أو أشرْت إليه إنّ الحجر الأسْود كما قيل يمين الله في أرضه ، من فاوضَ الحَجَر فقد فاوضَ كفّ الرحمن ، إنَّها عهْدٌ بين الحاجّ ، وبين الله عز وجل ، من عند الله عز وجل الأمْن ، هذه السكينة التي يضعها الله في قلب المؤمن لو وُزِّعَت على أهل بلدٍ فزِعين لامتلؤوا طمأنينةً ، قال تعالى :

﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الأنعام الآيات:81-82]

قال تعالى :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾

[سورة البقرة الآية: 125]

وبعض العلماء قال : هذا تشريع ، ومعنى تشريع أيْ أمرنا الله عز وجل أنْ نجعلهُ آمنًا ، هذا تكليـف فإذا انْتُهِكَتْ حُرْمتهُ لا يعني هذا أنّ في الآية خللاً ، إنّ الله عز وجل أمرنا تكليفًا ، الأمْرُ التكليفيّ شيء ، والأمر التكوينيّ شيءٌ آخر ، يعني أنَّه قد توضَع لوحةٌ حمراء على مدخل طريق مكتوبٌ عليها ممنوع المرور ، هذا أمرٌ ، أما قد توضَع مكعّبات إسْمنْتِيّة على مدخل طريق؛ هذا منْعٌ ، فالتكليف شيء والمنْع شيءٌ آخر ، إنّ لله تعالى أمرًا تكليفيًّا تشريعيًّا ، وإنّ لله أمرًا تكوينيًّا ، وأنّ الأمْن في الحرم لو كان أمرًا تكوينيًّا لما استطاع مخلوق على وجْه الأرض أن ينْتهِكَ حرمَتَهُ ، لكنّ الأمْرَ بالأمْن في الحرم هو أمرٌ تشريعي ، وأمرٌ تكليفيّ ، وهذا الأمر إما أن يُطاع وإما أن لا يُطاع لذلك حَمَلَ بعضُ العلماء الآية الكريمة في قوله تعالى :

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾

[سورة البقرة الآية: 125]

أيْ اجْعلوهُ آمنًا ، أيْ ينبغي أيّها العباد أن يكون هذا البيت آمنًا ، هذا تكليفٌ منوطٌ في أعناقكم .
قال تعالى :

﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾

[ سورة البقرة الآية:125]

أما قصّة سيّدنا إبراهيم وأما قصّة هذا النبي العظيم الذي جعلهُ الله تعالى أبا الأنبياء ، وجعلهُ قدْوَة للعرب المسلمين ، هذه القصّة إن شاء الله تعالى نقفُ على بعض تفصيلاتها غدًا في خطبة العيد .
أيها الإخوة الأكارم ؛ ورد عن النبي صلى الله عليه وسلّم فيما رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مــِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ))

[أخرجه الترمذي]

عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مـِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ))

[أخرجه مالك]

هذا اليوم كما ورد في بعض الأحاديث هو من أعظم أيّام العام ، جعل الصلوات الخمس تطهيرًا لما بينهنّ ، وجعل الله صلاة الجمعة تكفيرًا من الجمعة إلى الجمعة ، وجعل شهر الصّيام من السّنة إلى السنة ، وجعل يوم عرفة اللّقاء الأكبر مع الله عز وجل ، لماذا قلتُ اللّقاء الأكبر ؟ لأنّ الحاجّ ترك بلدهُ ، وترك أهلهُ ، ومورد رزقه ، وترك مكانتهُ ، وتخلّى عن الدنيا حينما لبس ثوبين أبيَضَيْن مُعْلنًا بذلك على أنّ الله أحبّ إليه من بلده ، ومن أهله ومن ولدِه ، ومن الناس أجمعين ، ومن مكانته ، ومن أيّ شيءٍ له في الدنيا ، لذلك على قدر البذْل الشديد يكون العطاء الجزيل .
يوم عرفة اللّقاء الأكبر مع الله عز وجل
أيها الإخوة الأكارم ؛ عرفة لقاءٌ يتمّ فيه العهْد مع الله عز وجل ، والصّلح مع الله عز وجل ، وتتِمّ فيه التوبة ، وكأنّ لسان حال الحضْرة الإلهيّة يقول : يا عبدي تعال إليّ ، تعال إليّ لأُريحَكَ من الدنيا ، تعال إليّ لأُريحَكَ من ذُنوبٍ كالجبال ، تعالى إليّ لأُريحك من هموم البُعد عنّي ، تعال إليّ لأريح من وَحشتي المخالفات ، تعال إليّ ، وارم كلّ شيءٍ يُثقل ظهرك ، وكأنّ لسان حال المؤمن يقول : لبَّيْك اللهمّ لبَّيك ، لبّيْك لا شريك لك لبّيك ، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك ، لا شريك لك ، هذا الذي يقوله الحاج ، وهو على عرفات إنّما هو استجابةٌ لنِداء الله عز وجل ، تعال إليّ ، دَعْ هُمومك وتعال إليّ .
أيها الإخوة المؤمنون ؛ نسأل الله عز وجل أن يرزقنا في الأعوام القادمة حجًّا مبرورًا ، وسعْيًا مَشْكورًا ، وذنبًا مغفورًا ، إنَّه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حياة القلب

تجديد الإيمان بحضور دروس العلم
أيها الإخوة الأكارم ؛ روى ابن ماجه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَنْ قَامَ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ))

[أخرجه ابن ماجه]

يا أيها الإخوة الأكارم ، المُعَوَّلُ عليه حياة القلب ، قد تجدُ إنسانً في أشدّ حالات الصّحة ، في أوْج صحّته ، في أوْج شبابه ، في أوْج نجاحه في الحياة ، قد تجدُ إنسانًا يتمتّع بالدنيا في أعلى درجاتها ، وهو مع ذلك ميِّتُ القلب ، الإمام عليّ كرّم الله وجهه ينصحُ ابنهُ ، يقول : العلم خيرٌ من المال لأنّ العلم يحرسُك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصُه النّفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، قال : ماتَ خُزّان المال وهم أحياء ! والعلماء باقون ما بقيَ الدّهر ؛ أعْيانُهُم مَفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة ، المُعوَّلُ عليه حياة القلب ، لأنّ القلب رأس مالك في الحياة الأبديّة ، ففي الحياة الدنيا تشترك مع كلّ الناس في الطعام والشراب ، وفي السّكن والعمل والتّجارة ، والصّحة والصناعة ، وفي التمتُّع بها ، وما إلى ذلك ، ولكنّ القلب الذي أحياهُ صاحبهُ بِذِكْر الله هو القلب الذي يسْعدُ بعد الموت ، لذلك الإمام عمر رضي الله عنه : تعاهَدْ قلبك ، اُنظر إلى قلبك ، إذا ذُكِر الله ، هل يَوْجَل ؟ هل يقْشَعِرّ جلدك كما ذكر الله عز وجل ؟ هل يلينُ قلبك لِذِكر الله ؟ هل تطربُ لكلام الله ؟ هل تأنسُ بِذِكر الله ؟ هل أنت في المسجد كالسّمك في الماء ؟ أم كالعصفور في القفص؟ هل تقوم إلى الصلاة نشيطًا ؟ أم تقوم إليها متكاسلاً ؟ هل تحبّ أن تتْلُو القرآن ؟ هل تخافُ خوفًا شديدًا إذا بدرَتْ منك معصِية ؟ إذا خفْت خوفًا شديدًا حينما تبدرُ منك معصيَة ، أو إذا سعدت بذِكر الله ، فهذه علامة حياة القلب ، أما إذا فعلت الكبيرة ، وقلت : ماذا فعلت ؟!! الله غفور رحيم ، وإذا أقْبلْت على القرآن فلم تجِد فيه انْشِراحًا أما إذا قمْتَ إلى الصلاة متكاسلاً ، أما إذا شعرْت وكأنَّك في المسجد كالعصفور في القفص ، فهذه علامة خطيرة على موت القلب ، أو ضعف الإيمان ، لذلك هناك أحاديث كثيرة يقول فيها عليه الصلاة والسلام جدِّدُوا إيمانكم ، وتجديد الإيمان بِتَجديد التوبة ، وتجديد الإيمان بِكَثْرة الذّكر لله عز وجل ، وتجديد الإيمان بالاستقامة على أمره ، بالعمل الصالح .

سنن يستحب فعلها صباح العيد

أيها الإخوة الأكارم ؛ يُسنّ صباح العيد أن يبكِّر الإنسان ، وأن يغْتسلَ وأن يلْبسَ أحْسنَ ثيابه ، وأن يتطيَّب ، وأن يصلِّيَ الصُّبْح ، ثمَّ يتوجّه لِصَلاة العيد ماشيًا مكبِّرًا ، يجهرُ بِتَكبيره في صلاة عيد الأضحى ، ويُسرّ بِتَكبيرهِ في صلاة عيد الفطر ، والتكبيرات هي : الله أكبر ، الله أكبر، لا إله إلا الله ، الله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد .
ويُسنّ أن يُكثر من الصّدقة بِحَسبِ وُسْعِهِ وحالِهِ ، وأن يظهر الفرح والبشاشة بِوَجه من يلقاهُ من المؤمنين ، ويجبُ تكبير التشريق في كلّ أيام العيد بدءً من صُبح يوم عرفة ، إلى صلاة العصر من رابع أيّام العيد ، وهذه التكبيرات سُمِّيَتْ تكبيرات التشريق تُؤدَّى بعد الصلوات الخمس ، إذا كنتَ مفْرِدًا في الصلوات ، أو في جماعة ، رجلاً ، أو امرأةً ، مقيمًا أو مسافرًا ، ويُسنّ زيارة القبور في العيد .
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّمَا كَانَتْ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقُولُ :

((السَّلَامُ عَلَيْكــُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ مُتَوَاعِدُونَ غَدًا أَوْ مُوَاكِلُونَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ))

[أخرجه البخاري ومسلم]

وكان يقرأُ سورة يس ، وبعض الصالحين كان يدعو فيقول : اللهمّ ربّ هذه الأجساد البالِيَة ، والعِظام النّخِرة التي خرجَت من الدنيا ، وهي بك مؤمنة ، أدْخِل عليها روحًا منك ، وسلامًا منَّا .

الأضحيَة

حكمة الأُضْحِيَة أنّها تُوسِّعُ على فقراء المسلمين
أيها الإخوة الأكارم ؛ بقيَ موضوعٌ صغير ، وهو موضوع الأضحيَة ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا))

[أخرجه الحاكم]

حملَ بعض الفقهاء هذا الحديث على أنّه واجبٌ ، وبعضهم حملَهُ على أنّه سنّة مؤكّدة ، على كلٍّ أن تُضحِّي بِكَبشٍ أبْيَضَ كما كان يفعل عليه الصلاة والسلام في عيد الأضحى المبارك هو أمْرٌ بين السنّة المؤكّدة ، وبين الواجب .
وحكمة الأُضْحِيَة أنّها تُوسِّعُ على فقراء المسلمين ، وتوسِّعُ على العِيال ، فهي واجبةٌ على المسلم الحرّ المقيم الموسِر ، وحكمتها التَّوْسِعة على العِيال والأقارب ، وفقراء المسلمين ، ووقتُ وُجوبها أيّام التشريق الثلاثة ، من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس ثالث يوم من أيّام العيد ، ولا يجوز النّحر قبل الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلّم من ذبح قبل الصلاة فلْيُعِد ذبيحته ، والذّبحُ في الليل مكروه تنْزيهًا ، والأضحيَة أفضلُ من التّصدّق بثَمنها ، وهذا كلامٌ دقيق ، لأنَّك إذا قدَّمْتَ إلى فقير مالاً ، قد يكون أولادهُ وأهله يتضوّرون جوعًا ، أو يشتهون أن يأكلوا اللّحم ، ماذا فعَلَ الفقير بهذا المال؟ سدَّ به دَيْنهُ ، أو قضى به بعض حوائجه التي لا علاقة لها بالطعام والشراب ، إنَّك إذا قدَّمت اللّحم إلى هذا الفقير وصل هذا اللّحم إلى بُطون أولاده وأهله .

الدعاء :

اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ أعنا على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللّسان ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام ، وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ ، وترضى ، إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018